Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 639

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1041

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1046

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1518

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1523
الشمس في منتصف الليل - منتديات شباب فلسطين
نحن مع غزة


الإهداءات

العودة   منتديات شباب فلسطين > محطات عامـة > الــوآحــة الـعــآمّــة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-02-2007, 04:03 AM   #1
الأيهم
I ♥ SHABAB

قوة السمعة: 0 الأيهم will become famous soon enough

افتراضي الشمس في منتصف الليل

الشمس في منتصف الليل

18عاماً في سجون الاحتلال



حافظ أبو عباية

راجعه: عبد الحكيم أبو جاموس
تحرير : رانيا عودة

اقدم خالص شكري وتقديري

اولا: للأخ والصديق عبد الحكيم ابو جاموس ، على مراجعته لهذه المخطوطة ، واستنباط العناوين الفرعية لها.

ثانيا: الاخت رانيا عودة ، على جهدها في طباعتها .

ثالثا: دار العودة للنشر والتوزيع ، على طباعة المخطوطة وتمويلها الى كتاب وتقديمه للقرار.

باخلاص
ابو حنان


"إهــــــــداء"


إلى من تقاسمت معه رغيف خبز الحاجة تودد عبد الهادي، الأخ القائد أبو عمار حفظه الله

إلى أولئك الذين يمثلون قطعة من جسدي، تركتها خلف القضبان ، يؤلمني اقتطاعها، كما يؤلمني بقاءها منفية عن مكانها في جسدي

إلى أولئك الذين لم يكلوا ولم يملوا من تعبيد الطرق للوصول إلى لحظة لقاء محروسة بالعيون الحاقدة، ومفصولة بجدار الفاشية والعنصرية، إلى أهلي وأصدقائي


لكم جميعاً، أهدي هذه التجربة


" أبو حنان "

"المقدمة"
المعتقلون والأسرى
المتوكل طه

لم يذهب المعتقلون إلى قيودهم، رغبة في الرطوبة والجوع والرمل الثقيل، ولم ينشدوا فناء أعمارهم في العتمات والغاز والحرمان الكامل، حتى يصل المشوار إلى نهايته، ويظلون في وحشة النسيان، وتحت قصف اللعنات والشبهات.

ولم يعرف التاريخ أن رسولاً حمل كتاباً أو سيفاً، دون أن يحمل من أرسله وزر خطواته أو ثوابها.. ومضامين ما وضع على كاهل رسول الذي بلّع أتم ما يكون البلاغ المبين.

كما لم يعرف التاريخ أن صلحاً انعقد، وظلت رقاب المتحاربين تحت شفرات المقاصل والعداء، إلاّ إذا كان هذا الصلح تكاذباً، يخفي تحت رغوته سواطير الموت ونطع الغدر والعذاب.

إن المعتقلين الفلسطينيين والأشقاء العرب في السجون الإسرائيلية، الذين قاتلوا الدولة العبرية منذ العام 1967، وما زلوا في زنازينها المرعبة، بريئون، براءة الندى الذي نزل ليلاً على الأرض اليباب ليعيد إليها الحياة، فإذا ما قتلوا إسرائيليين في معاركهم فإن إسرائيل قد قتلت في المقابل أكثر عدداً منهم، والإحصاءات تؤكد ذلك دون مراوغة، وبالتالي، لا معنى لمقولة "الأيادي الملطخة بالدماء".

والمعتقلون الأسرى في سجون إسرائيل لم يكونوا في رحلة تبادل الورود وأغصان الزيتون مع الاحتلال وجيشه، لقد كانت معركة، عمل كل طرف على إلغاء الطرف الآخر وإفنائه، وبالتالي، اشترك فيها مقاتلون من كل أطياف الشعب الفلسطيني وفصائله .. وجاءت منظمة التحرير الفلسطينية التي تمثّل كل الشعب الفلسطيني تمثيلاً شرعياً ووحيداً، وعقدت اتفاقية سلام مع إسرائيل، ما يعني إعفاء كل هؤلاء المعتلقين، بصرف النظر عن انتمائهم السياسي، من نتيجة ما قاموا به، بصفتهم أبناء م.ت.ف حتى ولو ظل بعضهم معترضاً على بعض ما قامت به المنظمة، وإلا فإن المنظمة تفقد شرعية تمثيلها الجماعي الشامل لكل أبناء الشعب الفلسطيني، أينما وجد، وحيثما عاش.

إن وجود قرابة ثلاثة آلاف معتقل وأسير في السجون، يعني وجود ثلاثة آلاف عائلة في حالة تحفّز واستنفار، لأنهم لم يروا من ثمار السلام ما رأى الآخرون، كما يعني أن هذه العائلات تعيش حياة ممضّة مرتبكة ما بين مطرقة الحاجة وسندان اللوعة والحرمان والقهر المتواصل. فإذا استطاعت عائلة أي معتقل أن "تدبّر" شؤونها الاقتصادية المعيشية، وهذا صعب جداً، فإنها لن تستطيع أن "تخلق" راعياً للعائلة بالمعنى النفسي الاجتماعي أو العاطفي، كما أنها لن تستطيع أو توقف رحلة العذاب الطاغي كل أسبوع أو أسبوعين، عندما تشدّ رحالها لزيارة السجن، وتقضي نهاراً كاملاً تحت المطر أو الشمس، وأمام صلف السجانين وشتائمهم وإذلالهم المريع، ووراء حافلات الصليب الأحمر وتصاريح الزيارة بعيدة المنال .. والمهلكة!

لعل عائلات المعتقلين أكثر بطولة من المعتقلين أنفسهم، ولعل المعتقلين شهداء يموتون كل لحظة ألف مرّة ومرّة، إذ إن وجود أكثر من ثلاثمائة وخمسين معتقلاً محكومين بـ "المؤبد" في سجن واحد مثل عسقلان، ومضى على اعتقال بعضهم أكثر من ربع قرن بالتمام والكمال، كافٍ لأن يكمل مشهد الجنون والهلع، ويجب أن يكون كافياً لأن تكون قضية الأسرى على رأس الأجندة الفلسطينية والأولويات، لأنها قضية مقدسة تخص قطاعاً يمثّل الشرف والعزّة والإيثار والمجد الفلسطيني، وليس كما يريد لها الآخر،" قضية قتلة وسارقي سيارات وشواذ .. أي علينا أن نرفض رفضاً قاطعاً حاسماً واستراتيجياً ربط قضية الأسرى الأبطال الأشاوس بمسألة الجنائيين واللصوص والمنحرفين، لان في ذلك إساءة بالغة إلى كل الدم والعرق والسنوات الصعبة الطوال.

إن قضية الأسرى والمعتقلين قضية وطنية إنسانية، لا تتقدم عليها قضية، مهما بلغت أهميتها، بل تتساوى مع الأرض والعرض والمقدسات، الأمر الذي يدفعنا جميعاً إلى أن نعمل، على كل المستويات والساحات، حتى يتم إطلاق سراحهم كلّهم، فوراً بدون قيد أو شرط، حتى لا ينفجر الوضع إلى ما لا تدرك نتائجه، ولنتمكن من تصديق القائل: إن ثمة سلاماً يمكن أن يتنامى على هذه الأرض، وإن ثمة إمكانية لأن يتعايش الإنسان مع الإنسان. وحتى لا يأتي الوقت الذي يموت فيه هؤلاء القابضون على جمر القمع والغاز والسلاسل من الجوع أو المرض أو الحريق أو القهر، ونتذكّر أن ثمة مَنْ صرخ، لكننا كنّا عنه مشغولين! !



 البدايات

ليس من السهل استرجاع تاريخ طويل، بتفاصيله استناداً إلى الذاكرة لكنني، سأحاول وسأحاول أن اقترب مما أمكن من الدقة والموضوعية، والاعتذار المسبق عن بعض الهفوات أو النسيان التي قد تقع هنا أو هناك.

وعلى أية حال، علينا أن ندخل من البدايات، وكل بداية – كما يقول المثل – صعبة، لكنها في الحالة المشخصة أكثر من ذلك، فهي، عدا عمّا في طياتها من معانيات ناجمة عن التعذيب والحرمان والقسوة واللاإنسانية، فأصعب ما فيها هو أنها تصادر بالمطلق، حرية الإنسان، وتحدد له، حتى قضاء حاجته، وتتحكم فيها، وحرية الإنسان، هي أغلى ما يملك، وهي التعبير الحي عن كونه إنساناً.

منذ البداية، اعتقلت لليلة واحدة في معسكر للجيش بالجفتلك، ولم يكن جنود الموقع على علم بأنني "من رجال الفتح"، كما كانوا يقولون، بل مجرد مواطن أُلقي القبض عليه مع زميل له يدعى عبد الرحمن الزبدة، حيث وُضعنا في غرفة الحرس على مدخل المعسكر، وبدأنا نتبادل الحديث سوياً، وأطرف ما في هذه المحادثات، هو أن أحد الجنود استشارني بأمر فتاة، يحمل صورتها معه ما إذا كانت جميلة أم لا، حيث يزعم زملاؤه أنها ليست جميلة، طبعاً لم يكن يهمني الموضوع، ولكن، من باب التسلية، قلت له، إن زملاءك يقولون ذلك لتتركها، ويتزوجها أحدهم، فصفّق فرحاً بالإجابة، وتهلل وجهه، وأكرمنا أيما إكرام.

في اليوم الثاني، نُقلنا بعد وصول مجموعة أخرى إلى المعسكر، إلى سجن أريحا، حيث مكثنا ثلاثة أيام بلا سؤال أو جواب، إلى أن تمت عملية فرز للمعتقلين، على أساس أن جزءاً منهم سيتم ترحيله إلى الأردن، وقد فرزوا إلى غرفة منفردة، وكنا نحن من بينهم، لكنهم وقبل ترحيلنا، أخرجونا واحداً واحداً إلى مكتب مدير السجن في مدخل السجن، حيث فوجئنا بأن الباب مغلق ببطانية مثقوبة ثقبين على مستوى عيني رجل واقف، يوقفون الواحد منا أمامها، والذي يقف خلفها يقرر بكلمة نعم أو لا، بالعبرية … مصير الواقف أمامه! فإما إلى الحرية .. وإما إلى الأغلال!

وقد كنت من بين الذين تقرر مصيرهم إلى الأغلال، بكلمة (كين) أي: نعم بالعبرية، جاءت من خلف البطانية كالقضاء المبرم، وعلى الفور، أدخلت إلى زنزانة مقابلة، تفوح منها كل روائح العفن والرطوبة، ولم يطل بنا الأمر، حيث انتهت عملية التشخيص، وجاءنا أول ضابط مخابرات يسأل عن الاسم، فأجبته بكل ثقة: "إبراهيم احمد حسين، من بيت حنينا، وأعمل نجار موبيليا"، فهكذا تشير الهوية التي أحملها، وورقة الإحصاء المزورة المصاحبة لها، فلم يتركني رجل المخابرات أُكمِل ما بدأت، حيث قال: "اسمك حافظ محمود عبد الحليم، من قرية ياسوف، وأنت من كتيبة الصاعقة الفلسطينية 421 في العراق، وقائدها أيوب عمار، ومن السرية الثانية وقائدها محمد قاسم الحاج أسعد، ومن الفصيل الثاني وقائده عمر فريد سليمان دهمش، فهل لك أن تقول غير ذلك؟ انتظر، لنرى بقية أصحابك.

وكنا في هذه الموقعة خمسة أشخاص من مجموعة واحدة إضافة لي، هم: خالد عبد الرحيم محمد علي من عنبتا، وجمال قاسم بدران من دير الغصون، وعبد الرحمن عبد القادر زبدة من شويكة، وخالد محمد عبد الرحمن شحرور من بلعا، وقد أعطى ضابط المخابرات التفاصيل ذاتها لكل زميل من الزملاء، فأسقط في أيدينا، وبدأت مرحلة الاستجواب الشاقة والمضنية، التي بدأت – بغض النظر عن تفاصيلها – في اريحا، وانتقلت إلى طولكرم، ومن ثم نابلس، وبالنسبة إليّ، استكملت في جنين، التي أبعدت إليها لفصلي عن بقية زملائي، بغية إضعافي، وتحصيل المعلومات التي تراكمت أدلة معرفتي بها، ولكني، والحمد لله، حافظت عليها، وحميتها بجلدي وأعصابي، ورغم أنني مكثت في زنزانة انفرادية في جنين مدة 52 يوماً، لم أر فيها أحداً إلا وجه الشرطي الذي يخرجني مرتين في اليوم إلى دورة المياه، فقد أخرجوني بعد ذلك إلى إحدى غرف السجن، ولكن فرحتي بلقاء البشر وأن أجد من أحدثه ويحدثني بعد هذه العزلة الطويلة لم تتم، ولذلك قصة قصيرة طريفة لا ضير في ذكرها ..

 استخدام الوسائل النفسية

خلال وجودي في الزنزانة، استدعيت إلى التحقيق، وكالعادة، خرجت إلى غرف المخابرات التي اعتدت على زيارتها يومياً تقريباً، فوجدت منهم استقبالاً مغايراً لكل المرات السابقة، حيث قدموا لي سيجارة وكأس شاي، لم يكد يضعها أمامي، وقبل أن ألمسها، أدخلوا عليّ رجلاً في الثلاثينيات، يدعى عزيز الحاج حمّاد من عرابة، وفور دخوله، طلبوا منه مصافحتي بقولهم: "سلم على عريفك"، أدركت فوراً هذه الحركة التمهيدية، وحتى لا يُساء الفهم، بادرت إلى الرد قائلاً: هل أخبركم أنه من جيش التحرير الفلسطيني، وأكملت، أظنه كذب عليكم؟ فهو في سن غير مسموح له فيها بدخول الجيش، فالجيش الفلسطيني يقبل من سن 20 – 25 فقط، وأظن "الأخ" أكبر من ذلك بكثير، على العموم، إذا كان قد قال لكم إنه من جيش التحرير الفلسطيني، فأنا على الأقل لا أعرفه، ولا يعرفني. طلبوا مني السّكوت، ولم يتحدث هو بشيء، وأخرجوه وأعادوني للزنزانة، وفور دخولي الغرفة، التي كان يتواجد فيها "الحاج حماد"، مما يدل على أن كل الأمور قد تمت بترتيب محدد ومسبق. نشر دعاية بين نزلاء الغرفة الأربعين، بأنني اعترفت عليه لدى المخابرات، وقد واجهته أيضاً، أما بماذا اعترفت عليه؟ وبم واجهته، فلم يكن ذلك يهم أحداً، كما لم يهم أحداً أيضاً أن يسأل ما إذا كان الرجل يعرفني وأعرفه لأقدم عليه أي اعتراف، المهم أنني وجدت نفسي مقاطعاً من نزلاء الغرفة، دون أن أعرف السبب طبعاً.

واستمر الحال أسبوعين كاملين، لا يحدّثني أحد، ولا أتحدث مع أحد، اللهم إلا في أوقات الطعام، حيث في سجن جنين، نتناول طعامنا في ساحة السجن، التي يخرج إليها جميع السجناء الذين كان لي من بينهم بعض المعارف قبل الاعتقال، في قواعد الفدائيين بالأردن، وهم: أحمد صالح مصلح، وتوفيق محمود عبد الله من عربونة، وطاهر جلغوم من فقوعة .. الخ، حيث كنا نتبادل أطراف الحديث، دون أن يعرفوا شيئاً عن وضعي في الغرفة التي كنت فيها، إلى أن جاءني يوماً الشيخ الجليل، الشيخ نافع ابو الرب، من جلبون، وهو في سن الثمانين، ومعه الشيخ شفيق أبو الرب، حيث بادرني الشيخ بسؤال، من أي بلد أنت يا خال، ولماذا أحضروك إلى جنين؟ فأجبت: أما من أين، فأنا من ياسوف قضاء نابلس، وأما لماذا أحضروني إلى جنين، فهذا السؤال يمكن توجيهه إلى المخابرات.

كان الحنق يملأ صوتي، والغضب يهز كياني، كيف لا، وأنا الذي يرى أنه يستحق اهتمام الجميع لسببين: الأول، أنني غريب عن المنطقة بالمفهوم المناطقي، والثاني، أنني قد أكون الوحيد في السجن، الذي يحمل لقب فدائي حقيقة وليس تهمة. ومع ذلك، رحبت بالشيخ الجليل، باحترام يستحقه، فواصل حديثه قائلاً: هل بلدتكم قريبة من بلدة يتما؟ قلت: نعم، يتما حدودنا الشرقية، فسألني إن كنت أعرف أحداً فيها، فقلت: أعرف معظم أهالي يتما، فهم أخوالي وأخوال أبي وأمي، قال: من هو خالك من يتما؟ قلت: أبو فخري، فاستفاض الشيخ بالأسئلة حول خالي وأقارب خالي، إلى أن قال: ولكن خالك رجل طيب؟ قلت: وهل تراني غير ذلك؟ قال: لكن ما نسمعه .. وصمت قلت: أكمل يا شيخ، ماذا سمعتم عني؟ قال: علاقتك بالمخابرات.

وعلى الفور، اتضحت أمامي الرؤية، وعرفت لماذا أنا مقاطع في الغرفة، فقلت: يا شيخ نافع، أليس ذاك الذي يجلس هناك، هو الذي أخبركم! قال: بلى، قلت: ليقف يا شيخ في الغرفة، ويسرد ما دار بيننا عند المخابرات، لن أتفوه بكلمة واحدة، لن أعقب على كلامه، وسأكتفي فقط بما يقول، ولكن، وقبل ذلك، أرجوك أن تسأله سؤالاً واحداً، هل يعرفني حقاً؟ هل سبق أن التقينا؟ هل بيني وبينه ما يمكن أن أعترف به عليه؟ وقف الشيخ فعلاً، وتوجه إلى عزيز الحاج حماد، وطلب منه أن يروي قصة لقائي معه في المخابرات، فرواها كما هي، وسأله الشيخ، زيادة في التأكيد، الأسئلة ذاتها التي طلبت منه أن يسأله إياها، فنفى أية علاقة، أو معرفة سابقة.

أشهد ويشهد معي الله والناس، أن الرجال في الغرفة، لم يسكتوا له على هذه الزلة، فوبخوه توبيخاً شديداً، وقدموا اعتذاراتهم لي، وصرت من لحضتها ابنهم وأخاهم وصديقهم، ولقيت من الاحترام ما أخجلني منهم.

رغم مرور سنوات طويلة على هذا الحدث، فما زلت أذكره، لكني، وحتى لا أسوقه كرواية، لا بد لي من إيضاح الهدف الذي من أجله سقت الحدث، وكيف أنني وجدت عذراً لأولئك الذين قاطعوني مدة أسبوعين .. وما أطول هذين الأسبوعين.

 الإسقاط كهدف

خلال تلك الفترة، لجأت المخابرات الإسرائيلية إلى الضغط على كل من يقع في قبضتها للتعاون معها بطريقة أو بأخرى. ومن بين هذه الطرق، لجأت المخابرات إلى ما سمي في حينه "متعاوني الكيس"، حيث كان أحدهم يرافق المخابرات إلى إحدى القرى، بعد عملية تطويقها وفرض منع التجول عليها، ويجمع البالغون من رجال القرية في إحدى الساحات، ويكون هذا المتعاون قد لبس على رأسه كيساً من الخيش، وليس مهمّاً إن كان "خط أحمر"، أو "خط أزرق"، ويثقب الكيس على مستوى عينيه، ويبدأ المواطنون الذين ترتجف أوصالهم هلعاً بالمرور أمامه، ويجلس بجانبه أحد رجال المخابرات، أو يقف، لا فرق، وعليه أن يدلهم على كل من يشتبه به أو يعرفه بأنه منظم أو قدم مساعدة، بأي شكل من الأشكال للفدائيين، وذلك إما بالضغط على اليد حال مرور الحالة أمامه، أو باستخدام الكلمة العبرية "كين".


وكثيرون هم الذين دخلوا المعتقلات بواسطة هؤلاء المتعاونين، ويمكنني أن أتذكر الآن أنه في يوم واحد في مدينة نابلس، جمعوا سبعة "لابسي أكياس"، وحصدوا 128 حالة اعتقال في ذلك اليوم وحده، وكنا نعرف هؤلاء واحداً واحداً، لكن العامل الذاتي لدينا كمعتقلين كان مفقوداً تماماً، مما جعلنا عاجزين عن مواجهة الظاهرة، حيث لم نكن قد تبلورنا في نمط من العلاقات التنظيمية، لا الوطنية منها ولا التنظيمية الخاصة، التي تؤهلنا لمواجهتها، عدا عن أن معظمنا كان يعيش حالة تحقيق، مع ما يصاحب تلك الحالة من إرهاب ورعب، وشد أعصاب، وما إلى ذلك مما يجعل الذاتي يطغى على العام وينفيه.

 المواجهة الأولى – التحدي الأول:

أعدت في نهاية آذار إلى سجن نابلس مرة اخرى، حيث نزلت في الغرفة رقم 2، وكان ذلك قبل معركة الكرامة بيومين اثنين فقط.

وفي يوم الكرامة، أطل علينا الضباط الدرزي "شكيب"، فطلبنا منه تزويدنا بالملح، فما كان منه إلا أن رد علينا بأنهم سيحضرون لنا الملح عصر اليوم من عمان، ولم ندر وقتها ماذا كان يعني، فعمل على تقريب الصورة، بأن نقل صفي "الأبراش" من على جانبي الغرفة، ووضعها في صفين متقابلين في وسط الغرفة، وأخذ يمشي وسطها وهو يقول: تخيلوا هذه الأبراش دكاكين في شوارع عمان، وتخيلوني الجيش الإسرائيلي يتمشى بينها، كما أمشى أنا الآن، وبعد أخذ ورد معه، فهمنا منه، أن الجيش الإسرائيلي قد اجتاز النهر شرقاً، وأن القتال يدور الآن على سفوح جبال السلط. لم يكن لدينا، في تلك الحقبة، أي مصدر للأخبار سوى زملائنا الجدد، ولذلك،، فقد انتابنا القلق الشديد على مصير قواعدنا شرقي النهر، التي انطلقنا منها نحو الغرب، خاصة، ونحن نعلم جيداً أن ما لدى زملائنا فيها من سلاح، لا يؤهل لمعركة مواجهة متكافئة، حيث الخلل في ميزان قواها واضح تماماً، ولذلك، كان قلقنا وفقاً لمعطيات المعادلة مشروعاً.

ومع التباشير الأولى، لصباح اليوم التالي، كانت أنباء استرداد "الكرامة"، قد أصبحت على كل شفة ولسان، ونقلتنا نقلة معنوية نوعية، فأخذنا نصرخ مطالبين بالملح، الذي لن يحضر، لا من عمان، ولا من الكرامة. وطبعاً، فهمها "شكيب"، فلم يحضره من المطبخ.

بعد بضعة أيام، وصلت إلى معتقل نابلس إحدى المجموعات القتالية التي اشتبكت مع الإسرائيليين في منطقة بيت فوريك، وكان اشتباكها قد أثخن الإسرائيليين بالجراح، حيث عبروا عن ذلك بانتقامهم من جثتي الشهيدين فارس صلاح ومحمود صلاح من بيت فوريك، وعلقت الجثتان في طائرة هليكوبتر، وطافوا بهما فوق المنطقة الشرقية من نابلس.

حين علمنا بوجود اثنين من هذه المجموعة في زنازين سجن نابلس، طلب مني أن افتعل مشكلة مع أي كان، لأصل للزنازين، وأعرف من هما، وأعطيهما بعض الملاحظات التي تفيدهما في مجريات التحقيق، خاصة إذا كانا على صلة ما بتنظيم الأرض المحتلة.

وفعلاً، تطوع الأخ "نايف أمين البزرة"، حيث اشتبكنا في معركة وهمية، أخذ خلالها زملاؤنا يصرخون على الشرطي لحسم المشكلة، ومعروف أن حسم المشكلة لا يتم إلا في الزنزانة. هكذا جاء الشرطي وأخرجنا من الغرفة، ودون أسمينا، تمهيداً لإدخالنا إلى الزنزانة، فما كان من السجين "محمد يوسف النتشة"، الملقب "أبو العبد"، الذي كان يعمل طوال الوقت في "المردوان"، إلا أن تدخل لإعادتنا إلى الغرفة، متوسطاً لنا لدى الشرطي، الأمر الذي كان من شأنه أن يفسد علينا خطتنا، فاضطررت إلى الاشتباك الكلامي معه، أنا وزميلي سوياً، مما دفع الشرطي للإصرار على إدخالنا إلى الزنازين، وقد فهم "أبو العبد" لاحقاً، من الأخ عدنان منصور غانم، الضابط في جيش التحرير الفلسطيني، أننا ذهبنا بإرادتنا، فجاء إلى الزنازين يعتذر لنا، وقد حكمنا في حينه على حد رأي مدير السجن "واحد يوم في واحد زنزانة، علشان إنصير رجال فتح كويسين".

أمضينا يومنا حتى صباح اليوم التالي، في حديث لا نهاية له مع المعتقلين الجديدين، رائد محمود صابر، وعبد الله عيد حرب عليان، ومنهما بالذات، عرفنا تفاصيل مجريات معركة الكرامة، والخذلان الذي مني به الغزاة الفاشست، وبعد أيام قلائل فقط، كان لقاؤنا مع أول أسير من أسرى معركة الكرامة الأخ عبد الإله الأتيرة في سجن نابلس.

وعودة إلى عنوان ما كتبت – المواجهة الأولى، ففي يوم الثاني من آيار عام 1968، جاء أبو العبد "شاويش المردوان كما كنا نسميه"، ليبلغني، أن إدارة السجن تعتزم توزيع علبة سجاير فلتر من نوع "سكيل" لكل سجين، بمناسبة عيد استقلال إسرائيل العشرين، ترك الخبر وترك لنا حرية التصرف، طبعاً، تشاورنا مع بعض الزملاء في الغرفة، واتفقنا على إشعار بقية الغرف على أن نأخذ جميعاً موقفاً موحداً، مؤداه رفض استقبال هدية استقلال إسرائيل.
في المساء دخلت جمهرة من شرطة السجن، يقودها المدعو "أبو هارون" نائب مدير السجن، الملقب بملك الموت، فهو طويل القامة، عريض المنكبين، جاف الألفاظ وبذيئها، حيث بدءوا بدخول غرف المعتقل، من غرفة 13 في القسم الشرقي، وبدأوا بذلك عدا تنازلياً لأرقام الغرف، بعد دخولهم بقليل، سمعنا تصفيقاً في الغرفة، وتكرر ذلك، حتى وصلوا غرفة رقم 2.

كنا قد أخذنا احتياطنا، حيث اتفقنا أن الموقف يحتاج إلى من يعلق الجرس، ولذلك، علينا أن نقف في المقدمة، على الأقل ثلاثة من المناضلين الذين لديهم لوائح اتهام بقضايا كبرى. وهكذا كان، حيث وقف الأخ عدنان منصور أولاً، وإلى جانبه وقف أحمد حامد صلاح، وكنت أنا الثالث.

فور دخول الجوقة للغرفة، بادرنا أبو هارون إلى الحديث بقوله: "بمناسبة عيد ميلاد إسرائيل العشرين، أحضرنا لكم أجمل فتيات إسرائيل لتوزع عليكم هدية بهذه المناسبة، ولنهنئ إسرائيل بعيد ميلادها العشرين". كان المطلوب منا أن نصفق لخطابه القصير جداً، والطويل جداً، لكنه تلقى صفعة قوية حين لم يسمع التصفيق، وتنفسنا الصعداء لقد تلقوا الرد، وهذا هو المهم.

خرج أبو هارون حانقاً وأعلن حالة طوارئ، أغلق بالأقفال باب الغرفة، ومنع عنا السجاير "4 سجاير توزعها إدارة السجن لكل سجين."

في صبيحة اليوم التالي، وحوالي الساعة التاسعة صباحاً، حضر طاقم أمني كبير، قوامه أبو هارون وبعض ضباط السجن يحيطون بالميجر باروخ، كبير ضباط مخابرات الشمال، وبعض رجال المخابرات، حيث استعرضوا نزلاء الغرفة الستين واحداً واحداً، وخرجوا، خرج معهم أحد زملائنا في الغرفة، "يحيى العانيني" بناء على طلبهم، بعد حوالي نصف ساعة، عاد أبو هارون، ومعه قائمة بثلاثة أسماء: عدنان منصور، ونايف البزرة، واحمد الفوريكي، وأخذهم وغادر الغرفة، وبعد قليل، عاد وأخذ مصطفى كيوان، حيث رأيناهم جميعاً، يدخلون الزنازين.

وبعد جولته الأولى هذه، عاد أبو هارون مرة أخرى إلى الغرفة، وأخذ يهدد ويتوعد، واستمر في تهديداته البذيئة، لأكثر من ربع ساعة، اختتمها فجأة بقوله، من منكم لا يريد سجاير؟ فرفعنا أيدينا. وإذا بنا خمسة فقط: باسم حماد من نابلس، ومحمد عوض عبد الحافظ من ميثلون، وجمال قاسم بدران من دير غصون/ طولكرم، ووليد صالح يوسف الحسيني من مخيم الحسين / عمان، وأنا. فطلب منا الخروج خارج الغرفة، فخرجنا إلى المردوان، ومنها إلى الساحة الخارجية، متوجهين صوب الإدارة، حيث دخلنا من منطقة حمامات الشرطة، وهناك، فصلني عنهم بطريقة عدوانية سافرة، بينما حشرهم الأربعة في مرحاض لا تتعدى مساحته متراً مربعاً واحداً، أدخلني إلى حمامات الشرطة، وطلب مني الوقوف إلى الحائط، مرفوع اليدين، وهكذا فعلت، حيث استغرق ذلك حوالي عشر دقائق، مكنتني من ترتيب حسابات المواجهة أدناها وأقصاها.

بعد ذلك، عاد وأخذني إلى مكتبه، حيث خلع قميصه، فبدا جسمه الرياضي مستعداً لخوض مباراة حقيقية، على حلبة غير حقيقية، ألقى بيده اليسرى خلف رأسي، وأخذ في توجيه بعض الأسئلة قبل أن يدق جرس مباراة من طرف واحد، قال: هل تدخن؟ قلت بثقة وبصوت عال: نعم أدخن، قال" إذن لماذا امتنعت عن أخذ علبة السجاير؟ قلت: أنا جندي في جيش التحرير، أتيت لمقاتلة إسرائيل، ولم آت لمشاركة إسرائيل احتفالاتها بعيد استقلالها، إن شعبي في هذا اليوم الذي تحتفلون فيه بذكرى استقلالكم، يبكي دماً في خيامه، وأنا مع شعبي ولست معكم.

استهجن ما قلت، لكنه سحب يده سريعاً من وراء رأسي، ونظر إليّ نظرة لم أكن قادراً على تفسيرها، وقال: "أنت قبضاي"، قلت: أنا لست كذلك، لأنني لو كنت كذلك، لما ألقيتم القبض علي، قال: على أية حال، إنك جرئ إلى الحد الذي يمنعني من ضربك، فأنت لا تستحق الضرب، وعاد ولبس قميصه مرة أخرى، وأعادني إلى صالون مجاور، ثم أحضر زملائي إلى الصالون نفسه فوراً، وانتظرنا بعض دقائق، إلى أن دعينا لمقابلة مدير السجن، السيد "غولان" حيث حدثه أبو هارون بكل ما جرى بيننا، وسط دهشة المدير، البادية للعيان وصحبه من رجال شرطة السجن.

كان لقاؤنا مع مدير السجن، معركة جديدة نخوضها دفاعاً عن حقنا في عدم مشاركتهم الاحتفال بأعيادهم، وقد كان للأخ باسم حماد دور بارز في هذا المضمار، حيث أبرز لهم الفارق الكبير بين الإدعاء بالديمقراطية كنهج حياة، وبين التطبيقات المشوهة التي يمارسونها، فيخدعون بها أنفسهم والعالم. واستمر جدالنا معهم على هذا المنوال، لأكثر من ساعة، إلى أن أمر المدير بإعادتنا إلى غرفتنا، على أساس أن لنا الحق في الرفض.

قبل عودتنا، كان مدير السجن قد قدم للمحاكمة اثنين من الزملاء: عدنان منصور، ونايف البزرة، وحكم على كل منهما 14 يوم زنزانة، أما الباقون، فقد أعيدوا جميعاً إلى الغرفة أسوةً بنا، وخففت العقوبات التي كانوا قد اتخذوها بحقنا، كالسجائر و "الفورة" … الخ. وكان ذلك هو المواجهة الأولى، والتحدي الأول لشرطة سجون الاحتلال.

 رحلتي الحقيقية مع السجون

في منتصف حزيران تقريباً، تم نقلنا كمجموعة إلى سجن طولكرم، تمهيداً لمحاكمتنا، وقد بدأنا حضور الجلسات بدءاً من 22/6/1968، إلى أن صدرت بحقنا الأحكام الرادعة - كما كانوا يسمونها – يوم 31/10/1968. وقد ترافقت جلسات المحكمة، مع إذاعة فقرة يومية في برنامج بصوت إسرائيل، اسم يوميات من الضفة والقطاع، عن هذه المجموعة التي تلقت أحكاماً عالية على النوايا، وليس على ما قامت به فعلاً، تراوحت بين 30 سنة و 40 سنة والمؤبد، فور صدور حكم المحكمة؟، تم نقلنا إلى سجن الرملة وإلى القسم الأحمر – كما كانوا يسمونه – أو قسم الفتح لنلتحق بمن سبقونا إلى المحاكم، وصدرت بحقهم أحكام تعسفية ظالمة، تدل على روحية مطلقيها الانتقامية، وعمق العداء المتغلغل في أعماقهم كأفراد وكمجتمع.

في سجن الرملة، لم يكن هنالك ما يثير، سوى جانب واحد، وأعني به، موضوع العمل، حيث إن المعتقلين، ومنذ لحظة دخولهم القسم، يوزعون للعمل على المرافق الأربعة المتوفرة، اثنان منها مرافق إنتاجية، واثنين مرافق خدمات، والخدمات تشمل المطبخ وغرفة الطعام كمرفق واحد، والمرفق الثاني ممثلاً بالمغسلة وغرفة كي الملابس، التي كانت تخدم السجانين والسجناء، على حد سواء.

أما المرافق الإنتاجية، فقد انطوت على سياسة إذلال لا مثيل لها، حيث كان علينا ان ننتج شبك التمويه العسكري، الأمر الذي قاومناه بشدة، وأدت المقاومة إلى نقل جزء كبير من المعتقلين إلى سجن بيت ليد "كفار يونا"، أما المرفق الثاني، فهو طوابع البريد التي كان علينا أن نفصلها عن مغلفات الرسائل، ونجمعها في أكياس، ولم يكن في هذا العمل ما يسئ لذلك، لم نعترض عليه، عماً بأن الأجور المدفوعة لقاء عملنا اليومي في أي من هذه المرافق، وبتسعيرة موحدة في أربعة سجاير لكل عامل عن كل يوم عمل، تسلم وفقاً لكشوف صرف رسمية، وحسب أيام العمل، كل عشرة أيام.

تصاعدت احتجاجاتنا على العمل في شباك التمويه العسكرية للآليات، حيث بدأت عملية تخريب مقصودة لهذا العمل، ورفض العديد من المناضلين العمل فيه، مما حدا بإدارة السجن إلى اتخاذ خطوة مضادة، تمثلت في نقل قسم كبير من المعتقلين إلى سجن بيت ليد، حيث نقلونا إلى قسم يحمل التسمية نفسها "القسم الأحمر"، ومعزول تماما على باقي أقسام السجن، حيث الاحتكاك مع الأقسام الأخرى محدود جداً، كالخروج إلى العيادة أو حضور مسؤولي المكتبة، ساجي سلامة وعادل سمارة، إلى قسمنا، لتغطية طلباتنا من الكتب من مكتبة السجن، ورغم ذلك، فقد بلورنا كمعتقلين، ولكسر السياسات، الآخذة بشد الخناق علينا، خطة أولية بدائية، لا تنقصها الجرأة وإن شابها نقص كبير في التخطيط والإعداد لنقص التجربة، ولعدم الدراية الكافية بمتطلبات الإقدام على خطوة من هذا النوع، لأول مرة في السجون الإسرائيلية، حيث أعلن الإضراب عن الطعام، بطريقة ارتجالية، متسرعة وعفوية، من خلال تنسيق بسيط، على اعتبار أننا عسكر وننفذ بموجب ذلك أوامر عسكرية، وفي هذه الحالة، كان الأخ عبد الله العجرمي، هو الضابط الأعلى عسكرياً من ملاك جيش التحرير الفلسطيني، وهو الذي أعطى الأمر ببدء الإضراب، بعد تنسيق بسيط، كما قلت، مع بعض الأخوة، أمثال احمد سليمان ارشيد "أبو كفاح"، ونصري سعد الله موسى "رباح"، ومحمد عبد الغني "أمية"، وإبراهيم رجا سلامة "أبو عرب"، وكانت مطالبنا بسيطة، تتمثل في تحسين شروط اعتقالنا، خاصة وأننا محكومون لمدة طويلة، تحسين الطعام كماً ونوعاً، العناية الصحية بنا .. الخ.

المهم أننا أقدمنا على خوض أول تجربة نستخدم فيها سلاح الأمعاء، حيث استمر هذا الإضراب لمدة تسعة أيام، وتشاء الصدفة المحضة أن يتزامن إضرابنا مع إضراب زملائنا في سجن الرملة، الذين بقول في هذا السجن بعد رحيلنا، مما أعطى لغدارة السجون انطباعاً، بأن هنالك تنسيقاً مسبقاُ حول الإضراب، وطوروا هذا الانطباع بادعائهم أن هذا إضراب سياسي، جاء بقرار من عبد الناصر، دعماً لحرب الاستنزاف، التي كان يخوضها الجيش المصري على قناة السويس. وكان معروفاً لدينا، إن هدف هذا التلفيق، هو الالتفاف على مطالبنا الإنسانية والعادلة، وإفراغ أول خطوة نضالية جدية من معناها وجوهرها، وإعطاء صورة سلبية عن اللجوء لهذا النوع من النضال السلمي للمستقبل. وإن كانوا بوسائلهم القذرة، قد كسروا الإضراب بعد تسعة أيام مستفيدين من غياب عنصر التنظيم الجدي له، إلا أنهم فشلوا في زرع فكرة سلبية عن الإضرابات، وما يمكن أن تحققه، حال توفر المقومات الذاتية والموضوعية لنجاحها، وسنرى ذلك في الفصول اللاحقة.

لم يطل بنا المقام في سجن بيت ليد "كفار يونا"، فما إن مضت بضعة أيام على كسر الإضراب، حتى جاءت سيارات "البوسطة"، لتحمل طلائع معتقلي سجن عسقلان.

 سجن عسقلان

لا يجوز المرور على سجن عسقلان دون إعطائه الألقاب التي يستحق، فإن كان الإسرائيليون قد أطلقوا عليه لقب "مدرسة التأديب للمخربين المشاغبين"، إلا أننا، نحن نزلائه لفترات طويلة، قد أعطيناه الأسماء التي يستحقها، فهو مدرسة الثورة، وهو مدرسة أساليب النضال الجماهيري المختلفة، وهو قلعة الصمود والتصدي، حتى في زمن انكسار الظل العالي عن الوطن والثورة، وهو مهد الثقافة الوطنية الاعتقالية، وبرامجها النضالية، وحول نخلته الباسقة التي تتوسط ساحته، ولدت أول تجربة للوحدة الوطنية الاعتقالية، ببرنامجها وخطة عملها، ولجنتها الوطنية "لجنة التنسيق الوطنية"، التي امتدت إلى كل المعتقلات، في كل أرجاء الوطن، السليب منه والمحتل، وهذا ما سنأتي على ذكره تفصيلاً في السياق اللاحق.

يوم الحادي عشر من شباط سنة 1969، سيبقى محفوراً في ذاكرة المناضلين الأوائل، الذين حملتهم سيارات "البوسطة" إلى سجن عسقلان، الذي أعده الإسرائيليون لمصادرة النهضة الوطنية الكفاحية لدى المعتقلين، ولكسر شوكتهم وإذلالهم، بعد إضرابي الرملة وبيت ليد، الذين رأوا فيهما مقدمة لما هو أكبر، ولهذه الغاية، فقد استقدموا ضابط سلاح المظلات "الكابتن حيوت" ورقوه إلى ربتة ميجر، وسلموه إدارة السجن الجديد، ومعه معاونه هاينمن ، الذي أفلت من أفران النازية الألمانية، بعد وشمه بالرقم الخاص بالمحكومين بالموت في هذه الأفران، وإلى جانبهما مجموعة من الضباط، جميعهم على شاكلتهم، طوليدانو، زيتون، موريس .. .الخ وجزارهم الأول أبو يوسف دلال، العراقي الجنسية، الهمجي الصفات والسلوك.

لحظة وصول "البوسطة" إلى مدخل السجن الداخلي، نزلنا منه، وحشرنا في غرفة ضيقة مساحتها 3.5 × 3.5 – مساحة مرحاض، أطلق عليها اسم النظارة، حيث حشرنا فيها، وكنا 36 مناضلاً، تمهيداً للمعركة – المجزرة، التي أعدوا أنفسهم لها، فبعد دقائق فقط من دخول النظارة، أخذوا يخرجوننا واحداً واحداً إلى ساحة عيادة السجن المحاذية للنظارة، حيث الإجراء الأول، حلق شعر الرأس، والشوارب والحواجب، ومن ثم للمرحلة الثانية، الخروج من ساحة العيادة والدخول إلى مخزن الملابس، أو الأصح إلى المسلخ، حيث يصّطف اكثر من 18 شرطيًّا من مدخل المخزن وحتى نهايته في الداخل، بصفين متقابلين، وعليك أن تجتاز الممر الضيق بينهما، هذا بيده، وذام بعصى، وثالث بكرباج، ورابع ما إن تسقط على الأرض حتى يستخدم رجليه، ويُنهضُك خامس لتواصل الرحلة، التي تفضي في نهاية النفق، إلى سيّئ الذكر أبو يوسف دلال، الذي يملك جسم ثور مصارعة، وقبضة ملاكم، تصله وأنت حقيقةً، لم تعد تقوى، لا على السير ولا على رؤية ما أمامك، ليبدأ هو من حيث انتهى الطابور السابق، في جولة خاصة به، أفقدت العديد منا وعيهم، الذي أُعيد لهم ببضعة "كرادل" من الماء البارد تسكب عليهم.

وفي هذا السياق، لن أنسى، ما تعرض له الأخ مصطفى خميس "أبو بيبرس"، الذي ما إن أغلق الشرطي الباب خلفه، حتى رفع أصابعه بشارة النصر وهو يهتف: "عاشت فلسطين حرة عربية.. عاشت فلسطين حرة عربية .. كلنا فداؤك يا فلسطين"، مع أنه بالكاد استطاع الوقوف على قدميه، وجسمه يرتجف من الماء البارد، الذي بلّل ملابسه تماماً، بينما تركت الكرابيج بصامتها على صلعته، فكل كرباج ترك ظلاً بحجمه على هذه الصلعة الملساء، ولونها بلونه الذي يميل إلى الداكن.

على الفور، قمت بإمساك "أبو بيبرس" من يديه، وأخذته جانباً، جرّدته من جميع ملابسه، نشّفت جسده بمنشفة كانت بحوزتي، ألبسته من ملابسي التي كانت معي، ولم أكن أملك لا أنا ولا غيري، أكثر من هذه المساعدة الفورية والعاجلة، انتظاراً لدوري القادم.

ومع الظهيرة، كانت هذه الوجبة الأولى قد انتهت، حيث أدخلونا إلى السجن، قبل وصول الوجبة الثانية بقليل، استعداداً لاستقبالها بمثل ما استُقبِلنا به، في الوقت نفسه الذي فصلوا فيه مجموعة من الزملاء، وبدلاً من أن يدخلوهم إلى غرف السجن، أدخلوهم إلى السجن الانفرادي "الاكسات"، حيث تقررت لهم ثلاث وجبات يومياً قبل الأكل أن يصطلوا بنار السياسة الفاشية الحاقة، بإخراجهم إلى ساحة "الاكسات" واحداً واحداً لينهالوا عليهم ضرباً، بلا رحمة ولا شفقة ولا إنسانية.

وقد أحضروا إلى "الاكسات" بعد بضعة أيام، مجموعة من الزملاء الذين بقوا في سجن الرملة: عبد الحميد أبو النصر، وجلال الشريف، ووليم نصار، وحافظ دلقموني، وأخضعوهم للتجربة ذاتها قبل أن يعيدهم إلى الرملة، بعد إقدام الأخ وليد نصار على محاولة الانتحار بقطع شريان يده، وتعريض حياته للخطر، مضحّياً بنفسه دفاعاً عن زملائه، حيث أوقفوا عنهم الضرب، وأعادوهم سريعاً إلى الرملة.
بعد وصول الفوج الثاني، وأخذ حصته كاملة غير منقوصة، وقبل حلول ظلام ذلك اليوم، جاء مدير السجن، وبرفقته ضباطه ومعه كلب بوليسي ضخم، استكمالا لسياسة استعراض القوة التي مارسها ذلك اليوم، وليبلغنا بنظام الحياة في هذا السجن والذي يمكن تلخيصه بالنقاط التالية:-
أولاً: علينا أن نلتزم الهدوء وألا نثير أية إشكاليات، لان طاقم السجن جاهز للرد الفوري على كل تحرك خارج النظام المرسوم لنا.

ثانياً: علينا أن نستيقظ في الخامسة والنصف وأن نرتّب بطانيّاتنا بطريقة معينة، منذ لحظة استيقاظنا وحتى انتهاء العدّ المسائي، وأجرى لنا تجربة على كيفية ترتيب البطانيات.
ويمنع منعاً باتًا خلال النهار، الاقتراب من البطانيات، أو الجلوس عليها، أو تغيير ترتيبها.

ثالثاً: يمنع أي حديث في الغرفة، كما يمنع المشي فيها، إلا لقضاء الحاجة والعودة للجلوس على الأرض، عدا عن أن النوم ممنوع تحت طائلة العقوبة، كما يمنع الحديث من خلال الشبابيك مع الآخرين في الساحة.

رابعاً: سيسمح لكم بالخروج إلى الساحة لمدة نصف ساعة يومياً، حيث تصطفّون اثنين اثنين، وبلباس كامل، بما في ذلك غطاء الرأس "الطاقيّة البنية" والأيدي خلف الظهر.

خامساً: خلال مخاطبتك للشرطي، يجب أن تُتْبِع كل جملة بكلمة "سيدي".

سادساً: وقت العدد، يحب أن يقف الجميع في صفوف ثلاثة، على أن يتولى من يقف في مقدمة الصف الأولى على اليمين، فور دخول ضابط العدد، الإعلان عن ذلك بكلمة "أخشيف" بالعبرية، أي انتباه بالعربية.

سابعاً: سنعطي لكل مردوان "خمس غرف" جريدة واحدة، وهي جريدة الأنباء، بحيث تبقى لمدة ساعة في كل غرفة، يتسلّمها الشرطي في النهاية، ويعيدها إلى الإدارة.

ثامناً: كل ساعة، يمرّ الشرطي على الغرف لإشعال سيجارة، ولا يسمح بأكثر من ذلك، وتُمنع حيازة "ولعة" (كبريت، قداحة .. الخ) في الغرفة، أو لدى أي منكم.
تاسعاً: ستوزّع عليكم وجبات الطعام في أوقاتها، ويمنع الاحتفاظ بالأطعمة بين وجبات الطعام، ولم يكسر هذا القانون، إلا السيد أبو مالك، الذي كان له نظامه الخاص في الأكل، بحيث يجمع الوجبات الثلاث، ويأكلها دفعة واحدة في الليل، يجمع طعامه ويأكله بطريقته الخاصة، التي لا مجال لأن يشاركه فيها أحد، مهما بلغت شدة جوعه.

عاشراً: إن أول اهتماماتنا هو النظافة، وعليكم أن تحافظوا على غرفكم نظيفة، وكذلك الحمّامات الملحقة بها، وقد تكون في القصة التالية دلالة على معنى قولهم، وهو أنه لم تكن النظافة مقصورة لذاتها، بقدر ما كانت ذريعة لعقوبات جماعية، تفرض علينا. فمثلاً، حين وجدوا قشة حصيرة، طولها 4 – 5 سم فقط، في قاعدة المرحاض، أقاموا الدنيا ولم يقعدوها، على اعتبار أن هذه القشة دليل على خرق قانون النظافة الموقّع بين الطرفين منذ دخولنا المعتقل، ولهذا، فقد فرضوا على الغرفة بكاملها، "غرفة 11"، عقوبة جماعية تمثّلت في منه السجاير اليومية عنا، "وحبل العقوبات على الجرّار".

بدأت أفواج المعتقلين، فرادى وجماعات، تصل إلى معتقل عسقلان، وأخذت أقسامه الفارغة بالامتلاء التدريجي، وقد لوحظ أن الإدارة خطّطت لجعل السجن قسمين من حيث المصلحة النضاليّة، فالقسم الأول للمحاكيم، أو ذوي الأحكام العالية، الذين تركّزوا في الأقسام السفلى شرقاً وغراباً، بينما امتلأت الأقسام العليا بالمعتقلين الإداريّين، الذين ينتظرون الإفراج بين يوم وآخر، ولذلك، فقد تعارضت مصالح الطرفين في خوض، أو التفكير المشترك في خوض خطوة نضالية، تلغي سيف القهر اليومي المسلط على رقابنا بسبب ومن دون سبب، وهنالك العديدة من الأمثلة على أن كثيراً من المناضلين قد أُخرجوا من غرفهم وتلقوا الضرب، بسبب أنهم لا يمتلكون المقاييس الجمالية التي تعجب الشرطي.

مضى عام 1969 بكامله تقريباً، وروتين الحياة اليومية في المعتقل بلا تغيير أو تجديد، وطاحونة الأيام تترك خلفها غبار العنف اليومي الذي لم تخفّ حدة وتيرته، بل على العكس، ازدادت همجيّة، ازدادت وحشيّة مع ازدياد قوى المقاومة الوطنية داخل الوطن المحتل وتصاعدها ونموّها، وتكبيد الإسرائيليين المحتلين خسائر فادحة، عدا عن أن الثورة القادمة من خارج الوطن، وعمليّات الفدائيين اليومية أخذت ترعب جيش الاحتلال، مما عكس نفسه في تفريغ شحنات الكبت المتولدة عن هذا الرعب، فيمن بين أيديهم من المناضلين العزّل. إلى الحدّ الذي أصبح عنفهم الفجائي والحادّ بالنسبة إلينا، رسالة تنمّ عن الوجع اللاحق بهم، الذي ألحقته بهم قوات الثورة الباسلة. لكن، وقبل مغادرة عام 1969، لا بدّ من التوقف عند التاسع من آذار، ذلك اليوم الذي طالعتنا فيه الصحيفة اليتيمة التي تصلنا "الأنباء"، بصورة تحتل ربع صفحتها الأولى لليفي أشكول، رئيس وزراء إسرائيل في حينه، وقد وافته المنّية، وسواء أكان هذا الموت عادياً أم غير عادي، إلا أن ما يتعلق بنا كمعتقلين في القسم الغربي السفلي من سجن عسقلان، يختلف تماماً عن كل العالم فيما يتعلق بهذا الحادث.

فالصورة التي تحملها الجريدة الخاصة بقسمنا، تعرضت لشرارة، حرقت طرف ذقن ليفي أشكول، وبالنسبة إلى جورج سخنيني، ضابط الصف المناوب، في يوم السبت، وهو المسيحي المؤمن، فقد أسقطت كل الأخشاب من السماء، لقد حدث زلزال مروّع بفعل فاعل، وبصفته الحارس الأمين على قيم الدولة العبرية، والملكي اكثر من الملك، لا بد له أن يواجه الحدث بما يستحقّ، فقام على الفور، ومنذ الساعة الثانية ظهراً، بإعلان حالة الطوارئ في السجن فيما يتعلق بالشرطة، وبالقسم الغربي السفلى فيما يتعلق بالمساجين، حيث وقفنا جميعاً، كلٍّ في غرفته ووجهه إلى الحائط، وبدأت عملية الاستجواب غرفة غرفة، في الاكسات، مصحوبة بما تيسّر من الصفع والركل واستخدام بدرجة امتياز، لقاموس البذاءة بلغات الأرض المختلفة.

واستمر ذلك الحال، حتى العاشرة ليلاً، حيث اختتم جورج سخنيني ذلك اليوم المرهق بقوله: لقد أتعبتموني وأتعبتم أنفسكم، عليكم الاعتراف بمن فعل ذلك، وغداً، لدينا لقاء آخر، وسنرى من سيتعب أولاً، وغادرنا، لان موعد إطفاء الأنوار في السجن قد حان، وبما أنه يحترم القانون إلى درجة الخضوع والقداسة، فكان لا بد من إطفاء الأنوار، وقبل الانتقال إلى الاسترسال بأحداث سحن عسقلان، أرى أن نتابع جورج سخنيني قليلاً.

في اليوم التالي، حضر مدير السجن، وحال دخوله القسم، كان على كل المعتقلين أن يقفوا على أقدامهم، وفي ذهننا، أن الزيارة مرتبطة بحادث الأمس، ولذلك، أخذنا نستعدّ نفسياً لمواجهة يوم عسير جديد، لكن المفاجأة هي أن مدير السجن، قد دخل الغرف جميعاً، غرفة غرفة، وأعطى تعليماته لمرافقيه، بكيفية تمديد خطوط سماعات في الغرف، لتشغيل راديو ومسجل أو أوقات محددة، ولكم أن تتصوروا الراحة النفسية التي أعقبت خروجه من القسم.


لم يمض وقت طويل، حتى نقل جورج سخنيني إلى جنين، إلى حيث تم تجميع 90 مناضلاً هم أسرى معركة الكرامة، ونقل جورج سخنيني إلى هناك، ليمارس عليهم هواياته الساديّة، ولم يكن يعلم هذا التافه، أن اسمه قد تناقلته السجون على فعلته النكراء الآنفة، وإذا كنا في سجن عسقلان، بوضع لا نستطيع فيه الرد، لأننا نعمل وفق سياسة الانحناء أمام العاصفة، فإن زملاءنا في السجون الأخرى لا تلزمهم هذه السياسة، وبخاصة أولئك الذين ينتظرون الإفراج القريب عنهم، كأسرى حرب أُجبرت إسرائيل على الاعتراف لهم بهذا الحق، وهم أبطال معركة الكرامة، واستثنت منهم المناضل عبد الإله الأتيرة، الذي تم تقديمه للمحاكمة من بينهم جميعاً حيث كانت إسرائيل قد اعتقلت والده، ولم تفرج عنه إلا بعد اعتقاله، حيث أنه كان من أوائل المطلوبين للاحتلال عام 1976.

اتفق الزملاء فيما بينهم، وفي ساعة محددة، جمعوا كل ما في سجن جنين من عصي ومكانس وقشاطات، وكل ما يمكن استخدامه كأداة للضرب، وما إن دخل جورج سخنيني الساحة، حتى أحاطوا به إحاطة السوار بالمعصم، وانهالوا عليه ضرباً بالعصي .. بالأيدي .. بالأرجل .. بكل ما وقع في قبضتهم وهم يصرخون يا لثارات عسقلان، ومن يومها، خرج جورج سخنيني ولم يعد، حيث استقال من سلك الشرطة، وكان لهذا النبأ في عسقلان وقع معركة حقيقيّة، تكبّد فيها العدو أبلغ الخسائر.

 بدايات التحول داخل السجون

من الملاحظ حتى الآن فيما كتبت، أنني لم أشر، ولو إشارة، إلى أيّ نوع من أنواع تنظيم الحياة في المعتقلات، ولم أشر إلى أي لجنة تم تشكيلها حتى الآن، ولا لأي غرض، وذلك بسبب أن العفوية التي حكمت التحاق الأغلبية الساحقة منا بالعمل الوطني عموماً، والعمل الفدائي خصوصاً، مازالت هي السائدة، ولم يدخل عنصر تنظيم الحياة في المعتقلات، إلاّ في نهاية عام 1969، حين التقى الأخوان عبد العزيز شاهين "أبو علي" وعمر القاسم، وبدآه سوياً بالتفكير في كسر سياسة الإدارة وعبور نهر الخوف والرعب الذي ينتشر بين صفوف المعتقلين جرّاء هذه السياسة، وبدأت فكرة الإضراب مع مطلع عام 1970 بالتبلور، ولكن في إطار محدود، ومحدود جداً، لا يتجاوز العشرة أشخاص، وهم تقريباً إضافة للأخوين المذكورين سابقاً، الشهيد عبد القادر أبو الفحم، بصفته قائداً لقوات التحرير الشعبية، ومناضلاً لا يشق له غبار، مازالت جراحه كثيرة العدد تنزف دماً، وعبد الله العجري، الضابط السابق في جيش التحرير الفلسطيني وأحد قادة الجبهة الشعبية في السجون، واحمد سليمان ارشيد، عضو قيادي بارز في فتح، ومحمد حمدان القاق، عضو قيادي بارز في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وعدد آخر محدود من المناضلين، استدعت الضرورة إشراكهم في التّحرك شديد السرّية، لضرورات نقل الأسئلة والأجوبة الشفوية لفقدان إمكانية المراسلة، وكنت والأخ يوسف جاد الله من بين هؤلاء، رغم ما في ذلك من مخاطرة، كمندوبين عن المردوان الغربي العلوي، الذي حللنا فيه محل المعتقلين الإداريين.

وبدأت عملية الإعداد التنظيمية لأول مرة، حيث اتفق الأخوة أبو علي شاهين، وعمر القاسم، وعبد الله العجري، وعبد القادر أبو الفحم، على تشكيل لجنة في كل غرفة، وحيث لم يكن من الممكن إجراء انتخابات في ذلك الوقت، فقد اعتمدت سياسة التنسيب من منسقي المردوانات،" وهكذا، تمت أول شبكة تنظيم للمعتقلين، تمهيداً لخوض الإضراب المزمع، على أن تشكل لجنة الغرفة مرجعية الأخوة في غرفتهم، نظراً لاستحالة الاتصالات ما بين الغرفة والغرفة المجاورة، ناهيكم عن اللجنة الأولى.

اشتملت الإدارة رائحة التخطيط للإضراب، الذي كان قد تحدد بدء القيام به يوم 5/7/1970، فقامت على الفور بخطوات احترازية تستهدف شلّ التحرك قبل التنفيذ العملي، ومن هذه الخطوات عزل الزملاء أبو علي شاهين وعمر القاسم ومعهما أحمد ارشيد وجهاد ياسين غنام وصبحي البابا إلى الأكسات، ومن ثم قاموا بفصلهم عن بعضهم بعضاً، حيث أبقوا أبو علي وعمر في الأكسات، وحولوا الثلاثة الآخرين إلى النظارة، رغم ذلك، فقد كانت التعليمات المرتبطة بهذه التوقعات واضحة جليّة، يوم الخامس من تموز، هو يوم ساعة الصفر الذي لا رجعة عنه مهما أقدمت إدارة السجن على خطوات احترازية متوقعة سلفاً.

وفي اليوم المحدد، يوم الخامس من تموز عام 1970، وما إن انتهى الضابط طوليدانو من العدّ الصباحي للمعتقلين، حتى وقف الأخ فايز الغوراني في غرفة 16 بالقسم الغربي العلوي ليعلن بصوت عالٍ، دوي في كل غرف السجن، بدء الإضراب عن الطعام، لكل المعتقل، وهكذا، بدأنا رحلة التحدّي بمطالب محددة واضحة لكل لجنة من لجان الغرف، ولكل مناضل، ولم يتخلّف عن هذا الإضراب التاريخي أحد من المناضلين، حتى الموقوفون الإداريون، الذين كان وجودهم في السجن أصلاً يستهدف كسر الإجماع الاعتقالي حال التفكير بخطوة كهذه، لم يخذلونا بكسر الاجماع، بل نصرونا بدحر التفكير العقيم للعقلية الفاشيّة.


 أول الشهداء – أو الجدران الاستنادية

يوم العاشر من تموز ليلاً، نقل المناضل عبد القادر جابر أبو الفحم "أبو حاتم" إلى المستشفى نتيجة تردّي حالته الصحية، حيث يعاني الأخ أبو حاتم من الإصابات البليغة التي أُصيب بها قبل اعتقاله، والتي مازالت تنزف دماً، وقد توجه له المعتقلون بالرجاء الحار، وبتوسّل، ألا يفجعنا بنفسه جراء مشاركته في الإضراب، لأننا كنا نعلم أن الأخ أبو حاتم لا يقوى على هذه المشاركة، وقد كلف الأخ يوسف سعيد عبد الحق مصطفى بأن ينقل هذا الرجاء للأخ أبو حاتم، إلا أنه رفض هذا العرض قائلاً: لقد عودت المناضلين على أن أكون في مقدمتهم، وسأكون كما عرفوني في المقدمة إن شاء الله.

في اليوم الحادي عشر ليلاً من تموز، جهدت إدارة السجن، وبشكل محموم، على إنهاء الإضراب، بتفاوضها مع كل غرفة وكل مردوان، واستعداداتها السّخية للاستجابة لمطالبنا، وكونها التجربة الأولى الفعليّة لنا، فلم يخطر في بال أحد، أي ثمن سندفعه لقاء هذه المطالب.

انتهى إضرابنا قبل صباح يوم الثاني عشر من تموز 1970، ولم ندر حقيقة ما أقدمنا عليه سوى مع نشرة الأخبار الصباحية، في الساعة السابعة والنصف، حيث أعلنت إسرائيل وفاة أحد "المخربين المعتقلين" لديها، ويدعى عبد القادر أبو الفحم، مع الخبر أُسقط في أيدينا وعرفنا أن ثمن الاستجابة لبعض مطالبنا الصغيرة كان كبيراً جداً، بل باهظاً.

ورغم أن مطالبنا متواضعة ولا تستحق هذا الثمن، إلا أننا بهذا الثمن، وبهذا الانتصار، عبرنا للشاطئ الآخر، حيث استعاد كل منا ثقته بنفسه، واستعدنا ثقتنا بقدرتنا كمجموع على كسر اليد التي تتطاول علينا، بدلاً من بوسها والدعاء عليها بالكسر.

خلال شهر كامل، حاولت الإدارة استعادة مكانتها السابقة وإعادتنا إلى الموقع الذي كنا فيه قبل الخامس من تموز، من خلال تنصّلها من مطالبنا المحققة، فبعد أن قامت بنقل الإداريين جميعاً من السجن، وأحضرت بدلاً منهم سجناء جدداً محكومين، أعادت حفل الاستقبال التقليدي على مدخل السجن، وحاولت فرض كلمة سيدي للشرطي مرة أخرى، كما حاولت إعادة كلمة أخشيف "انتباه" وقت العدد، وحاولت التنصّل من زيادة وقت الفورة من نصف ساعة إلى ساعة، وألغت اتفاقنا معها على حرية الحركة بالساحة، وليس اثنين اثنين كما كان الحال.

كل هذا، دار صراع مجدد حوله، لكننا هذه المرة، لم نصارع من موقف ضعف كما كنا قبل الإضراب، بل من موقع يتسلّح بقوة دفع مركّبة، جزءٌ منها يتعلق بالوفاء للشهيد أبو حاتم، وجزؤها الآخر أننا عبرنا للشط الآخر ولا خيار لنا إلاّ التشبّث بنتائج هذا العبور وانعكاساته، وهكذا، بدأت عملية التحدّي التي بدأناها برفض كلمة سيدي، وامتلأت الزنازين بالرافضين لقول كلمة سيدي، ورفضنا "الأخشيف"، وامتلأت الأكسات بالرافضين لها، وكلما طلبوا من أحدنا ترديدها رفض ذلك، رفضنا الوقوف ووجوهنا إلى الحائط، كل هذه المواجهات، استمرت لأكثر من شهر، ولا يبدو في الأفق حلٍّ مرضٍ لهذا الصراع اليومي.

خلال هذه الفترة، قامت الإدارة بعزل مجموعة من المناضلين في إحدى غرف السجن المنفرة، بجانب غرفة الزيارة "غرفة 25"، وكان من بينهم الأخ أبو علي شاهين، والأخ غازي أبو جياب، والأخ عماد عوكل، وأنا وآخرون، مجموعهم قرابة 25 أخاً قامت الإدارة بإجراء تفتيش في الغرفة بعد أن أفرغتها منّا، ونقلتنا إلى غرفة الزيادة المجاورة، وخرج الشرطي من الغرفة ولم يبلغونا أنهم وجدوا شيئاً، لنفاجأ بعد بعض الوقت بقدوم مدير السجن الجديد حاملاً معه قطعة حديد، مبسطة، لا يتعدى طولها الـ 15 سم، وأعلن أن الشرطة مسكت هذه السكين في غرفتنا خلال التفتيش، وعلينا أن نبلغه لمن هذه السكين، وحينما لم ينل بغيته، قرر على الفور عقوبة جماعية للغرفة تمثلت بـ:

1 - منع الصحف.
2 - منع ألعاب التسلية.
3 - منع الزيارة لمرة واحدة.

استدار ليخرج من الباب، صرخت عليه ليعود، فعاد فعلاً، قلت:
سأضيف لممنوعاتك التالي: لن نخرج لزيارة العيد، لم نأخذ السجاير، لن نحلق، لن نستحمّ، لن نخرج للفورة، فسأل بصوت عالٍ، كلكم عايزين كده؟ فردّوا عليه جميعاً: نعم. قال: أوكي، وخرج.

اعتقدت إدارة السجن أن ما قيل لا يعدو كونه كلاماً عابراً، لكننّا فعلاً طبقنا ما قلناه، فعادوا إلينا لإجبارنا على الاستحمام والحلاقة، على اعتبار أن النظافة مسألة تخصّهم. فرفضنا ذلك، وقلنا: نخرج للحمام وأيدينا غير مقيّدة خلف ظهورنا، ورفضوا فرفضنا، حاولوا إجبارنا على الخروج، خرجنا لأننا لم نرد بصراعنا أن ننساق لاشتباكات بالأيدي، لأننا بذلك سنخسر كل شيء، ولكننا رفضنا أن نشبك أيدينا خلف ظهورنا كما أرادوا، فما كان منهم إلا أن احضروا الكلبشات، وربطوا بها أيدينا إلى الخلف إلى أن وصلنا إلى الحمّامات وقد اصبح الشرطي الذي تأتي خدمته في منطقة الغرفة المعزولة التي نحن فيها، يتسلّح ببضع كلبشات، ليستخدمها وقت الحاجة، سواء خرج أحدنا إلى الحمام أم إلى العيادة … الخ.

استمر الحال لأكثر من شهرين، كان خلالهما مدير السجن الجديد يزورنا من حين لآخر مطالباً إيانا بوقف خطواتنا التصعيدية، ويعلن في كل مرة، أنه لم ولن يستسلم، ونجيب: نحن لم يبقَ لدينا ما نخسره، والزمن كفيل بحل المشكلة.

في بداية كانون الثاني 1971، نقلنا إلى غرفة 23، وهي الغرفة التي يمكن للإدارة أن تحكم إمكانية عدم رؤية نزلائها لأيّ كان في السجن، فهي معزولة تماماً، بساحة خاصة بها ومدخل خاص، وفقدنا الصلة مع المعتقل بحدودها الدنيا، وقد اعتدنا على هذه الإجراءات من جانب الإدارة، فلم نأبه لهذا الإجراء، واعتبرناه في سياق مخططاتهم الرامية إلى كسر موقفنا، الذي بات مرتكزاً لكل السجن، وتقييمنا، الذي هو تقييم واقعي، أنه على موقفنا نحن، رغم أننا الآن وخلال الشهرين الماضيين، كنا وحدنا في المعركة، على موقفنا نحن، يتوقّف مصير كل سياسة الإدارة تجاه المعتقل، فإما العودة إلى البدايات "في شباط 1969، وإما أن تصبح تلك السياسة في حاوية النفايات.

يقال إن الأسباب والنتائج، تتبادلان المواقع فيما بينهما، وقد جاءتنا الفرصة المواتية على طبق من ذهب، وذلك حين جاء ضابط العدد، فوجد أحد زملائنا، وهو رجل كبير في السن، واسمه عبد الله عمران شلش من شقبا قضاء رام الله، وقد افترش بطانياته لمرض ألمّ به، وكما لو كان قد ارتكب جريمة كبرى، استنفرت الإدارة كل قواها، وجاءوا ليخرجوه إلى الزنزانة، لم يراعوا في ذلك، لا كبر سنه ولا مرضه الراهن، فتصدّينا لهم بصورة أذهلتهم ولم يتوقعوها، فأن تصرخ في وجه ضابط، وأنت المطالب بمخاطبة الشرطي بكلمة سيدي، فإنك بذلك تكون قد بلغت الزبى، وقبل أن يفيقوا من ذهولهم، كان الأخ أبو علي، الذي مازال يصرخ فيهم بأعلى صوته، قد أخذ يخلع ملابسه ويلقي بها على الأرض، وحذونا جميعاً حذوه، فخلعنا كل ملابسنا، باستثناء قطعة داخلية تستر العورة، وألقينا بها وبكل ما لدينا من ملابس وحرامات إلى الساحة الخارجية، خارج الباب، وبقينا على البلاط، عرايا، وفي عزّ "المربعانية"، حيث درجة الحرارة تقارب الصفر.

ما إن حلّ المساء حتى جاءنا مدير السجن، يفاوضنا على ارتداء ملابسنا، لأنه يدرك أن معظمنا سينقل إلى المستشفيات، ولكننا رفضنا ذلك، وأعلنّا الإضراب عن الطعام، مما أوقعهم في مزيد من البلبلة، وبقيت المفاوضات بيننا وبينهم حتى منتصف الليل، ولكننا كلما شعرنا بإلحاحهم على وقف الخطوة، كلما أحسسنا أن الموقف كله بات رهن هذه الخطوة، وعلينا أن نستفيد منها في الخلاص من الوضع الذي نحن فيه.

بتنا ليلتنا على ما نحو فيه، وقبل منتصف نهار اليوم التالي، جاء مسؤول العيادة "ماريودا اللوف" موفداً من قبل المدير، وعرض علينا التالي: يقول لكم المدير، أنه يريد أن يفاوض لجنة منكم في العيادة، وله شرط واحد، أن تخرج اللجنة إلى العيادة، وهم يضعون أيديهم خلف ظهورهم، ويرتدون ملابسهم، ويعدكم بأنه سيستجيب لمطالبكم، وبصراحة، كنت والأخ أبو علي قد ناقشنا إمكانية البحث عن مخرج، فالوضع حرج والأجساد أزرقّت من البرد، والأطراف ترتعش، ونخشى أن نفقد المبادرة في الموقف، فتخسر كل شيء، ولذلك، ما إن جاء مسؤول العيادة يعرض ما عرض، حتى طلبنا منه إمهالنا ربع ساعة للتشاور، وهكذا كان، حيث تقرر أن أخرج أنا والأخ عماد عوكل وأخ ثالث لم أعد أذكره الآن، حيث خرجنا بملابسنا، وأيدينا خلف ظهورنا، إلى أن وصلنا العيادة، حيث كان المدير بانتظارنا، فعرضنا عليه مطالبنا التالية: -

أولاً: إلغاء كل الإجراءات التعسفية الأيدي خلف الظهر، الفورة وزمنها وكيفية خروجنا إليها، أي يجب أن نخرج بحريّة، نمشي بحرية، وليس كما هو الحال، بطابور رسمي.
ثانياً: إلغاء وضع الصاج على الدرابزينات والشبابيك، وإفساح المجال للضوء والهواء لدخول الغرف بحرية.
ثالثاً: توفير فراش مريح للسجناء، فنحن محكومين أحكاماً عالية، ولا تكفي أربع بطانيات للفراش والغطاء، عدا عن إلغاء قانون عدم استخدام الحرامات إلا وقت النوم في الليل فقط.

أمام هذه المطالب، قال مدير السجن: أعطوني فرصة لدراستها والرد عليها، قلنا: ومتى سيكون الرد؟ قال: لا أدري، قلنا: إذن أنت تخدعنا مجدداً، ونهضنا نريد العودة إلى غرفتنا فقال: أنهوا إضرابكم واستعيدوا ملابسكم، وبعد ساعة سأكون عندكم، ولن أدخل غرفتكم وأنتم عراة، قلنا: يمكنك أن تأتي بعد ساعة، وستجدنا وقد ارتدينا ملابسنا، قال: وأكلتم طعامكم، قلت: وأكلنا طعامنا.

وهكذا، عدنا إلى الغرفة، وارتدينا ملابسنا، وتسلّمنا وجبة طعام، وفعلاً حضر إلينا بعد ساعة وأعلن بلا لبس ولا غموض، الاستجابة لمطالبنا، وأننا منذ اليوم أحرار في الفورة بالساحة بلا سيدي، ولا غير ذلك، ومنذ اليوم، بإمكاننا أن نستخدم فراشنا بحرّيتنا، طلبنا منه أن نقوم بإبلاغ زملائنا في السجن بهذه المكتسبات، لكنه رفض ذلك بوجه مكفهر، لأنه أدرك أننا بصدد أن نزفّ لزملائنا بشرى الانتصار عليه، فقام هو شخصياً بالمهمة، حيث طلب اثنين من كل غرفة، وأبلغهما باتفاقنا، وكانت فرحة عارمة، لا لأننا حقّقنا هذه المطالب الجزئية، بل لأننا أسّسنا لعلاقة بين طرفين، صحّحنا وضع المعادلة، التي كانت مختلّة بسبب أن الإدارة لم تعتبرنا طرفاً في هذه المعادلة، حيث لم يعد الأمر كذلك.

بعد بضعة أيام قامت الإدارة، وبناءً على طلبنا، بإنهاء عزلتنا بعد انتهاء مبرراتها، وحتى نعود لممارسة حياتنا الطبيعية، فاستجابت لمطلبنا، وأعادت توزيعنا على الغرف داخل السجن، لنبدأ من جديد مشواراً جديداً مع زملائنا، ولكن من نوع آخر

 رحلة البناء والبحث عن الذات

بعد هذه السلسلة من الإرهاصات، كان لا بد لولادات جديدة في حياة المعتقلين اليومية من الظهور، كان لا بد من رسم معالم المستقبل، في ظل استقرار نسبي وشكلي، نستطيع أن نوفّره لأنفسنا، على الفور، بدأت حركة من نوع جديد، حركة ثقافية، تغزو أوساط المعتقلين فهنا جلسات سياسية، وهناك دروس محو أمّية، وفي مكان آخر، تتم عملية نسخ لموضوعات متنوعة على شكل جريدة التي صدرت منها اثنتان في وقت مبكر جداً، الأولى "الطريق"، وهي الناطقة باسم الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، والثانية "فتح الثورة"، وهي الناطقة باسم حركة فتح، أما كيف وعلى ماذا كانت تكتب وبأية وسيلة، فهذا ما سنتحدث عنه حين الحديث بشكل مفصّل عن النهضة الثقافية في المعتقلات وتطورها.


أخذت حياة المعتقلين بالاستقرار النسبي، واتجهوا وجهة البناء التنظيمي، حيث أخذ كل فصيل من الفصائل بعملية تربوية، سياسية وتنظيمية وثقافية ووطنية وثورية، بدراسة تجارب الشعوب الأخرى للاستفادة منها في تعميق ارتباط المناضلين بثورتهم، وفهم جدليّة الصراع مع العدو الإسرائيلي على أسس علميّة كبديل لحالة الاندفاع العفوي التي سادت التحاق آلاف المناضلين بالثورة، كرد فعل على الهزيمة، مغطى بالوعي الاعتيادي، وحيث أُتيحت فرصة ذهبية للتسلّح بالوعي العلمي، فكان لا بد من التقاطها، والارتقاء بهذا الجيش المقاتل، بتسييسه وعلمنته.

لم يكن من بين صفوفنا كثيرون يتمتّعون بصفة معلم، ولديهم ما يقولونه بهذا الاتجاه، فقد كانوا قلّة قليلة "أبو علي شاهين"، وعمر القاسم، ويعقوب دواني، وربحي حداد، ونبيل قبلاني، وأحمد ارشيد، ونصري سعد الله، وعمر أبو راشد، ومحمد أبو وعر، ومحمد حمدان القاق، وخالد دلول، وآخرون قلائل، لا يكادون يغطّون ربع احتياجات المعتقلين، في ظل التقسيم بالغرف، وفقدان أدوات الكتابة من ورق وأقلام بشكل كاف، أو بحد أدنى، فالقلم ممنوع على أية حال، وما بين أيدينا، هو ما يمكن لنا أن نخفيه من أنابيب الأقلام التي نتسلّمها لكتابة الرسائل، أو بعض الأقلام التي يتم تهريبها لنا من الزيارة.

ورغم ذلك، فقد شكلّت الحملة المكثّفة، والمتواصلة، أساساً طيباً لبناء كادر تنظيمي متقدّم، نما وترعرع في ظل المتابعة الحثيثة، التي أوجدت صفاً واسعاً من القادة، في كل تنظيم على حدة، وللحركة الوطنية عموماً، يضيق المقام عن ذكرهم جميعاً، لكنهم حتماً، سيردون في سياق الحديث عن تطورات النشاط الاعتقالي، وتطوره إلى مستوى حركة وطنية اعتقالية، ودور كل منهم فيه.

لاحظت إدارة السجن هذه التطورات، ولاحظت النشاطات التي لا يمكن أن نلبّس لها طاقية إخفاء، فمارست معنا سياسة أقل ما يقال، فيها إنها تنغيص وتشويش، حيث أخذت تُجري عمليات تفتيش واسعة، تصادر فيها كل ما تطاله يد الشرطة، بزعامة خبير التفتيش "بوكارا" الذي لم يترك لنا شيئاً سوى ملابسنا وحراماتنا.


أصبحت الحاجة ماسة للكتاب وللقلم والدفتر، فأصبحت مطلبنا رقم واحد، حيث أخذنا نجهّز أنفسنا لعمل ما، ونحشد طاقاتنا خلف هذا المطلب، لكننا وقبل أن نسترسل في التخطيط الجديّ، فوجئنا بنقل مدير السجن "أدغر" وحلول مدير جديد محله، وهو "دستلفيلد"، الذي يختلف بشخصيته وأسلوبه عمن سبقوه، فهو هادئ تماماً، لكنه أفعى سامة.

بدأ "دستلفيلد" حياته معنا، بأن أبدى استعداده للقاء أسبوعي مع المعتقلين، تتم فيه مناقشة أوضاعنا الاعتقالية ومطالبنا وإمكانية تحقيق شيء منها، على أن يحضر الاجتماع اثنان من كل غرفة، وهكذا كان، حيث تقرر أن يمثّل كل غرفة اثنان من الزملاء، تم تحديدهما باتفاق الفصائل، ولا يسمح لمن لم يرد اسمه في القرار الاعتقالي أن يشارك في هذا اللقاء، وهكذا، بدأت أول تطبيقات معادلة الطرفين، وكان لقاؤنا الأول مفيداً ومثمراً وخطوة واسعة إلى الأمام، ففي هذا اللقاء، حصلنا على حقنا في الكتب التعليمية، تمهيداً للمشاركة في الامتحانات الدراسية، الإعدادية والثانوية، وهذا معناه أيضاً، أقلاماً ودفاتر، وحتى يتم تأمين الأقلام والدفاتر، استُحدث ما يسمى "الكانتين"، الذي بموجبه، أصبح من حق كل سجين أن يشتري بمبلغ 2.5 ليرة إسرائيلية في ذلك الوقت، ما يحتاج إليه من أقلام ودفاتر ودخان وشاي وقهوة وسكر ومعجون أسنان ومعجون حلاقة وفرشاتي حلاقة وأسنان، وبعض أنواع السكريات والبسكويت.

صحيح أن المبلغ ليس كبيراً، لكنه البداية، وفوق هذا وذاك، تم نصب شبكة طائرة في الساحة و "بورد باسكت بول"، وأصبحت لدينا فرق في كلا اللعبتين، نمارسهما وقت النزهة اليومية "الفورة"، ولا أغالي إذا قلت، إنه كان لدى المعتقلين في عسقلان فريق درجة ممتازة لكلا اللعبتين، تطوّر مع الوقت، وبالتمرين والممارسة، حيث أصبحنا لاحقاً، نقيم مباريات داخل القسم الواحد وبين الأقسام، وتصفيات وبطولة، بما في ذلك تشكيل لجان رياضية.

هذه التطورات المهمة التي واكبت الإدارة الجديدة للسجن، لم تشمل جانباً مهماً آخر من جوانب مطالبنا الاعتقالية، ألا وهو الصاج، الذي كان يمنع الضوء والهواء عن غرفنا، حيث تحوّل إلى المطلب رقم واحد، وأصبحنا نلحّ عليه أسبوعياً مع المدير وهو يماطل ويُسوّف، إلى أن نفذ صبرنا، فأعلنّا – كخطوة احتجاجية – إضراباً عن الفورة والزيارة، وليس لنا من مطلب سوى إزالة الصاج عن الدرابزينات والشبابيك، واستمر الإضراب، واستمر تعنّت الإدارة وأخذ مدة أربعة أشعر كاملة، إلى أن جاء يوم وجدنا فيه أن وفداً فلسطينياً من الخارج قَدِم لزيارة السجن وإنهاء الإضراب، وحسب قولهم، فإنهم جاؤوا بطلب من السيد موشي ديان شخصياً، وهذا الوفد مكوّن من الدكتور أمين الخطيب والدكتور شاكر الجلاد، ولم أعد أذكر الثالث، وأظنه الأخت نائلة نسيبة حيث أبلغنا الدكتور أمين الخطيب وقتها أنه قدم من عمان وطُلِب منه التحوّل إلى عسقلان فوراً، فهو لم يسترح من السفر بعد.

بعد نقاش مطوّل معهم، وبعد أن أطلعناهم على الأوضاع الصحية المترديّة نتيجة عدم الخروج إلى الساحة حيث الشمس والهواء، ولاحظا انتشار الأمراض الجلّدية في أوساط المعتقلين، قالوا لنا: نحن نضمن الاستجابة لمطلبكم، فكّوا إضرابكم وستحصلون على ما تريدون، قلنا: لقد خدعونا في مرات سابقة، قالوا: نحن نتعهد لكم بذلك، اتركوا الثقة بهم جانباً، وثقوا بنا.

وفعلاً قرّرنا وقف الإضراب، وبعد يومين فقط، كانت الشمس تسطع في جنبات الغرف بلا صاج، بعد أن تم تنفيذ التعهد الذي قطعه الوفد الفلسطيني على نفسه.

 غسل الأدمغة وإشعال نار فتيل الفتنة بين الفصائل الوطنية

خلال هذه الفترة، دخلت علينا إدارة السجن من مدخل جديد، فما دمنا قد أظهرنا اهتماماً خاصاً بالسياسة، واصبح تطورنا على هذا الصعيد ملموساً لدى الإدارة، حاولت الإدارة التدخل فيه من جانبها الخاص، مستغلة بعض التناقض السياسي البارز بين المناظلين، وهذا التناقض لم يكن ظاهرة مرضيّة، بل ظاهرة صحية أسهمت في تطوير وعي المناضلين بشكل كبير، قلنا: حاولت الإدارة التدخل فيه بطريقتها، فعرضت علينا استعدادها لجلب محاضرين من الخارج، ولم تنتظر رأينا في الموضوع، بل أحضرت فعلا بعض الشخصيات السياسية والإعلامية في إسرائيل، مرة كل أسبوعين، بحيث يخرج اثنان من كل غرفة للندوة، أي ما مجموعه 50 مناضلاً، وبفعل المفاجاة، فلم يستطع المعتقلون الذين رتّبوا أوضاعهم التنظيمية بشكل جيد، أن يتحكّموا في الأشخاص الذين يمكن لهن الخروج لهكذا ندوة، خاصة وأننا قيّمناها وحلّلنا أبعادها، باعتبارها سياسة غسل دماغ، من خلال التأثير المتواصل لهذه الندوات على المعتقلين لكننا، وبعد أسبوعين فقط، اتفقنا على قائمة أسماء يسمح لهم بالخروج لهذه الندوات، وقد اتخذنا هذا القرار، حتى لا نفتح مجالاً للبلبلة التي قد تنتج عن الرفض النهائي لهذه السياسة، وحتى نتجنّب مشكلة في داخلنا يخططون لها، لينفذوا إلى صفنا الداخلي، ويضعفونا، ويمسكوا بزمام المبادرة.

لقد استمرّت هذه الندوات قرابة العام، لم تستطع ندوة واحدة منها، أن تحرك في داخلنا إشكالية صغيرة، إلى أن جاءنا نائب رئيس تحرير صحيفة "هآرتس" الذي ألقي محاضرة بعنوان "الوجود السوفياتي في الشرق الأوسط"، التي عرف من خلالها، كيف يضع السّم في الدسم، وقد أثار خلافاً واسعاً بيننا وللمرة الأولى، مما اضطرنا لاتخاذ قرار بمقاطعة هذه الندوات على ضوء تفاعل هذه القضية في أوساطنا، لكن الإدارة التي أبلغناها رسمياً بمقاطعتها لهذه الندوات، ولئلا تخسر النتائج المتوخاة من هذا المخطط، لتضمن استمرارية الندوة، فقد تعهدت بأن تبتعد العناوين عن السياسة، وأن المحاضر الجديد، الذي تبرّع بالعمل معنا لفترة طويلة متواصلة، سيتحدّث في المجال الأدبي فقط، وفي التحليل الأدبي للقصة والرواية العربية، وجاءنا هذا المحاضر، وإذا به "مناحم ملسون" أستاذ اللغة العربية في جامعة تل أبيب، الذي كان أول رئيس للإدارة المدنية في الضفة الغربية، ومهندس روابط القرى التي أُريد لها أن تشكل البديل لـ "م.ت.ف".

رغم وفائهم بتعهدهم، حيث لم يخرج في محاضراته عن النصوص الأدبية، وقبل أن يستكمل أدب نجيب محفوظ تحت عنوان "أزمة الجنس في القصة العربية عموماً وفي أدب نجيب محفوظ خصوصاً"، كان قد تسلّم رئاسة الإدارة المدنية، فكان بذلك آخر المحاضرين، وتوقفت هذه الندوات.

منذ ذلك الوقت، استمرت حياة المعتقلين بالتّطور، وأخذت تتكرّس ملامح الفصائلية، التي أخذت تنمو نحو الانغلاق والتّعصب، ولم تعد المنافسة على الإنجازات الوطنية، بل أصبحت منافسة لإثبات الذات، والتّفوق على الآخرين، وقد قاد هذا النفس إلى تراكمات سلبية في العلاقات بين الفصائل، وبخاصة فتح والجبهة الشعبية، الفصيلين الأكثر عدداً في السجن، إلى أن اندلعت شرارة الانفجار بينهما من خلال مشكلة صغيرة بين شخصين، تطورت لتصبح مشكلة جماعية بين تنظيمين، وأخذت أبعاداً خطيرة وتَّرت وسمَّمت أجواء المعتقل لفترة طويلة، لم تسكن ولم تهدأ إلا بعد أن سالت الدماء، ونزفت الجروح، بعد المشكلة الجماعية الشهيرة بمشكلة غرفة 8 التي استخدم فيها الطرفان الأدوات الحادة وتم إيداعهم في الزنازين والأكسات، والتي شارك فيها من الطرفين حوالي 30 زميلاً، اتفق بعض المعتقلين "جهاد غنام، وحسن شاهين، وعاصم حسونة"، على تفريغ الاحتقان الداخلي الناجم عن المشكلة الآنفة إلي الخارج، أي الإدارة، فقاموا ظهيرة أحد الأيام ومع العدد الثالث الذي يتم بعد الساعة الثانية ظهراً، وبعد عودة العمّال إلى غرفهم من أماكن عملهم، قاموا مع دخول ضابط العدد المدعو "طوليدانو"، بالهجوم عليه في غرفة "5" من المردوان الشرقي السفلي، وأوسعوا ضرباً ولكماً، ومزّقوا ملابسه، مزّقوا رتبته العسكرية "ملازم أول"، وداسوا بأقدامهم، ولم يستطع "أبو علي خنجر" ضابط الصف المرافق له في العدد، أن يفعل شيئاً، سوى أن يهرب ويغلق باب الغرفة عليهم جميعاً، ويترك "طوليدانو" لمصيره بين ثمانية عشرة "مخرباً".

استدعى "أبو علي خنجر" الإدارة والشرطة على عجل، بواسطة الصافرة، وضرب جرس الإنذار في السجن، أغلقت جميع غرف السجن بالأقفال، وأعلنت حالة الطوارئ القصوى، حتى تمكّن الحراس من انتزاع "طوليدانو" من بين الأيدي التي أجرت لله تعالى فيه، وأعلن الثلاثة المذكورون، أنهم المسؤولون عما حدث ويتحملون وحدهم ما فعلوا، وبطبيعة الحال، سحبتهم الإدارة إلى الزنازين في ظل توتر بالغ يسود المعتقل، حراساً وسجناء.

لم نكن ندرى ما يخبئ لنا "دستلفلد"، فما إن مضت ساعة واحدة على هذا الحدث، حتى بدأت سيارات حرس الحدود، والجيش والشرطة، تفرّغ حمولتها داخل أسوار سجن عسقلان في حملة عسكرية حقيقية، استغرقت حوالي نصف ساعة فقط، لنجد أن أكثر من ضعف عدد السجناء من قوات الأمن، أصبح داخل السجن، حيث تنحّت شرطة السجن جانباً، وسلمت السجن قيادة ومفاتيح غرف إلى هذه القوة الوافدة والمسلحة بالهراوات والدروع والكمامات والغاز، وبدأ الهجوم مع مساء ذلك اليوم، وعلى جميع الأقسام دفعة واحدة، وبلا رحمة ولا شفقة، وبلا إنسانية، وبلا تمييز بين حالة مرضيّة، كحالة محمود حسين نصر الله، أو غير مرضيّة كخالد عبد الرحيم ذي الجسم الهائل القوة، فالكل يواجه المصير نفسه، والكل يتحمّل قسطه من هذه العقلية البربرية، التي لا تعرق غير لغة القوة، وكان الله قد ربط بين عقلها الموجّه وعضلاتها المنفذة فقط، ونسى أن يربط لسانها بعقلها لتتمكن مرة واحدة من استخدامه في تفاهم إنساني حضاري بعيداً عن لغة القوة وغطرستها.

استمر الهجوم حتى منتصف الليل، حيث غادرت الذئاب البشرية عائدة إلى أوكارها وبقينا نحن بغرف على البلاط، يعالج أقلّنا جروحاً زملاءنا الأكثر جراحاً، ولن أنسى تلك الليلة، حيث أمضى المناضل محمود نصر الله ليته في حضني، بديلاً للحرامات التي لم يعيدوها لنا، وأبقونا تلك الليلة من دونها، لن أنسى ذلك الشرطي الذي استفزّه العمل الجبان ضد أناس عزّل، فقدم ما يستطيع: سيجارتين، وحبة أسبرين للأخ محمود نصر الله، تمكن بعدها فقط من النوم، ليستريح قليلاً من ألم الجراح، أما يعقوب دواني، فقد تلقى هوة الآخر ما يقتل بغلاً من الضرب، وتحديداً على ظهره، حيث لم يستطع لعدة أيام أن يستلقي على ظهره إطلاقاً، واضطررنا في تلك الليلة أن نخلع قمصاننا لفرشها على الأرض لينام عليها ووجهه إلى الأرض.

لقد استثمر المعتقلون هذا الحدث، استثماراً كاملاً، حيث شكّل مدخلاً لحوار مع مدير السجن، حول الظروف التي قادت إلى ضرب "طوليدانو" وليس الضرب بعينه، مما أفضى إلى تحقيق المزيد من الانفراج في الظروف الاعتقالية، حيث أصبحت الفورة ساعتين، وازدادت حصتنا من "الكانتين" بمبلغ مضاعف، الزيارات المتبادلة بين الغرق، زيارات من الأقسام للساحة خلال وقت النزهة اليومية ..الخ، والأهم من كل ذلك، السماح بإدخال الكتب بكميات، عن طريق الصليب الأحمر، سواء أكان مصدرها الأهالي أم أي جهة كانت، وقد كانت مكتبة سجن عسقلان إحدى أهم الإنجازات التي حققناها بما احتوته من كتب علمية وأدبية وثقافية عامة وفلسفية ودينية، ولكل الكتّاب تقريباً، كما توفّرت كتب بعدة لغات أيضاً، مكّنت أولئك الذين اهتموا بدراسة اللغات، من تقوية لغتهم، بمطالعة آداب تلك اللغة، لما لذلك من أهمية في تعلّم اللغة وإتقانها وتمثّلها.

كذلك، فقد كان أبرز إنجازات استثمارنا لهذا الحدث، تشكيل لجنة خاصة بالمطبخ، وتسلّم المعتقلين بالكامل للمطبخ وموجوداته، والتحكم في كيفية تصنيع الطعام للمعتقلين، وتقسيم العمل إلى شفتين "ورديتين" كل منهما تعمل يومها الخاص، وقد كان الأخوان إبراهيم سلامة، "أبو عرب"، وجلال الشريف، هما لجنة المطبخ الإدارية، يضاف إليهما الإخوان أبو كمال البهيتني وعبد الفتاح زيارة كمهنيين وفنيين، يتقنون الطبخ لمجموعات كبيرة، كما هو حالنا في السجن.

 إرساء قواعد التنظيم الداخلي للمعتقل

وجاءت حرب أكتوبر 1973، وتعلّقت قلوبنا جميعاً بخارج الأسوار نتلهّف على خبر مهما كان، حيث منعوا عنّا الصحفية اليتيمة التي كنا نقرأها "الأنباء"، كما منعوا عنا الراديو. فوجوه الشرطة، تمثل لنا نشرة الأخبار المصوّرة، فإذا ما اسودّت وجوههم من الغيظ، فمعنى ذلك أننا بخير، وإذا ما تهلّلت، فمعنى ذلك أن الغلبة لهم، وهكذا أمضى أسبوعان، لم نعدم فيهما شرطياً يسرّب بعض الأنباء عن سير المعارك، وكان أهم هذه الأنباء على الإطلاق هو أننا اجتزنا قناة السويس، وحطّمنا خط بارليف، نعم، خط بارليف الذي أشارت كل الدراسات العسكرية إلى استحالة اقتحامه وتحطيمه، ومع ذلك، فقد تحطّم ولم يكن مجرد تحطيم لخط عسكري دفاعي أول، بل تحطّمت معه نظرية الجيش الذي لا يقّهرن تحطمت معه تجسيدات نشوة الفوز والنصر. في عام 1967، لمسناها في عيونهم ووجوههم، فأطقنا سهام عيوننا تطارد ما تبقّى لهم، حتى لو لم يبق لهم شيء نفسي أو معنوي، يغري بالادعاء بتفوقهم أو يفاخرون به.

ما إن حطت الحرب أوزارها بوقف إطلاق النار، وفي محاولة منهم لاسترداد ما فقدوا من حوافز كانت لهم ولم تكن لغيرهم، واعتماداً على ثغرة الدفرسوار التي اخترقوا بها الجبهة المصرية، فقد جاؤوا إلينا بكل الصحف "الأنباء"، و "القدس"، و "الشعب"، و "الفجر"، ومنذ اليوم الأول للمعركة، كانت لفتة ذكية أرادوا بها أن يقولوا لنا: "اللي بيضحك، بيضحك في الآخر"، ومع ذلك استمرّينا في الضحك، لأن الطريق إليه بات معبّداً ومعروفاً، فأدركنا أبعاد هذا الكرم الحاتمي غير المعهود فيهم، لكن مكسبنا الوحيد، هو أن هذه الصحف باتت من الصحف التي تدخل المعتقل، ولاحقاً، استطعنا اقتناء بعض الصحف العبريّة "يديعوت أحرونوت، وهآرتس، ودافار"، ولكل في وقت متأخر.

استمرت الحياة هادئة، روتينية، كان أبرز ما فيها، أننا كمعتقلين، قد جسدنا وحدتنا الوطنية، بلجنة قيادية وطنية كما أسلفت، أخذت ترسم ملامح العلاقات الوطنية وترعى تطورها، وتشكلت اللجنة من الأخوة، رمضان البطة، وعبد العزيز الميناوي، ونبيل قبلاني، وإبراهيم سلامة، وفازع عبد المجيد حمدان، وحسن لبد، وأنا، أي أن لكل تنظيم تمثيله في اللجنة، التي أخذت على عاتقها إشاعة الديمقراطية في العلاقات الاعتقالية، وتنظيم العلاقات بقوانين تضمن ذلك، وتنظيم العلاقة مع الإدارة، عبر التحكم فيمن يتحدث باسم المعتقل، وعدم إبقاء العلاقة محكومة لمزاج الإدارة ورغبتها، وتنظيم العلاقة مع الصليب بتشكيل لجنة خاصة للمطالب الاعتقالية المرتبطة مع الصليب، وقد شكلت اللجنة من الزملاء: رمضان البطة، ونبيل قبلاني، وأنا".

لقد عشنا في تلك الفترة مرحلة الحكم الذاتي، حيث ازدهرت كل جوانب حياتنا الاعتقالية الثقافية، والتعليمية، والقانونية، والتنظيمية، وحتى على صعيد المدخول، الذي لم نستطع أن نحوّله إلى قاسم مشترك جماعي، فأقام كل تنظيم صندوقه الخاص، حيث أصبحت المداخيل تمر من خلال هذا الصندوق، وتوحد المردود لكل فرد من أفراد التنظيم وفقاً لهذا المدخول، ومما فرض عدم تحويل الصندوق في تلك الفترة إلى قاسم مشترك، هو أن نصف المعتقل تقريباً كان يعمل في مرافق العمل المتوفرة في المعتقل، لقاء دخل مالي أكبر بكثير جداً من حصة الفرد غير العامل، من "الكانتين"، وهذا التمايز في المدخول، خلق نفسية لدى البعض، عطّلت إمكانية إقامة صندوق جماعي للمعتقل، وحتى في اللحظة التي ولدت فيها الصناديق التنظيمية الخاصة، فإن قسماً كبيراً من هؤلاء قد بقي خارج صندوق التنظيم، للاعتبار المشار إليه أعلاه.

وما دمنا في الحديث عن العمل، فلا ضير من الحديث عن مرافق العمل، ودورها في حياة المعتقلين والكيفية التي استخدمتها في البداية، وكيف انقلبت لاحقاً.

منذ عام 1971، فتحت إدارة السجن عدة مرافق للعمل، أهمّها المخيطة، ومصنع الكرتون والتحف، وتجميع مكاوٍ كهربائية، إضافة إلى عمال المطبخ، والمحددة "الصيانة"، والمخزن، وكان المردود الذي يتقاضاه السجين لقاء يوم عمل، هو 4 سجاير من نوع رديء، إلى أن سمح للمعتقلين بالشراء من "الكانتين"، فتحوّلت السجاير الأربع إلى فلوس نقدية أقصاها نصف ليرة إسرائيلية في اليوم للعامل، ومع ذلك، فقد كانت هذه النصف ليرة في حينه ثروة، كان يمكن في نهاية الشهر شراء كمّيات من الحاجيات بهذا المبلغ.

استغلت الإدارة تهافت المناضلين على العمل، الذي كانوا يخرجون إليه لسببين:

الأول: قضاء فترة طويلة من السابعة صباحاً وحتى الثانية بعد الظهر خارج الغرف، التي تليها ساعتان للفورة، أي أن اليوم كله يصبح خارج الغرف.

الثاني: أنه يوفر للمعتقل مبلغاً من المال، يؤمن احتياجاته في السجن، ببحبوحة تامة، وكلاهما أمر حيوي، لكن الإدارة استغلت هذا الوضع الذي يتكرّس لصالحها بحيث جعلت منه وسيلة عقاب، "مطرود من العمل"، أو تهديد، "إن فعلت كذا، سنطردك من العمل .. إن لم تفعل كذا، سنطردك من العمل"، وهكذا دواليك.

ورداً على هذه السياسة، فقد أقرت لجنة المعتقل إجراء انتخابات في صفوف العمال، لكل مرفق على حدة، لانتخاب لجنة تتولى الصلة مع الإدارة عن هذا المرفق، وفعلاً، تمت ولأول مرة، انتخابات "نقابية" بالمعنى المجازي، أفرزت لجان عمل، لكل المرافق، ومن بينها تم فرز لجنة للعمال، قوامها أمناء سر اللجان المنتخبة في مواقعهم، وحيث إنها لجان غير سرية، لأنها ستتعاطى مع مسؤولي العمل وإدارة السجن كممثلة لمطالب العمال، فقد لجأت الإدارة إلى طرد معظمهم من العمل، في محاولة منها لإفراغ الخطوة من مضمونها، ولم تقبل الإدارة إعادتهم، في الوقت نفسه، لم نتشدد من جانبنا في الضغط من اجل إعادتهم، واعتبرنا التعويض سياسة أجدى من الحرب لأجل قضية كهذه، وهكذا كان، حيث استعيض عمن فصلوا من العمل بزملاء آخرين في اللجان، واستمر الحال على ما هو عليه، صراع يومي لتحسين شروط العمل وظروف العمل.

 من القمة إلى القاع

ومع بداية عام 1974، تعرض المعتقل إلى هزّة كارثية على صعيد تماسكه الداخلي وبنيانه، حيث أدت هذه الهزة إلى الانهيار، واختلال النظام الذي بذلت جهود كبيرة لإرسائه وتطويره، وذلك على خلفية مقتل اثنين في غرفة واحدة، في ليلة واحدة في ساعة واحدة.

أصيب المعتقلون ساعة نشر الخبر بالذهول، والصدمة، وكان من الممكن معالجة المسألة رغم جسامة الحدث، ففي إطارها الضّيق، وتطويقها، لكن عاملين أساسين تفاعلا مع الحدث، وأنتجا التغلغل في أوساطنا، وأحكمت سيطرتها مجدداً على مقدرات المعتقلين، ومجريات الأمور، وانتزعت الكثير من المكاسب التي كنا قد حققناها، والثاني، أن الفرصة قد سنحت للكثيرين ليعبّروا في ظل اختلال الموازين، عن طموحات رديئة وإحساس بالمسؤولية أكثر رداءة، حيث لم يلتقطوا الحدث من زاوية التأثير الإيجابي فيه، يردع الإدارة نفسياً ومعنوياً من استغلاله للإقدام على خطوات انتقامية، طالما تمنت أن تواتيها الفرصة لها، بل عملوا، بقصد أو بغير قصد، على التساوق على مشروع الإدارة، أو على الأقل صبت كلتا الوجهتين في ذات الهدف، ومزّقت النسيج الداخلي لبنية المعتقل وأضعفتها، وأدخلتها في دوامة صراع مرير، زاد الطين بلّة.

هذا الحدث، وأنا لست معنياً بالخوض في تفاصيله، ولا إبداء رأيي فيه، لأنه حتى اللحظة لا يجوز الخوض فيه، ولا إعطاء رأي وموقف منه، لكنه بنتائجه فقط، يجبر من يهتّم بدراسة أوضاع المعتقلات، أن يعطي لهذه النتائج حقها، لأثرها الكبير في مسيرة المعتقل بشكل خاص، والمعتقلات بشكل عام.


على خلفية هذا الحدث انقسم المعتقل إلى ثلاثة أقسام رئيسة هي:

القسم الأول: المدافعون عن الحدث باعتبار العقوبة التي وقعت هي عقوبة ملائمة، وطالما أن الموضوع قد بتّ فيه بشكل رسمي، إذن، فليس لأحد الحق في النقض.

القسم الثاني: هم الذين تبنوا قضية الاثنين، وحملوها على كاهلهم بهدف الثأر والانتقام ممن أقدموا على قتلها.

القسم الثالث: هم الذين وقفوا بكل صلابة، في وجه انهيار الوضع العام، وعدم الانجرار لمجزرة دموية، الخاسر الوحيد فيها، بغض النظر عن تفاصيلها، المعتقلون، ولا نصر لأحد على أحد، المهزوم مهزوم، والمنتصر مهزوم، وعلينا أن نحكم صوت العقل والمنطق، والمصلحة الوطنية هي المنطلق وهي الهدف، وحدث كهذا لا يمكن ان يحلّ في السجن، لأنه يحتاج إلى بنيان قانوني بكل تفرعاته، من تدقيق وتوثيق وادعاء واتهام، ودفاع وقاضٍ وما إلى ذلك، ونحن في وضع لا يمكننا فيه توفير المقدمات الضرورية لحل منطقي وقانوني، يكفل الحق والعدل.

وعلى هامش هذه الاتجاهات الرئيسية، نما تيار طفولي وطفيلي، اتخذ من هذه المشكلة ذريعة للإعلان عن نفسه، مع أن لكل واحد من أفراد هذا التيار، مشكلته الخاصة مع التنظيم، الذي ينتمي إليه، والتي شكلت جوهر تجمعهم، أي أنه تجمع الأزمات الذاتية، التي لم تجد حلاً لمشاكلها إلا بهذه الطريقة، بمعنى أنها هرّبت مشاكلها وهربت معها، مستفيدة من المناخ الناشئ في المعتقل، الذي أطلق على نفسه اسم "التيار الديمقراطي"، وهذا بعكس التيار الثاني الذي ترسّخ في المعتقل كتيار فصل نفسه عن الصف الوطني، وشكّل كتلة مستقلة، لا يمكن التشكيك بوطنيتها، إلا أنها هي الأخرى لعبت دوراً في التأثير السلبي على النسيج الوطني والاجتماعي والنضالي في المعتقل وأعني بها، الكتلة الإسلامية، التي وقف على رأسها، الأخوة، جبر عمار، وحافظ دلقموني، وماجد قاسم عبد الفتاح، وسعيد قاسم.

لقد فصلت الجماعة الإسلامية نفسها عن المعتقل تماماً، منذ عام 1972 وحتى عام 1976، حيث استقلوا بغرف خاصة بهم، أعلنوا المقاطعة الاجتماعية للمعتقلين، لم يستجيبوا لطلباتنا المتكررة لهم بمشاركتنا أي خطوة نضالية، بل اهتموا خلال كل تلك الفترة، بتعميق الوعي الديني لدى أفراد الجماعة، واعتبروا ذلك، رسالتهم الوحيدة التي لا تنافسها، ولا تتشارك معها في تفكيرهم ووجدانه أية رسالة أخرى.

لقد عاش المعتقل خلال سنوات 1974 – 1975 – 1976، حتى منتصفها تقريباً، أسير الحدث الآنف حيث تقيدنا به قيداً لا فكاك مهن انهارت معه كل الأسس التي أخذنا نبني عليها مداميك مدرسة الثورة، ولم تجد الإدارة فرصة أفضل من هذه الفرصة، فانقضّت على المعتقل تمزّق جسده الحي بوسائل مختلفة وتثخنه بالجراح، وتسلب مكتسباته، إلى درجة أصبحت حقوقنا معها امتيازات قابلة للخضوع للقرار الإداري، منحاً أو سلباً، وقد تكالبت سياسة الإدارة وتعاضدت مع الانقسام المسلّح الذي ساد المعتقل.

وأذكر هنا حادثين لهما دلالات واضحة،
الأول: أن البعض من المعتقلين انتزع من جدار الحمام علاّقة حديدية، طولها أكثر من متر ونصف المتر، ليحولها إلى سكاكين يتسلّح بها، وقد جاء أحد الزملاء وأخبرني بما رأى، وعلى الفور وبلا تردد، ذهبت إلى الحمام، وبحثت عن قطعة الحديد، وحين وجدتها ترقد في مخبأ آمن، لم أتردد في تسليمها للضباط زكي كوهين، وبرفقتي المناضل محمد أحمد كمال من بلعا، كشاهد على الحدث، حيث ارتأيت، أن واجبي الوطني يقضي بإتلاف أية أداة حادّة يمكن أن يستخدمها مناضل ضد زميله المناضل.

والثاني: هو أن بعض الزملاء أيضاً، اتفقوا على توجيه ضربة قاتلة لزميل من المتهمين بالقتل، وهو عوني أبو اصفر، فبادروا إلى طلبه للساحة على سبيل الزيارة، مستغلين بذلك أحد أصدقائه، دون أن يعرف هذا الصديق بمخطط هؤلاء الزملاء، من جانبي، لفت انتباهي أن حركة استعدادات قد أخذت تجري في الساحة، أدركت مغزاها على الفور، حين رأيت عوني أبو اصفر ينزل درج المردوان الغربي العلوي باتجاه باب الساحة، والشاويش "جبر هنو" يفتح له الباب، ركضت سريعاً وأمسكت بيده، وهي تفتح الباب، ومعي الأخ محمود شريتح، فأوقفته وقلت له بصوت متهدّج، أَعَلَى مسئوليتك تخرجه للساحة؟ قال: لقد طلبه أحدكم للزيارة، قلت: لا تفتح الباب، عوني .. عد إلى غرفتك بلا نقاش، وللأمانة والتاريخ، فقد عاد عوني أدراجه دون نقاش، وقد تفهّم أنني فعلت ذلك حرصاً عليه وإنقاذا لما يمكن إنقاذه في هذا الوضع المتردي.

في منتصف عام 1975 تقريباً، أعيد إلى سجن عسقلان المناضل المبعد قبل ذلك بعامين من السجن الأخ أبو علي شاهين، وبعده بقليل، وفد إلى سجن عسقلان الأخ مهدي بسيسو "أبو علي" وكلاهما من القياديين البارزين في صفوف حركة فتح، أو لنقل القادة الأبرز على صعيد فتح والمعتقلات عموماً، وقد جاءت عودتهما إلى السجن رافعة حقيقية، يمكن لها أن تستنهض الوضع المتردي الذي نحن فيه، خاصة وأن المشكلة التي نتحدث عنها، هي بالدرجة الرئيسية تخصّ فتح، ولذلك، يمكنهما ان يلعبا فيها دوراً بارزاً.

منذ عودة "الأخوين أبو علي"، أخذت اتجاهات الحركة في المعتقل، منحى آخر، حيث تصدىّ الأخوان لملف القضية ذاتها، وفتحا حواراً مع الأطراف ذات العلاقة، بعد أن تمّ إحياء اللجنة الوطنية الاعتقالية، وإشراكها في هذا الحوار، على اعتبار ان الحل يجب أن يكون حلاً وطنياً، نظراً لأن للمشكلة أبعاداً وطنية، ومؤثرات وطنية، حيث إن الانقسام لم يطل طرفاً واحداً من أطراف الحركة الوطنية في المعتقل، بل شمل الجميع، وأؤكد هنا مرة أخرى، أن البعض قد ركب موجة الحدث "لغرض في نفس يعقوب"، وليس انطلاقاً من موقف مبدئي وطني.

لقد أخذ الحوار بين الأطراف وقتاً طويلاً، كنت خلاله والأخ مهدي بسيسو في غرفة واحدة "غرفة 6"، وكان الأخ أبو علي شاهين في "غرفة 17"، وقيّض لي، بفعل العلاقة اليومية مع الأخ مهدي، أن اطّلع على ملف القضية بتطوّراته المختلفة، وان ألعب فيه دوراً مهماً إلى جانب الزميلين نبيل قبلاني، وغازي أبو جياب، حيث وقفنا باتجاه تحقيق المصالحة بين كافة الأطراف، تمهيداً لإعادة التوازن النضالي المفقود لدى الحركة الوطنية الاعتقالية، وليس من ضير في أن نبرز مدى الانهيار النضالي الذي أصابنا في تلك الفترة، حيث قامت الإدارة بقتل المناضل عمر يوسف شلبي، على مرأى المعتقلين ومسمعهم، تحت ذريعة أنه قام بتكسير بضع مكاوٍ، دون أن يجد هذا الحدث الجسيم، أي رد فعل، مهما كان حجمه.

 التعالي على الجراح

لقد كان هذا الحدث اختباراً من جانب الإدارة لسياسة التفكيك التي مارستها على البنية الوطنية الاعتقالية ونجحت الإدارة في الامتحان، لكننا صمّمنا على أن نرد لها الصاع صاعين، ولذلك، تركّزت كل الجهود على المصالحة الوطنية، تمهيداً لهذا الرّد.

وهكذا كان، ففي منتصف عام 1976، تمّت هذه المصالحة بالآلية التالية:-
1 - إصدار بيان اعتقالي يبرئ الذين قتلوا من التهمة التي قتلوا على أساسها. هذه الفقرة بالذات هي التي أخذت كل الوقت بالنقاش، والتي كان الأخ أبو علي شاهين، يرى بعدم ضرورة إيرادها بوضوح، حتى لا يفتح الطريق لحدث ثأري مماثل، مغطى بها.

2 - توقيع الأطراف ذات العلاقة المباشرة على وثيقة عدم اعتداء، وكل من يعتدي على خلفية هذه القضية تصريحاً أو تلميحاً، سيُدان وطنياً بتهمة تخريب البنية الوطنية في المعتقل، بأبعادها الوطنية والأمنية.

3 - يتم ترسيم احتفال في الساحة، تسير فيه اللجنة الوطنية الاعتقالية، الموزعة بين أقسام السجن، بمعنى من تواجد منها في الساحة المعنية، خلال وقت الفورة مع الطرف المتواجد من الطرفين لمصالحة باقي المعتقلين، الذين يصطفّون على جنبات الساحة.

4 – يتم توزيع الشاي والقهوة والسجائر والحلويات "طوفي، بسكويت"، على جميع المعتقل.

وهكذا، أنجزنا بهذه الآلية، المصالحة التاريخية بين الأخوة في الأسرة الواحدة، وفتح الطريق بهذا الإنجاز، لإضراب عسقلان التاريخي، أطول الإضرابات بالتاريخ المعاصر، الذي سنورده لاحقاً، بعد أن نعود مرة أخرى لبعض العناوين ذات الصلة بحياة المعتقلين وتطوراتها.

 الصندوق الاعتقالي:

سبق أن أشرت بشكل عابر، إلى بروز نوع من الصناديق الفصائلية، التي لم تكتمل دائرتها، حتى على صعيد الفصيل الواحد، للفارق في الدخل بين من يعملون ومن لا يعملون، ولذلك، فشلت كل الجهود في إنجاح فكرة صندوق مشترك، وضعت له آلية راعت احتياجات الأفراد، بين مدخن وغير مدخن، عامل وغير عامل، واعتبرت اللجنة الوطنية التي صاغت هذه الآلية أن المدخل لصندوق جماعي هو الصندوق الفصائلي، وعلى كل فصيل ان يسعى لتذويب المواقف المتناقضة حول الفكرة في داخله، تمهيداً لتعميم الفكرة وطنياً.


لقد أخذ الموضوع وقتاً طويلاً، ولم يتسن لنا تحقيق برنامجنا الوطني الخاص به إلا عام 1979، وبعد اتخاذ قرار وطني بوقف العمل كلياً، الذي كان لي شرف تكليفي بإبلاغ الإدارة به، لقد كان قرارنا وقف العمل، هو أيضاً من باب الاختبار، فبعد سنوات من الجهد الوطني المتواصل، لإعادة اللُّحمة إلى الصف الاعتقالي، أحرزنا هذا النجاح الكبير، بوقف العمل، الذي لم يخرق من قبل أحد، بل لقى استجابة وطنية شاملة.

لم نكن ندرك أهمية العمل بالنسبة إلى الإدارة، التي كثيراً ما رددت على مسامعنا، أن العمل بالنسبة إليهم، ليس أكثر من وسيلة ترفيه للمعتقل، وهو ليس عملاً إنتاجياً ربحياً، أما الصورة الحقيقية والوقف الحقيقي، فقد عبرت عنه اللوحة التالية:

كُلفت من لجنة المعتقل، بطلب مقابلة عاجلة للمدير، للبحث في نقطتين: الأولى ترتيبات العيد، من صلاة وزيارة والوفد الذي اعتدنا على استقباله في العيد، والثانية، إبلاغهم بقرارنا وقف العمل، بلا لبس ولا غموض، استجابوا سريعاً لطلب المقابلة، حيث حضرها إلى جانب المدير، كل طاقم الإدارة الإداري والأمني، ولم يستثنوا منهم أحداً، وبعد الحديث عن العيد ومتطلبات الاحتفاء به، وموافقتهم على مطالبنا الخاصة به، وبعد أن تيقّنت من أنها قد علقت على لوحة الإعلانات في ساحة السجن، أبلغتهم بقرارنا وقف العمل في السجن نهائياً، الجملة الواحدة، أصبحت وكأنها قنبلة، حيث وقفوا جميعاً باندهاش وذهول، قال مدير السجن، هل هذا قرارك، أم قرار السجن؟ قلت: بل هو قرار السجن.

من النقاش اللاحق، والاهتمام غير العادي، والاستعدادات الحاتمية في كرمها، أدركت أهمية العمل في حياة إدارة السجن، لقد دفعوا مقابل التراجع عن القرار، ليس الاستجابة لمطالبنا التقليدية وحسب، بل تعدوا ذلك إلى إعطائنا المزيد من المطالب التي لم نكن قد ارتقينا إلى اعتبارها جزءاً من برنامجنا النضالي. وهكذا، أوقف العمل في السجن، وفتحت آفاق الوحدة الداخلية بلا فوارق تحول بيننا وبين تطبيق برنامجنا الوطني الداخلي، وكان الصندوق هو أولى ثمرات هذا الإنجاز، وتم اختيار الأخ إبراهيم القريوتي ليتولى أمانة أول صندوق اعتقالي عام، الذي أصبح بعد هذا التاريخ تقليداً وطنياً، لا يجرؤ أحد على المساس به.


قبل تشكيل الصندوق الوطني، كنا نغطي احتياجات الاحتفالات والمناسبات الوطنية جميعاً، ولكن عن طريق المحاصصة، بحيث يدفع كل تنظيم حصته للاحتفال أو المناسبة، وتجمع جميعاً لتغطية الحدث، أما بعد تشكيل الصندوق، فقد أصبحت لجنة الصندوق هي المعنية بتغطية نفقات الاحتفالات والمناسبات من الصندوق.

لقد قام الصندوق الاعتقالي، كجانب من جوانب حياتنا، وفقاً لآلية صرف ونظام عمل يراعيان الوضع الخاص الذي نعيش فيه، ولا يترك مجالاً لاستقلال أو حرمان، فالجميع سواسية أمام القانون، ومن أهم بنود العمل في الصندوق، أنه خصص جزءاً للمدخنين متفقاً عليه، وتم توزيع ما تبقى على الأفراد. والطور اللاحق لهذه الخطوة، هو أن كل غرفة من غرف السجن، أفرزت ممثلاُ عنها، ارتبط مع لجنة الصندوق العامة، يوافيها بالإحصائيات المدققة حول عدد من في الغرفة، وعدد المدخنين، وأسماء نزلاء الغرفة، والمبالغ المرصودة لكل منهم في حسابه الخاص بالكانتين .. الخ، وتقوم لجنة الصندوق بتفريغ المعلومات وتحويلها إلى أرقام، وتوزع بموجبها على الأفراد. وفي كل غرفة، كان مطلوباً من أمين صندوق الغرفة، أن يشتري احتياجات غرفته،" وأن يعيد الفائض إلى لجنة الصندوق، كما وكان في كل غرفة نظام متداخل، بين ما هو فردي، وما هو جماعي، فالأشياء المشتركة، كالشاي والقهوة والسكر، هي أشياء جماعية، يتم شراؤها لاحتياجات الغرفة الشهرية كاملة، وما تبقى يحق لكل فرد أن يتصرف به لحسابه الخاص "فرشاة أسنان، فرشاة حلاقة، حلويات ..الخ). وبذا، أصبح التكامل بين الجميع قائماً، والمساواة محققة.

 الأعياد الدينية … وكيف ترسّخت تقاليدها

حتى عام 1970، لم تكن لنا كمعتقلين، أية شعائر او تفكير خاص بهذه الأعياد ، وبخاصة الفطر والأضحى، لكننا، وبعد الصراعات المريرة في عام 1970- 1971، أخذنا نفكر جدّياً بتثبيت تقليد خاص بهما، والذي لم تكن إدارة السجن تفكر بأكثر مما كانت تعطينا فيه، ألا وهو السماح لنا بزيارة من قبل ذوينا بمناسبة العيد.

وخلال اللقاءات مع مدير السجن "دستلفلد"، كما أسلفت، كانت هذه القضية واحدة من القضايا المطروحة للنقاش بجدّية حيث بلورنا، حولها فكرة أساسية تمثّلت في حق المعتقلين بصلاة العيد وخطبة العيد بصورة جماعية، وقد اصطدمت الفكرة في البداية بالذريعة الأبدية للإسرائيليين عموماً، وهي الاحتياج الأمني، الأمر الذي تم تذليله، حيث اتفقنا على فتح الأبواب للصلاة مع العدّ الصباحي، وفرش الساحة بالبطانيات، وليخرج من يرغب في الصلاة إلى الساحة، كذلك استقبال وفد من الخارج، يحمل معه هدية العيد للمعتقلين، عبارة عن كيلو، غرام لكل سجين من البقلاوة المشكّلة، وهذا المطلب كان مطلب مؤسساتنا الوطنية في الخارج، والذي أرست أسسه مؤسساتنا الوطنية في نابلس تحديداً بزياراتها للمعتقلين في سجن نابلس المركزي، وتقديم الحلوى لهم في كل عيد، إضافة إلى ذكرى الإسراء والمعراج، وذكرى المولد النبوي، وهي مناسبات استغلت للتواصل مع المعتقلين من قبل مؤسساتنا الوطنية ولإدامة العلاقة الوطنية بين الطرفين.

وفيما يتعلق بنا في سجن عسقلان، فقد تولت مؤسساتنا في غزة هذه المهمة، وإلى حد ما مؤسساتنا في بيت لحم، فقد زارنا بهذه المناسبة المرحوم الشيخ هاشم الخزندار، الذي لم يكتف بزيارتنا في المناسبات الدينية، بل برمج مع الأخ المحامي أبو شرار لزيارتنا في أوقات مختلفة، حمل إلينا فيها شاحنات من الخضار والفواكه، كما زوّدنا بالزيت والزعتر، والميرمية بكميات كبيرة، وبكميات من السمسم، وكل ما تمكن من جمعه، فكان مخزن سجن عسقلان ممتلئاً بها، ولم يكتف الشيخ هاشم بلقاء المعتقلين في الساحة أو من خلال وفد رسمي عنهم، بل كان يصرّ على زيارتنا في الغرف، كل الغرف، يمازح هذا، وينقل التّحيات لذاك من أهله وذويه ممّن يعرفهم، تقريباً، كانت للشيخ زيارته الشهرية كل شهرين مرة على الأقل.

كذلك، قام بزيارتنا وفد بيت لحم برئاسة الأخ أبو جريس "إلياس فريج"، الذي تكررت زيارته لنا لمرة واحدة، وكذلك المحامي فايز أبو رحمة… الخ، وجميع هؤلاء كانوا محط استقبال حار، لأشخاصهم كشخصيات وطنية، ولما يمثّلون حيث يمثلون الشعب، وهم رسالة إلينا. وفيما يبدو، فقد اتفقت المؤسسات الوطنية لاحقاً، وفي مقدمتها البلديات، على توزيع التكافل مع المعتقلين، بمسؤوليات محددة، بحيث تتولىّ كل بلدية المسؤولية الكاملة عن أحد المعتقلات.

وأذكر هنا، أن أول زيارة تلقيناها من الأهل في الخارج، كانت في شهر 12/1968 لسجن الرملة، حيث قامت بزيارتنا الشيخ سعد الدين العلمي، ومعه غبطة البطريرك كبوتشي، حيث قدما لكل منا عليه سجاير وبكيت شوكولاته، لكنها زيارة يتيمة لم تتكرر إلا بعد سنوات، حيث ترسخت على يدي الشيخ الخزندار.

أما على الصعيد المسيحيّ في المناسبات والأعياد المسيحية، فقد تواجد معنا طيلة الوقت في سجن عسقلان الأخ يعقوب دواني، الذي كان يحظى بزيارة الكنيسة له في أعياد الميلاد من كل عام، حيث يزوره أحد القساوسة، ويقوده في صلاة أعياد الميلاد، ويطعمه ويسقيه من كعك العيد ونبيذه، فضلاً عن مشاركته معنا في كل أعيادنا الدينية الإسلامية، بلا تمييز.

 الجانب الثقافي وتطوراته في المعتقل

تعتبر الثقافة حجر الزاوية في حياة المعتقلين، فبعد الاعتقال، وبعد أن لم يعد ممكناً استمرار حياة المناضل في السجن كما كانت عليه خارجه، وليتسنى له التعايش مع سني اعتقال غير منظورة المدى، بفعل الأحكام العالية، كان لا بدّ من البحث عن وسيلة تمثّل امتداداً لنضالية المناضل، ترسّخها وتعمّقها، وتعوّضه فقدان سلاحه، ولذلك، كان لقول المتنبي ترجمته، والذي جمع بين السيف والقلم والرمح والورق، فاتجهنا وجهة القلم والورق، لنكمل بهما مسيرة السيف والرمح في البداية، وخلال السنوات الأربع الأولى من الاعتقال، لم نكن نملك الورق والقلم الكافي لإنجاز مشروعنا الثقافي حيث ما تيسّر منه، كان النزر اليسير هرباً ومسروقاً، أي أنه كالسلاح، كان غير شرعي بعرف الاحتلال وقوانينه، يعاقب من يُضبط معه قلم أو ورقة مكتوبة، بالحبس الانفرادي في الزنزانة، ومع ذلك، فقد استثمرنا بشكل أولي، هذه الإمكانيات المتواضعة في المراسلات الداخلية، البدائية، التي لا تتعدىّ بضعة أسطر في الرسالة، استثمرناها في فك الغاز الأحرف الأبجدية لدى الأمّيين، استثمرناها في أول منشور (إعلامي، سياسي، نضالي، وطني، ثقافي، تربوي، علاقة اجتماعية، علاقات عامة)، وأضف إلى كل هذه التسميات ما شئت، فهي كلّها تسميات جائزة، حملتها بضع أوراق "بكيتات" اللبن الورقية، التي كانت تغسل وتنظف جيداً، ويتم تجفيفها واستخدامها في كتابة "فتح الثورة"، او أكياس الإسمنت الفارغة التي كان سهيل البرغوثي يتقن تحويلها إلى ورقة جريدة من أربع صفحات، متوسطة الحجم، بعد قصّها وتربيعها، وتحمل اسم "الطريق" أو "الشرارة"، وهاتان أول الصف الصحف الاعتقالية ومن ثم الأخيرة كلها، جاءت "الهدف"، و "النضال"، و "إلى الأمام"، و "المسيرة" و "النهضة"، لكن الصحف الأخيرة كلها، جاءت بعد أن حقق المعتقلون قفزة في هذا العالم، حيث حصلوا على حق اقتناء الكتب الدراسية والدفاتر والأقلام، بمعنى أن الصحف الثلاث الأولى قد شقت طريقها في صحراء الإمكانيات، بينما ولدت الصحف الأخيرة بين دفات الدفاتر، لكنها جميعاً أسهمت في جانبين مهمّين، الجانب الأولى، ترسيخ بنية ثقافية وطنية، تفاعلت مع بعضها ومع الأحداث، وأبرزت نقاط الخلاف والاتفاق بين فصائل المقاتومة، ورسمت لها حدودها، وحشد كل فصيل أعضاءه خلف مواقفه، ووحدة وجهة نظرهم، بمعنى أنه أصبحت للمناضلين "وجهة نظر"، وهي قفزة نوعية من التأسيس لتطورات لاحقة، ولد فيها كاتب المقالة، وكاتب القصة والشاعر والرسام، ولم يكن من الممكن أن تظهر كل هذه الإبداعات، إلا إذا أصبحت الشخصية بحد ذاتها "وجهة نظر"، وهو من وجهة نظري، قمة الارتقاء الثقافي، فأن تكون صاحب وجهة نظز، يعني أنك امتلكت ناصية الإبداع في مجالك، وهذا هو الفرق بين المبدع وبين الناقد والحافظ، وهو الفرق بين الكاتب والناسخ.

وهنا، لا بد لي من الوقفة مع من أتذكر من المبدعين في مجالات الكتابة المختلفة، الذين تركوا بصمات واضحة في أدب المعتقلات: أبو علي شاهين، وعمر قاسم، ومحمد أبو وعر، وإسماعيل دبج، وعمر أبو راشد، ورمضان البطة، ونبيل قبلاني، وغازي أبو جياب، وعلي القطاوي، وراضي الجراعي، ومحمد حمدان القاق، ومحمد أبو لبن، ومحمد مشلاوي، وحسن سرندح، وأحمد عبد الفتاح نصر، وعطا القيمري، وإبراهيم شيخة، وخالد عبد الرحيم، وحاتم شنار، وفتحي البواب، ورشيد أبو شباك، وحسن لبد، وعبد الكريم البرغوثي، ونايف أبو عيشة، ومحمد دهمان، وحسن قواسمي، وأحمد أبو هدبة، وذياب اللوح، ورمضان النجار، ولؤي عبده، وجبريل الرجوب، وفايز عاقلة، وبلال الشخشير، وخالد الزبدة والكثير الكثير، الذين تطول بهم القائمة، لكني أبقيت جانباً واحداً من الإبداع مستقلاً عن غيره، وهو الرسم، حيث أبدع رسامون هواة، مثل محمد الركوعي، وزهدي العدوي، ومحمد أبو كرش، ومحمود عفانة، وهشام بايركميل في هذا المجال، أيّما إبداع، حيث أرّخوا بلوحاتهم لمراحل كاملة من الحياة في المعتقلات، جسّدوها بريشة فنان موهوب.

لقد تمكن هذا الجيش من المثقفين والمبدعين، من تطوير ذاته، بعد ان حصلنا في عام 1972 وفي معتقلي بئر السبع وعسقلان، على كميات من الكتب المختلفة المدارس المذهبية والفلسفية، قديمها وحديثها، بطرق مشروعة وغير مشروعة، أما المشروعة منها، فقد جاءت عن طريق الصليب الأحمر، بعد اتفاقنا مع الإدارة على ذلك، أما غير المشروع، فقد تم شراؤه بواسطة بعض الشرطة، الذي دُفع به مبلغ من المال في بئر السبع، فأحضر كيساً كاملاً من الكتب، سرّية ليلاً للسجن، وهو ضابط مناوب، وكذلك فعل أحد الشرطة في عسقلان، حيث هرّبها لنا بالكتاب، وكما أشرت سابقاً، فقد تم بناء مكتبة مثّلت ثروة بكميتها ونوعيتها أسهمت في ترسيخ أقدام المناضلين في مجال الكتابة، وطوّرت قدراتهم، بتنمية رفيعة المستوى لديهم.


الجانب الآخر الذي لا بد من الإشارة إليه، هو التفاعل الثقافي والوطني عموماً بين كافة المعتقلات، فقد عمل المعتقلون على تنظيم حركة بريد بين المعتقلات، اعتمدت أساساً على مدخلين:
المدخل الأول، استغلال سياسة الإدارة في إجراء تنقّلات بشكل دائم ومستمر بين المعتقلات، سواء بشكل فردي "لبعض الأفراد"، أو بشكل جماعي، حيث كان على من يغادر المعتقل أن يتناول وجبة من الكبسولات المعدة سلفاً، والتي تحمل أكسير الثقافة من سجن لآخر، كما تحمل آخر المستجدات الاعتقالية، وكذلك التنظيمية الخاصة بكل تنظيم.

أما المدخل الثاني، وهو المدخل الأكثر استخداماً، فهو سفريات العلاج في مستشفى سجن الرملة، فإذا كان المدخل الأول محدد الوجهة، من سجن إلى سجن فقط، فإن المدخل الثاني متنّوع الإتّجاهات، حيث يلتقي في نظارة سجن الرملة معتقلون من مختلف المعتقلات، وبهذا تتاح الفرصة لتوزيع بريد منوّع على كل السجون، واستقبال بريد السجون إلى السجن، وهنا ليس من الجائز لأحد، كميثاق شرف غير مكتوب، ألاّ يحمل رسائل السجن الذي سيعود إليه، بغض النظر عن الفصيل المعني بالرسالة، وبغض النظر عن عضوية المناضل التنظيمية، وبهذا، استكملت حلقة مهمة من حلقات التواصل النضالي والامتداد المعرفي وتوحيد المفاهيم والثقافات الوطنية والتنظيمية، لأعضاء الفصيل الواحد، في مختلف السجون.

وهنالك مدخل هامشي، لم نعتمد عليه كثيراً، بل استخدمناه كباب للطوارئ، حيث كانت رسائلنا الخاصة بالمشاريع والمواقف النضالية، ترسل إلى السجون بواسطة الأهل أثناء الزيارات، كنّا نهرّب الرسالة، ونعطي الأهل العنوان المطلوب تسليمها إليه، وكانوا بدورهم ينقلونها للسجن الآخر، وبهذه الطريقة، أرسلنا واستقبلنا المخططات والمشاريع النضالية ووحّدنا مواقفنا حولها.

 إضراب تاريخي في عسقلان:

فور اجتيازنا للأزمة الداخلية في سجن عسقلان، اتجهنا مباشرة لإعداد العدة لانتزاع مكاسبنا المسلوبة من الإدارة، وكانت أولى خطواتنا، فتح حوار مع الجماعة الإسلامية في المعتقل، لتنظيم إلينا في المواجهة، وهم الذين كانوا يرفضون مشاركتنا أية خطوة، أي موقف، حتى لو كان ذلك ضد الإدارة، ولا أعني بهذا أنهم حالفوا الإدارة، إنما أقصد أنهم، وبسبب سياسة التفكير التي ألصقوها بكل من ليس معهم، اعتبروا أن العمل المشترك مع الكفرة محرم شرعاً، ومن هذا المنطلق، كان علينا أن نحاورهم، لتكتمل دائرة الفعل الاعتقالي، ضد الإدارة المجرمة، التي استغلت وضعنا كما أسلفت، وأقدمت على قتل عمر شلبي، بالعصي، وعلى مرأى المعتقلين، وجعلت من القزم جورنو، عملاقاً.

كانت المهمة شاقة وصعبة، ومع ذلك، أقر مجلس شورى الجماعة الإسلامية قرار المشاركة في الإضراب، شريطة أن تكون للجماعة قيادتها المستقلة عن قيادة المعتقل النضالية، كان من الممكن أن نسلم لهم بهذا الخيار الإجرائي، فيما لو أصروا عليه، وفيما لو بقي شرطهم الوحيد للمشاركة في الإضراب وفي آخر اجتماع معهم، لترسيم المشاركة بالقسم، تبيّنت لهم استحالة تطبيق ذلك في الإضراب، خاصة إذا ما اتخذت الإدارة إجراءات تنقل وعزل وإبعاد وما إلى ذلك، ونحن لا نريد أن نترك الأمور للصدفة، ولا لحلول نصف الساعة الأخيرة، بل علينا، إذا ما كنا جادين في خوض تجربة نوعية وفريدة، أن نرتّب أمورنا، استناداً إلى الاحتمالات المختلفة والمتعددة، لتصبح جاهزيتنا قريبة من الكمال، لان الكمال لله وحده، واقترحنا عليهم الاقتراح المحدد التالي، الذي كان قد تبلور في اجتماع شبه رسمي، ضم إلى جانب اللجنة الوطنية الاعتقالية، بعض الأخوة من ذوي الموقع الاعتباري، الذي يعتدّ برأيهم في الأمور المصيرية ومفاده:

تشكيل لجنيتن للإضراب، تتشكل الأولى من سبعة مناضلين، وتتشكل الثانية من أربعة مناضلين، تسمى الأولى "اللجنة المركزية النضالية"، وتسمى الثانية "لجنة الحوار"، وتندمج اللجنتان خلال التنفيذ في لجنة واحدة، تسمى :القيادة النضالية"، على أن تمارس كل منهما في إطار هذه اللجنة، صلاحياتها المخولة إليها في تنظيم التحرك، وآلية العمل، وبعد نقاش ليس بقصير، وافق الأخوة ممثلو الجماعة الإسلامية على المشاركة في هذا الإطار، كما هو محدد، والذي ينسحب على كل التشكيلات البديلة اللاحقة، حال عزل أو إبعاد التشكيل الأول، وقد شارك في هذا الحوار من لجنة المعتقل، الأخ رمضان البطة، والأخ نبيل قبلاني وأنا، مقابل الأخوة جبر عمار، وحافظ دلقموني، وماجد قاسم عبد الفتاح عن الجماعة الإسلامية، حيث تم توقيع اتفاق رسمي بهذا الخصوص، شارك في التوقيع عليه، إلى جانب المذكورين، الأخ مهدي بسيسو والأخ غازي أبو جياب.

كانت الخطوة التحضيرية التالية، هي تشكيل اللجان، حيث تم تشكيل لجنة الحوار من الأخوة، مهدي بسيسو، وجبر عمار وعبد الله العجرمي، ومحمد حمدان القاق، أما اللجنة المركزية، فقد تشكلت من الأخوة: رمضان البطة، ونبيل قبلاني، وعمر أبو راشد، وغازي أبو جياب، وعبد المنعم المقادمة، وحافظ دلقموني، وحافظ أبو عباية.

وبدأت ورشة التحضير التخطيطي التنظيمي للإضراب، مع ما يرافق هذه الورشة من صلات مع الخارج، مع الحركة الوطنية الفلسطينية في الأرض المحتلة، بمؤسساتها المختلفة، فهم عمقنا الإستراتيجي، وهم يحسمون مسار المعركة المقبلة، معركة الأمعاء الخاوية، واستغرق هذا الجهد الجبار، حوالي أربعة أشهر، تحددت في نهايتها ساعة الصفر: 11/12/1976، هذا هو اليوم الذي تحددت فيه انطلاقه مجابهة الكف للمخرز، كما سميناها في حينه، وحيث تحدد الانطلاق تحت الشعارات التالية:

(أطلب الموت … توهب لك الحياة)
(لا للركوع … نعم لآلام الجوع)

بعد أن استكملنا الاستعدادات الداخلية والخارجية، وبعد أن فرزنا المعتقل لدخول الإضراب على دفعات، وليس دفعة واحدة، جهزنا بيان إعلان الانطلاقة، مرفقاً بقوائم أسماء الدفعات الأولى، والثانية والثالثة، والفواصل الزمنية بينهما، وقد تلي البيان يوم العاشر من ديسمبر ليلاً في جميع الغرف، وأصبحنا يوم الحادي عشر من ديسمبر على موعد مع رحلة الجوع الطويلة، وسارت الأمور كما خططنا لها، إلا في جانب واحد، ألا وهو نظام الدفعات، حيث تواردت الاحتياجات من كل حدب وصوب، شفويّة ومكتوبة، وكل واحد من هذه الاحتياجات مشروع مشكلة، لان من تم ترتيبهم في الدفعة الثانية أو الثالثة، اعتبروا ذلك انتقاصاً من قدراتهم ورجولتهم، وحتى المرضى والمسنون الذين تم إعفاؤهم نهائياً من الإضراب، لم تسلم اللجنة من حملتهم عليها، وهكذا مضى اليوم الأول في التدبير، وصد الهجومات المتواصلة، ولم يصمد قرارنا أمام زخم الهجوم، فانهار منذ اليوم الأول، والتحق الجميع بالإضراب منذ اليوم الثاني.

لقد وقفنا مطولاً أمام ما حدث بعد انتهاء الإضراب، واعتبرنا الرضوخ للضغط الذي هدم الفواصل الزمنية بين الدفعات، خطأ قاتلاً للإضراب، كخطوة وكفكرة، استنتاجاً من المدى الزمني الذي بدأت فيه عملية فك الإضراب وحتى يومه الأخير.
 من صور التعذيب الوحشية المرافقة للإضراب

في اليوم التاسع للإضراب، أقدمت الإدارة على تزويد المعتقلين بالتغذية الصناعية بواسطة "البربيش"، حيث يخرج المعتقلون إلى ساحة العيادة غرفة غرفة.

وهناك، يجلس المناضل على كرسي، ويدخل "البربيش" (بحجم 6 ملم) في جوفه حتى المعدة، ويسكب فيه كأس من الحليب الممزوج ببعض المواد الأخرى، في الوقت الذي يمسك فيه عدد من الشرطة بأيدي المناضل وأرجله، لقد استخدم "البربيش" في كل الإضرابات كوسيلة لكسر الإضراب، حيث إن الطريقة التي استخدموه فيها، خلت من أي سلوك إنساني، فعدا عن العنف الذي يستخدمه رجال الشرطة الممسكون بالمضرب، فإن الممرض يحول "البربيش" إلى أداة يضرب بها فم المعدة، يضرب بها أسفل المعدة، يجرح بها قناة المريء، ويتدفق الدم من الأفواه الجائعة، وكثيراً ما كانت كمية الدم النازف من هذا المناضل أو ذاك، تساوي حجم كوب الحليب المسكوب في أمعائه أو ضعف حجمه. وكان لدينا في القيادة النضالية قرار واضح، الجمع بين النقيضين، عدم رفض تناول الحليب، لأننا نريد إطالة أمد الإضراب، مع عدم مقاومة جدية لتناول الحليب، حتى لا نؤدي أنفسنا، لأنهم سيستغلون المقاومة المفترضة، لاستخدام العنف بأقسى درجاته، وفي ذلك هدر للطاقة، التي نحن أحوج ما نكون للحفاظ عليها، وعدم التفريط بها، لأنها زادُنا في مشوارنا الطويل، ولأنهم قد يستغلون مقاومتنا للعمل على كسر الإضراب، تحت ذريعة أننا لجأنا إلى العنف، ولم نقف عند حدود الإضراب السلبي.

في اليوم الأول لتناولنا الحليب، دفعنا ثمناً غالياً، حيث نتج عن الاستخدام الهمجي لـ "البربيش" (الزوندا)، دخول الحليب إلى رئتي زميلين من زملائنا هما: محمد أبو حميد، ومحمد مدوخ ، حيث نُقلا إلى المستشفى خارج السجن على عجل، وكانت النتيجة، عملية جراحية تحت لوحة الكتف من الظهر بطول 19 غرزة لكل منهما، ليتم من خلالها سحب الحليب من الرئتين. وكان لهذه الجريمة وجهان: الأول، هو بشاعتها التي تجلّت في أن اثنين من زملائنا، قد شارفا على الموت، الثاني أنهما دفعوا حياتهما "المستردة في اللحظة الأخيرة" دفاعاً عن مجموع المناضلين، حيث أجبرت الإدارة على انتهاج سياسة متّزنة في التعاطي مع الإضراب والمضربين، وذلك نتيجة الضجة الإعلامية التي واكبت الإضراب، والتي – للحق - كانت حملة مركزة ومكثفة ويومية ونوعية، واذكر هنا، أن تأثيراتها على مدير السجن كانت بردة فعله على الحادث الذي تعرض له الزميلان حيث قال: لن أسمح لأحدكم أن يموت في هذا الإضراب؟ سنقاتل الرب حتى لا يحدث هذا، لهذا تجنبوا مرة أخرى استخدام العنف بذات الطريقة، وأن بقي بطريقة أقل حدة، ومع عدد محدد من المناضلين، وبالمناسبة ، الوحيد الذي لم يدخل "البربيش" فمه، هو الأخ أبو علي شاهين، حيث تناوله عن طريق الأنف وليس الفم.

بدأت إجراءات الإدارة في اليوم الحادي عشر لإضراب، حيث قاموا بعزل خمسين مناضلاً، أي كل من توسمت الإدارة أنه يملك درجة ما من التأثير في مجريات الأحداث، إلى غرفتين منفصلتين عن المعتقل، (21 + 22) ولهما ساحة واحدة، أي أنهما ليستا معزولتين إحداهما عن الأخرى، واعتبرت الإدارة بذلك أنها أمسكت بزمام المبادرة.

في هاتين الغرفتين، اللتين أخليتا من سكانهما تمهيداً لحشرنا فيهما، كان يعيش الزميل عبد القادر راجح علارية، الذي مازال يعاني حتى اليوم، من الآثار الجانبية للحمى الصفراء، ولأنه كان يعاني من خلل كامل في جهازه العصبي، فقد رفض أن ينتقل مع زملائه في الغرفة، وبقي معنا، ونظراً لحالته الصحية، فقد كان معفى من الإضراب، وفي إطار ترتيباتنا الإدارية، أبقينا على مجموعة من زملائنا العاملين في المطبخ، كمعفيين من الإضراب، والبقاء في عملهم بالمطبخ، لاحتياجاتنا المتنوعة والمختلفة، طعام غير المضربين، تصنيع الغذاء الاصطناعي للمضررين، بحيث نضمن عدم التلاعب فيه، وأخيراً كوسيلة ضرورية وحيوية، للاتصال اليومي بين الأقسام، لان في ذلك شداً للروح المعنوية ما أشد الحاجة إليها وقت الإضراب، وبالمقابل، فإن ما يقتل المناضل هو أن يعيش في ظلام المجهول، لا يدري من أمر زملائه شيئاً، يحس في هذه الحالة بنفسه وحيداً في الصحراء، إما كلمة عابرة من هنا وهناك، مكتوبة أو شفوية، ففيها عصارة الحياة، وفيها سر الصمود، ولان عبد القادر راجح علارية، معفى من الإضراب، فقد كان يستقبل يومياً وجبات طعامه الثلاث، وكنا نستقبل معها بريدنا اليومي المنتظم، كان الشرطي هو الذي يحمل الطعام من المطبخ إلى عبد القادر، وكان إبراهيم سلامة "أبو عرب" هو الذي يقوم بمهمة وضع الرسالة بطريقة فنية داخل ثلث رغيف الفينو مع كل وجبة، أي أننا نستقبل 3 رسائل في اليوم الواحد، ولكننا مع الأسف، لم نتمكن من إرسال رسالة مكتوبة واحدة، رغم أننا أرسلنا عشرات الرسائل الشفوية، عبر الطباخين أيضاً، أي أن تكتيك الإبقاء عليهم كان صحيحاً تماماً.


 التفاعلات التي واكبت الإضراب

في اليوم الرابع عشر للإضراب، مارست لجنة الحوار دورها فعلياً للمرة الأولى، حيث زار السجن وفد من الصليب الأحمر، التقى لجنة الحوار، وحاول تمرير سياسة الإدارة الهادفة إلى وقف الإضراب، ولم يقدم سوى وعود، ووعود فقط، دون أية ضمانة لتحقيق أي من مطالبنا المتعددة التي سلمنا الإدارة رسالة خطية باللغتين العربية والعبرية عنها، في صبيحة اليوم الأول للإضراب، وكطرف وسيط محايد، لم تقطع معه لجنة الحوار خيط الود، بل أبقت عليه، حيث الحاجة ماسة حتى للصوت الخافت، يقف إلى جانبنا، أو حتى بنقل صورة عن أوضاعنا للخارج، وقد مثل الصليب الأحمر الدولي طيلة فترة صلته بنا، نافذتنا على العالم الخارجي، والنافذة التي تطل بها العالم علينا، أي أنه لعب دوراً مزدوجاً، انسجاماً مع مهماته ووظيفته.

لم تسفر هذه الجولة كما قلت عن شيء، وعاد كل إلى موقعه، استعداداً لجولة أخرى من جانبنا، لا ندري لها بديلاً، إلا وهي الإدارة العامة للسجون الإسرائيلية، وعلى رأسها الجنرال "فيرتهايمر"، مدير عام مصلحة السجون، الذي كنا ندرك جيداً أنه ليس من السهل تسليمه بفتح حوار معنا، نظراً لرؤيته التي عبر عنها بوضوح، والمعادية لنا تماماً، حيث يرى أننا نعيش في فنادق "خمس نجوم"، وأن تحركنا محكوم لدوافع سياسية ليس إلا.

في اليوم التاسع عشر مساءً، استدعيت لجنة الحوار، ولأن الوقت مساءً، فقد كانت معظم التكهنات تصبّ باتجاه احتمال واحد، وهو استجابة فيرتهايمر، وبقينا على أعصابنا قرابة ثلاث ساعات وإلى أن عاد الأخوة لجنة الحوار، وعرفنا منهم أن وفداً من أهلنا في قطاع غزة، هم الذين أتوا لرؤيتنا والاطمئنان علينا أولاً، ولنقاش مطالبنا ثانياً، وهؤلاء الأخوة هم: الحاج رشاد الشوا، والشيخ هاشم الخزندار، والمحامي فايز أبو رحمة.

وفقاً لتشخيص الأخوة في لجنة الحوار، ووفقاً للمعطيات التي نقلها هذا الوفد الهام، أو الأهم، فقد منحتنا الزيارة قوة دفع رائعة، وجددت عزيمتنا على مواصلة النضال، تحت شعار "إنما النصر صبر ساعة"، بهذا الوفد لم يمارس ضغطاً، بل وعد أن يتبنى مطالبنا، أن يحملها أمانة في عنقه، أن يناضل بوسائله الخاصة والمتاحة، لتحقيقها، وسيباشر نضاله هذا بدءاً من صباح الغد.

في اليوم الثاني، أجرى الوفد نقاشاً مع مدير مصلحة السجون، حول مطالبنا، وضرورة الاستجابة لها، وقد طلب فيرتهايمر منهم العودة للجنة الحوار، وإبلاغهم بالتالي:

1 - لا استجابة ولا نقاش لمطالبكم، طالما أنكم مضربون عن الطعام.
2 - أنهوا إضرابكم، ويمكن بعد ذلك الجلوس والحديث.
3 - عدم الاستجابة، ستدفعنا في مديرية السجون لاتخاذ إجراءات مضادة، وفي ذلك تلميح واضح، وفقاً لتقديرات الوفد، أنهم ينوون فعلاً اتخاذ إجراءات، لكنهم لم ينصحوا بشيء، بل تركوا الموضوع برمّته لنا، ودعاءهم لنا، دعاءً صادقاً بأن الله معنا، وهكذا، فشلت المحاولة الثانية التفاوضية، وفي وقف الإضراب وإنهائه، وفقاً لشروط فيرتهايمر.

واستمر المناضلون المضربون، يعدّون الأيام التي أمكنهم فيها الانتصار على ذاتهم، ويعدّون الأيام التي يمكنهم أن يستمروا بها، خاصة بعد أن كسروا أطول إضراب عن الطعام سجل حتى ذلك الوقت، وهو 19 يوماً سجّله المناضلون الوطنيون في الجزائر خلال وجودهم في السجون الفرنسية، وحيث تجاوزنا هذا الرقم القياسي، وسجّلنا رقماً قياسياً جديداً، فقد أصبح الرقم القياسي الجديد في يد المناضل الفلسطيني، يصنعه بدمه ولحمد وأعصابه وآلامه.

في اليوم الثاني والثلاثين، أقدمت الإدارة على تنفيذ تهديدها الذي كانت قد حملته لوفد الأهل في الوطن المحتل، الحاج رشاد الشوا، والشيخ هاشم الخزندار، وفايز أبو رحمة، حيث قامت بنقل المعزولين في الغرفتين 21 + 22 إلى سجن بيت ليد، وهناك قامت بفصل اثنين من زملائنا أعضاء لجنة الحوار وأرسلت بهم إلى سجن شطة "مهدي بسيسو وجبر عمار"، لقد أثّر هذا الإجراء على الروح المعنوية للمناضلين في السجن، ولم تعد المتابعة اليومية قائمة، فبدأ العد التنازلي في السجن لإنهاء الإضراب، حيث لم يستمرّوا بعد ذلك طويلاً، وانتهى الإضراب في سجن عسقلان وبقي مستمراً للمبعدين في سجني بيت ليد وشطة، حيث استمر هذا الإضراب حتى يومه الخامس والأربعين.

في مساء ذلك اليوم، قدم إلى السجن مدير مصلحة السجون فيرتهايمر، وحاول فتح حوار مع المناضلين في سجن بيت ليد،، لكنه لم يفلح، لان عنوان البحث في الإضراب ومطالبه كان قد تحدد مسبقاً، وهو لجنة الحوار، ولم يجد مدير مصلحة السجون بداً من إحضار عضوي لجنة الحوار وفتح نقاش معهم حول مطالب الإضراب.

ظاهرياً، استجاب مدير مصلحة السجون لكل المطالب واختتم حديثه بالقول: يمكنكم أن تعودوا إلى سجن عسقلان، وسأعطيكم أسبوعاً كاملاً تستردّون فيه قواكم، وبعد ذلك، سأزوركم لجدولة تنفيذ المطالب، وعلى ذلك، انتهى الإضراب التاريخي في عسقلان، والذي أستمر من 11/12/1976 وحتى 25/1/1977 هذا الرقم القياسي، كسره فيما بعد سجناء الحرية الأيرلنديون الذين أعلنوا إضراباً حتى الموت، وكان أطول إضراب هو 68 يوماً، وأقلهم 61 يوماً لبضعة مناضلين، نفذوا فعلاً ما أقسموا عليه، ألا وهو الإضراب حتى الموت، وماتوا في نهايته.

والفرق الجوهري بين إضرابنا وإضرابهم هو أننا خضنا إضراباً جماعياً، شارك فيه حوالي 350 مناضلاً من أصل 400 مناضل في سجن عسقلان دفعة واحدة، بينما لم يتعدّ عددهم الثمانية أشخاص، هذا أولاً، وثانياً، لقد أضربنا على مطالب حياتية محددة، بينما كان إضرابهم سياسياً محضاً، قرروا فيه الانتحار، وشتان ما بين النضالي المطلبي والانتحار، فالنضال المطلبي هو الذي يحقق الحرية والحياة، وهو الأصعب والأطول أمداً في خضم المعاناة، بينما يمثل الانتحار أقصر الطرق وأسهلها نحو الهرب من تبعات النضال ومتطلباته، رغم أن الشجاعة الخاصة التي تحلّى بها المنتحرون تثير الإعجاب، والإكبار، خاصة وأنهم عوّضوا بانتحارهم، ضعف حركتهم الوطنية، ليُبقوا قضية بلدهم حية في الأذهان، بينما لم نحتج نحن لمثل هذا التفكير، فمنظمة التحرير كانت من القوة والرسوخ، ما يجعلها بمنأى عن هذا التفكير.

بعد عودتنا إلى سجن عسقلان، انتظرنا من مدير مصلحة السجون أن يفي بوعده، لكنه، ككل القيادات الإسرائيلية، التي لا تحترم توقيعها، ناهيكم عن كلماتها، فقد تنصل من الوعود التي تعهد بتنفيذها، وأنهى اللقاء بسرعة قياسية، استناداً إلى تقديراته بأن السجن قد استنفذت قواه، ويستطيع بالتالي، أن يناور على هذا التقدير بالتنكر لمطالب المعتقل. كان رد الفعل الأول، هو الدعوة للعودة للإضراب وتجديد الإضراب مرة أخرى، لم يكن سهلاً تنفيذ هذه الدعوة، وكنت شخصياً من أنصار رفض الفكرة، استناداً إلى تقديراتي أننا سندخل المعركة بجيش من الجرحى، ولن ننتصر في معركة، يخرج إلى ساحتها مقاتلون من أسرة المستشفى، لكن بعض الأخوة، كان مصراً على رأيه، بينما خجل بعضهم الآخر في اتخاذ موقف يحمي كرامة المناضل الذي سجل الأرقام القياسية، نعم كان المطلوب، حماية كرامة المناضل الذي انتصر على ذاته، وحطم الأرقام القياسية، وصنع أرقاماً لنفسه، كان يجب أن يُعطى فرصة كافية ليحطم أرقامه الخاصة، بدلاً من أن تحطمه.
قال الأخ مهدي بسيسو، إذا كنت مصراً على موقفك، فدعنا نتفق معك، سنصدر قراراً بإبقائك على رأس لجنة في السجن لغير المضربين، رفضت عرضه، وأجبته بأن المسألة ليست في أنني أستطيع الإضراب أم لا، إنما المسألة تتعلق بقناعتي بنتائج التفكير بخطوة كهذه، فأنا أرى، أنها ستحطم المعتقل، بينما نحن في وضع يمكننا الآن من بناء المعتقل.

واستشهد هنا بالأخ عمر أبو راشد، والأخ رأفت النجار، اللذين أطلعا على الموقف بشكل دقيق، وكانا من أنصار التريّث، من أنصار إعادة لملمة الجراح، لكنهما تساوقا مع التنفيذ. بعد عشرين يوماً فقط من وقف الإضراب الأول، أعلن الإضراب الثاني، وكان المناضلون ما زالوا مرهقين من الإضراب الأول، ولم تحتمل إدارة السجون الحدث الجديد، فبادرت على الفور إلى توزيع المضربين على مختلف السجون، جميع المضربين، حيث مارست معهم سياسة فاشية للغاية، فيما يتعلّق بالتغذية الصناعية، فبدلا من الحليب المركّز، أعطتهم حليباً ملوناً بالكاد، وكمّيات كبيرة من الملح، لا تبقي في معدة أحد منهم شيئاً، وخلال بضعة أيام، كان الإضراب الثاني قد كسر، وكسرت معه بهجة النصر الأول، ولم يبق سوى خمسة من الزملاء، أُبعدوا إلى سجن شطة، وأُبلغوا بأنهم قد نُقلوا من سجن عسقلان نقلاً نهائياً، ولن يعودوا إليه وهم: مهدي بسيسو، ابو على شاهين، وجبر عمار، وعبد الله العجرمي، ومحمد حمدان القاق، وفعلاً، استمروا في إضرابهم لمدة 20 يوماً، ومن ثم توقفوا، ولم نرهم إلاّ بعد افتتاح سجن نفحة الصحراوي سنة 1980، باستثناء الأخ مهدي بسيسو الذي أفرج عنه بصفقة تبادل ضمّت معه الأخ وليم نصّار، مقابل إحدى عميلات المخبارات الإسرائيلية، اكتشفتها حركة فتح في بيروت، وهي العملية أمنية المفتي، واعتقلها وأجرت بها عملية تبادل للأخوين سنة 1980، ولكن قبل افتتاح سجن نفحة.

رغم هذه النتيجة المأساوية، التي لم نكن نرغب في الوصول إليها، فقد حقق إضراب عسقلان تحسينات إضافية على حياة المعتقلات، وأوّلها حقّنا في النوم على فرشة إسفنجية، سمكها 12 سم، بعد أنت أمضينا كل هذه السنوات، على جلدة إسفنجية بسمك مليمترات فقط، كذلك تحسّن وضع الكانتين بشكل ملحوظ، واتسعت دائرة المشتريات، بعد توفر الإمكانية لذلك عن طريق الأهل.

لقد شهد النصف الثاني من عام 1977، نشاطاً ملحوظاً لإعادة ترتيب أوضاعنا الداخلية، وفعلاً أعيد ترتيب الأوضاع على الصعيدين الوطني والتنظيمي، وتجاوزنا مخلفات الإضراب الثاني وانعكاساته على الوضع الدالي، ولم يرق هذا الأمر لإدارة السجن، التي أخذت تنظر لكل ترتيب للأوضاع بعين الشّك، وبأنه سيؤدي إلى مواجهة معها، فأقدمت على خطوة احترازية تمثلت في زجّ 15 مناضلاً في العزل بالأكسات، وهؤلاء المناضلون هم: رمضان البطة، وصالح أبو طايع، أحمد أبو هدبة، وحسين أبو حاشية، ونبيل قبلاني، وحسن قواسمي، وغازي أبو جياب، ورأفت النجار، وعلي قطاوي، وعبد العزيز أبو القرايا، ووليد صالح، ويوسف الحسيني، وحسن لبد، وعدنان منصور غانم، وعبد الله حسين سكافي وانا، حيث أمضينا في العزل مدة أربعة اشهر كاملة.

في شهر نوفمبر من عام 1977 أعلن أن أنور السادات سيقوم بزيارة القدس، وكان وقع الخبر علينا مذهلاً، وأنه سيقوم بصلاة العيد في المسجد الأقصى المبارك، وتلاحقت الأحداث تباعاً، ونحن معزولون عن العالم، نتسقّط الأخبار من هنا وهناك، وحالما تصلنا الجريدة، يقوم أحدنا بقراءتها للىخرين، حتى نصدق أن للخبر أساساً.

ووصل السادات إلى مطار اللد يوم 9/11/1977، وكانت البهجة والحبور تعلو وجوه طاقم السجن، فقد فتح أمامهم أفق الاعتراف بهم كدولة، الأمر الذي استبعدوه كل السنوات السابقة، لكن فتح الباب أخيراً، وتسربت أشعة شمس استقلال غير منجز منذ ثلاثين عاما.

صبيحة يوم العيد، كنا مازلنا في الأكسات، وكان الرئيس السادات، قد وصل فعلاً إلى المسجد الأقصى المبارك، فوقف زملاؤنا في السجن، موقفاً واحداً، بامتناعهم عن أداء شعائر العيد، رغم أن الساحة قد فرشت منذ الصباح الباكر، والأبواب قد فتحت لأداء الصلاة، وكان مطلبهم واحداً، وهو إخراجنا من العزل، وإعادتنا إلى غرفنا في السجن، بعد أخذ وردّ، وافق المدير على ذلك، شريطة أن نخرج لثلاثة أيام فقط، وفعلاً، خرجنا من الأكسات لثلاثة أيام، لكننا كنا نبيّت العزم على كسر هذه السياسة وإنهائها كليًّا.

بعد انتهاء الأيام الثلاثة، جرّيت الإدارة، بعملية جسّ نبض لرد فعل المعتقلين على أعادتنا إلى الأكسات، فاستدعت الأخوين رمضان البطة وصالح أبو طايع، وأعادتهما إلى الأكسات، وعلى الفور، سلّمنا الإدارة، قرارنا الخطّي، القاضي بإعلان الإضراب عن الطعام والزيارة، وحيث تدرك الإدارة جدّية الموضوع، فقد تراجعت بعد ساعة واحدة، وأعادت الأخوين إلى غرفتيهما وانتهى الموقف عند هذا الحد.

انتهى عام 1977 دون أحداث تذكر، حيث استقرت الأوضاع على نمط معيّن من العلاقة مع الإدارة، وتموضعت اعتقالياً، حيث انصبّت الجهود على تطوير الذات الفردية والوطنية، واتجهت لمعاجلة بعض الجوانب الخاصة، ولم تكسر هذا الروتين، إلا عملية تبادل الأسرى، التي حدثت يوم 15/3/1979، حيث أفرج عن 77 مناضلاً ومناضلة من سجون الاحتلال مقابل جندي إسرائيلي أسير لدى القيادة العامة، وكانت هذه ثاني عملية تبادل، حيث تمت الأولى بمبادلة أحد حراس مستوطنة "المطلة ويدعى روزن فاستر الذي أسرته إحدى المجموعات القتالية لحركة فتح في أوائل السبعينيات، مقابل الأخ محمود بكر حجازي، أول أسير للثورة الفلسطينية، الذي أسر في سنة 1966، قبل احتلال إسرائيل للضفة الغربية والقطاع في حرب حزيران 1967، وقد زامله الأخ سكران سكران، كثاني أسير قبل الحرب.

أما الصفقة التي نتحدث عنها، فقد سمّيت "عملية النورس"، وقد أفرج عن 10 معتقلين وفقاً للاتفاقات داخل الوطن المحتل، بينما نقل 67 مناضلاً ومناضلة إلى ليبيا، ومن ثم إلى سوريا ولبنان، وقد شملت الصفقة كل أعضاء القيادة العامة في سجون الاحتلال، باستثناء الأخ إسماعيل دبج، إضافة إلى بضعة مناضلين من الفصائل الأخرى، لا يتعدى عددهم عدد أصابع اليدين، وأطرف ما في هذه العملية، هو أن القائمة تحتوي على خمس أخوات، وحينما وصل المحررون إلى ليبيا، وتم تفقّدهم هناك، اتضح أن قائمة القيادة العامة تضم ست أخوات، وحيث اختلف واقع الحال مع القائمة، كان لا بد من السؤال والتدقيق بالأسماء ليكتشفوا أن إحدى المطلوبات هي أخ وليست أختاً، وهو الأخ نجاح عليان الذي ضمته القائمة باعتباره مناضلة.

وقد تكررت هذه الحادثة، سنة 1983، حينما تم الإفراج عن الأخ فازع عبد المجيد حمدان، باعتباره فايز عبد المجيد حمدان، وذلك في عملية التبادل التي أجرتها حركة فتح لستة من الأسرى الإسرائيليين لديها، بعيد أحداث طرابلس الدامية، وفي السياق نفسه، وفي العملية ذاتها، فقد تم إدراج اسم زياد سنجق في عملية التبادل، وحيث إن للمذكور أخاً ثانياً باسم جهاد، وبما أن اللفظ لحرف الجيم لدى الإسرائيليين لا يبعد كثيراً عن الزين "زهاد" فقد خرج جهاد بدلاً من زياد، ولم يكتشف الأمر إلا حين طلبت الإدارة جهاد سنجق لأمر ما، فاكتشفوا ان خطأ ما قد وقع، أدى إلى إحلال جهاد محل زياد، وثارت ثائرة زياد سنجق.

أما المأساة الحقيقية في عمليات التبادل، فقد وقعت مع الأخ سليم الزريعي، فبعد حرب أكتوبر، عقدت صفقة تبادل بين إسرائيل ومصر، يتم بموجبها الإفراج عن زملائنا من سيناء، وحيث تم تنفيذ الصفقة، فقد ضمت القائمة اسم الأخ سليم الزريعي الذي حُمِل مع الأخوة المصريين إلى العريش، حيث ستجري عملية التبادل، وبما أن الصفقة، تتم بإشراف مباشر من ضباط مخابرات غزة وسيناء، فما إن نزل الأخ أبو حسين من الباص، في طريقه إلى الباص الآخر، الذي سيحملهم إلى بوابة الحرية، حتى انقضّ عليه أحد رجال المخابرات، مستغرباً وجوده بين المحررين، وبعد أخذ ورد، وبعد جدال غير طويل، أعيد سليم الزريعي مرة أخرى، إلى السجن، ليقضى بعد إعادته عشرين عاماً، وليفرج عنه بإدراج اسمه كعضو في الوفد الفلسطيني المفاوض في مباحثات طابا، التي أعقبت التوقيع على اتفاقية أوسلو.

 وتعود النور إلى مواطنها

قبل الانتقال لمرحلة جديدة تماماً، لا بد لي من العودة إلى بداية عام 1976، حيث مثلت هذه الفترة، نقطة فصل رئيسية بين مرحلتين، ما سبقها وما تلاها، في تلك الفترة، تم تكريس المجتمع الوطني الاعتقالي، والحركة الوطنية الأسيرة، وذلك من خلال صياغة دستور اعتقالي، نظم العلاقة بين فصائل المقاومة الوطنية في المعتقل، كما نظم العلاقة ورسّمها مع الإدارة، كما أبرز معالم المجتمع الوطني باحتياجاته المختلفة .. ماذا نريد وطنياً .. ماذا نريد نضالياً .. ما هي مطالبنا وكيف يجب أن نحققها .. وحدة المعتقل الوطنية وقوانين حمايتها … والمساواة في الدخل الشهري كحق مقدّس للجميع .. الهيكلية التنظيمية التي تؤمن الحماية للدستور وتطبيقاته، وعلى هذا الأساس، فقد تم تشكيل مجموعة من اللجان، مثلت الفصائل الوطنية في المعتقل، بغض النظر عن حجمها في ذلك الحين.

أما لجنة صياغة الدستور، فقد تشكلت من الزملاء: مهدي بسيسو، ونبيل قبلاني، وغازي أبو جياب، ورمضان البطة، وأنا، حيث جميعنا كل اللوائح الداخلية الخاصة بكل فصيل من الفصائل، ومنها اشتققنا الإطار العام لدستور اعتقالي متكامل، استكملناه بجهد مشترك من اللجنة وفعاليات المعتقل الوطنية، ذات الإمكانيات والقدرات العالية، الأمر الذي جعل من هذا الدستور، وثيقة وطنية ذات قيمة عالية بمضمونه، وبما شكّله من آلية نظرية لحركة وطنية، تنمو وتتسع بآفاقها ومداركها، وتجذرها كما شكل أساس الانطلاقة القوية لإضراب 1976 – 1977 التاريخي.

وهنا أود أن أشير إلى أن ما ينطلق على كل المجتمعات، انطبق على السجون الإسرائيلية كواقع وطني، حيث برزت لكل معتقل خصوصية، لم تتوفر بشكل موحد في كل السجون، كما اختلفت درجة النضج بمختلف مناحي الحياة الاعتقالية بين سجن وآخر، الأمر الذي جعل من المستحيل تطبيق الدستور الاعتقالي الذي أنجز في عسقلان، على أي سجن آخر من سجون الاحتلال، حتى على سجن بئر السبع، وهو الأقرب من حيث النضج، والتواصل الاجتماعي، بمعنى أن المقيمين فيه قد عاشوا سوياً لفترات طويلة دون تبديل، لان لكل سجن خصوصياته التي كرسها خلال فترة تطوره الوطني والمجتمعي والاعتقالي، واستدعت قوانينها الداخلية الخاصة، المنسجمة معها، ورفضت الاستيراد حتى من جانبين:

الأول: تبادل الرؤى السياسية والثقافية بغرض الاستفادة المتبادلة والمشتركة منها،
والثاني: الاتفاق على جدول الاحتفالات الوطنية لكل المناضلين في كل المعتقلات والذي تكرس كما يلي:

1/1 انطلاقة الثورة الفلسطينية
21/3 ذكرى معركة الكرامة
1/5 عيد العمال العالمي
15/5 ذكرى النكبة
2/11 وعد بلفور
17/4 يوم الأسير الفلسطيني
29/11 يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني

كما تحددت الكيفية التي نحيي فيها كل مناسبة من هذه المناسبات، ففي انطلاقة الثورة، يتلى بيان اعتقالي، ويحتفل المعتقلون أثناء الفورة بشرب الشاي والقهوة وتوزيع السجاير والحلويات، كما تقام مباراة كرة طائرة في كل ساحة بين أقوى اللاعبين المتواجدين خلال الفورة، وتوزع جوائز عينية على الفريق الفائز، جميعها معطاة من قبل اللجنة الاعتقالية، كذلك، يصدر عدد خاص لمجلة اعتقالية، يكرس للمناسبة، تنشر فيه كلمات الفصائل المهنئة بهذه الذكرى، إضافة إلى موضوعات مختلفة متصلة بهذه المناسبة.

وهذا البرنامج ينطبق على ذكر معركة الكرامة، وعيد العمال العالمي ويوم التضامن مع الشعب الفلسطيني، باعتبارها محطات انتقالية هامة، من تاريخ شعبنا النضالي والوطني، أما وعد بلفور وذكرى النكبة، فقد اكتفينا ببيان اعتقالي، يجدد ويشحذ الهمم الوطنية لإلغاء مضمونها ونتائجها على الأرض، وإعادة الحق إلى نصابه وشرعيته، وإلى جانب هذه الاحتفالات العامة، فقد اتفقت اللجنة الاعتقالية، وثبت ذلك كفقرة في الدستور، بحق كل فصيل بالاحتفال بذكرى انطلاقته بما يراه مناسباً، على أن تشاركه الفصائل الأخرى هذه المناسبة إذا ما وُجِّهت إليها دعوة لذلك، وبالإجمال، فقد لعبت المناسبات دوراً تعبوياً وتوحيدياً مهماً، من خلال الاستعراض التاريخي لكل حدث، وتحليله، وتقديمه للمجموع الوطني من جهة، وبالمشاركة الشاملة للمعتقلين من جهة أخرى، مع أن التحليل والاستعراض، إنما يأتي من وجهات نظر مختلفة ومتعددة، تسهم في الإحاطة الشمولية بالموضوع المعني، وتنوع فيه.

بعد أن تمت عملية تبادل الأسرى "النورس" لفّ التفاؤل صفوف المعتقلين، فعادوا إلى الحكمة القديمة القائلة "عمر السجن ما سكر على حدا"، حيث إن مَن أفرج عنهم عددهم أحكامهم … الخ، حطموا نظرية "داخله مفقود"، التي كان العدو يغذيها في الصف الاعتقالي بغية إشاعة الإحباط واليأس، وفقدان الأمل، وبالتالي، تسهيل عملية إحكام القبضة الإسرائيلية على المناضلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وهي السياسة التي لم يكفّوا حتى اللحظة عن اعتبارها خلفية تعاطيهم مع قضايا المعتقلين، بما فيها الحياتية منها، التي اعتبروها في العديد من المحطات، قضايا ذات طابع امتيازي، وليست ذات طابع حقوقي، ليسهل عليهم إخضاعها للمساومة، وكل ذلك لتحقيق الهدف ذاته، إحكام قبضتهم على المعتقلين، والسعي لإفراغهم من مضمونهم الوطني وتحويلهم، في حال خروجهم خارج أسوار السجون، إلى عالة على مجتمعهم وأهلهم، بدلاً من أن يخرجوا مستفيدين مما اختزنوه من خبرة وتجربة وثقافة عالية، تؤهلهم للعب أدوار قيادية في المجتمع الفلسطيني، والتي، في مثل هذه الحالة، سيكون لها أثر مضاعف، كونها تميّزت بأنها جلبت بدم التضحية والمعاناة والألم الفردي منه والجماعي.

 التنقل والتّشتت داخل المعتقلات … الهدف والنتيجة

لم يطل بنا الأمر بعد عملية التبادل، التي كان رد فعل الإدارة عليها سلبياً، حيث استغلت الحدث لتنفيذ مخطط قديم، ملقى في أدراجها، حيث قامت بإعادتنا إلى الأكسات مرة أخرى، وبالعدد نفسه، وبالأشخاص أنفسهم، كدلالة على أنهم سحبوا ما كان في الدرج قبل عامين، وأخضعوا للتنفيذ.

بقينا في الأكسات لمدة شهرين هذه المرة، وفي أوائل آب، أعادونا إلى الغرف مجدداً، لكن ذلك كان لسببين: الأول: هو أن الملف الأمني، الذي لم يفتحه عسقلان على مصراعيه، قد أخذ طريقة لتطويق انتشار الإدارة في صفوفنا، ومعرفتها بأدق تفاصيل حياتنا، والتي فتحته هي القيادة، التي اعتقدت الإدارة سلفاً بعجزها عن تحمّل مسؤولياتها، وهنا، لا بد من الإشارة بذلك الدور الذي لعبه الأخوة عبد الفتاح حمايل، وذياب اللوح، ورمضان النجار، وسلام أبو بكرة، الذين تحمّلوا تبعة فتح هذا الملف، رغم أنه في تلك المرحلة، لم يتعدَّ البدايات، ولكن بعقلانية، وعلى نار هادئة، بعيداً عن الهوس الأمني، الذي حكم التعاطي مع هذا الملف في سجن بئر السبع مثلاً خلال الفترة ذاتها، وما سبقها.

في أيلول من ذلك العالم (1979)، استدعت الإدارة خمسة عشر مناضلاً من سجن عسقلان، وأبعدتهم إلى سجن بئر السبع، وهم الأخوة: رمضان البطة، وعبد الله سكافي، وصالح أبو طايع، ونبيل قبلاني، وعدنان منصور غانم، وغازي أبو جياب، وفتحي البواب، وعلي القطاوي، وحسين أبو حاشية، وكايد درويش صبح، وأحمد أبو هدبة، وفاضل يونس محمد دهمان، ورأفت النجار وأنا، وكان سجن بئر السبع قد تعرض لهجمة شرسة، كان من نتيجتها أن عزلت الإدارة كل من توسّمت فيه موقفاً قيادياً، مهما كانت درجة هذا الموقع القيادي، حيث أسفرت المجزرة عن نقل 90 مناضلاً إلى سجن طولكرم، ومناضلين اثنين، هما على القطاوي ويحيى أبو سمرة إلى سجن غزة، ومن ثمّ إلى سجن عسقلان، وكان المناضلون في بئر السبع قد أقدموا على الاشتباك المباشر مع الشرطة، وحرقوا ما لديهم من أمتعة وبطانيات، مما استدعى تدخل إطفائية بئر السبع لإخماد الحرائق، كما قامت الإدارة بالترافق مع عمليات النقل الجماعي السريعة، بمصادرة كمّيات كبيرة من السكر والشاي والقهوة والسكاكر وما إلى ذلك، والتي كان يمكن لها ان تسدّ حاجة المعتقلين بالكامل، لمدة ثلاثة أشهر، والتي كان المعتقلون قد قاموا بتخزينها كمخزون احتياطي للطوارئ، اقتطعوها عن أفواههم طبعاً، وليس عن وفرة، وها هي الإدارة تقوم بمصادرة هذه الكميات الكبيرة التي جمعها المعتقلون خلال سنوات، وليس في سنة أو سنتين.

لدى وصولنا إلى بئر السبع استُقبِلنا بحفاوة بالغة من قبل زملائنا، إلى الدرجة التي أحسسنا فيها أننا قد أصبحنا وسط أهالينا في بيوتنا، وليس في معتقل آخر، ورغم أن سلطات السجون قد أقدمت على هذه الخطوة بقصد التخريب على الحركة الوطنية الأسيرة، إلا أنها دفعت بهذه الحركة، خطوات واسعة إلى الأمام، فمن جهة، تواصل العمل في سجن عسقلان على قاعدة التقاليد الوطنية المكرّسة المحكومة للدستور الاعتقالي، الذي لا يمكن الارتداد عليه، بل يمكن تطويره وإجراء بعض التعديلات الضرورية فيه، حيث ساعد الاستقرار شبه الكامل لمدى عشر سنوات في عسقلان، على تكريس هذه المنهجية وهذه الأسس، بينما افتقرت السجون الأخرى، باستثناء سجن الرملة، إلى هذا الاستقرار، لأنها كانت في حركة دائمة ومستمرة أسبوعية، كون معظم نزلائها من ذوي الأحكام الخفيفة نسبياً، بينما تركزت على الأحكام العالية في عسقلان، وتركز حملة هوية القدس في الرملة، بغض النظر عن أحكامهم.

ومن الجهة الأخرى، فقد مكّنت عملية النقل، من التعويض عن مفقودي سجن بئر السبع المنقولين إلى طولكرم، حيث كانت الغالبية الساحقة من نزلاء بئر السبع من المعتقلين الجدد الذين لم يمتلكوا التجربة الاعتقالية الكافية بعد، فجاء التزاوج بين تجربة بئر السبع وتجربة عسقلان، التي نقلناها معنا عاملاً إيجابياً في تطوير البنية التنظيمية والوطنية في بئر السبع.

منذ البداية، تركز اهتمامنا على البناء الداخلي لفصائلنا، وبالتوازي معه، بناء اعتقالي، وطني، مستلهماً تجارب المعتقلات الأخرى، يكرّس ويرسي علاقات وطنية وحدوية، تشكل السياج الآمن والحامي لجيش المناضلين القابعين خلف القضبان، القابضين على جمر الثورة بعزة وكبرياء، الماضين في طريقها طارحين أرضاً كل السياسات التي أرادت لهم أن يتحوّلوا إلى أرقام، متلقٍّ سلبي للأحداث، لا دور له فيها ولا رأي، حيث إننا بدلاً من ذلك، بنينا جامعة الثورة التي أدارها ورتّبها أناس ليسوا أكاديميين بالمعنى المجرد للكلمة، بل أناس تشبّعوا بالإيمان العميق بحق شعبهم في الحرية والاستقلال وبناء وطنه ودولته الخاصة به، وآمنوا كذلك، أن يسهموا في توفير مقدمات إنجاح هذا المولود المنتظر، بتسليح المناضلين في السجون بسلاح العلم والمعرفة، ليأخذوا دورهم حين تدقّ ساعة الصفر في جيش البنّائين الوطنيين لوطن دمره الاحتلال ويحتاج إلى كل الجهود للنهوض من تحت أنقاض نتائج السياسات العنصرية والفاشية وقوانينها الإرهابية والتدميرية، هذا هو السلاح الذي مكّننا من أن نمضي في طريق البناء .. في طريق الأمل الوطني، انتظاراً لتبدّل الأدوار.

إن أولى خطوات العمل الوطني في سجن بئر السبع، هي العمل على "قننونة" الحياة الوطنية من خلال لائحة داخلية تنظم العمل الوطني وتحتضنه، وتوجهه الاتجاه الصحيح، حيث شكلت لجنة لهذا الغرض، لا أبالغ إن قلت إنها واصلت الليل بالنهار لإنجاز هذا المشروع الوطني الهام، وبقيت على مدى أسبوعين كاملين في حالة انعقاد دائم، حتى أنجزت لائحة داخلية، تنسجم وخصوصية الواقع الموضوعي، ودرجة النضج التي بلغتها الحركة الوطنية الأسيرة في بئر السبع.

لم نكد ننجز مشروعنا هذا، حتى استقبلنا مجموعة جديدة من عسقلان، وفدت إلى بئر السبع، فيما أبعدت مجموعة أخرى إلى طولكرم، في الوقت نفسه الذي أعادت فيه الإدارة الأخ غازي أبو جياب إلى سجن عسقلان، وقد شكل مجموع هذه التنقلات إضافة زخم جديد للحركة الداخلية في الفصائل والمعتقل بشكل عام.

لقد عمدت الإدارة إلى هذه السلسلة من التنقلات، استناداً إلى نظرية معلنة، مفادها عملية النقل من سجن لآخر، ستربك الوضع الداخلي في كلا السجنين لمدة ستة أشهر على الأقل، هذا هو الاعتقاد الذي حكم توجهاتهم وأخرجها إلى حيز التنفيذ، لكننا لم نرتبك ليوم واحد، ولم نكفّ عن العمل الجدي لستة أيام، بل تعاملنا مع المثل العربي القائل "للضيف ثلاثة أيام وثلت النهار"، ونحن بالكاد، اعتبرنا أنفسنا ضيوف هذه الأيام الثلاثة فقط، وبهذا، تكون نظرية سلطات السجون، من الغباء والسذاجة، إلى الحد الذي أسهمت فيه بتعزيز الترابط الوطني والتنظيمي في المعتقل الواحد، وارتقت بمفهوم الحركة الوطنية الأسيرة إلى قمّة غاياتها، ليشمل السجون الرئيسية داخل إسرائيل وسجون الضفة والقطاع، بتوحيد النظرة الوطنية للقضايا الاعتقالية، خاصة وأن عمليات العزل والإبعاد، قد أسهمت في وصول بعض القياديين الوطنيين إلى سجون نابلس وجنين والخليل ورام الله، وحيث توحّدت قاعدة المفاهيم المشتركة للعمل، من خلال النقل الحي للتجارب، ومزاوجتها مع الواقع الموضوعي المعاش، دون إملاء أو إسقاط، فقد أسهم ذلك، بميلاد شامل لحركة وطنية أسيرة، مازالت حتى اليوم تواصل العمل، انطلاقاً من إيجابيات التجربة والخبرة المتراكمتين، وهكذا حصدت سلطات السجون الشوك بدل القمح الذي كانت تأمل بحصاده.

واصلنا العمل ببرنامجنا الوطني وبرامجنا التنظيمية الخاصة، بجهد مضاعف، للاستفادة من الفرصة التي أتيحت لنا، والتي قد يقطعها قرار عشوائي جائر بين لحظة وأخرى، وفي سياق حمّى هذا العمل، استقبلنا في سجن بئر السبع رديفاً وطنياً ونضالياً هاماً، تمثل في نقل المناضلين من سجن الرملة جميعاً إلى سجن بئر السبع، ومن المعروف أن الكوادر التي خرجتها مدرسة سجن الرملة، والتي توفرت لديها أفضل الإمكانيات، والملكات التنظيمية والفكرية، إنما تشكل طاقة دفع هائلة لمشروع البناء الداخلي والوطني، الذي بدأناه في بئر السبع، كما عززت الصف القيادي الأول للفصائل ببضعة مناضلين، حنّكتهم التجربة وتمرّسوا في النضال، خارج المعتقلات وداخلها، أمثال: عمر القاسم، ووليام نصار، ويعقوب عودة، وفضل طهبوب، وحسن سرندح، وأحمد البطش، ومحمد عليان، وعطا القيمري، وعلي جدة، وسمير أبو ذياب … الخ، والعديد من الكوادر الذين لعبوا دوراً هاماً في تنفيذ برامج البناء.

أما لماذا أقدمت سلطات السجون على نقل معتقلي سجن الرملة، فلم يكن لذلك أي ارتباطاً بنضالاتهم لتحسين أوضاعهم المعيشية والحياتية، فظروفهم الحياتية لم يكن ينقصها شيء يدفعهم للنضال في سبيله، لكنهم لم يعبأوا بما بين أيديهم من امتيازات وحقوق، بل كان انتماؤهم للوطن والتصاقهم بثورته وقضاياه الوطنية، هو ما حدا بهم إلى إعلان التضامن مع شركة كهرباء القدس، التي تعرضت في النصف الثاني من عام 1979، إلى هجمة إسرائيلية، استهدفت عروبة الشركة، في سياق حملة تهويد القدس، التي لم تنته حتى اللحظة.

لقد أعلن المناضلون في سجن الرملة، سلسلة خطوات تصعيدية، تضامناً مع شركة كهرباء القدس، بينما الإضراب عن الطعام، والإضراب عن الزيارة، وحيث بدأوا تنفيذ خطتهم، فلم تجد الإدارة خيراً من نقلهم إلى سجن بئر السبع، ولسان حالها يقول "لقد حاولنا أن نساومكم بالمواطنين الإسرائيليين على مدى السنوات السابقة، وبما أنكم مازلتم متمسكين بوجهكم الفلسطيني، وترفضون الخروج من جلدكم ولبس جلد جديد فصّلناه لكم، فخير لكم أن تعيشوا بالشروط نفسها والظروف التي يعيش فيها أبناء جلدتكم". وبالمناسبة، فقد طالبنا سلطات السجون الإسرائيلية بمساواتنا بالسجناء الإسرائيليين مئة مرة، لكنهم أصرّوا على التمييز، كاستمرار للتمييز العنصري الذي مارسته الصهيونية، وتجسيدها إسرائيل ضد أبناء شعبنا الفلسطيني تاريخياً.

 مخطط جديد للقضاء على الحركة الأسيرة

مع مطلع عام 1980، كثر الحديث بين المعتقلين عن أن هنالك سجناً جديداً تقوم سلطات السجون بإعداده، ليستوعب ذوي "الرؤوس الحامية"، كما كانوا يسمون قياديي الحركة الوطنية الأسيرة، ولتستريح منهم سلطات السجون، بعزلهم عن باقي المعتقلين، ظنا منهم أن المحرك الرئيسي للحركة الاعتقالية، هو حفنة من الأشخاص، يتصرفون كالأباطرة، يأمرون فيطاعون، مع أن التجربة تقول لهم عكس ذلك، فحينما عزلوا مجموعة كبيرة من سجن عسقلان، وعلى دفعات لم يستطيعوا أن يغيّروا من واقع حال حركة المعتقل باتجاه التطهير الأمني للصف الوطني شيئاً، بل ازدادت الحركة إصرارً على المضيّ قُدُماً في تنفيذ برنامجها، حيث تصدرت الحركة شخصيات قيادية، أثبتت جدارتها وقدرتها وكفاءتها العالية في الإمساك بخيوط اللعبة وإدارتها بإتقان، وقبل ذلك، في سجن بئر السبع، حيث قاد الحركة بعد عملية العزل الواسعة، اخوة جدد، لكنهم ليسوا بلا رصيد قيادي، فالأخ راضي الجراعي، أحد قياديي بئر السبع البارزين، مارس القيادة خارج المعتقل، ولم يكن من الصعب عليه أن يمارسها في المعتقل، وهكذا فعل ونجح في مهمته كموجه عام لفتح، الفصيل الرئيسي في سجن بئر السبع.

رغم ذلك، فما إن حل الأول من آيار عام 1980، حتى بدأت عملية الترانسفير إلى سجن نفحة الصحراوي، من شطة أولاً، وطولكرم ثانياً، والسبع ثالثاً وعسقلان … الخ

وبينما كانت التحضيرات على قدم وساق، استعداداً للاحتفال بذكرى الأول من آيار، تأتي سلطات الاحتلال لتنزع البهجة من نفوسنا، وتحرمنا من لحظات التواصل مع العالم الخارجي، حتى بالمشاركة الوجدانية، فجاءت عملية النقل الفجائية، كخطوة اعتراضية على تنفيذ برنامج الحفل، الذي تم إحياؤه جزئياً فقط.

توالت عمليات النقل إلى سجن نفحة الصحراوي، ونشرت قوائم المنقولين "110 أسماء"، وكان اسمي من بين هذه الأسماء، التي نشرتها جريدة القدس في أعدادها الصادرة بشهر آيار من عام 1980، لكن تقديرات سلطات السجون للطاقة الاستيعابية للسجن، لم تكن تقديرات واقعية حيث فشلت كل أشكال تنظيم الغرف في سبيل زيادة استيعابها، وبلغت الطاقة القصوى للغرفة، بالضغط، ثمانية أشخاص فقط، وهذا يعني أن طاقة السجن تستوعب فقط 80 مناضلاً بحد أقصى، الأمر الذي أوقف الدفعة الأخيرة قبل نقلها إلى نفحة، وكنا جميعاً، من بئر السبع: رمضان البطة، وفاضل يونس، وسامح كنعان، ونبيل قبلاني، وأنا وآخرون.

ما إن استقر المناضلون الثمانون في سجن نفحة، حتى أخذوا يعدّون العدة لإعلان الإضراب، لا حبًّا في قهر الذات وتعذيبها على الطريقة الماشوسية، ولا حبّاً في إبرازها وتسجيل مواقف بطولية، على طريقة النرجسيين، بل لأن واقع حال السجن افترض هذا التفكير، فظروفه التي رُسِمت كسياسية، أعادت المناضلين إلى نقطة الصفر، أعادتهم إلى ظروف سجن عسقلان سنة 1969، كإطار عام، فعسقلان – كما قلنا – افتتحوه كسجن تأديبي، ونفحة، افتتحوه للترويض، وليشركوا أهالي المعتقلين في دفع ضريبة النضال الوطني، حيث إن الزيارات في نفحة كانت مرهقة جداً للأهالي، ومع ذلك، فقد تحمّلوا بطيب خاطر، كما تحملوا مشاقها على مدى كل سنوات الاعتقال بلا كلل ولا ملل، وفي كل المعتقلات والسجون الإسرائيلية.
لقد تجسّدت في التخطيط لإضراب نفحة، خلاصة تجارب كل المعتقلات على هذا الصعيد فالتخطيط لإضراب ناجح، استدعى إنضاجه، دون إغفال لأية ثغرة قد تبرز خلال المسيرة، وكما قلت، استناداً إلى التجارب السابقة، ولذلك تمت عملية تنسيق واسعة مع كل الجهات ذات العلاقة: أولا: م.ت.ف، ثانياً: المعتقلات جميعاً لمساندة كل معتقل وفقاً لظروفه، ثالثاً: الأهالي في الضفة والقطاع، رابعاً: المؤسسات الوطنية والشعبية وتشكيل اللجان، وبخاصة لجنة من المحامين، والالتزام يدفع أتعابهم إذا ما طالبوا بها، وقد تمت تهيئة الرسائل الخاصة بهذه الجهات مع الرسائل الموجهة لمديرية السجون وإدارة السجن، والمتضمنة مطالب المناضلين في نفحة، وأرسلت إلى عناوينها وكإجراء احترازي، قامت إدارة السجن على الفور، بإبعاد الأخ أبو علي شاهين من سجن نفحة، وأعادته إلى سجن شطة، وحيداً، ولكن الخطة كانت قد رسمت، والموعد كان قد تقرر والترتيبات الإدارية اللازمة، من تشكيلات تنظيمية، أساسية وبديلة، كانت قد رتّبت، ولم يبق إلا التنفيذ، والكل ينتظر ساعة الصفر.


في بئر السبع، تلقينا رسالة الأخوة في نفحة، ومعها كل الرسائل "نسخة عنها" الموجهة لمختلف الاتجاهات، فأخذنا نعدّ العدّة على الفور، لإسنادهم، وحتى لا يبقى الإضراب مجرد خطوة إسنادية، فقد تقرر تقديم قائمة مطالب لإدارة سجن بئر السبع خلال التحضير للإضراب، أو منذ الخطوة الأولى فيه، وحيث بدأنا بالعمل على تشكيل لجنة قيادية لقيادة الإضراب، برزت ولأول مرة "مسألة اتخاذ القرار"، كيف سيؤخذ القرار في إطار هذه اللجنة، حيث أبدى الأخوة في فتح اعتراضهم على الصيغ السابقة "نصف + 1"، في أي لجنة يتم تشكيلها، بغض النظر عن موقع الأخوة في فتح في القرار، لكنهم في هذه المرة، أصروا على ضمانة وجودهم في القرار بصورة أو بأخرى، كان الأخ عبد الله سكافي هو الموجه العام لفتح خلال تلك الحقبة، والأخ نايف الجياوي ممثلا لفتح في لجنة المعتقل، ومعهما، أجربت كل الحوارات، للخروج بصيغة، حيث قدم العديد من الاقتراحات، لكنها في النهاية، استقرت على الصيغة التالية:-
- تشكيل لجنة نضالية من خمسة مناضلين يكون فيها لفتح عضوان، وعضو للجبهة الشعبية، وعضو للجبهة الديمقراطية، وعضو للفصائل الأخرى تختاره كما تشاء باتفاقها.

تؤخذ في القرارات في إطار اللجنة 4-1، بحيث تضمن فتح مشاركة أحد عضويها في القرار، أو تضمن تعطيل قرار لا ترى فيه مصلحة لقاعدتها التنظيمية العريضة، ولا يستجيب لها.

وهكذا، اعتمدنا هذه الصيغة، وتم تشكيل لجنة من خمسة مناضلين، رمضان البطة وفاضل يونس، وفتحي البواب، ونبيل قبلاني وأنا، ومنذ البداية، منحوني ثقتهم للقيام بدور منسق اللجنة، كان ثلاثة من أعضاء اللجنة في ساحة "أ"، رمضان البطة في غرفة " 1 "، ونبيل قبلاني وأنا في غرفة "2 "، فتحي البواب في غرفة " 6 " ساحة "ب "، وفاضل يونس في قسم " 7 "، أي أن اللجنة كانت موزعة على كل الأقسام، وكانت اتصالاتنا رغم ذلك يومية ودائمة، ومنذ البداية، قررت كمنسق للجنة أن أعمل على أرشفة كل مراسلاتنا، كل كتاباتنا، كل ما يتعلق بالإضراب يوماً بيوم، وقد هيأت لذلك المخبأ السري الآمن، الذي سأحتفظ به بكل هذه المراسلات، كما هيأ أمين سر الأرشيف، الأخ عبد الكريم راجح البرغوثي، الذي بذل جهداً جباراً بنسخ كل قصاصة وكل بيان، صدر عن اللجنة ، احتفظ بما نسخ في دفتر، كما احتفظ بالأوراق المبعثرة، وسمى كل مرحلة تسمية خاصة بها، وجمع أوراقها في رزمة واحدة، واحتفظ بالجميع في المخبأ السري بالجدار، والذي لا يعرفه أحد غيره، والمخابئ السرية في السجون معروفة لدى معظم المعتقلين، وكثيراً ما استخدمت لأجهزة الراديو المهربة، التي كانت تخبأ فيها في النهار، وتخرج في الليل، للاطلاع على مجريات الأحداث الدولية والإقليمية، من قنوات البثّ غير المتساوقة مع قناة إسرائيل، أو مع سياساتها والاطلاع على الأحداث من مصادرها مباشرة.

بدأت استعداداتنا في سجن بئر السبع انتظاراً للتفجير المنتظر في سجن نفحة، حيث أننا سندخل الإضراب وفقاً للخطة، بعد أسبوعين من دخول نفحة إضرابهم، لتواصل عملية الزخم المساند، وهم في الأيام الأخيرة بحاجة لها أكثر من أيامها الأولى، كانت ساعة الصفر قريبة جداً، وما إن انطلقت شرارة نفحة، حتى أخذنا نهيّئ المعتقل بحملة تعبوية عالية الوتيرة إلى دورنا في هذه المعركة، التي انطلقت تحت شعار، "انتفاضة السجون"، لم نتمكن حقيقة من الالتزام بالموعد الذي كنا قد قررناه، فتسارع الأحداث وضغطها، أجبرانا على تقديم الموعد، موعد مشاركتنا في هذه المعركة، ففي اليوم الخامس لإضراب نفحة، كانت إدارة السجون قد نقلت العديد من المناضلين إلى سجن الرملة، وأنا أعتقد، انهم فعلوا ذلك بسبب الاشكالات اللوجستية التي ستعترضهم في سحن نفحة، بسبب بعده عن أي منطقة عمرانية، فأقرب مدينة إليه هي بئر السبع، ويبعد عنها جنوباً في قلب الصحراء، مسافة 85 كم، وعملية النقل، ستريحهم، حيث يكون المضربون قريبين من مركز الرعاية الصحية إذا ما استدعت الضرورة ذلك، في ذلك اليوم، بدأت إدارة السجون التفكير بالكيفية التي يمكنها فيها كسر الإضراب مبكراً، فلجأت إلى جزاريها التقليديين، الأطباء والممرضين، الذين لم يتوانوا عن أداء مهمتهم السافلة، والمتعاكسة مع شرف مهنة الطب، فأخذوا يستخدمون البربيش "الزواندا" مع المناضلين المضربين، وبطريقة وحشية، حيث أسفرت الجولة الأولى عن استشهاد اثنين من المناضلين على الفور: علي الحعفري وراسم حلاوة، كما أدخل المستشفى مناضلان آخران هما اسحق مراغة أبو جمال وهاني العيساوي، ولم يطل الأمر بالأخ أبو جمال، حيث التحق بركب الشهداء والصديقين، ونجا فقط الأخ هاني العيساوي.

إنه ثمن باهظ، دفاعاً عن حق الإنسان في أن يعيش بكرامة، وأن يحتفظ بكبريائه الوطني، ويتمتع بحقوق الإنسان في نهاية القرن العشرين، ولم يقف عند هذا الحد ، فقد التحق بهذا الركب المقدس، الشهيد أنيس دولة في سجن عسقلان، والذي دخل الإضراب التضامني مع سجن نفحة وهو يعلم أنه قد يواجه هذا المصير، ومع ذلك، فلم يتردد، حيث كان يعاني من مرض القلب، وكان عليه أن يتناول دواءً يومياً، ومعنى امتناعه عن الطعام، امتناعه عن تناول الدواء، الذي يشترط تناوله على معدة مملوءة، وقد طلب منه التوقيع على تعهد بأنه يمتنع عن تناول الدواء بمحض إرادته، فوقّعها بلا تردد، ولسان حاله يقول:
وَكُنْتُ أعْلَمْ ما المَصيرُ وَمَشَيْتُ لا أخْشى المصيرا

كما قلت أمام هذه التطورات الدرامية المتسارعة، دخلنا المعركة في غير الموعد المقرر، ولكننا ملتزمون بالخطة وبالبرامج وبالأهداف الخاصة منها والعامة، وهكذا، ازدادت حملة الإضراب في انتفاضة السجون زخماً وقوة، وأصبحت حدثاً رئيسياً في العالم كله، بصحفه وإذاعاته وتلفزته، وهنا أتوقف أمام إحدى النتائج الأولية، فعلى أثر استشهاد الزميلين علي الجعفراوي وراسم حلاوة، اتخذت ما تسمى "محكمة العدل العليا" قراراً بتحريك استخدام "البربيش" في التغذية الصناعية كفقرة أولى، أما الفقرة الثانية فهي أنه يحق للمضرب عن الطعام أخذ التغذية الصناعية باليد، بديلاً لـ "البربيش"، دون أن يمسّ ذلك استمرارية إضرابه عن الطعام.

وكنا في بئر السبع بعكس نفحة وعسقلان، سنتعاطى مع القرار مباشرة، دون أن نتحول من "البربيش" لتطبيق القرار كما وقع لديهم، ففي اليوم التاسع للإضراب، أحضرت الإدارة الحليب المركز لتوزيعه على الأقسام، وكنا في اللجنة النضالية في ذروة نقاش الموضوع، هل نتناول الحليب بالصيغة الجديدة باليد، أم نرفض ذلك، وطال الجدل حول الموضوع، الذي كنا نعيد خلاله الحليب إلى المطبخ، دون أن نتناوله، مصرّين على استخدام الطريقة القديمة "البربيش" وكان الأخ رمضان البطة، هو الذي يرفض فكرة تناول الحليب باليد، وبالتالي مضت الأيام، ولم نستطع التوصل إلى قرار.

بعد مضيّ اثني عشر يوماً على الإضراب، وفي شهر آب، وبصحراء بئر السبع، جفّت أجساد المناضلين، فكنت تراهم يسقطون على الأرض بلا أية مقدمات، فكان لا بد لنا من مخرج، فقام الأخ فتحي البواب، بتقديم اقتراح لوقف الإضراب صبيحة اليوم الرابع عشر منه، على أن يقوم أحد الأخوة بمقابلة الإدارة، وعرض مطالبنا عليها مقابل وقف الإضراب.

أرسل الاقتراح بداية للأخ فاضل يونس، الذي أعطى موافقته عليه، ورسم آلية مجددة لوقف الإضراب، مقترحاً الأخ نبيل قبلاني لمقابلة مدير السجن، للتباحث معه بشأن الإضراب ومطالب المعتقل، وحينما وصل الاقتراح للأخ رمضان البطة، اكتفى بكلمة واحدة "لا"، ولم يزد عليها شيئاً، أما نبيل وأنا، فقد ارتأينا في وقف الإضراب مخرجاً من حالة التدهور الصحي الآخذة في التفاقم لدى عدد واسع من المعتقلين، وبهذا فقد حاز قرار وقف الإضراب على نصاب قانوني بموافقة أربعة ومعارضة واحد، كما نصّ عليه اتفاق تشكيل اللجنة وآلية القرار بها، وفعلاً، فقد تم وقف الإضراب وفقا للآلية ذاتها، حيث قام الأخ نبيل قبلاني بمقابلة مدير السجن، وعرض عليه مطالب المعتقل مقابل وقف الإضراب بمبادرتنا، لم نكن جادّين أصلاً بعرض المطالب، لان إضرابنا في أساسه هو إضراب تضامني مع زملائنا في نفحة.

كباقي السجون الإسرائيلية، عادة ما نلجأ مع وقف الإضرابات عن الطعام، إلى تقديم النصح والمشورة، للزملاء الذين لم يخوضوا تجارب مماثلة، عن الكيفية التي يجب أن يتعاطوا فيها مع الطعام والشراب، حيث عليهم الإقلال من الأكل واللجوء للزيادة التدريجية فيه، كما أن عليهم تجنّب الاستخدام الكثير للسكر، حيث إن استخدامه بكثرة يورث التورم في الوجه والأطراف، وفي الجسد عموماً، ووفقاً للعلم، فإن سبب ذلك، أن الجسم يحتاج في عملية حرق السكر، إلى توفّر الفيتامينات اللازمة لهذه الغاية والمضربون عن الطعام يفقدون جزءاً حيوياً من الفيتامينات في أجسادهم، مما يعطّل عملية حرق السّكر في الجسم بصورة طبيعية، وهذا ما يورّث التورم، وبما أن شهية المضربين عن الطعام، وبعد وقفه، تتفتّح على كل شيء حلو، ولأنه لا وجود لهذا الحلو غير السّكر في السّجن، فقد لجأ البعض لإشباع شهيّته بتذويب السكر في الماء وشربه، مما يضطره لاحقاً لتلقي العلاج لأكثر من أسبوع ولأكثر من شهر، عليه أن يتناول بيضة نيئة في الصباح وأخرى في المساء، ليعيد إلى جسده توازنه البيولوجي.


بعد أسبوعين من وقف الإضراب، جاءني الأخ نايف الجياوي، ليبلغني رسمياً أن التقييم الأولي الفتحاوي للإضراب يحملني مسؤولية وقفه بصورة غير شرعية، حيث أفرز هذا التقييم، أن أيًّا من الأخوة في فتح، لم يكن مع وقف الإضراب، وبالتالي، هنالك تعارض مع الآلية المتفق عليها في مثل هذه الحالة.

قلت بهدوء، أنا لم أجادل في الموضوع، لكني سأسلمك ملف الإضراب كاملاً، لتدرسوه في اللجنة المركزية لحركة فتح، على أن تعيده لي بعد ذلك، وعدني الأخ نايف بإعادته، وبأنه سيسلّمه فقط للأخ عبد الله سكافي، ناديت الأخ عبد الكريم البرغوثي، وطلبت منه فتح المخبأ في عزّ الظهيرة، وإخراج الملف المعني، فعاد يحمله بعد قليل، اطلعت الأخ نايف على أول رسالة وتعليق الأخ فاضل يونس عليها، فحملها إلى الأخوة في فتح، الذين تراجعوا عن اتهامهم لي بتزوير قرار الإضراب بعد الاطلاع على الحيّثيات المكتوبة بخط اليد والتوقيع.

وعادت الأمور في المعتقل والمعتقلات الأخرى إلى روتينها المعتاد، بعد كل معركة من معاركنا مع الإدارة الفاشية لانتزاع حقوقنا، وتثبيت مكاسب إضافية، فعدا عن تغيّرات واضحة وملموسة في حياة المعتقلين في نفحة، فقد كان المكسب الأكبر لكل المعتقلات، هو النوم على أسرّة، حيث تقرّر تزويد المعتقلات بأسّره من طابقين، عملاً على توفير مساحة إضافية في الغرفة، تتيح حرية حركة أوسع لنزلائها.

 وتستمر سياسة التفكيك .. اجتماعيا .. ثقافياً… وأمنياً

دخلنا عام 1981 وفي جعبتنا الكثير من البرامج التطويرية للمعتقل، وبالمناسبة، فمن النادر جداً أن يكتمل برنامج بنائي واحد في المعتقلات، فإذا لم يكن لدينا ما نفعله ضد الإدارة وأدرنا لها ظهرنا مهتمّين أساساً بوضعنا الداخلي، كانت الإدارة ذاتها تلجأ إلى الاحتكاك السلبي لتقطع علينا سبيل تطورنا، كما هو حال كل الاستعماريين في العالم، الذين قطعوا ويقطعون سبيل تطور الشعوب بإقحام أنفسهم في طريق تطورهم.

وهذا تحديداً ما وقع معنا، ففي عام 1981، استدعت الإدارة المدعو "ع.ط" على أساس أنه مطلوب للعلاج في مستشفى الرملة، وبما أن "ع.ط" كان في تلك الفترة يخضع للتحقيق الأمني في إحدى غرف ساحة " أ "، فقد طلب منه أن يخرج فقط ويبلغ الإدارة بعدم رغبته في الذهاب إلى الرملة، وعليه العودة فوراً إلى غرفته، هكذا كانت التعليمات مع "ع.ط"، فخرج وعاد فعلاً، لكنه كان قد أخذ فرصته الكافية لإبلاغ الإدارة بالأسباب الحقيقية التي تحول بينه وبين الذهاب إلى الرملة، بعد قليل من عودته، حضرت مجموعة من الشرطة إلى الغرفة التي يقيم فيها، وطلبوا منه الخروج، لكنه لم يخرج، وأبدت الإدارة إصراراً غريباً على إخراجه من الغرفة، لدرجة دفعتنا للاتصال بالأخوين راضي الجراغي، مسؤول العلاقات الخارجية لفتح، والأخ رمضان البطة، موجّه عام فتح، لحل الإشكالية بإخراجه، لكن الأخ رمضان أصرّ على موقفه الرافض لإخراج "ع.ط"، وليكن ما يكون، وتم إبلاغ الإدارة بأن المدعو لن يخرج من غرفته، بعد ساعة واحدة، كان السجن يعجّ بعشرات رجال الشرطة وحرس الحدود المدجّجين وبالعصي والهراوات ومدافع رش الغاز، وبلا مقدمات، اتّجهوا إلى الغرفة رقم 3، المتواجد فيها المدعون وبدأوا باستخدام مدافع غاز البودرة الخانقة، ووسط ضباب الغاز، سحبوا المذكور، لكنهم لم يكتفوا برش الغرفة نفسها، بل تحوّلوا إلى الغرف الأخرى 4 + 1 + 2، وأشبعوها بالغاز، حتى أفرغوا كل ما بحوزتهم من أسطوانات في الغرف الأربع.

لم يقف الأمر عند هذا الحد، فما إن انتصف نهار ذلك اليوم، حتى كانت الإدارة قد أفرغت أقسام اليهود المقابلة لأقسامنا، وبدأت بعملية ترحيل لقسم "أ" إلى أقسام اليهود، وفي سياق ذلك، كان حرس الحدود المشرفون على العملية، يحملون معهم قوائم بأسماء 51 مناضلاً، بدلاً من أن ينقلوهم إلى أقسام اليهود، زجّوا بهم في الزنازين، فتخيّلوا .. حجم الزنزانة 1م × م، أي ما يزيد قليلا على حجم فرشة انفرادية، وبها ثلاثة مناضلين، فعدد الزنازين في سجن بئر السبع 17 زنزانة، ملئت جميعها، كل منها بثلاثة، أضف إلى ذلك أننا، ومنذ الصباح، تلقينا وجبة الإفطار فقط، والآن، وقد شارفت الساعة على التاسعة ليلاً، لم نذق طعم الأكل، عدا عن قطع التيار الكهربائي عنا، فإذا كانت الزنازين أصلاً معتمة نهاراً وليلاً، فكيف إذا استكملت بقطع الكهرباء؟ أخذنا في الصراخ والضرب على الأبواب حتى جاء ضابط أمن السجن "ديان" فطلبنا منه وصل التيار الكهربائي المقطوع أولاً، وإحضار الطعام الذي لم نتسلّمه من الصباح، بعد مضيّ ساعة واحدة كان الطعام قد حضر وأُنيرت الكهرباء، وبقينا حتى الواحدة ليلاً مشغولين في غسيل الأيدي ودورات المياه .. الخ. أما غسيل الوجه، فقد كان ممنوعاً علينا، لأن وضع الماء على غاز البودرة العالق بالوجه، يعني أنك تعطي للبنزين عود ثقاب، ولذلك نصح الجميع بعدم استخدام الماء للوجه هذه الليلة.

في صباح اليوم التالي، طالبنا الإدارة بتخفيف الازدحام في الزنازين، فعقدوا على الفور محكمة صورية قادها المدعو "ديان" ضابط أمن السجن، حيث أعيد إلى الأقسام الجديدة، 34 مناضلاً، وحكم على 17 مناضلاً بالحبس الانفرادي، بعضهم لمدة أسبوع، والآخرون لأسبوعين، وأغرب ما في تلك المحاكمة، أنها تمت بطريقة اليانصيب، فالمعنيّون مباشرة بالحدث، تلقّوا حكماً لأسبوع، بينما من هم في مثل حالتي، لا علاقة مباشرة لهم بالموضوع، تلقّوا أسبوعين، مثل نبيل قبلاني وكايد صبح ومحمود جدة وأنا وآخرين.

بعد انقضاء مدة الحكم، عدنا إلى الأقسام الجديدة، التي حللنا فيها محلّ اليهود، وميزتها الأساسية أنها عبارة عن غرف صغيرة تتّسع أكبرها حجماً لثمانية مناضلين، بينما تتّسع الغرفة في الأقسام التي رحلنا عنها لـ 80 مناضلاً، وبالتالي، فكلما كان عدد نزلاء الغرفة أقل، كلما سهلت السيطرة عليهم، ولهذا، تمت عملية النقل الواسعة إلى الأقسام الأخرى، أما "ع.ط"، فقد ذهب ولم يعد، وكان بالإمكان تجنّب ما وقع بخراجه بعد قراءة النوايا التي أبرزتها عملية الإصرار على إخراجه، وهو الذي كان قد خرج أصلاً، لكنهم أعادوه كطُعم لفخ نصبوه لنا، وقد التقطنا الطعم ووقعنا في الفخ، بعد أن أهملنا سياسة الحذر في التعاطي مع توجهات الإدارة ونواياها، لكننّا في هذه المرة، لم ندرس المسألة كما يجب، فدفعنا ثمناً باهظاً، أقله حشْرُنا في الزنازين، أما الخسارة الحقيقية، فقد تمثّلت في الغرف الواسعة، التي مكنتنا من حرية أكبر في العمل، مع عدد أكبر من الناس، كما مكنتنا من العمل الأمني بفعالية ونجاعة أكبر مما هو عليه الحال الآن، في غرف صغيرة وفي أكسات، وضعف، وحتى انعدام الرقابة، التي مكنت من الكشف عن كثير من حالات الارتباط وإبطال مفعولها، ومع ذلك، فقد تأقلمنا تدريجياً مع الوضع الجديد، ورتّبنا أمورنا على هذا الأساس.

 لحظات لا تنسى

خلال هذه الفترة نفسها، كنت والأخ بلال الشخشير قد تقدمنا إلى القضاء برفع شكوى على إدارة السجن، التي منعت عنا إدخال الكتب عن طريق الزيارة، ولم تكن القضية تتعلق بنا نحن الاثنين فقط، بل تتعلق بكل السجن، وقد وكلنا المحامية ليئا تسيمل لمتابعة الشكوى في المحاكم، وخلال وجودي في الزنزانة، زارتني المحامية ليئا تسيمل، وأبلغتني عن موعد جلسة المحكمة، التي تقرر أن تعقد في المحكمة المركزية في بئر السبع، وقد أفادت المحامية، بأنها ستتّصل بذوينا لنراهم في المحكمة.

في اليوم الموعود، طُلبنا إلى إدارة السجن، حيث كانت الشرطة المدنيّة بانتظارنا، وبعد أن وضعوا القيود الحديدية في أيدينا وأرجلنا، حملونا بسيارة الشرطة إلى المحكمة المركزية ببئر السبع، وما إن دخلنا الصالة، نجرّ قيودنا بصليلها اللافت للنظر، وما إن صعدنا الدرج إلى الطابق الثاني، حيث مقر المحكمة، حتى كان أمامنا ذوونا الذين ما إن رأونا، حتى تقدموا نحونا مسرعين ليعانقونا وسط احتجاجات الشرطة وصراخهم، لكن أنّى لهم ان يفصلونا عن بعضنا، ونحن الذين بالكاد تلامست أصابعنا خلال كل السنوات السابقة من خلال شبك الزيارة، وها هي الفرصة تسنح للمصافحة الكاملة وللعناق مع الأحبّة، فهل يمكن أن نفوّت هكذا فرصة، استجابة لرغبة شرطيّ تجرد منذ زمن بعيد من إنسانيته، ويتلقى رابته الشهري فقد لقاء تخلّيه عن هذه الإنسانية؟ لا أظن كل قوانين الأرض ولا قوة الشرطة وبطشها القمعي بقادر على ذلك.

دخلنا قاعة المحكمة وجلسنا على كرسي الادعاء، ومعنا المحامية ليئا تسيمل، بينما على الكرسي المقابل جلس الضابط "غزلان"، مندوباً عن إدارة السجن، وجلس ذوونا في مقاعد الجمهور، وكان من بينهم ابنتي الوحيدة حنان، التي دخلتُ المعتقل وعمرها عشرة أشهر، فهي مولودة في شهر شباط 1967، وعادت إلى الوطن من العراق، حيث كنت ملتحقاً بصفوف جيش التحرير الفلسطيني – كتيبة الصاعقة 421، قبل يومين فقط من بدء معركة حزيران، وأصبح عمرها أربعة عشر عاماً، واكبتها تنمو وتكبر من خلف القضبان، من خلف الشبك المزدوج لغرفة الزيارة في عسقلان، ولم تتح لي فرصة معانقتها، وضمّها إلى صدري كما فعلت في ذلك اليوم.

خلال الفترة الزمنية التي انتظرنا فيها قدوم الحاكم، طلبت المحامية من الشاويش المسؤول عن حراستنا أن يسمح لابنتي بالجلوس إلي جانبي، لكنه رفض ذلك، فهو غير يهودي ولا يجوز أن يقرّر ما من شأنه أن يمسّ إخلاصه وولاءه، لأنه ليس يهودياً، أما الشرطي اليهودي الجالس بجانبي، فقد ازدرى رأي مسؤوله، وأحضرها لتجلس بجانبي، ولأحتضنها لكثر من نصف ساعة.

حينما سألني الشرطي، كم كان عمرها حينما دخلت السجن؟ أجبته: عشرة أشهر، ذُهل للإجابة، وسقطت رزمة المفاتيح من يده، فقد استغرب وجودي لأربعة عشر عاماً في السجن حتى تلك اللحظة، وانه ما زال أمامي مشوار أطول بكثير.

حضر الحاكم، وفتحت الجلسة، وعادت ابنتي إلى حيث تجلس والدتها وأعماها، وطلبت مني المحامية أن أدافع عن قضيتنا، ولما كان الموضوع يتطلب لغة عبرية، فقد حاولت دفعها للحديث، إلا أنها أًصرت على أن أتحدّث، وستساعدني إذا ما ارتأت حاجتي للمساعدة بكلمة هنا أو هناك بالعبرية، وقد قمت فعلاً بتبيان حاجة المعتقلين إلى الكتاب، وحاجتهم إلى الشراشف للسرير، و "البيجامة" كنوع من تأكيد إنسانية الإنسان، وقد استغرقت الجلسة أكثر من ساعة كاملة، أصدر القاضي في نهايتها حكمه التالي: يسمح بإدخال الكتب الصادرة في إسرائيل والمناطق الموزعة في المكتبات الإسرائيلية إلى السجون، هذا أولاً، أما ثانياً، فتترك عملية إدخال الشراشف والبيجامات لإدارة السجن في الوقت المناسب، وعلى ذلك، انتهت جلسة المحكمة، ودّعنا ذوينا، فنزلنا الدرج في طريقنا إلى السيارة لنقلنا إلى السجن، وهكذا، افترقنا مرة أخرى، وعاد كل منا إلى مستقره.

في اليوم نفسه، كانت محكمة من نوع آخر، تجري للزميل إسماعيل سلامة من قطاع غزة، الذي كان قد شارك في قتل أحد العملاء في السجن، وقد أحضر إلى جلسة المحكمة من سجن نفحة، والتقيناه في سيارة الشرطة، وفي النظارة.

أما زميلي بلال الشخشير، فلم يفوّت هذه الفرصة، فالشحنة العاطفية التي مسّت شغاف إحساسه المرهف، كان لا بد أن يترجمها على الورق، فترجمها قصة سمّاها "الوجه الكرستالي"، وقد نشرت في صحيفة "راية الشعب" بالسجن ومجلة "الحرية" في الخارج، وحيث إنني ما زلت احتفظ بهذه القصة على ورق رسائل السجن، فسأضيفها هنا، إلى هذه المؤلفة التاريخية لتكون جزءاً منها،" وكما هي على الرسائل وبخط اليد.

 "القصة"

ما إن وصلت السيارة مركز الشرطة في بئر السبع، حيث المحكمة، حتى سمح المناضل لخياله أن يسرح بين الماضي والحاضر والمستقبل، غافلاً عن وجود اثنين من رفاقه معه في السيارة نفسها، أخذ يراقب تحركات أحد الأشخاص الذين ينتظرون وقوف السيارة، بأعين تكاد تثقب الزجاج، وما إن توقفت السيارة، بعد حركات غير منظمة قام بها السائق لاستعراض قدراته الفنية بقيادة السيارات، حتى اقترب الجمع بصورة غير منتظمة، بانتظار أن تفتح الأبواب المقفلة، وأخيراً .. فتحت الأبواب وترجّل المناضلون الثلاثة، تصدر عن حركاتهم رنّة القيود الفولاذية التي تطوّق معاصمهم وأرجلهم، لكنهم بهاماتهم المرفوعة المتحدية، وبابتساماتهم التي تكشف عن أسنان غير ناصعة البياض، جسّدوا كل الكبرياء الذي نطقت به عيونهم وترجمته، وأبرزته صورة التحدي التي عبرت عنها أجسادهم النحيلة المشدودة.
الناس تسرع بالاقتراب، ورجالة الشرطة يبذلون كل جهودهم ليحولوا دون وصولهم للمناضلين الثلاثة، بتشكيلهم حاجزاً، جعلوا من تشابك أيديهم حلقات سلسلته، جعلوا أنفسهم جداراً، بقي المناضل طوال ساعتين يعيش لحظات انفعال وصراع، قضاها في تلك الغرفة الصغيرة والمظلة، التي تفوح منها رائحة العفونة والرطوبة، رغم محاولاته الجادة للتفاعل مع زميليه، خاصة وأن أحدهما صديق قديم له، قادم من معتقل نفحة، فضلا عن أن لهذا المناضل أصدقاء كثيرين في نفحة، معنيّ بمعرفة أخبارهم، لكن انفعاله وشعوره المتأجّج، حالا دون ذلك.

"رأيتها دائماً في غرف الزيارة، لكنها هذه المرة شابه، ربما ليست هي، فهذه كبيرة، اكثر مني طولاً، ربما تكون شقيقة أحد زملائي، لماذا لا أسألهم؟" أتوجد لكم شقيقات أو قريبات بشكل الفتاة التي كانت تحاول الاقتراب من السيارة؟ أجاب الاثنان بالنفي، وتابعا حديثهما دون اكتراث، "لماذا لا أسأل المحامية، لكن، ماذا لو انتبه رفيقاي لاهتمامي المبالغ فيها؟ أليس من الممكن أن يتّهماني بالرومانسية؟ محتمل أن تكون هي، وتبقى مسألة خاصة، حيث توجد أمور أكثر أهمية تخصّ المصلحة العامة، ويمكن الاستفسار عنها من المحامية".

فتح الشرطي الباب وظهر مع كمية الضوء المتسربة من الغرفة المجاورة؟، حيث نادى على اسمين " ح " و " ب "، خرج الاثنان يجرّان سلاسلهما في أرجلهما، ورنينها الشبيه بنواقيس الكنائس يملأ الردهات، ويثير انتباه المارّة، مكبّلين بمعاصمهما بسلسلة فضية اللون، " ح " في يده اليمنى، ورفيقه بيده اليسرى، أخذا يصعدان درجات الطابق العلوي، وأعين المارة العدائية تطاردهما، دون أن ترهبهما أو تثير شكوكهما، بل على العكس من ذلك، فنظرات الاستعماريين الدخلاء العدائية للمناضلين، تزيد من شعور الكرامة والكبرياء، ومواجهتها بنظرات التحدّي.

قبل أن يصل الاثنان إلى ساحة واسعة في الطابق الثاني، واجههما مكتب صغير للاستعلامات تجلس فيه فتاة يهودية شقراء، ذات عيون زرقاء، أخذت تتأمل حركاتهما الدقيقة، وتهمس لعجوز تتّكئ على طاولة المكتب، "حبلنيم" في هذه اللحظة، جاء صوت الشرطي المرافق يلقي بتعليماته عليها "يمنع التحدث والتقبيل مع أي كان، مفهوم"، وما إن انتهينا إلى الطابق العلوي وعكسا اتجاه سيرهما مع الممر المفضي إلى قاعة المحكمة، حتى واجههما حشد أقاربهم المتجمعين على مدخل المحكمة، أخذ " ح " يبحث بنظرات سريعة حادة بين هذا الجمع عن إنسان ما، عضلات وجهه تتقلص، يحاول ورفيقه الإسراع، لكن السلاسل تشدّ أرجلهما، وتمنعهما من الحركة بحرية، "إن النملة أسرع مني، لن أنفذ مطلب الشرطي مهما كلف الثمن، سأقبلهم، وليفعل ما يريد"، التفّ ذووهم حولهم، رافضين أوامر الشرطي التي مزجت صراخها باستخدام أيديها لتدفع المناضلين عن ذويهم، إلا أن الأيدي تشابكت، وارتفعت أصوات القبلات، مما جعل الشرطي يغير لهجته، كفي كفي، لكن " ح " لم يصل إلى هدفه بعد، وأخيراً، وقعت اليد الصغيرة بين يديه الجافتين المتيبستين، "يجب عليّ أن أقاوم، حيث لا أترك المجال لعواطفي بالسيطرة عليّ، سأقاوم بكل طاقتي انفجار الدموع، إنني إنسان، لكن أصدقائي سيلومونني على ضعفي فيما لو فعلت، رغم أن رفيقي وشاهدي الوحيد، يقدّر المسألة، فلديه فهم اجتماعي متطور جداً.

الشرطي الجلف بصوته الخشن، قام بفصل الفتاة البالغة الصبا من بين يدي الرفيق " ح" ملحقاً فعله هذا بسؤال، أهذه زوجتك؟ أدرك رفيقه حساسية الأمر لو سمعت زوجته السؤال، فأجاب على الفور: لا، إنها ابنته، أخذت عيون الشرطي تنتقل بين الأب وابنته، غير مصدق ما يسمع، دخل المناضلان قاعة المحكمة، ليمثلا مقعد المتهمين، بينما جلس ذووهم في مقاعد المتفرجين، وبقيت صاحبة الوجه الريفي البريء، تصبّ نظراتها على وجه والدها بعيونها السوداء البلورية، التي غطّتها طبقة شفافة من ماء الدمع، لتزيدها صفاء أو براءة، يحاول " ج" دفعها للكلام، لكن كلماتها الهادئة الناعمة، كادت تكون غير مسموعة، فعاد الشرطي يسأله، كم عمرك؟ وأثناء إجابته الميكانيكية، كان يبدو عليه الغرق في الخيال: "ألست سمجاً أيها الشرطي، أهذا وقته! لم أكتشف أنها أصبحت كبيرة إلى هذا الحد، كم عمرك. ستة وثلاثون عاما، ازداد الشرطي اضطرابا وهو ينقل نظراته بين البنت ووالدها، ماذا تقول؟ كم سنة أمضيت في المعتقل؟ أربعة عشر عاما. سقط الجواب على آذان المتواجدين كصاعقة مدوّية، أدت إلى لفت انتباه الجميع، الذين كان عددهم يزيد على العشرين، حاول الشرطي القيام بأي عمل يعبّر عن تعاطفه، فلم يجد خيراً من استدعاء البنت لتجلس قرب والدها، تعالى هنا، تعالى، إلا أن شرطياً آخر، تدل مؤخرة رأسه على التديّن، عبر عن احتجاجه الصامت، بتلكّؤ في الانسحاب عن المقعد، ليفسح المجال للفتاة بالجلوس، وحال جلوسها، أخذت العضلات المتشنجة والمتقلصة تعود للارتخاء، محاولاً ترتيب مشاعره وضبطها، ليبعد عنها الضيق الذي لازمها لبعض الوقت. "هل تشعر بأنني والدها، إنها فاترة، أتبادلني الشعور نفسه؟ كيف يمكن ذلك وأنا لم أعش معها، لكن الحنين يغمر عينيها، ولا استبعد أن يكون شعورها نحوي، نتاجاً للتقليد الاجتماعي، بصفتي أباها" .. أخذ يتأمل كلماتها، وثوبها الأبيض والأسود الأنيق، مسترجعاً ذكرى طفولتها، ملفوفة باللفائف، غافلا كلية عن المتواجدين بقاعة المحكمة، ومن بينهم زوجته وأقاربه، الذين تركوا قريتهم مع آذان الفجر، ليجتمعوا به هذه اللحظات، وفجأة أشار لرفيقه المنهمك بنقاشات سياسية مع المحامية، ونفث نفساً طويلاً امتصه من سيجارته، وقال: "إن رفيقي هذا، سيرعاك، بدلاً مني، فهو سينهي فترة اعتقاله بعد فترة زمنية وجيزة، فبادلته نظرة ريفية خجولة، لكن هذا الرفيق لم يتوان عن الإجابة، سوف أجعل منك شيوعية، مما زاد من انفعالها، وعبرت عن استغرابها وعدم تقبلها للفكرة".

ابتدأت جلسة المحكمة، واستمر الجدل ببين القاضي ومحامية الدفاع، وانتهي النقاش ومازال الرفيق " ح" يحاول التوفيق بين تفكيره ومستقبلها.

"هل نجحت بانتقاء كلماتي ككل الآباء؟ أجعلتها تلمس شوقي ومحبتي لها؟ لكن كيف يمكن أن تتولد العواطف خلال رحلة افتراق استغرقت أربعة عشر عاما؟ إن الحب شعور ينشأ عن الاحتكاك، عن العمل، وليس بالكلام المجرد، لكنه قد ينشأ أيضاً عن الوعي، يحث يعمق المشاعر ويصقلها" .. وقف الجميع بعد انتهاء المحكمة، وكان لا بد لهذه اللحظات أن تنتهي، ضمّها بين ذراعيه بهدوء لم يدركه بنفسه على مدى حياته، قام الشرطي بمهمته، حيث قاد الاثنين، ولا زالت صورة الوجه الكرستالي تبتعد تقترب.

عزيزتي حنان: أهدي إليك القصة الجميلة، التي حازت على إعجاب جميع من قرأوها، حيث نشرناها في مجلتنا وقد كتبها بلال إهداءً لك، ولمعرفته بك، فآمل أن تهتمي بها، وان تطلعي عليها صديقاتك، ويمكنك الاستفسار من حاملها حولها، وحول صداها في المعتقل، تحياتي الحارة لك وللأخت حليمة، ولجميع العائلة، واهتموا جيداً بالرفيق كمال، فهو عزيز عليّ.

المقصود: كمال الرافاتي، أحد أصدقائي في السجن، والذي أفرج عنه بالفترة ذاتها.
مع حبي الخالص لك

في أول زيارة، وحينما أحضر الأهالي كتبا لأبنائهم في السجن، أعادت إدارة السجن كل الكتب، باستثناء ما أحضره أهلي وأهل بلال الشخشير، حيث اعتبرت إدارة السجن أن قرار المحكمة يلزمها بنا فقط، ولا يلزمها، باعتباره قانوناً عاماً للسجون، حتى الزميل عامر دخل الله الفلسطيني السوري، الذي تبنّاه أهلي بالزيارة والكانتين والملابس وكل الاحتياجات المحققة للسجناء، لم يستثّن من القانون، فعائلتي التي أحضرت الكتب لي وله، سمح لها بإدخال الكتب التي تخصّني ومنعت الكتب التي تخص عامر دخل الله، ولم تشفع لاحقاً مطالبة المحامية ليئا تسيمل بتعميم القرار، باعتباره قراراً لصالح كل سجين، لكن التفسير الإسرائيلي للقرار أفرغه عملياً من مضمونه، كما يحاولون دائماً أن يفعلوا حتى في اتفاقاتهم الدولية.

وبمناسبة الحديث عن "راية الشعب"، التي نشرنا فيها "الوجه الكرستالي"، فإنني ارتبط مع هذه المجلة الاعتقالية بأغلى الذكريات، فمنذ دخلت سجن بئر السبع، وكانت قيادة المنظمة في السجن معقودة للزملاء جمال قاسم بدران أميناً للمنظمة، وعابد البكري، ومحمد حسين زهران، اتخذنا قراراً بإصدار مجلة، أُنيطت بي رئاسة تحريرها، والزميل عبد الكريم البرغوثي مديراً للتحرير، بلغة الصحافة الرسمية، حيث صدر من هذه المجلة 21 عدداً أشرفنا سوياً على تدقيقها ونسخها وتوزيعها، وجمعنا لاحقا كل خمسة أعداد في مجلد واحد، وكانت من المجلات الرائدة في معالجة القضايا السياسية والاعتقالية، واكتسبت احترام المعتقلين بمختلف تلاوينهم السياسية والتنظيمية وحتى اللحظة، ما زلت أبحث عن وسيلة تمكّنني من الحصول، ولو على مجلد واحد من مجلداتها، والتي استقرت أخيراً، وقبل خروجنا من السجن سنة 1985، في سجن جنيد.

لقد أسهمت المجلة، عدا عن دورها الثقافي والسياسي في صقل مواهب كتابيّة للعديد من الزملاء أبرزهم الأخ حسن البطّاط، الذي دخل السجن أمّيا تماماً، تعلم القراءة والكتابة في السجن، وأصبح واحداً من كتّاب "راية الشعب" الدائمين، إلى أن نقل إلى سجن عسقلان، حيث واصل دوره النضالي والتنظيمي هناك، مع زملاء آخرين، كان عظيماُ في إصراره على التعليم والتعلم، كان عظيماً في شغفه بالكتاب والقلم والورق، فأصبح معلماً من معالم المقولة المأثورة: "لقد حوّلنا السجون إلى مدارس ومعاهد"، وشاهداً حيّا على صدقها.

 1982 محاولات بث الإحباط وتحطيم الإرادة

في عام 1982، كان الحدث الأبرز في تاريخنا هو الاجتياح الإسرائيلي، أو بالأصح، إعلان إسرائيل الحرب على منظمة التحرير الفلسطينية، ودخول قواتها إلى لبنان، وصولاً إلى حصار بيروت، كانت فترة غاية في الصعوبة، خاصة وأن إسرائيل لم تجنّد لها جيشاً مدجّجاً بكل أدوات القتل والإرهاب فحسب، بل جنّدت لها أيضاً ماكنة إعلام ذات تقنية عالية في تزوير التاريخ، وقلب الحقائق، ونشر المعلومات التضليليّة والكاذبة، حيث تلاحمت هاتان المؤسّستان في حملة بربرية، استهدفت تدمير بنية م.ت.ف تدمير الرقم الصعب في معادلة السياسة الشرق أوسطية، الذي لم يعد بمقدور أحد من ساسة الشرق الأوسط أو العالم القفز عنه، أو تجاهله، حين البحث عن حل عادل ودائم لصراع الشرق الأوسط.

إذن، كان علينا في السجن، أن نواجه الماكنة الإعلامية، أن نحارب سياسة بثّ اليأس والإحباط في أوساطنا، أن نحارب الإشاعة التي أطلّت برأسها بقوة، مستهدفة هذا الخندق النضالي من خنادق الثورة، خنادق م.ت.ف، ولذلك، فقد أصبحت إحدى مهماتي الرسمية في السجن، ان أتابع الأخبار عبر جهاز راديو وأن أدوّنها، لأذيعها، كنشرة إخبارية على مسامع الجميع في قسم 9 وإرسالها للأقسام الأخرى في اليوم التالي نهاراً، وكنت ما إنّ يخرج ضابط العدد المسائي، في السادسة تقريباً، حتى أبدأ بمهمتي على الفور، حيث كنت استمع، على مدى ساعتين، لنشرات أخبار متعددة ومتنوعة، وكذلك التحاليل السياسية، وأقوال الصحف، وكل ما له علاقة بالحرب الغادرة على قواعد الثورة ومؤسسات المنظمة في لبنان، وفي التاسعة من مساء كل يوم، أقف على باب غرفة 4 في قسم 9، لأذيع على مسامع الجميع، بمن فيهم الشرطي الحارس في القسم، نشرة إخبارية مطوّلة، بعد إجراء الكثير من التحويلات و "الدبلجة" لبعض الأحداث، التي من شأنها وأد الإضاعة المغرضة، وتكذيب الأخبار الرسمية لـ "صوت إسرائيل" المسمومة، التي يبثّونها ليل نهار، عدا عن صحفهم العبرية والعربية، وقد انبرى عدد من زملائنا لترجمة العديد من المقالات عن الصحف العبرية، نشرت في السجن، تعكس حالة الصمود الأسطوري لمقاتلين غير نظامين، يتصدون بحرب نظامية لم يعتادوا عليها،" لجيش نظامي تدرّب في المعارك الحية.

وستبقى أسطورة شقيف، وخلدة، والدامور، وصيدا، ستبقى أسطورة المقاتل الفلسطيني الذي واجه العدو، أو الذي جعل من جسده عصى في دولاب آلة المحتل الحربية، بعمله البطولي خلف خطوطه، ستبقى كلها إلى جانب أشبال الـ "آر.بي.جي"، محفورة في الوجدان الفلسطيني، ودرساً مخزياً للغزاة الفاشست، أما صمود بيروت، صمود القائد والمقاتل الفلسطيني في بيروت، فهو وحده الذي أجبر العالم كله على التحرك بهزه العنيف لوجدانهم المخمور، مما دفعهم للتعاطف، ولأول مرة علناً وبوضوح، مع قضية شعبنا الوطنية، وبهذا التناغم الجماعي.

لم اكتف بنشرة الأخبار الليلية، ففي الوقت الذي يخرج فيه المعتقلون إلى الساحة "الفورة"، كنت أبحث عن المكان الظليل في الساحة، وأجمع حولي الكثير من الزملاء، لمناقشة الأحداث وتحليلها، ونفخ روح الحياة في العديد منها، لأن فيها حياة للنصر الفلسطيني القادم، وقد أطلق على تلك البقعة من الساحة "قهوة أبو عباية".

أما عمن انتصر في معركة بيروت، فلا أظن اثنين يختلفان على أننا المنتصرون، وأننا من فرض منهجية الخروج من المعركة، ولم يكن الإسرائيليون (شارون – بيغن) هم الذين أجبرونا على هذه المنهجية، فالغارق في الوحل حتى أذنيه، يحتاج إلى من ينقذه، وكانوا حقيقة يبحثون عمّن ينقذهم، يبحثون عمّن يفك قيودهم التي قيّدتهم بها جبهتهم الداخلية، يبحثون عمن يوقف زحف العزلة الدولية التي أخذت تشدّ‍ على خناقهم، وإذا كان شارون بجثته الضخمة، قد تحمل كل هذا الضغط، وربما تحمله بفعل توان الضغوط، فإن بيغن قد واجه مصيره المحتوم، واختتم حياته السياسية بطريقة جعلته محل شفقة الجميع، بعد أن اكتشف أنه وقع ضحية الخداع والتضليل من اقرب الناس إليه. شارون.

انتهت معركة بيروت، لكن آثارها لم تنته، لا في بيروت، ولا في عواصم العالم، أما على صعيدنا كمعتقلين، فقد كان لإعلان الأخوة في فتح، أسرهم لثمانية إسرائيليين دفعة واحدة انعكاساته الإيجابية والمهمّة على اللوحة النفسية لكل منا، واستتبع ذلك بأسر الجبهة الديمقراطية لسمير أسعد، وكذلك الحديث عن أسير لدى القيادة العامة، هذه الأنباء والمعلومات فتحت أمامنا آفاقاً رحبة، وجددت حلم الحرية في أعماقنا، فالحرية هي الحلم الدائم للسجين.

في نهاية عام 1982، أُعِدتُ والزميل نبيل قبلاني إلى سجن عسقلان مرة اخرى، وكانت هذه العودة بمثابة زيارة للزملاء في السجن، الذين عشت معهم أطول فترة من حياني الاعتقالية، وأكثرها غنى وتنوعاً، وتعرفت على العديد من الزملاء الجدد، الذين لم اكن قد التقيتهم في أي من محطات السجون السابقة، كالأخوين نايف أبو عيشة، وحسن عبد الله مثلاً، وهما من الفعاليات الأدبية والثقافية المشهورة في السجون.

لم يكن في هذه المرحلة ما هو مثير، فالحياة الداخلية المستقرة بتطورها عكست نوعاً من السكينة والاسترخاء، وانتظار القادم من الخارج، أي فتح مفاوضات تبادل الأسرى، لكن، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فبدلاً منها، تواردت الأنباء عن اقتتال فلسطيني – فلسطيني يجري فوق الجزء الشمالي من لبنان، وعلى الحدود مع سوريا، وتحديداً تجلّى زخمة في طرابلس، وأصبح لاحقاً مشهوراً باسم "معركة طرابلس"، والذي أفرز انقساماً في الساحة الفلسطينية عموما، وفي حركة فتح خصوصاً، وعكس نفسه على واقع المعتقلات نفسياً بصورة عامة، لكنه جزئياً عكس نفسه بانحياز عدد قليل من صفوف فتح لصالح المنشقّين، انجراراً وراء شعاراتهم البراقة التي تراوحت بين الديمقراطية والتقدمية المستمدّة من ديمقراطية الممولين والداعمين وتقدّميتهم.

في خضمّ التفاعل مع هذا الحدث المصيري والهام، واصل الأخوة في فتح حملة تطهير الصف الوطني من العملاء، حيث قاموا بالتحقيق مع اثنين منهم في آن "ز.س" و "ع.س"، حيث أفضى العنف المستخدم مع "ز.س" إلى اضطراب الأخوة إلى اللجوء للعيادة لعلاجه، بعد أن نزفت كليتاه دماً، وهذا بدوره أفضى إلى استدعاء "ع.س"، بمعنى أن أمر التحقيق معهما قد اكتُشف من قبل الإدارة، فسحبتهما من بين المعتقلين إلى حيث يقبع أمثالهم في عزلتهم عن الصف الوطني، تحت حماية سلطات الاحتلال، (طعوني هجناه، تحت الحماية).

رغم أن إبعاد هؤلاء المتعاونين عن صفنا الوطني، كان فيه ما يريح ويقلل من المشاكل التي كانت إحدى مهماتهم افتعالها، ليبقى جو التوتر الداخلي هو السائد بين صفوفنا، حتى إن بعضهم قد حمل مهمات أبعد من ذلك، حيث استخدم كأداة من قبل الإدارة لضرب أحد الشرطة، بحيث يعطي ذلك ذريعة للإدارة لقمع المعتقل أو تعكير صفو الاستقرار فيه، ومع ذلك فقد شكّل إبعادهم عنا مصدر خطر من نوع آخر، حيث استغلت المخابرات الإسرائيلية وجود هذه التجمّعات من المعتقلين لتستغلها في جرّ العديد من المعتقلين الجدد، لتقديم اعترافات بلا جهد ولا عناء، بل بممارسة الخديعة باللباس الوطني.

كانت المخابرات في مثل هذه الحالة، تزوّد عملاءها في "غرف العار" كما كنا نسميها، أو "غرف العصافير"، ببعض المعلومات الأولية عن الضحية، وتوجههم للوجهة التي يجب ان تنصبّ عليها جهودهم في الاعترافات المطلوبة، قبل أن يدخل الضحية إليهم، كما تتم بينهم عملية تقاسم للأدوار، بما فيها، عقد حلقات سياسية لمجموعة من السجناء، على اعتبار أنهم يمارسون التثقيف الوطني، ويأتي دور المسؤول الأول المزعوم، ليطلب من الضحية، كتابة تقرير تفصيلي لإرساله إلى الخارج، إلى القيادة، لتقوم بدورها بمعالجة فورية للقضايا التي تحتاج إلى علاج فوري، كنقل السلاح من مكانه، أو تحذير باقي أعضاء المجموعة وتنويرهم بالاعترافات التي تم تقديمها وحدودها .. الخ، وتنطلي اللعبة على العديد من مناضلينا، الذين يكتشفون سر اللعبة فور تسليم التقرير، ويعلمون أنهم وقعوا ضحية الخسّة والنذالة، ضحية بيع الضمير وانعدام الحسّ الوطني والمتاجرة بالذات، وهي أحط أنواع التجارة، بما فيها تجارة البغاء.

على أثر تسلم الإدارة للعميلين المذكورين، وفي الصباح الباكر جداً من أحد أيام شهر 9/83، استدعت الإدارة ستة مناضلين، كان اسمي على رأس القائمة ومعي الزملاء: ذياب اللوح، الذي كان في حينه موجهاً عاماً لفتح في عسقلان، وعماد يعيش، وفاضل يونس، وخير الشلبي، ومحمود طويط، وجميعهم أعضاء اللجنة المركزية لفتح، حيث خرجنا إلى الباب الرئيسي حيث مخزن الأمتعة في طريقنا إلى خارج السجن، قال الشرطي "بوكارا" حين رآنا، أفهم أن ينقلوا هؤلاء، أما أنت، فما علاقتك معهم؟ وهو يقصد أنهم نقلوا بسبب العميلين، وأنهم قيادة فتح التي تتحمّل هذا العمل، أما أنت، فلست من فتح، فكيف نقلوك معهم، وطبعاً، كل ذلك بطريقة مازحة، وليست جديّة، فطلبت منه التوجّه لمدير السجن، وسؤاله لماذا.

تناولنا طعام الإفطار في عسقلان على المدخل الرئيسي وليس في الغرف، لكننا تناولنا طعام الغذاء في سجن نفحة الصحراوي، حيث إلى هناك كانت رحلتنا، وأخيراً، وبعد ثلاث سنوات من نشر قوائم بأسماء من سيرسلون إلى نفحة، وصلت إلى نفحة.

كانت الحاجة ماسّة لفترة استراحة، لكن أن تأتي عن طريق الإدارة، فهو أمر غير مقبول بل ولا يعطي مردوده، ففي نفحة، تتقلص المسافات، وتتقلص المهام، ويتقلص كل الكون ليختصر في رواب رملية ورفٍّ كبير الحجم لكثرة عدده من طيور الشنّار، وجد في مزبلة السجن والمياه المتدفقة في هذه الصحراء ضالّته، فاستقر حولها وتكاثر وأظنه ما زال يتكاثر حتى اليوم، فهو في مأمن من عبث الإنسان، وأظنه سيجد دائماً الخير الوفير، في مزرعة الخيول التي أقام بناءها بجانب السجن، السيد مدير السجن، الذي بنى إصطبله لممارسة هوايته، خلال تأديته لعمله، دون أن يضطر لمغادرة المنطقة.

إذن حللنا في سجن نفحة، والتقينا بأعز الأصدقاء الذين لم نرَ العديد منهم منذ سنوات، لأنهم كانوا يغادرون حين نأتي، أو نغادر حين يأتون.


انخرطت في العمل مباشرة، حيث تصادف عقد مؤتمر منظمة الجبهة في نفحة حين وصولي، وقد شاركت فيه على الفور، وانتخبت نائبا لأمين المنظمة الشهيد عمر القاسم، ممثلاً للمنظمة في القيادة المشتركة "مع الشعبية"، وممثلاً للقيادة المشتركة في لجنة العلاقات الوطنية بنفحة، وكنا قد شكلنا هذه القيادة المشتركة، امتداداً لمثيلتها في الخارج، وتكونت من: عمر القاسم، ويعقوب عودة، ومحمد دهمان، وانا، والتي لم تستمر طويلاً في الخارج، حيث تأثرت بأحداث طرابس، والانشقاق الفلسطيني ولأن للجبهتين موقفين مختلفين من الأحداث، فقد انخرطت الجبهة الشعبية في جبهة الإنقاذ الوطني، بينما وقفت الجبهة الديمقراطية على الصراط المستقيم "لا في الجنة ولا في النار"، أي أنها أخذت موقف "اللا موقف" عملياً.

وهنا، لا بد لي من العودة إلى الأسرى الإسرائيليين الثمانية، الذين أسرتهم إحدى مجموعات فتح القتالية، كانت المجموعة قد استعانت بإحدى قواعد القيادة العامة، لمساعدتها في نقلهم، ولكن هذه المجموعة من القيادة العامة، والتي قامت بنقل اثنتين منهم، نقلتهم إلى أحد معسكراتها، وبذلك، بقى لدى حركة فتح ستة من الأسرى، وأصبح اثنان منهم لدى القيادة العامة، وأصبح هؤلاء الستة أحد تجليات نتائج انشقاق طرابلس، في الكيفية التي تمت فيها مبادلتهم، والمحكومة لضغط الهجوم الدموي.

 عمليات تبادل الأسرى

في شهر تشرين ثاني من عام 1983، وبعد الغداء مباشرة، استدعيت مع الزملاء: فاضل يونس، وعمر أبو شملة، ومحمد حمدان أبو عصبة، حيث سلمنا ملابسنا في المخزن، وتسلّمنا ملابسنا الشخصية، وتم نقلنا بسيارة سريعاً إلى سجن بئر السبع، وهناك، وضعونا في الأكسات، لكنهم هذه المرة، كانوا جداً لطفاء، حيث استدعوا سجيناً يهودياً، ووضعوه تحت تصرّفنا وفي خدمتنا 24 ساعة، وعليه أن يلبي طلباتنا في أي وقت من الليل والنهار، واستغربنا هذه السياسة غير المعهودة في أي إدارة من إدارات السجون التي تنقلنا فيها، وإذا عُرِف السبب بَطُل العجب.

مكثنا في بئر السبع يومين اثنين، ومن ثم أعادونا إلى سجن نفحة في اليوم نفسه الذي نقلوا فيه مجموعة أخرى بواسطة طائرات الهيلوكوبتر من سجن نفحة، لا ندري لحظتها إلى أين في صباح اليوم التالي، تناقلت الأنباء خبر إتمام عملية تبادل أسرى برعاية فرنسية، حيث أطلق سراح 4500 معتقل فلسطينيّ من سجن أنصار مقابل الإسرائيليين الستة، تم نقلهم بواسطة الطائرات من مطار اللد إلى الجزائر، عبر القاهرة، وتم تسليم الإسرائيليين الستة في عرض البحر، وكان من بين المطلوب إطلاق سراحهم مئة من السجون الإسرائيلية من ذوي الأحكام العالية، وفقاً لقائمة قُدِّمت للإسرائيليين، لكن الإسرائيليون استغلوا الظروف التي أحاطت بعملية تبادل الأسرى، التي تمت بإشراف الصليب الأحمر الدولي فقط، فعملوا على إعادة 37 منهم إلى السجون مرة أخرى، وأطلقوا سراح 63 فقط.

وكان الحدث الدرامي، هو الذي أحاط بإعادة الأخ زياد أبو عين، فزياد الذي دخل خيمة الصليب الأحمر، ووقع قبالة اسمه، وخرج باتجاه الطائرة من باب الخيمة الأخرى، وعلى أول درجة من درجات السلم، تم اختطافه وإخفاؤه بسيارة جيب عسكرية تقف بين الأشجار بالقرب من المدرج وبقي هنالك إلى أن طارت الطائرات، فعادوا به إلى سجن نفحة مع الصباح الباكر.

أما على جبهة سجن أنصار، فإن الأمر من حيث تطبيق السياسة ذاتها، مختلف بعض الشيء، فالباصات التي حملت المناضلين من سجن أنصار في طريقها إلى مطار اللد، أوقفت على الحواجز المنتشرة على الطريق، من قبل جنود الجيش الإسرائيلي، الذين يحملون قوائم بالأسماء، فيصعد الجنود إلى الباص، ومعهم بضعة أسماء، تتلى على من في الباص، ومن كان من بين ركابه، يتم إنزاله، ليعادوا جميعاً إلى سجن عتليت، حيث بلغ عددهم 120 مناضلاً، معظمهم من القيادة العامة، ليشكّلوا ورقة ضغط ومساومة في عملية التبادل القادمة.

مع عودة الأسرى الإسرائيليين الستة، وإطلاق سراح ما يزيد على 4500 مناضل من "أنصار" ومن السجون، دخلت قضية المعتقلين منعطفاً جديداً، تمثّل في حملات الضغط التي أخذت تمارسها والدة الأسير نسيم سالم، الإسرائيلي المحتجز لدى القيادة العامة، حيث قادت التظاهرات، ونظمت حملات الاعتصام أمام مكتب رئيس الوزراء، وكتبت عدة رسائل لجهات مختلفة، بما فيها أحمد جبريل أمين عام القيادة العامة، ومعها والدة الجنديين الآخرين، وفي إحدى عرائضهن لوزير الدفاع في حينه موشيه آرنس، قالت العريضة: هل لو كان أحد أبنائكم، وتقصد الوزراء، هو الموجود في الأٍسر، هل كنتم ستماطلون في إطلاق سراحه كما تفعلون مع أبنائنا؟ وقالت في مرة أخرى، هل لو كان هؤلاء الجنود من الأشكنازيم "اليهود الغربيين"، هل كنتم ستتعاملون معهم بالطريقة ذاتها؟ وقد أثّرت هذه "البروبوغاندا" في المجتمع الإسرائيلي، حيث التف حولها قطاع واسع من الإسرائيليين، وشكلوا ضغطاً حقيقياً على الحكومة الإسرائيلية، باتجاه اتخاذ قرار، كان من الصعب عليهم سابقاً مجرد التفكير فيه.
 التغير المفاجئ … فصل أسرى الضفة عن أسرى غزة

عشنا فترة غير يسيرة متأثرين بهذا الحدث الكبير، ولكنه كغيره من الأحداث، لا بد وأن تطويه حياة المعتقل في أرشيفها الخاص، لتعود إلى حياتها اليومية الطبيعية، تمارس نشاطها، وتقوم بدورها الوطني في مختلف اتجاهاته ومناحيه، وهكذا، عدنا لممارسة مهامنا اليومية، الوطنية منها والتنظيمية، بانتظار حدث آخر، أخذت إدارة السجن تعد له العدة منذ زمن طويل، وهو افتتاح سجن جنيد لفصل المعتقلين من الضفة والقطاع ، بعضهم عن بعض، حيث تقرر نقل كل أبناء الضفة الغربية من السجون الإسرائيلية إلى سجن جنيد، كان المبنى الذي يقع فيه سجن جنيد، قد صمّم على أساس أنه مستشفى عسكري، قام بإنشائه الجيش العربي الأردني، قبل حرب حزيران 1967، واستقدم له كل المعدات الطبية الحديثة، وبسبب الحرب ونتائجها فلم يستخدم المبنى للغرض الذي أنشئ من أجله، فاستخدمته قوات الاحتلال كمركز قيادي لنشاطها، وقرروا لاحقاً تحويله إلى سجن، بعد أن ضاقت السجون الإسرائيلية بما رحبت، وأصبحت الحاجة ماسّة لمزيد من الأبنية لاستيعاب المعتقلين الآخذ عددهم بالازدياد يوماً بعد يوم، وتوفيراً على الميزانية، قرروا تحويل مبنى معد لمستشفى، كانوا قد سرقوا كل معداته الطبية إلى سجن.

في حزيران عام 1984، افتتح سجن جنيد واستقبل أولى المجموعات الوافدة إليه، وهم زملاؤنا في سجن طولكرم، الذين مضى على عزلهم في ذلك السجن غير الصحي أبداً، قرابة الخمس سنوات، حيث بدأت هذه المجموعة الأولى، التي ضمت أبرز الشخصيات الاعتقالية على مدى السنوات الماضية، قدري أبو بكر، وإبراهيم شيخة، وجبريل الرجوب، وفايز عاقلة، وربحي حداد، ومحمد لطفي، والعديد من الكوادر الذين لعبوا دوراً مهماً في الحياة القيادية للمعتقلات، بدأت وعلى الفور، بتشكيل هيكلية تنظيمية وطنية للمعتقل، بدأت بلجنة نضالية وطنية تولى الأخ جبريل الرجوب أمانة سرها، مروراً بممثل المعتقل وهو الأخ أبو كفاح "مسلم الدودة"، وانتهاءً بتوزيع ممثلي الأقسام، جبريل بقسم 7، أحمد هزاع قسم 6، عبد العليم دعنا قسم 5، وأنا لقسم 3، ولم أكن قد حضرت إلى سجن جنيد بعد، لكنهم قرروا وجودي في قسم 3، وأنا مازلت في سجن نفحة.

في آب 1984، دخلنا سجن جنيد كآخر دفعة تدخل السجن، حيث كان سجن نفحة في ذيل قائمة السجون المقرر نقل الأسرى فيه إلى سجن جنيد، كانت رحلتنا من نفحة إلى جنيد، شاقة جداً، ففي عز الظهيرة، صعدنا إلى سيارة البوسطة والشمس تلهب الأرض بشواظها، وحديد البوسطة يلتهب بحرارتها، ونتقلب نحن على هذه الحرارة، إضافة إلى العدد الزائد عن حمولة البوسطة، مع الأمتعة الخاصة بنا، حيث حُشِرنا فيها حشراً، مما ضاعف من المعاناة الناجمة عن الازدحام وشدة الحرارة، ولم تخف وطأتها، إلا بعد أن تحركت البوسطة، وحركت معها الهواء الذي أخذنا نعبّه عبًّا.

وصلنا في المساء إلى سحن جنيد، وبالنسبة إليّ، فقد عدت للضفة الغربية، بعد 16 سنة أمضيتها داخل السجون الإسرائيلية، ورأيت للمرة الأولى من شبابيك البوسطة، كيف بيني الاحتلال مستوطنات على الأرض الفلسطينية، حينما مررنا من طريق واد كانا، وطالعتنا هناك مستوطنة عمنوئيل على أراضي دير استيا.

بعد أن تسلمنا ملابسنا، قادني الضابط محمود مرعي إلى قسم 6، حيث قررت الإدارة أن أكون، وما إن دخلت القسم، وما إن بدأت بالتسليم على أصدقاء العمر في السجون، الذين لم نلتق بهم منذ سنوات طويلة أو قصيرة، حتى أبلغوني أن عليّ رفض الدخول لقسم 6، فأنا يجب أن أكون في قسم 3، هكذا تقول التقسيمة، انتهيت من التسليم على كل الغرف، وطلب مني الضابط أن أختار الغرفة التي أريد الدخول إليها، واستجابة للقرار، أبلغته بأنني لن أدخل هذا القسم، دخلنا في جدال، إلى أن استدعى ضابط الأمن السيد ديان، وهو بدوره أيضاً، حاول معي أن أدخل إحدى الغرف، لكنني رفضت أيضاً، فنقلني إلى قسم 7، وهناك أيضاً رفضت الدخول، فهددني بأن عدم دخولي يعني الزنزانة، قلت لا بأس فلتكن الزنزانة إذن، فأرسل بي إلى الزنزانة بلا تردد، وأمضيت ليلتي الأولى في سجن جنيد بزنازينه.

في اليوم التالي جاءني ضابط الأمن مرة أخرى، يحاول معي الخروج إلى أحد القسمين، لكني رفضت ذلك، فذهب أدراجه، ليأتيني بعد قليل، نائب مدير السجن، يودا اللوف، الذي يعرفني وأعرفه جيداً طوال فترة وجودنا في عسقلان، فقد كان مسؤولا للعيادة، والذي ما إن رآني حتى صاح مرحّبًا: "أهلاً حافز عباية" سلّم عليّ، وسلمت عليه، ولم يدخل معي بأي نقاش، بل سألني في أي قسم يريدونك؟ قلت، في قسم 3، فقال للشرطي، أخرجه إلى قسم 3 فوراً، وهكذا، استقر بي المقام في قسم 3، كمنسق وطني للقسم، وممثّل للقسم أمام الإدارة.

 معركة الأمعاء الخاوية في سجن جنيد

منذ دخلنا سجن جنيد بدأت التحضيرات الجدية للإضراب، على خلفية أن الظروف الاعتقالية السائدة، هي عودة إلى الوراء، فـ "الاسبست" يغطي الشبابيك ويحجب الرؤية، ويمنع الشمس من دخول الغرف، والعزل القائم بين الأقسام، يقطع التواصل الاجتماعي الوطني، عدا عن مطالب حياتيه أخرى، باتت ملحّة، كالراديو والتلفزيون والزيارة بلا شك .. وأُخذت كل الترتيبات الاعتقالية والتنظيم الاعتقالي، تهيئة للخطوة النضالية القادمة.

في شهر تشرين أول من عام 1984، أعلن المناضلون في سجن جنيد الإضراب عن الطعام، ولم تُجْدِ كافة المحاولات لثني المناضلين عن إضرابهم هذا، الذي استمر اثني عشر يوماً، تناولنا به الغذاء الصناعي بالكأس وباليد، وكنا على استعداد لكسر كل الأرقام القياسية السابقة، وهذا ما عرفته الإدارة جيداً، فاستجابت لمطالبنا التي هي في معظمها مطالب تخص كل معتقل حيثما وجد، فالراديو للجميع، والتلفزيون للجميع، والحرامات والشراشف وأغطية المخدات والبيجامات … الخ، كلها للجميع.

إن أول مطلب تم تنفيذه، هو حقّنا في الحصول على الراديو، حيث فحصنا وفقاً للكشوف المالية، كل أولئك الذين لديهم أرصدة مالية، تغطي ثمن الراديو، بعد اقتطاع حصة الصندوق الاعتقالي "المبلغ المقرر للكانتين"، فإذا ما توفر ثمن الراديو، فيمكن لصاحب الرصيد شراء راديو، وهكذا، وجدنا عشرات الأخوة الذين يمتلكون مثل هذه الأرصدة، وتم شراء أجهزة راديو "فليبس"، التي تم اختيارها من بين مجموعة ماركات أحضرت للسجن خصيصاً لاختيار الماركة الأجود من بينها، فوقع اختيارنا على "فليبس"

أما التلفزيون، فقد احتاج إلى ترتيبات من نوع آخر، حيث كان المطلوب شراء أجهزة تلفزيون، يحث يتوفر جهاز لكل غرفة، وبدأت الاتصالات مع المؤسسات الوطنية في الوطن المحتل، لتمويل أجهزة التلفزيون، حيث إن العدد المطلوب كان كبيراً، حوالي 130 جهازاً تغطي كل غرف السجن، وقد استغرقت العملية ستة أشهر تقريباً حتى أنجزت، وخلالها، كان إنجاز آخر بانتظارنا، وهو إنجاز تحريرنا من السجن، الذي تم في آيار / 1985.

خلال الفترة ما بعد الإضراب، انشغلنا في ملاحقة التنفيذ للمطالب التي تحققت، حيث تم تعديل وضع الاسبست على شبابيك الغرف، بحيث يسمح للشمس والهواء بالدخول، في الوقت نفسه الذي تحجب فيه الرؤية عن الداخلين والخارجين إلى السجن ومنه، ولم تخل هذه الفترة من أحداث، كان أبرزها صراعنا مع الإدارة، حول محاولاتها إجبار بعض المناضلين على التواجد في غرف محددة، الأمر الذي كنا نرفضه تماماً، ولنترك الحرية في الاختيار الشخصي للمناضل، وهو أمر يتعلق بالأخوة المتديّنين، الذين يفضلون التواجد في غرف خاصة بهم، ورغم أننا في داخلنا لم نكن نحبّذ هذه التجمعات الفئوية، إلا أننا لم نجد مفراً من مساندة أخوتنا بتحقيق رغبتهم، لأن الأمر أصبح متعلقاً بالموقف من الإدارة، والصراع معها على هذه النقطة.

وفي إحدى هذه المحاولات، قامت الإدارة بإجبار أحد الأخوة بالدخول إلى إحدى الغرف بالقوة، فما كان من الزملاء في ذلك القسم "قسم 5" إلا أن تضامنوا مع الأخ المذكور بالضرب على أبواب الصاج، الأمر الذي طوّر الموضوع إلى رش القسم بالغاز، فأخذنا في كل الأقسام بمساندة زملائنا في قسم 5، وأيضاً بالضرب على الأبواب، فامتدت المواجهة إلى كل أقسام السجن، وتم رش جميع الأقسام بالغاز الخانق، واذكر جيداً أن أحد الجنود قد وضع فوهة مدفع الغاز في وجه الأخ سالم بريوش مباشرة، مما اضطرهم إلى نقله بحالة إسعاف سريع إلى المستشفى لأنه فقد وعيه، وتسبب له هذا العمل الإجرامي بحروق في وجهه.

لقد خلقت هذه المواجهة وضعاً جديداً، حيث ارتفعت وتيرة التضامن مع سجن جنيد، فكان أن قام من الكنيست بزيارة للسجن، وعلى رأسهم المرحوم الأخ توفيق زياد حيث اطلعوا على مطالبنا، وأصبحوا صوتاً قوياً إلى جانبنا ومن على منبر الكنيست، مما ساعدنا على دحر سياسة الإدارة، كما قام بعد ذلك وفد آخر في الكنيست، برئاسة غيئولا كوهين بزيارتنا في السجن، لكنهم بعكس سابقيهم أدلوا بتصريحات لا علاقة لها بواقع حال المعتقلين، لكنها تنطلق في الأساس من الموقف الصهيوني المعادي، الذي دأب على المطالبة بالإبادة و "الترانسفير" للعرب، حيث أعلنت غيئولا كوهين، أو نفثت بشكل أدق، سمومها ضدنا، بمطالبتها بسن قانون في الكنيست، يعطي المحاكم الحق بإعدام المخربين، وبأثر رجعي، أي أن تُعاد محاكمة المحكومين، استجابة لاقتراح غيئولا اليمينية الفاشية، وزميلها رافائيل إيتان "بدلاً من فنادق خمسة نجوم التي يعيشون فيها على حساب دولة إسرائيل"، إذن، فإن غيئولا الحاقدة تعتقد أننا نعيش في فنادق خمسة نجوم! مع إننا مازلنا نعيش قانونياً دون خط "الفقر الحقوقي"، وفقاً للقوانين الدولية الخاصة بسجناء الحرية، ووفقاً لقوانين حقوق الإنسان واتفاقيات جنيف طهران الخاصة بهذا الشأن.

على أية حالة، رغم أننا في سجن جنيد، قد حصلنا على الكثير من الحقوق، التي لم نكن قد حصلنا عليها من قبل، إلا أن السياسة العامة لإدارة السجن بخاصة، وإدارة السجون بعامة، لم تتراجع عن استهداف الإنسان الفلسطيني، إما بالقتل المعنوي، أو بالقتل المادي، أو ما يؤدي إليه بتوفير مقدمات الإصابة بمختلف الأمراض، التقليدية وغير التقليدية، وعلى هذا الأساس، فقد قارب شتاء 1984 – 1985 على الانتهاء، دون أن تزودنا إدارة السجن بملابس شتوية أو بأحذية، تقينا البرد القارص، رغم إلحاحنا في طلب تزويدنا بالملابس.

حين بلغ السيل الزبى، قررتُ بشكل فردي، إجبار الإدارة على الاستجابة لمطلبنا هذا، فطلبت من الزملاء في القسم أن يُخرج كل واحد منهم صرة ملابس أثناء خروجهم للنزهة اليومية، التي كانت بعد الغداء مباشرة، على أن يترك قسم منها داخل القسم، ويتم إنزال قسم منها إلى الساحة، وبعد ذلك، وقفت أمام أحد شبابيك قسم 7 المطل على الدرج المؤدي للفورة، وتحدثت بصوت عالٍ مع عضو اللجنة النضالية للمعتقل الأخ فايز عاقلة، تعمدت أن أُسمعه للشرطة الذين يسكنون أسفل قسم 7 بالضبط، في الطابق المقابل إلى حيث أقف، كانت رسالة، وقد وصلت الرسالة فعلاً، حيث ما أن بدأ الزملاء بالخروج للفورة، ومع كل منهم صرة ملابس، حتى كان نائب مدير السجن، يودا اللوف، قد حضر وهو يصرخ، ماذا تريد أن تفعل يا مجنون؟ قلت: لن أفعل شيئاً، فقط سنحرق ما لدينا من ملابس، لئلا نجبر بشكل أو بآخر للعودة إليها، قال أوقف هذا العمل وسنتفاهم، قلت، وأنا جاهز للتفاهم، طلبت من الزملاء أن يضعوا صرر الملابس جانباً، وأن ينزلوا للفورة كالمعتاد، وبقيت معه، ومعي عمال النظافة في القسم، طلب من الشرطي استدعاء مسؤول المخازن الذي حضر على الفور، ليدّعي أن لا وقت لديه اليوم، وأنه جاهز لتسليمنا الملابس غداً، قال يودا: غداً سيسلمكم الملابس، قلت: لقد سمعنا هذا مئة مرة، لن نتراجع إلا بالملابس الشتوية، حاول مسؤول المخازن عبثاً إقناعي بإرجاء الموضوع للغد.

لكنني بدلاً من ذلك، اقترحت عليه أن يسلمني على الفور، واختصارا للوقت، مئة بنطلون ومئة قميص ومئة سترة، وسأقوم اليوم بتوزيعها على زملائي في القسم، وغداً، يمكن لنا أن نجلس ونثبتها في كشوف العهدة الخاصة بمن تسلّموه، أما الأحذية، فيمكن إرجاؤها إلى ما بعد ذلك، وافقوا على الاقتراح، ونزلت مع زملائي إلى المخزن، وتسلمنا الكمية التي ذكرنا، وتم توزيعها على القسم، حيث كانت هنالك كمية زائدة، تم توزيعها على الزملاء في الأقسام الأخرى، بتسليمها للجنة النضالية للمعتقل، وحتى اليوم، لم تثبت الكمية في سجلات العهدة، كما لم يتسلم أي قسم آخر في ذلك الشتاء، ملابسه الشتوية، فقط قسم 3 هو الذي تسلم هذه الملابس.

وعلى كل، فلم يتسن للعديد من الزملاء، كما قال محمد نزال، أن يفرح بهذه الملابس، لأن التحرر من السجن كان قريباً، ومحمد نزال، كان لأول مرة يحصل على بنطال جيد في السجن حسب رأيه، "وأجت الحزينة تفرح، ما لقيت الها مطرح".

 بداية النهاية … رحلة الحرية

في بداية آيار 1985، كان ذلك يوم السبت، وكنت من عادتي أن أستريح في يوم السبت بالغرفة، وأخرج بدلا مني أحد الزملاء في القسم، وكان في ذلك اليوم الزميل حسين حمدان، الذي ما إن خرج حتى عاد إليّ يقول إن عدداً كبيراً من الشرطة آتون للقسم، وعلى رأسهم الرقيب أبو فراج، وهو درزي، قلت له: استدع الشرطي ليخرجني، فوراً جاء الشرطي، فخرجت، وعاد حسين إلى الغرفة، وما إن رأيت ما يحمل أبو فراج، كرّاس كبير الحجم، من النوع العريض، حتى خمّنت أن ساعة الحرية قد أزفت، أخرجنا كراسي وطاولة إلى المردوان، وجلست قباله أبو فراج، قال: في هذا الدفتر أسماء كل زملائك الذين سيشملهم الإفراج، كل من يسمع اسمه، عليه أن يحمل كل ملابسه ويخرج للساحة، أما من كان من قسم آخر، فلنثبت رقم القسم قباله اسمه، ليسهل علينا فرزهم بعد ذلك، وكان يعلم حين أتاني أنني تقريباً أحفظ كل الأسماء وأعرف في أي الأقسام هم، وكان يوماً تاريخياً حقاً في حياة المعتقلين، سواء من شملهم التحرير، أو أولئك الذين بقوا رهن الاعتقال، خرج جميع من تليت أسماؤهم، وفتحت جميع أبواب الغرف في القسم، البعض منهم سيتوجهون إلى الساحة، لكنهم قبل ذلك، سيودّعون قطعة منهم، ستبقى خلفهم، وعليهم أن يودّعوها كما يجب، كانت لحظات صعبة وصعبة للغاية، أذابت جليد انتظارنا الطويل لها، بحرارة الوداع، الذي انتهى بعد جهد بوجوه تملأها البسمة وتغمرها الدموع، وما أجمل الشمس المشرقة مع الأمطار.

في آخر زيارة لي من قبل الأهل قبل هذا اليوم، زارني أحد إخواني "محفوظ" وحمل لي معه كيسا من الملابس والأمتعة التي أصبحت مسموحة في السجن، سألته: لم كل هذه الملابس، ألم تسمعوا بأننا قد نغادر السجن في أي لحظة؟ قال: هل ستخرجون جميعاً أم سيبقى بعضكم؟ قلت: بل سيبقى بعضنا، قال: إذن فهي لهم.

لم تكن هناك أنباء مؤكدة حول عملية التبادل، لكن إحساسنا الداخلي كسجناء والحاسّة السادسة، بينت لنا أن أيامنا في السجن معدومة، وطبعاً، ليس من دخان بلا نار، لكن الدخان الذي كان لدينا، لم يكن دخان حريق ضخم، ولكنه على أية حال تمخّض عن جبل.

بعد خروج الجميع إلى الساحة، بدأ دور الشرطة المدنية، وليس شرطة السجن، حيث أخذوا بتصويرنا، كل على حدة، وبعد ذلك، أخذوا بصمات أصابعنا العشرة، ومعها بصمات الأكفّ، وقد استغرق هذا العمل وقتاً طويلاً، انتهينا منه مع عصر ذلك اليوم تقريباً خلال عملية التصوير وأخذ البصمات، كانت الإدارة قد أفرغت تماماً الأقسام الجنوبية: 4+5+9+10 من الزملاء الموجودين فيها، ونقلتهم مكان من خرجوا إلى أقسام 3+6+7، وأرسلنا بدلاً منهم، أما قسم 8، فقد خصصوه للزميلات اللواتي أفرج عنهن معنا، بعد إحضارهن من سجن النساء من الرملة.

في صباح اليوم التالي، اطلعنا على تفاصيل شروط إنجاز عملية التبادل من خلال رسائل خطية حلمها الصليب الأحمر من القيادة العامة، والتي يمكن تلخيصها بما يلي:

أولاً: قراءة بيان في كل أقسام السجون، حملة الصليب الأحمر معه من القيادة العامة.

ثانياً: تشكيل لجان من المعتقلين والصليب الأحمر في كل سجن للإشراف على عملية فرز الأسماء، وقد حددت القيادة العامة أسماء الأشخاص المكوّنين لهذه اللجان في المعتقلات، في كل معتقل على حدة.

ثالثاً: يتم أرجاء مقابلة بين اللجنة في السجن مع كل سجين على حدة، بعيداً عن رقابة إدارة السجن لتخيير السجين بحريته أين يريد الخروج، هل في الداخل أو للخارج، ولهذا الغرض، فقد نصبت الإدارة ثلاث خيام في الساحة الجنوبية جنيد، حيث تمت المقابلات في هذه الخيام بمشاركة الصليب الأحمر الدولي، كما نصّ عليه اتفاق التبادل، كانت الخطوة اللاحقة هي الفرز بين من اختاروا الداخل، ومن اختاروا الخارج، حيث خصّص قسم 9 لمن اختاروا الخارج، وقسماً 5 و 10 لمن اختاروا الداخل.


وهكذا، اقتربنا من ساعة الصفر بهذه الخطوة، بعد ذلك أحضرت الإدارة الملابس المدنية، حيث تسلّم كل منا بنطالاً وقميصاً وحذاءً رياضياً، استبدلنا بها ملابسنا الخاصة بالسجن.

بدأنا مرحلة الانتظار التي امتدت قرابة أسبوعين، كان السجن خلالها قد أغلق تماماً على الخارج، فلا زيارات للأهل ولا زيارات للمحامين، لكن الأمر لم يعد سراً، بعد أن أفرجت الإدارة على اثنين من الزملاء، انتهت فترة محكوميّتهما خلال تلك المدة، فقاما بنشر الخبر بين الأهالي والتقطته الصحف وتناقلته الوكالات.

يوم 20/5/1985، وبعد أن تناولنا طعام الغداء مباشرة، فتحت أبواب القسم 9، حيث نزلنا جميعاً إلى الممرات الموصلة بين أقسام 3+4+5، المتصلة مع الباب الخارجي للمبنى الداخلي حيث تجري عملية تفتيش دقيقة لمن ينادي على اسمه، ويخرج إلى الباص الواقف أمام الباب، حيث توضع في يديه ورجليه الكلبشات البلاستيكية.

وقد استمرت هذه العملية حتى المساء تقريباً، ومع المساء، فتحت أبواب سجن جنيد، لتغادرها الباصات التي تحمل المحررين من السجن، ولم نتحرّر من القيود بعد، فقد نتوجّهنا إلى مطار اللد، لنلتقي هناك مع زملائنا القادمين من السجون الأخرى، عسقلان، نفحة، بئر السبع.. الخ.

بقي كلّ منا على مقعده في الباص، حتى فجر يوم 21/5/1985، ذلك الفجر الذي شهد على سرقة طعامنا المعدّ في "كراتين"، لنتناول منه وجبتي العشاء والإفطار، والذي سطا عليه الجنود المرافقون لنا في الباصات، ولم يشهد على ذلك فحسب، بل شهد أيضاً على حدثين مهمّين تاريخيين، الأول: ولادة شهر رمضان المبارك، والثاني: بداية تلك الحرب الظالمة والمأفونة، التي فجرها أولئك المستهترون بكل القيم الإنسانية، حينما أعلنوا الحرب على مخيّمات شعبنا في لبنان. ومع التباشير الأولى لصباح ذلك اليوم، بدأت عملية صعودنا للطائرات، حيث حملت 3 طائرات إسرائيلية 450 مناضلاً من مختلف السجون، في طريقها إلى جنيف، إلى حيث ستجري عملية التبادل، حيث النوايا فيها معجونة بالسوء، وتحديداً من قبل الجانب الإسرائيلي، الذي حرم علينا ، حتى الكلام، خلال رحلة الطائرة، ليس هنا فحسب، بل لقد نفثوا سمومهم بالأخ حسين فياض، أحد زملاء الشهيدة دلال المغربي في عملية تل أبيب، "المجموعة التي هزّت إسرائيل في حينه، وكان عدد أفرادها 13 مقاتلاً، واستشهد منهم 11 مقاتلا، وأُسِر اثنان فقط، هما حسين فياض، وخالد أبو إصبع"، وعلى متن الطائرة، لم ينجُ حسين فياض من الانتقام الهمجي، حيث سُحِب إلى مؤخرة الطائرة، تحت حجة تفتيشه، وهوجم من قبل الجنود السفلة بالصفع والركل، ولولا أن بعض الزملاء انتبهوا سريعاً لما يجري، وبدأوا بالصراخ على الجنود، لما تركوه إلا ونحن في جنيف، أي كان من الممكن أن يكون هو، وربما غيره أيضاً، تسليتهم خلال الرحلة الجوية.

وصلنا مطار جنيف الساعة التاسعة صباحاً، وأصبحت الدقائق ثقيلة ثقيلة، تمرّ ببطء شديد، واستمر الوضع لأكثر من ساعة، حيث بعد ذلك، أخذوا ينادون على الأسماء اسماً اسماً، لينزل من الطائرة، وعلى مدخلها، على رأس السلم فقط، يقصّ أحد الجنود القيود البلاستيكية التي تقيّد اليدين والرجلين، وهي بمثابة قصّ شريط الحرية، وليخطو المناضل أولى خطواته بلا قيود، على سلم الطائرة، هابطاً نحو طاقم الصليب الأحمر، والجيش السويسري، الذين يقفون على اسفل السلم، يدقّقون في الاسم، ويعطون إشارة الخلاص من قبضة الجلاد، بإرشاد المناضل أن يتّجه تنحو الباص الذي يقف غير بعيد عن الطائرة، المسافة بين الباص والطائرة لا تزيد على الخمسين متراً، لكنها بالنسبة إليّ، وحتى اليوم، مثلّت رمز حريتي من الأسر، سرتها وحدي بلا قيود، بلا سجّان، بلا قوانين تجبرني أن أفعل ما يريحها، وليس ما أطلب.. وأرغب الفضاء الرحب أمامي، قمم الجبال المطلّة على مطار جنيف التي مازال يكسوها الثلج.. حقاً لقد مثّلت هذه الأمتار الشيء الكثير بالنسبة إليّ، وشكلت فاصلاً بين مرحلة سابقة ومرحلة آتية لاحقة.

أفرغت الطائرة الأولى حمولتها، وأصبحنا جميعاً في باص المطار، ولم يكد يستقرّ بنا المقام، حتى جاء بعض الجنود السويسريين، يحملون الطعام والماء، ناداني الزملاء لتسلّم الطعام، وكأننا مازلنا في السجن، تسلّمت الطعام والماء، وقبل أن أوزّع منه شيئاً، طلبت من جميع الزملاء أن ينتظموا في محيط الباص، "طبعاً الباص من دون كراس"، وطلبت من أربعة من الزملاء أن يقوموا بدور التوزيع بنظام وبهدوء ، وكأننا لم نعش 24 ساعة بلا طعام أو شراب، وكما أشرت، لان الجنود سرقوا طعامنا وتصرفوا به، بقينا في الباص بعد ذلك إلى أن استكمل إنزال زملائنا من الطائرة الثانية، وبعد أن تلقوا هم الآخرون، وجبة طعامهم، وقد شارفنا على الظهر، وباصانا يقف أحدهما بجانب الآخر تماماً.


أعطيت إشارة البدء بالتحرك لتتحرك الباصات سوياً باتجاه معين، يقتفيان أثر جيب عسكري يسير في المقدمة وعلى متنه شخصية عسكرية برتبة عالية من الجيش السويسري، إلى أن وصلنا خطاً أبيض مرسوماً على الأرض، حيث وقفنا هناك، وكأنما نحن على الحد الفاصل، وقبالتنا يقف باص آخر يحمل اثنين من الجنود الإسرائيليين، نزل الجنرال السويسري من سيارته، وأعطى بيديه الاثنتين إشارة العبور، إحداهما لنا، والأخرى للباص المقابل، فتحركت الباصات الثلاثة في اتجاهين متعاكسين، هم إلى حيث الطائرات الإسرائيلية، ونحن إلى حيث تنتظرنا ثلاث طائرات، ليبيتان ونمساوية.

ما إن اقتربنا من الطائرات، حتى تهيأت مجموعة أخرى من المدققين، نزلنا من الباص واحداً واحداً، بعد تدقيق الاسم والسجن القادم منه، ومن ثم إلى الطائرة، إلى حيث كان في استقبالنا على رأس سلّمها الأخ فضل شرورو، عضو المكتب السياسي للقيادة العامة، ومعه رهط من زملائنا الذين كانوا قد أفرج عنهم عام 1979، كالمرحوم حسام بامية، ومحمد عقلة، وتحسين حلبي.. الخ، والذين ما إن سلمنا عليهم، حتى طلبوا منا استبدال ملابسنا، حيث سلموا كلا منا بدلة عسكرية، واخذوا ملابسنا، كما أخذوا كل ما أخرجناه معنا من السجن، من صور ورسائل احتفظنا بها، وحملناها معنا إلى هناك، لنبقي على خيط الذكريات حيًّا في أذهاننا، لأننا لا نريد أن ننسى، ونصرّ على عدم النسيان، لأن هناك جزءاً عزيزاً منا، هناك خلف القضبان، ترك كل منا قطعة منه، ويرغب في التواصل معها، ولم تكن هذه الرسائل والصور هي خيط الذكرى الوحيد، ولن تكون ، لكنها جزء منه، ولذلك كانت عزيزة علينا، حاولنا استردادها وفشلنا، تحت حجة الأمن، الذي اصبح عقدة الفلسطيني، حتى لو لم تكن له أي علاقة بالمقاومة والمنظمة، كما صودرت ملابسنا أيضاً للسبب ذاته، خشية أن يكون الإسرائيليون قد دسّوا بعض المتفجرات فيها، لتفجير الطائرات في الجو، وأنا هنا لا أستنتج ولا أسوق الكلام على عواهنه، بل هو الرد الذي أخذناه من الزملاء، قلت لأحدهم، إذا كان الأمر كذلك، فالأفضل توزيع الملابس، لأنكم بجمعها هكذا، إنما تجمعون المتفجرات لتشكل عبوة حقيقية، ولأنكم لن تتخلصوا منها في جنيف، إذن، فإن خطرها قائم، سواء أكانت لتشكل معنا أم معكم، قال إنه القرار، وعلينا تنفيذه.

قاد مفاوضات تبادل الأسرة عن الجانب الفلسطيني الأخ عمر الشهابي، عضو المكتب السياسي للقيادة العامة، ومعه الأخ تحسين حلبي، عضو اللجنة المركزية، حيث استمرت المفاوضات فترة طويلة، تم التوصل في نهايتها إلى إطلاق سراح 1150 سجيناً ومعتقلاً فلسطينياً مقابل الأسرى الإسرائيليين الثلاثة، حيث تم الإفراج عنهم وفق النظام التالي، ويشمل ذلك 120 معتقلاً في عتليت:

1 - هناك مئة وعشرون منهم، يتم تسليمهم عبر الحدود مع سورية في مدينة القنيطرة السورية، وهم المرضى وكبار السن.
2 - يتم تسليم من اختاروا الخروج للخارج في مطار جنيف الدولي، وكان عددنا 450 مناضلاً.
3 - يتم تسليم الباقين إلى مكاتب الصليب الدولي في مدن الوطن المحتل، كل حسب منطقة سكناه، ويطلق سراحهم من هذه المكاتب، من خلال اتصال يجري من جنيف، من قبل راعي عملية التبادل ، المستشار برونوكرايسكي ولجنة الصليب الأحمر، بحيث يتم ذلك مع تسلّم إسرائيل لجنودها الثلاثة.

ولهذه الغاية، فبعد خروجنا من سجن جنيد، قامت الإدارة بتقسيم المناضلين المنتظر الإفراج عنهم حسب مناطق السكن، وقامت في اليوم التالي، أي يوم وصولنا إلى جنيف، بتوزيعهم على مكاتب الصليب الأحمر، انتظاراً للإشارة المتفق عليها.

وحيث أصبحنا على متن الطائرات العربية، فقد أصبح بإمكاننا معرفة ما يجري، خاصة وأن الطائرة الثالثة من زملائنا لم يفرج عن ركباها بعد، وأن الأسير الإسرائيلي الثالث ما زال في يد الفلسطينيين،" ولم يفرج عنه بعد، وحلّ المساء ونحن بالانتظار، والقلق يتسرب إلينا شيئاً فشيئاً، والمعلومات ضحلة، ولا اطمئنان لها، ومؤداها أن الإسرائيليين يبيّتون النية السيئة لزملائنا في الأرض المحتلة، حيث هناك خشية من ألا يطلق سراحهم، إذا لم يتم تسليم الأسير الثالث، ولذلك، تجري المفاوضات لإطلاق سراحهم قبل تسليم هذا الأسير، وتسليم زملائنا في الطائرة الثالثة، على الرغم من أن زملاءنا في القنيطرة قد انتقلوا إلى الجانب الفلسطيني، وعبروا إلى سوريا، وتسلمهم هناك، الإخوان عبد المحسن أبو ميزر، وطلال ناجي، عضوا تنفيذية المنظمة المستنكفان عن مقاعدهما في حينه، باعتبارهما جزءاً من الانشقاق.

في التاسعة مساءً بتوقيت جنيف، استكملت عملية التبادل، وذلك بتسليم الأسير الإسرائيلي الثالث، وتسليم زملائنا في الطائرة الثالثة، الذين قضوا يوماً إضافياً مراً، وهم في حالة شديدة من التوتر وحرق الأعصاب، لكنهم أخيراً اجتازوا الحد الفاصل بين القيد والحرية، واستنشقوا نسائم الحرية، وهي غير الأكسجين اللازم للحياة، إنها نسائم من نوع خاص، لا يتمتع بعبيرها الخاص، إلا من حرم من الحرية واستردها، كما هو حالنا، وكما هو حال زملائنا في الوطن المحتل، الذي أفرج عنهم في الوقت نفسه، ليعودوا إلى بيوتهم وللأحضان الدافئة الحنونة.

أخذت الطائرات تستعد للإقلاع، وإلى وجهة معلن عنها، هي بلغاريا، لكن إشكالاً من نوع آخر، طرأ على مدرج المطار، وهو من سيطير أولاً، نحن أم الإسرائيليون، الإسرائيليون يصرّون على أن نغادر مطار جنيف قبلهم، والأمر متعلّق بسوء النية، فاعتقدنا أنهم يبيتون شيئاً، كان هناك إصرار فلسطيني على مغادرة الإسرائيليين للمطار قبلنا، ولذلك غادروا، وبعدهم بأكثر من ساعة، غادرنا مطار جنيف والوجهة المعلنة كما قلت، بلغاريا.

مع التباشير الأولى لصباح يوم 22/5/1985، حطّت بنا الطائرات في مطار طرابلس الدولي، وحشد كبير من الأهالي والقيادات الفلسطينية يستقبل المحررين، وما إن هبطنا أرض المطار، حتى كان قد تحول إلى عرس حقيقي، شاركت فيه الجاليات الفلسطينية الموجودة في ليبيا، وحضر بعضهم من بنغازي التي تبعد اكثر من 1000 كم عن طرابس، ومن العديد من المدن الأخرى.

بدأت إجراءات دخولنا إلى ليبيا بتصويرنا صوراً فورية لكل منا، وتجهيز بطاقة مؤقتة لكل منا للتعريف بشخصيّته في تنقلاته لاحقاً، وبعد إجراء هذه المراسم الإدارية، تم نقلنا في باصات إلى معسكر الواقع بين مدينتي طرابلس والزاوية، وهو في الأصل، أحد قصور عائلة السنوسي، العائلة المالكة، التي كانت تحكم ليبيا قبل قيام ثورة الضباط الأحرار عام 1969، بقيادة العقيد معمر القذافي للإطاحة بها، وقد تحول لاحقاً إلى معسكر للكشافة، فهو منطقة حرجية يحتضنها البحر الأبيض المتوسط، مما يعطي للمكان جمالية من نوع خاص، حيث جمع بين الغابة الحرجية، والبحر، وحقول العنب والليمون والخوخ والتين، وسائر الأشجار وما ينقصه فقط، هو العناية الإنسانية للحفاظ عليه، وللأسف الشديد، فقد تعرض مبناه الرئيسي للتخريب، وكذلك، المدرج المبني بجانبه، الذي يصلح للعديد من الرياضيات، كما تعرضت تمديدات المياه، وتمديدات الصرف الصحي للتخريب، بل تحولت إلى مستنقعات تسيء للمكان، وتشوّه القيمة الجمالي العالية، التي تطل برأسها من بين ركام التخريب هذا.


 محطات

- المحطة الأولى:

حقه عليّ أن أجعله المحطة الأولى، فهو من أنار طريقي بشمع أصابعه، هو الذي وضعني على أول طريق المعرفة اللامتناهي، اكتفيت منه بالأبجدية، واستكملت بعد ذلك طريقي إنه مانديلا فلسطين وشهيدها، عمر القاسم، الذي استشهد في سجون الاحتلال بعد أن أمضى فيها واحداً وعشرين عاماً، مات بسرطان القولون.

حينما سأل إسماعيل دبج، أحمد جبريل، لماذا لم يطلق سراح عمر القاسم مع المحررين، وذلك خلال ندوته في ليبيا، أجاب أحمد جبريل، لقد أبدى عمر القاسم خلال وجوده في السجن، استعداداً فكرياً لتقبل فكرة التعايش العربي – اليهودي في فلسطين، لذلك، أرى انه لا يجوز لحامل أفكار كهذه، أن يتواجد بين ظهراني شعبنا، خشية أن يسمّم أفكارهم، هذه هي إجابته الحرفية، لكن الحقيقة التي أبقت على عمر القاسم رهن الاعتقال، دون أن يدرج اسمه في قوائم المحررين، هي غير ذلك تماماً، وتعود جذورها إلى تلك الأيام التي كانا فيها يشكلان معاً القيادة العسكرية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، قبل أن تتشظى حيث لا ادري لأي سبب، جرى نقاش حاد وساخن بين الاثنين، أثار حفيظة أحمد جبريل، ولذلك كان الوحيد من بيننا جميعاً المطمئن إلى أنه لن يخرج في صفقة تبادل تعقدها القيادة العامة، كان واثقاً من ذلك.

كنت في بيتي بمخيم اليرموك، حينما جاءني الأخ أسامة تميم والأخ مصطفى قاعود، كنت أتناول طعام العشاء، شاركاني فيه، إلى أن انتهينا منه، حينما فقط أبلغاني باستشهاد عمر، وعليّ أن أتوجه إلى الإقليم – وكنت عضواً في لجنة إقليم سوريا – للبحث في ترتيبات ومراسم العزاء بالشهيد، كانت صدمة قوية، نعم، أفرغتها بكلمة رثاء، ألقيتها أمام حشود من البشر في النادي العربي بمخيم اليرموك الباسل، فإلى جنات الخلد مع الصديقين والشهداء يا عمر.



- المحطة الثانية :

موسى طلالقة: إعجابي بهذا الرجل لا حدود له، هذا البدوي الأصيل، الخارج من قلب الصحراء، والممتد عبر مساحات الوطن، ليغطي السهل والجبل والشاطئ، وتطول ذراعه لتلامس كوفية الفلسطيني خارج الوطن، ليحملها هماً وطنياً، وقسماً راسخاً، أن يسخر ما وهبه الله، لهذه الأبعاد الحقيقية.

حمل زوّادته وارتد إلى أعمق أعماق الوطن، إلى قلبه، إلى حيث الادعاء الكاذب والمزيف بالأمن والأمان، إلى قلب تل أبيب، وكان فندق "سافوي" هو الهدف، إنه ليس فندقاً للسياح، إنه فندق نقاهة الضباط، هكذا قيل، وإليه شدّ أخونا العزيز الرحال مع مجموعته من طيور النورس الغضبى، "كما سماهم الأخ محمود مشلاوي": طيور النورس الغضبى هوت صرعى، فيا أحداق لا تبكي، اشتباك وانفجار يهزّ أركان الفندق، ويدمر طابقاً بأكمله، واستشهد زملاء موسى، وبقي هو تحت الأنقاض، لماذا لا يلاق المصير نفسه؟ لسببين ، الأول: أنه سخر ليرسل للدار الآخرة عشرات من جنود الاحتلال، انتهت آجالهم، ووفقاً للعناية الإلهية، فإن نهايتهم على يديه، الثاني: أن نصيبه في الدنيا، من مأكل ومشرب وملبس وشقاء وهناء، و"ما بموت حي في ظهره، حي"، مازال لم يستنفذ بعد، لذلك، فقد بقي على قيد الحياة تحت الأنقاض، لكنه في وضع مريح، حيث عرشت الأنقاض عليه، ولم تدفنه، وحينما أخذ الاحتلال يزيل الأنقاض، وفتحت أمامه ثغرة أخذت تتّسع رويداً رويداً، أخذت استعداداته تكبر معها شيئاً فشيئاً، سلاحه جاهز، ويداه على الزناد، وينتظر اللحظة المناسبة، وبتقديره أن اللحظة المناسبة تكمن في مسألتين: الأولى: وجود أكبر تجمع من الجنود في محيط مرمى بندقيته، والثانية، اتساع الفتحة بحيث يتمكن من الخروج، فلعل وعسى يستطيع الإفلات منهم.

ما إن سنحت الفرصة، حتى فتح النار، فتساقطوا أمامه كالذباب، فتح لنفسه ثغرة في الجدار البشري بعد انهدامه، وخرج من بين الانقاض، ورشاشه يقذف الحمم، لم يترك أحداً في طريقه، خرج من الفندق، واصبح في شوارع تل أبيب، وانتصر "الكف على المخرز"، ولم يتمكنوا من إلقاء القبض على موسى طلالقة، إلا بعد أن نفذت ذخيرته، ولم تنفد عزيمته، فقد خبرناها في تجارب السجون، فكانت فولاذاً مبولداً مسقياً بالدم.



- المحطة الثالثة:

كان ذلك في عام 1971، كنت في سجن عسقلان، كنت مستغرقاً في نومي، رأيت حلماً مزعجاً .. "جندي إسرائيلي يجر شقيقتي الكبرى من شعرها، حاولت مساعدتها، فوجدتني مقيداً وعاجزاً عن ذلك"، استيقظت والعرق يتصبب من جسدي، وأنا أصرخ وجسمي ينتفض.

في الليلة التالية، عشت الحلم نفسه، لكنهم في هذه المرة، ينزلونها إلى جوف بئر، وأنا مربوط على عمود خشبي قبالتها، وأمي تأتيني من بعيد، وأصرخ بها لنجدة ابنتها، ومع صراخي، استيقظت كما الليلة السابقة.

انتظرت الزيارة على أحر من الجمر، لكن الزيارة حلّ موعدها، ولم يحضر أحد لزيارتي، وفي الزيارة التالية، لم يحضر أحد لزيارتي، وكانت الزيارة في حينه مرة كل أسبوعين، وانتظرت حتى موعد الزيارة الثالث، والقلق يأكلني، وأخيراً جاء يوم الزيارة، وخرجت لأجد أمي وأبي على شباك الزيارة، وقبل أي حديث، ونظراً لاعتقادي أن مكروهاً ما قد حلّ بشقيقتي أو أحد أبنائها، فقد بادرتهم بالسؤال عنها، وما إذا كان قد حدث أي مكروه لها، أمام إصراري وإلحاحي، قال أبي لأمي: احكيله، وعادت هي لتقول له: احكيله أنت، ولم يدركا حجم الاحتقان والتوتر الذي يصيبني مع كل ثانية، وأخيراً قال أبي، لقد كنت أنا في السجن، حيث مكثت فيه 17 يوماً، ولم يخرجوني إلا بعد أن تسلموا ما كان لدي، وهو عبارة عن بندقية، من سلاح الجيش الأردني، وخلالها اعتقلوا شقيقتك للتحقيق معها، وهذه هي الحكاية، وكان قد تعرض لعنف جسدي فظيع، مازالت آثاره بادية عليه.

كانت قريتنا في حينه قد تعرضت كغيرها من القرى للتقصي الاستخباري حول وجود أسلحة فيها، حيث حضر الجيش بقائمة طويلة، من سلّم فيها سلاحه، عاد إلى بيته، ومن لم يسلم سلاحه، زُجّ به في السجن، وكان والدي ممن زج بهم في السجن، إلى أن تم تسليم البندقية المدفونة على مدخل طابون بيت عمتي، فأفرجوا عنه.


- المحطة الرابعة:

في عام 1983، وكنت قد أعدت إلى سجن عسقلان، جاء من يقول لي: شقيقك صبحي في سجن المسكوبية، قلت: شقيقي صبحي في الكويت، قال: بل اعتقلوه خلال عودته إلى الكويت، عن طريق الجسر، بعد انقضاء إجازته، اقلقني هذا الخبر، لسببين، الأول: هو أن شقيقي هذا شكّل مصدر دخل محترماً للعائلة، بعمله كموظف بشركة "بدر الملا" في الكويت، وبراتب جيد، واعتقاله، يعني إضعافاً للوضع المادي للعائلة، وهذا أمر مقلق، والثاني: هو أنه يكرر مأساتي بالضبط، حيث اعتقل تاركاً خلفه طفلة صغيرة، كما تركت خلفي طفلة صغيرة، ترك لينا، كما ترك حنان، وحيث إنني أجهل التهمة التي اعتقل على أساسها، فلم أستطع تقدير المدة التي يمكن أن يقضيها في السجن، ولهذا، انتابني هذا القلق، ويبدو أنها سمة في الإنسان، ألا يقلق على نفسه، بحكم معرفته بما يحيط به، ولأنه قرر حياته هو، ولكنه لا يستطيع أن يواجه بالطمأنينة نفسها، مصير أناس آخرين قريبين له.

تابعت مجريات التحقيق معه في خلال الزيارة عبر الأهل، ومن خلال الرسائل مع الزملاء في السجون الأخرى، حيث انتقل من المسكوبية إلى نابلس وجنين، وقدم للمحاكمة بتهمة التدرب على السلاح، فحكم عليه أربعين عشراً، 27 فعلي، و 13 شهرا وقف تنفيذ، أمضاها في السجن وخرج منه، بعد خروجي في عملية التبادل بقليل.

- المحطة الخامسة:

في عام 1974، وبعد الغداء مباشرة، وكان ذلك في سجن عسقلان طبعاً، استدعت الإدارة الأخ المرحوم أنس دولة، ولم يعيدوه إلينا، بل هبطت قرب السجن طائرة هليكوبتر، حملوه فيها، ولكنت إلى أين؟ لا أحد يعلم، وكنوع من التعتيم الإعلامي، قامت الإدارة بفصل الراديو عن الغرف، فأبقت الموضوع برمته للتكهنات.

مع أخبار اليوم التالي، أذاع راديو إسرائيل، أن إحدى المجموعات القتالية، التابعة للجبهة الديمقراطية، اقتحمت إحدى مدارس "معالوت"، واحتجزت العديد من الطلبة، والمدرسين، وأسفرت النتيجة عن قتل وجرح أكثر من تسعين شخصاً، فيما سقط أعضاء المجموعة الثلاثة شهداء على أرض المعركة، أما لماذا استدعى أنيس دولة، فقد بقي ذلك مجهولاً إلى أن عاد في اليوم التالي، وقد عاد منهك القوى متعباً، لشدة الضرب الذي تعرض له على أيدي جنود الاحتلال، لقد حملته طائرة الهليكوبتر، وحطت في مكان آخر، لتحمل أناساً آخرين، اتضح لاحقاً أنهم الأخوان عمر القاسم وإبراهيم شيخة والأخت فاطمة البرناوي، حيث أقلتهم الطائرة إلى منطقة الحادث شمال البلاد، بهدف القيام بإجراء مفاوضات مع الحاجزين، تستهدف فك الحجز عن الرهائن، هذا أولاً، وهو الأمر الذي رفضه الزملاء الثلاثة رفضاً قاطعاً، أما ثانياً، فقد طلبت منهم القيادة العسكرية الإسرائيلية أن يسمي كل منهم مجموعة أسماء تصل إلى حدود 21 اسماً، لإمكانية إجراء تبادل بين هؤلاء المعتقلين، وفك الرهائن، رفض الأخ عمر القاسم إعطاء أي اسم، وتبريره لذلك، أن خطراً ما، قد يلحق بالأسماء التي قد يعطيها إذا ما فشلت العملية، واحتمال فشلها وارد، وذلك حرصاً منه على زملائه، فقد رفض الفكرة، عدا عن تقديره بأن القيادة التي أرسلت المجموعة، هي التي يجب أن تزودهم بالأسماء، وليس أحد السجناء، أما الأخ أنيس، فقد كان له رأي آخر، حيث أعطى الأسماء المطلوبة، وحين حدثني هذا بعد عودته وهو جدّ خجل، لأنه، كما قال، نسي أن يدرج اسمي من بين الأسماء التي قدمها للإسرائيليين، ومن يعرفون علاقتي الحميمة بأنيس دولة، ربما يستغربون أن ينسى أنيس إدراج اسمي، وهكذا، أسدل الستار على عملية "معالوت"، كما أسدل الستار على عملية "عنتيبة" بأوغندا، التي نفذتها مجموعة من الجبهة الشعبية، جناح وديع حداد، رحمه الله.

- المحطة السادسة:

حينما اعتقل عطا الله الرشماوي، خلال عملية اعتقالات الجبهة الوطنية، التي تشكلت عقب حرب أكتوبر، من تحالف "فتح" الجبهة الديمقراطية، الحزب الشيوعي"، كقوى تبنت رسمياً البرنامج المرحلي، في الوقت نفسه الذي شكلت فيه انعطافه نحو تغيير استراتيجية الحزب الشيوعي – لم يكن الحزب قد تشظى بين أردني وفلسطيني في ذلك الوقت، بل كان ما يزال الحزب الشيوعي الأردني، منظمة فلسطين – من نظرته للكفاح المسلح وانخراطه فيه، في هذا الوقت، اعتقل المناضل الكبير عطا الله الرشماوي مع مجموعة كبيرة من قيادات الحزب "تيسير العاروري" وعبد الله البياع … الخ" رهن الاعتقال الإداري، وحينما بدأت انتخابات المجالس البلدية الأولى عام 1976، رشح أبو جميل نفسه لعضوية مجلس بلدي بيت ساحور، وتغلب على كل العراقيل والصعاب التي وضعها الاحتلال في طريق ترشيحه، وفقط، دقائق معدودة قبل إغلاق صناديق الترشيح، استطاع محاموه أن يثبتوا حقه بقرار مكتوب من المحكمة في ترشيح نفسه، وفاز أبو جميل بأصوات أرعبت الاحتلال.

بعد هذا الفوز الساحق، وبعد أن تم اختياره من زملائه في المجلس لعضوية نائب الرئيس، أصبح محطّ اهتمام الاحتلال، حيث أخذوا يساومونه على مقعد في المجلس، مقابل إطلاق سراحه، قال أبو جميل بكبرياء المناضل وشموخه: أن أساومكم على بيتي، نعم، أن أساومكم على مال وفير، نعم، أن أساومكم على أي شيء، ممكن، أما أن أساومكم على ثقة الناس بي التي لم اشترها بمال، فهذا مستحيل، فهذه الثقة، أغلى من كل كنوز الأرض، هكذا هم المناضلون يا ابا جميل، يقدرون ويقدرون ، وتقدير الأهل وثقتهم هما رصيدهم المادي والمعنوي معاً.

- المحطة السابعة:

خلال فترة التحقيق معي، وردت معلومة للمخابرات بأنني زرت أهلي في البيت وأمضيت ليلتي معهم، كانت فرصة للمخابرات، لإيقاع العقاب بعائلتي، من نسف للبيت، واعتقال لوالدي، وشقيقي طالب الثانوية في حينه، الذي يعمل اليوم مديراً لمدرسة أساسية.

استدعيت إلى التحقيق ليلاً، ولم يكن ذلك غريباً، فمعظم جلسات التحقيق الجدي مع المخابرات تمت في الليل، أما التحقيق في النهار، فكان متروكاً للشرطة المدنية، التي كانت وظيفتها أن تبلور الاعترافات في وثيقة رسمية، يوقع عليها المعتقل، لاستنباط لائحة الاتهام منها، تمهيداً لتقديمه للمحاكمة، ولذلك، كان هنالك فرق بين أن تستدعي للتحقيق معك في المخابرات، أو أن تستدعي للتحقيق معك من قبل الشرطة المدنية، مع ان كليهما مترابط في الهدف الأساسي، وهو الإيقاع بالمعتقل بمختلف الوسائل، لإجباره على تقديم الاعترافات.

إذن، استدعيت ليلاً، ولم أكن أعلم بالضبط ماهية القضية التي ستثار معي، وما إن جلست على الكرسي حتى قيل لي: أين أمضيت ليلتك الأولى في نابلس، قلت على الفور: في البيت الذي استأجرناه لهذا الغرض في الجبل الشمالي بنابلس، وكنت أنا وزميلي محمد أحمد كمال من بلعا، قد استأجرنا بيتاً في الجبل الشمالي، يعود للحاج جميل الخياط، هاجمته قوات الاحتلال قبل اعتقالنا، وقد نسفوه لاحقاً، أمضيت الليل بطوله في التحقيق، ومع الصباح الباكر، أعادوني إلى الغرفة، دون أن يظفروا بضالتهم.


وكان هناك من ينتظرني طوال الليل دون أن ينام، وهو الزميل خالد عبد الرحيم "عنبتا"، الذي أسعف جراحي، ودفأني بما لدينا من أسمال وبطانيات، تكررت الحالة في الليل الثانية، كسابقتها، دون أن يظفروا ببغيتهم، وأعادوني كما الأمس، مع اختلاف بسيط، هو أنني معنوياً قد تضعضعت إلى حد ما، أخبرت بذلك زميلي خالد عبد الرحيم، الذي أخذ يشد من أزري، ويشجعني، وما أجمل أن تجد جداراً تستند إليه حين يصيبك الوهن، وتحس الأرض تميد بك، وتكاد تسقط، فتجد الجدار الذي يمنعك من السقوط، وهذا ما كان، إلا أن ما حسم الأمر لديّ، وزادني قوة على قوة، وأعانني بعد الله على تحمل ما أنا فيه، هو إنني ما إن جلست في الليلة الثالثة على كرسي التحقيق، وجسدي يرتجف من برد كانون الثاني، حتى تجلّت أمامي صورة عشتها أيام طفولتي، في تلك الأيام البعيدة، تعرض والدي لإصابة في رجلة، أقعدته قليلاً، اضطر من أجل علاجها، أن يستخدم الكيّ بالنار، تمدّد والدي على الأرض، وأمامه يجلس الحاج محمد حسين ياسين خبير الكيّ بالنار، وخلال العملية، كانا يتحدثان، وكأن النار لا تشوي لحم والدي الحي، قال الحاج محمد يخاطبني: هل ستكون صبوراً مثل والدك، أم خيخة، مسّد والدي رحمه الله على رأسي قائلاً: إن شاء الله صبوراً وقبضاي.

مرت الصورة أمامي، كشريط تلفزيوني، فعاهدت والدي أن أكون عند حسن ظنّه، مهما كانت الظروف، وأظنني وفيت بهذا العهد.

- المحطة الثامنة:

جمعتنا غرفة 14 في سجن عسقلان، كنا مجموعة من الأصدقاء المترابطين المتحابين، الذين تميزوا في السجن خلال تلك الفترة، بهذه العلاقة الحميمة، وليد حطيني، وصالح أبو طايع، وحمدي الريفي، ورأفت النجار، وسلام أبو بكرة، وحسن القواسمي، وعبد التواب مهداوي، وأنيس دولة، والشيخ صلاح عباس "فاكهة الغرفة، خاصة بادعائه قدرات غير عادية باللغة الإنجليزية، التي يعرفها بالضبط كما أعرف أنا الألمانية، ولذلك، كان دائماً ما يأتي إلى الغرفة حاملاً كتاباً ضخماً باللغة الإنجليزية، يقلب الصفحات في إيحاء بالقراءة، لكنه وما إن يترك الكتاب، لقضاء بعض شؤونه، حتى يأتي أحد الزملاء، ويغيّر له العلاقة إلى صفحة أخرى، وياتي هو ويواصل القراءة، لا من حيث ينتهي فعلاً، بل من حيث وضعت له العلاقة، ومع ذلك، هو يعلم جيداً أن أحداً لا يصدقه بادعائه هذا؟ لكنه مصر عليه"، وعبد القادر يوسف، سليم حماد "بدران"، الذي استشهد بعد التحرر من السجن في سوريا، حيث ذهب إلى سوريا كونه أعلن ولاءه للمنشقين عن فتح، ومحمود مشلاوي، وإسماعيل دبج، ورياض نجم، وأحمد نصر، وبيت القصيد هنا، هو الأخ أحمد نصر، عضو المجلس التشريعي الراهن، فالأخ أحمد دائم البحث عن الجديد، قرر يوماً أن يخترع مصنعاً كيماوياً، فجاء ببضع كرات تنس طاولة، شطرها إلى أنصاف، وشكها بسلك حديدي، كل اثنين منها، الحدبة على الحدبة، ومن ثم، حشرها في علبة قهوة "عليت" فارغة، ورشّ عليها قليلاً من السكر، وأشعل فيها النار، وأحكم إغلاق العلبة، جرت كل العملية في غرفة الحمام، دون أن يدري أحد من الزملاء ما الذي يفعله أحمد نصر بالحمام، لكن الأمر لم يطل، حين سمعنا صوت ارتطام غطاء علبة القهوة بسقف الحمام، بقوة غير عادية، والحركة غير العادية التي صدرت عن احمد نصر وهو يحاول إطفاء محتويات العلبة لكنه فشل في ذلك أيضاً، وبدأ يتسرب غاز أصفر اللون كثيف من العلبة، وينتشر في سماء الغرفة، كان ثقيلاً لدرجة لم يستطع الهواء الصادر عن حركة مناشفنا المستخدمة كمراوح، أن يحرك فيه شيئاً، اشتركنا جميعنا في محاولات إطفاء الحريق الصغير، لكننا فشلنا، حيث لم ينطفئ بالماء، المادة الوحيدة المتوفرة لدينا، سقط أولنا على الأرض، وهو الأخ رياض نجم، سحبناه إلى الباب، ومددناه بجانبه، يستنشق بعض الهواء من فتحة ما بين الأرض والباب، والتي أعادت له الحياة.

يقول مثلنا العامي: اذبحه ما بينزل منه قطرة دم، هكذا كان حال الأخ أحمد نصر، الذي أدرك إبعاد الكارثة بعد تلك التجربة، التي كان من الممكن ان ندفع لقاءها ثمناً باهظاً.

- المحطة التاسعة:

هي أهم المحطات، التي تجبرنا على العودة للسجن مرة أخرى، لنعيش لحظات صعبة مع زملائنا الذين تركناهم منذ عام 1985 خلفنا، كانت المفاوضات حول تبادل الأسرى قد بلغت منعطفاً حرجاً، حيث أصرت إسرائيل على إخراج 36 اسماً من القائمة، ورفضت الإفراج عنهم في إطار عملية التبادل: لكن الوسيط النمساوي، المرحوم برونوكرايسكس، اقترح حلاً وسطاً، بحيث يخرج من القائمة 18 اسماً، ويبقى فيها 18 اسماً، وبعد مفاوضات حول مقترح الحل الوسط، وافق الطرفان على الاقتراح، واختارت إسرائيل الأسماء الثمانية عشر الذين ستحتفظ بهم في السجن، من بين هؤلاء زملاء قدامى، مازالوا رهن الاعتقال، من حقهم علينا، أن نخزن في الذاكرة، أسماءهم الجليلة إلى أن تتحطم قيودهم كما تحطمت قيودنا، هؤلاء الزملاء هم: نجيب الراعي "أبو الصاعد" والمعتقل منذ عام 1974 سعيد وجيه العتبة، والمعتقل منذ عام 1975 محمد رجا نعيرات "أبو رفعت" الذي اعتقل وهو في الستينات من عمره، منذ عام 1975، وسمير قنطار، وعثمان ناجي، ونائل البرغوثي، وفخري عصفور البرغوثي، وجميعهم معتقلون منذ أواسط السبعينيات، وكذلك الأخوة أحمد أبو السكر، ومحمد على إبراهيم سلوم "اليطاوي"، الذين تجاوز رصيد سنوات اعتقالهم العشرين عاماً، وتحولوا إلى همّ وطني، شأنهم شأن القضايا الشائكة، بعد أن حولتهم إسرائيل الفاقدة لكل القيم الإنسانية، إلى ورقة مساومة، إلى ورقة ضغط على المفاوض الفلسطيني.

- المحطة العاشرة:

خلال فترة وجودنا في السجن، تمت العديد من المحاولات للهرب من السجن، نجح بعضها، قليلها، وفشل العديد منها، وسأسجل هنا محاولتين فقط، نجح أصحابهما في الوصول لخارج أسوار السجن، الأولى : محاولة الأخ محمود العالول، حيث استخدم سيارة التموين في هربه من السجن.

خرج الأخ محمود العالول للعمل في المطبخ، بهدف تنفيذ مخطط الهرب، كان شاباً يافعاً، عرفته شخصياً يوم 9/1/1968، أي في اليوم الذي حكم فيه في غرفة 5 سجن نابلس، وكنت يومها قد نقلت من سجن طولكرم إلى سجن نابلس، وقد نجح في محاولته، وغادر السيارة في وسط مدينة نابلس، استبدل ملابس السجن بملابس مدنية، وانتظر حلول الظلام، ثم غادر المدينة متجهاً نحو الشرق، كانت القوات الإسرائيلية قد أحيطت علماً بهربه، فاتخذت الاحتياطات اللازمة، كانت طريقه نحو بلدة طمون، ومن هناك باتجاه النهر شرقاً، لكنه في أحد الكمائن، ومن هناك، نقل إلى سجن جنين، لكنهم لم يعرفوا هويته على الفور، وفقط في مركز جنين، وبعد محادثات تلفونية بين نابلس وجنين، اتضحت هوية معتقلهم الجديد، فنقل على عجل من مركز جنين وأعيد إلى سجن نابلس، ليقضي فيه خمس سنوات هي مدة محكوميته.

الحدث الثاني: هروب المناضل أحمد عمران من سجن عسقلان، فعلاً، لقد تحققت المعجزة من خلال هذا الهروب، فسجن عسقلان، اعتبر الهروب منه، المستحيل الرابع، وقد حقق أحمد عمران هذا المستحيل، قبل دخوله السجن، كان الجيش الإسرائيلي يطلق عليه لقب حاكم عسكري النصيرات، وفي حالات كثيرة، كان الحاكم العسكري في غزة يقول لبعض المواطنين، لديكم حاكمكم العسكري، لماذا تأتون إليّ، اذهبوا إليه، كان مطارداً للاحتلال، ولسنوات، لكنه، وفي حملة اعتقالات طالت العديد من كوادر الجبهة الشعبية في قطاع غزة، ألقي القبض عليه، وحكم بضعة مؤبدات، وكزميله محمود العالول، خطط أحمد عمران للعمل في المطبخ، لاستخدام سيارة التموين في هروبه، ضغط على الأخ حسن العامودي لتسجيل اسمه للعمل في المطبخ، وأخيراً حقق ما أراد.

لم يمض وقت طويل على عمله في المطبخ، حتى جاءت السيارة التي تحمل الخبز لسجني عسقلان، وغزة، حيث تبدأ في عسقلان وتنتهي في غزة، فرصة قد لا تتكرر لأحمد عمران، سرق سكيناً من سكاكين المطبخ، احتفظ بها على جسمه، وطلب من زميله زهدي العدوي، أن يخفيه بصناديق الخبز، اختبأ بين صناديق الخبز، وغادرت السيارة ساحة السجن الداخلية، ومرت بالتفتيش الأول على المدخل الرئيسي الداخلي للسجن بسلام، ووصلت إلى المدخل الرئيسي الخارجي، لكنها وقبل أن تغادر الباب الرئيسي، نودي على عدد الظهيرة، فانتظرت السيارة بين الباب الخارجي، والشبك الداخلي، وأسقط في يد أحمد عمران، وبدأ التوتر وشد الأعصاب ترتفع وتيرته لديه، وعادة ما يستغرق وقت العدد نصف ساعة أو اكثر بقليل، لكنها بالنسبة إلى أحمد عمران، نصف قرن أو يزيد.

كان ضابط العدد، ضابطاً درزياً يدعى زيان، ومعاونه رقيباً درزياً يدعى كويكس، قال كويكس لزيان في نهاية العدد، العدد ناقص واحد، وذلك بعد أن جمع حصيلة العدد لديه، فصرخ فيه زيان الذي لم يجمع أرقام عدده، ناقص واحد، زايد واحد، هل في عصفور يمكن له أن يطير من بين الأسلاك والقضبان، وألحقها بشتيمة بذيئة، بشكل مازح، وأعلن في سماعة السجن "اسفراه بسيدر"، اللازمة التي لا بد منها لإعادة الحياة للحركة داخل السجن، ومعناها "العدد صحيح"، حيث تتقيّد الحركة داخل السجن، مجرد أن ينادي ضابط العدد على بدء العدد، الذي كان يجري أربع مرات في اليوم العادي، وثلاث مرات أيام الأعياد والسبت والجمعة.

ما إن نودي على أن العدد صحيح، حتى فتح الباب الخارجي للسجن، وغادرت السيارة الباب، متجهة إلى غزة، أحمد عمران ابن غزة أصلاً، وهو يعرف الطريق إليها وهو مغمض العينين، ولذلك، لم يؤثر فيه، كون السيارة مجللة تماماً بالشادر، بل ربما كان ذلك لصالحه، وهو فعلا لصالحه، ومعرفته تلك، مكّنته من تحديد النقطة التي سيغادر فيها السيارة، جهزّ السكين بيده، وحينما هدأت سرعة السيارة عند أحد المنعطفات، التي تحيط بها بيارات برتقال قطاع غزة، كان أحمد عمران قد شقّ لنفسه طريقاً في الشادر، بتمزيقه بالسكين، وقفز من السيارة، وابتلعته بيارات غزة.

مع عدد المساء، اكتشف ضابط العدد زيان النقص في عدد السجناء، وأخذ يعيد العدد مثنى وثلاث ورباع، والنتيجة واحدة، نقص في العدد، انقلبت الدنيا في السجن، استدعوا كل طاقم الإدارة من بيوتهم، بدءاً من المدير، وانتهاءً بآخر شرطي، وبدأت عملية تمشيط السجن، الساحات وخلف المباني، ولم تسلم حتى فتحات الصرف الصحي، صغيرها وكبيرها من فتحها، والتدقيق فيها، مستخدمين الضوء اليدوي لفحص داخلها، وبعد وقت غير قليل، أعلن في سماعة السجن ما يلي: أحمد عمران، بلغ الشرطي في المردوان عن وجودك، وقد تكرر النداء أكثر من مرة، وبأكثر من صيغة، وأخيراً، أعلنوا التالي: على الغرفة التي يتواجد فيها أحمد عمران، أن تبلغ الشرطي بوجوده، وطبعاً، لم تبلغ أي غرفة عن وجود أحمد عمران، وهكذا، تيقّنت الإدارة، أن أحمد عمران قد هرب من السجن، أما كيف عرفوا اسمه، فأنا شخصياً لا أستطيع الادعاء بمعرفتي بذلك.

استدعت الإدارة على الفور، الأخ عبد الله أبو خوصة، وزهدي العدوي، العاملين في المطبخ للتحقيق معهما، وقد اكتشفوا خلال التدقيق والتحقيق، نقص سكين من سكاكين المطبخ، وهكذا، عرفوا حقيقة هروب أحمد عمران، والكيفية التي غادر بها، وللأمانة، فإن عبد الله أبو خوصة، لم يكن يعلم شيئاً عن الموضوع، لا من قريب ولا من بعيد.

عاد أحمد عمران كمطارد مرة أخرى، وأعلن الإسرائيليون، تحذيراً للمواطنين يقول: إن وحشاً قد هرب من حديقة الحيوان، يخشى على الناس منه، ويطلبون منهم إغلاق بيوتهم في وجهه.

جنّدت إسرائيل كل قوتها، وطاقتها في قطاع غزة، لملاحظة احمد عمران، وبعد سبعين يوماً من هروبه بالضبط، أعلنت إسرائيل استشهاد هذا المناضل في ملجأ بقطاع غزة، توصلوا إليه بواسطة عملائهم، حيث لم يجد نفعاً إعلان الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عن وصول أحمد عمران إلى قواعد الجبهة في لبنان ونشر أخباره بتحركات مزعومة، في هذا البلد أو ذاك، بهذه القاعدة او تلك، لتضليل إسرائيل، علها تكف عن البحث عنه، لكن إسرائيل لم تنطلِ عليهم هذه المخادعة المشروعة، رغم إجراء مقابلة إذاعية بصوت أحمد عمران، زيادة في التضليل، واستمرت في مطاردته والبحث عنه، إلى أن استشهد مقاتلا وسلاحه بيده.



- المحطة الحادية عشرة:

أصبح شعار الديمقراطية الشعار الأكثر شيوعاً في مفردات اللغات بالعالم، وأصبحت ممارسة الديمقراطية، أو عدمها، عنواناً سياسياً للمجتمعات، كمنطلق للحكم لها أو عليها.

ونحن في سجون الاحتلال مارسنا الديمقراطية في نهايات الستينيات، حيث تمت في سجن عسقلان ممارسة الانتخاب الديمقراطي، للهيئات القيادية لكل من فتح والجبهة الديمقراطية، أما زملاؤنا في الشعبية، فقد حمل كل منهم مرتبته القيادية في حركة القوميين العرب، أو في الجبهة ونظموا أمورهم في تلك المرحلة، وفقاً لهذا النظام، كانت بدايات ممارسة الديمقراطية بسيطة وبلا إطار ينظمها قانونياً، لكن التطور الداخلي الذي عصف بأفكارنا وممارساتنا وقدراتنا، أخرجنا من إطار البدائية، التي حصرتها بانتخاب هيئة قيادية، إلى آفاق ارحب، حيث مورست بشكل أكثر دقة ونضجاً بانتخاب إطار قيادي أوسع، رغم التسميات المختلفة، "عضوية مؤتمر لدى الجبهة الديمقراطية أو الشعبية مثلاً، وعضوية مجلس ثوري لدى فتح"، والتي من خلالها يتم انتخاب الهيئة القيادية التنفيذية، مع الإبقاء على الإطار الأوسع، كمرجعية للقيادة التنفيذية خلال الفترة ما بين عمليتي انتخاب أو مؤتمرين، وقد تم تنظيم المسألة، بتحديد الأعداد المطلوبة، والسقف الزمني لعملها، وطريقة إجراء الانتخابات، الأولى لعموم التنظيم، والثانية للإطار الأوسع، من خلال اللوائح الداخلية، التي خضعت هي الأخرى للنقاش الداخلي، وتم إقرارها واعتمادها من قبل التنظيم، كما حددت هذه اللوائح، عدد أعضاء الهيئات التي يجري انتخابها، وتوزيع المسؤوليات بشكل دقيق، بحيث يتم انتخاب أشخاص، ارتباطاً، بمهمات، وليس لمجرد الانتخاب، كما وتلزم اللوائح الداخلية هذه الهيئات، بتقديم تقارير دورية للإطار الأوسع الذي بدوره، قد يجري تعديلات، أو يوقع عقوبات، على التقصير، أو لسبب وجيه قد يبرز خلال العمل.

ونظراً لخصوصية الوضع في المعتقلات، فلم يكن يتم الإعلان رسمياُ عن نتائج أية انتخابات في الفصائل، بل يبرز الإعلان من خلال العمل الوطني العام في المعتقل، حينما يحدد مثلاً ممثل هذا الفصيل، وذاك الفصيل في اللجنة الوطنية الاعتقالية، وكذلك، المسؤول الأول للتنظيم، ولكن الجميع، كان حريصاً أشد الحرص، على إخفاء اسم المسؤول الأمني، حتى عن أقرب المقربين، ويبدو أننا في هذا المجال، استفدنا من السياسة الإسرائيلية، حيال رئيس الموساد، الذي في العادة، لا يعلن عنه، ولذلك، فإن الكثير من زملائنا الذين عملوا في الأجهزة الأمنية، وبموقعها القيادي الأول تحديداً، لم يبرزوا بأدوار قيادية واضحة، وإن برزوا كشخصيات نضالية وطنية مميزة خشية أن يتعرضوا للأذى،" سواء من الإدارة التي يتصدون لسياستها التدميرية بشكل يومي ومثابر، أو من أولئك الذين يطالهم كرباج الأمن الوطني، وقد يفكرون أو يدفعون للانتقام، لذلك كان الكشف عن اسم المسؤول الأمني من قبل أي كان، يمثل نقطة استفهام، يخشى الجميع من الوقوع في دائرتها.

في مدرسة الديمقراطية الاعتقالية هذه، ترعرع العديد من كوادر هذا الوطن، الذين لعبوا دوراً هاماً، بعد تحررهم، في النضال الوطني، في مقدمته، وفي قلبه، وكانوا الأكثر استهدافاً للاحتلال إبان مرحلة الانتفاضة الباسلة، حيث أبعد العديد منهم إلى الخارج، وعادوا مع العائدين الفاتحين إلى أرض الوطن، ليواصلوا النضال الوطني، حتى استكمال مرحلته الاستراتيجية، التحرر الوطني غير المستكمل بعد، والذين تراهم اليوم في كل مؤسسات سلطتنا الوطنية الفلسطينية،" بدءاً من المجلس التشريعي، ومروراً بمجلس الوزراء، وانتهاء بكل المؤسسات المدنية والأمنية، وبأدوار قيادية بارزة، تسندها الكفاءة والأهلية، ويحميها الإيمان العميق بحق شعبنا في التحرر والاستقلال والسيادة، والدولة والهوية، وحق تقرير المصير، والقدس الشريف كعاصمة لهذا الوطن.

وإذا كان من الجائر أن أقدم بعض الأسماء كنماذج، فإنهم يمثلون المثال وليس الحصر، كالأخوة: أبو علي شاهين، جبريل الرجوب، ورمضان البطة، وراضي الجراعي، ومحمد لطفي، وقدري أبو بكر، وذياب اللوح، وعبد الحميد أبو النصر، وعمر أبو راشد، ونبيل قبلاني، ورأفت النجار، وعبد الله سكافي، وإبراهيم سجدية، وأحمد البطش، وأحمد الديك، ومروان البرغوثي، وعبد الفتاح حمايل، ومسلم الدودة، وزهران أبو قبيطة، وجمال الشوبكي، وأحمد ارشيد، وعمر الحروب، وسامح كنعان، ورشيد أبو شباك، وصالح أبو لبن، وجمال الديك، وباسم كنج، وعماد يعيش، وخالد الزبدة، وحاتم الشنار، وإبراهيم شيخة، وحمدي الريفي، وراسم عبد الجواد، وحسين أبو حاشية، والعديد من كادر هذا الوطن، بمؤسسات المختلفة، والذين لعبوا جميعاً أدواراً رئيسية خلال سنوات الاعتقال الطويلة، في المجالات التنظيمية والوطنية والأمنية والثقافية، ومن مواقع قيادية متقدمة، وكما للحركة الأسيرة قيادتها كذلك فلهذه الحركة شهداؤها، الأكرم منا جميعاً، كما قال السيد الرئيس أبو عمار، وحسب الذاكرة، أورد الأسماء التالية:


1 - يوسف ابراهيم الجبالي
2 - عبد القادر جابر أبو الفحم
3 - عمر يوسف شلبي
4 - جاسر بلاونة
5 - علي الجعفري
6 - راسم حلاوة
7 - أنيس دولة
8 - إسحق المراغة
9 - عمر القاسم
10- جاسر أبو ارميلة
11- محمود عربي فريتخ
12- حمزة شعيب

المجد للشهداء

- المحطة الثانية عشر:

حينما كان عمره أربعة عشر عاماً وبجثته التي لا علاقة لها بعمره، فقامته وضخامة جسده، تشير بالتقدير إلى ثمانية عشر أو عشرين عاماً، وقد استغل عامر سليمان دخل الله هذه الميزة، فحمل شهادة ميلاد شقيقه الأكبر عمراً، وتوجه لمكاتب المقاومة الفلسطينية ليلتحق بالعمل الفدائي، وتحديداً، للعمليات الخاصة الانتحارية، لم يشك أحد بأن هذا الطفل قد أقدم على عملية تزوير، ولذلك فقد تمت الاستجابة الفورية لطلبه، والتحق برغبته الصبيانية بإحدى قواعد التدريب الخاصة، مع أثنين من زملائه (الشهيد أبو خالد، وهاتف داوود عبد المحسن بلال العراقي الجنسية). والملقب بأبى فهد في القواعد، واشتهر لاحقا بأبي خليل العراقي.

بعد استكمال الاستعدادات التدريبية، توجهت المجموعة الانتحارية إلى أحد الأهداف شمال فلسطين، وعامر دخل الله، هو من عائلة نزحت من قرية الجاعونة في شمال فلسطين، وتسمى اليوم (روش بينا). وقد سمع الكثير من الأحاديث عن قريته تلك، وعن ذكريات يحكيها الأهل كلما تجمع نفر من القرية في مخيم اليرموك، حيث استقر بهم المقام، بعد رحلة الهجرة الطويلة.

اجتازت المجموعة سلسلة الحواجز في الشريط المحتل، واجتازت الأسلاك الإلكترونية التي أقامها الإسرائيليون على الخط الفاصل للحدود الدولية بين لبنان وفلسطين، وبهذا، اقتربوا كثيراً من هدفهم، فالمرحلة الأكثر صعوبة لهم قد تم اجتيازها، لكنهم مع ذلك، لم يصلوا إلى الهدف المحدد لهم، فقد طاردتهم قوات الأمن الإسرائيلي.

بعد اكتشاف آثار دخولهم وبعد اشتباك قصير، إلقي القبض عليهم، واقتيدوا ثلاثتهم إلى التحقيق لكنهن خرجوا. منه اثنان فقط، فقائد مجموعتهم الشهيد أبو خالد، قتل تحت التعذيب في اقبية التحقيق، أما عامر دخل الله الطفل، هاتف داوود بلال (أبو خليل) فقد حكم عليهم لفترات طويلة، والتحقوا كأعضاء في صفوف الحركة الوطنية الأسيرة.
أعلنت قوات الاحتلال أنهم قد قتلوا (ثلاثة من المخربين)، ولذلك، فقد صدر بيان الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ينعي ثلاثة من مناضليها، وكان من بينهم اسم عمر دخل الله حيث توجه المذكور يحمل بطاقة هويته لمكاتب الجبهة لاستجلاء اللبس، وقد اتضحت حينها أمامه الحقيقة، حيث أن الشهيد المفترض، هو شقيقه عامر، الذي انتحل شخصيته.

لقد تمت مراسم العزاء للشهداء الثلاثة، كما يجب، وفي مقبرة الشهداء، أقيمت النصب التذكارية على ثلاثة قبول تحمل أسماءهم، ما زالت قائمة حتى اليوم في مخيم اليرموك.

بقي عامر دخل الله وصحبه شهداء بنظر ذويهم وأصدقائهم ورفاقهم، وبعد أن حكموا والتحقوا بالسجون عرفوا هم أيضاً، أنهم شهداء بنظر الخارج رغم أن الإسرائيليين كانوا قد أبلغوهم بأنهم بنظر الخارج أموات وبإمكانهم تصفية الجميع وليس واحد فقط، دون أن يدري أحد شيئاً، ولم يصدق الزميلان هذه الترهات، إلى أن سمعوها من زملائهم في السجون التي التحقوا بها، وتحديداً سجن بئر السبع.

بعد لقائي به، كتبت رسالة عبر الصليب الأحمر لشقيقي في الكويت، طلبت منه أن يحول الرسالة على العنوان المرفق في مخيم اليرموك بدمشق، لإبلاغ ذويه، إنه مازال على قيد الحياة، وتشاء الصدفة المحضة، أن تكون ابنة عم والده، أم حسن دخل الله جاره لشقيقتي، وحيث تطابقت الأسماء الأخيرة، فقد بادرتها شقيقتي بالسؤال عن العائلة المعنية، وكانت المفاجأة الكبرى لأم حسن، بأن عامر مازال حياً، وقد بادرت على الفور للاتصال بأهله بدمشق، لتزف لهم النبأ، حيث عاد ابنهم حياً مرة أخرى، وبدأت رحلة التواصل بين الأهل وابنهم الميؤوس من حياته، أما عمر الذي انتحل عامر اسمه، فقد استشهد فعلاً خلال مقاومة الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 في لبنان.

لم تقف علاقتي معه عند حدود ربط صلة بينه وبين أهله، فقد أصبح بالنسبة لي بمثابة الابن، وقامت عائلتي بتبنيه داخل السجن، حيث قاموا بواجبه خير قيام، من تأمين زيارات منتظمة له، وتأمين الشيكات اللازمة لمصروفاته من خلال الكانتين، تأمين الملابس المسموح بإدخالها إلى السجن الصيفية والشتوية.

ولم يفرقوا بهذه المجالات بيني وبينه في شيء كما لم يبخلوا عليه بالمراسلات الدائمة، وفي ذلك ما فيه من ركائز معنوية هامة، يحتاجها السجين لمقاومة سلسلة الاحباطات التي يتعرض لها يومياً من إدارة السجن، من خلال برنامج حرب نفسية منظمة تشن عليه، وقد استمروا في زيارتهم له، حتى بعد أن نقلت إلى سجن آخر، يقول شقيقي محفوظ، أنه في عام 1983 وحينما ذهب كالعادة لزيارة عامر دخل الله في سجن بئر السبع أجابه الشرطي القائم على تسجيل الأسماء، اذهب وزره في سوريا أعتقد أخي أن في الأمر مزحة ، فألح على الشرطي بتسجيل الاسم، لكنه تلقى نفس الجواب، وتأكيدات الشرطي بأنه قد أفرج عنه.

وقد حدث ذلك فعلاً، حيث أجريت عملية تبادل بين سوريا وإسرائيل، كان عامر دخل الله من ضمن القائمة، باعتباره فلسطيني – سوري. وهكذا عاد إلى بيته وأهله بعد بضع سنوات أمضاها في الأسر، نضج خلالها ذلك الطفل وتحول إلى رجل.

- المحطة الثالثة عشر:

حينما وصل جمال بدران إلى الضفة الغربية ، كمقاتل في المجموعة القتالية التي جمعتنا معاً كما أسلفت، فوجيء بأن شقيقه الذي يليه، بسام بدران، كان هو الآخر، قد التحق بصفوف حركة فتح، واعتقل قبل حوالي الشهر مع مجموعة الأخ صالح أبو طايع، وقد حكم على بسام بدران بالسجن لمدة عشر سنوات، باعتباره منظماً لم يمارس العمل بعد، أي أنه لم ينفذ عمليات عسكرية ضد الاحتلال، بل مازال في طور الأعداد.


وفي طريقها إلى سجن نابلس لزيارة ابنها بسام، اعتادت أم جمال أن تعرج علينا في نابلس لرؤية ابنها (مشروع الشهيد أو مشروع الأسير في حينه) ومنها، كنا نطل على بعض ما يجري في السجون.

وأم جمال، قصتها مع السجون ككثير من أمهاتنا طويلة، ومعقدة، ومتشبعة، لكنها تختلف عن الأخريات، بأن جمال وبسام، قد تركوا لها خمسة أطفال، أكبرهم لم يصل العاشرة من عمره، وأب مصاب بشلل نصفي، أقعدته عن الحركة فتحملت هي كامل العبء كامل المسؤولية عن الأسرة وعن متابعة ولديها في السجون الإسرائيلية، بعد أن حكم على جمال بالسجن لمدة أربعون عاماً.

عملت أم جمال على ماكينة خياطة واصلت الليل بالنهار لتفي باحتياجات الأسرة، إعالة الأطفال، دواء دائم للزوج، تلبية احتياجات ولديها في السجن ولم يكن الأمر سهلاً على أم جمال لكنها بإرادتها الفولاذية، وانطلاقاً من تصميمها على حماية أسرتها إلى لبؤة حقيقية، حمت صغارها وأنشائتهم نشأة طبية، رعت زوجها المقعد ولم تتركه عرضة لذل السؤال، ولبت احتياجات ولديها في السجون وكان شيئاً غير عادي لا يحيط بها، بعد خمس سنوات عاد بسام إلى بيته، حيث أعفي من نصف محكوميته كغيره من السجناء العديدين، والذين حظوا بهذا الإعفاء، بعد معارك أيلول، والتي أفرزت تقديرات لدى الإسرائيليين، بأن المقاومة قد انتهت فأطلقوا سراح المئات من السجون ممن لم يشتركوا مباشرة بأي عمل عسكري، واقتصر دورهم على الإمداد والتموين والمساعدة.

لقد جاءت عودة بسام إلى بيته، بمثابة طوق نجاه، فقد شمر عن ساعد الجد وبدأ فوراً بتحمل مسؤولياته في متابعة المهمة الجليلة التي بدأتها والدته وأعني بها تعليم إخوانه ومتابعة تحصيلهم العلمي وحتى الجامعي علماً بأن والده كان خلال وجوده في السجن قد انتقل إلى رحمته تعالى.

وسع بسام نشاط عمله بأن اقتنى بمساعدة آخرين أربعة ماكينات خياطة مكنته من العمل بصورة أفضل، وعمل بشكل متواصل على تحسين وضعه المادي وعلى دخله حيث أضاف لعمله كخياط عمله كمدرب خياطة في معهد الطيرة للبنات، حصتين أسبوعياً وبهذا فقد اجتاز بعائلته حدود الخطر وأرساها على بر الأمان. بعد سنوات طوال التقيت أم جمال في بيتهم بطولكرم حيث غادروا قرية دير الغصون مسقط رأسهم إلى حيث مصادر رزقهم، وكان انقلاب حاد قد وقع على حياتهم حيث أسسوا عدة مصانع ضخمة للأنسجة، تنتج يومياً أكثر من ستة آلاف قطعة وأسسوا شركة بدران لمصنوعات النسيجية ويتولى بسام بدران اليوم رئيس اتحاد صناعة الملابس والنسيج في الضفة الغربية. أخذتني أم جمال في جولة على مصانعهم التي تقع مباشرة تحت مساكنهم والموزعة على عدة بنايات ضخمة قريباً من ضاحية ارتاح، ولم تنس خلال الجولة أن تشير إلى أنها نفسها مازالت تعمل على ماكنتها الخاصة، ولن تتخل عن عملها هذا مادامت قادرة على السير وتقول: بأنها تكسب من عرق جبينها في الشهر الواحد، بين 500 – 600 دينار أردني.


المجد لهذه الأم الخالدة المجد لكل الأمهات الفلسطينيات الباسلات.

كلمة الناشر

قد لا تتفق "العودة للدراسات والنشر" مع كل ما يرد في الكتب التي تنشرها الا انها تشجع الاخوة الاسرى والمعتقلين على نشر تجاربهم الشخصية داخل المعتقلات ، وتجربة حافظ ابو عباية "ابو حنان" هي احدى هذه التجارب .
لقد عاش في المعتقل ثمانية عشر عاماً وسجل انطباعاته وتجربته هناك ، ومهما بدا انها احكام الا انها لا تخرج عن الانطباعات .
التجربة الاعتقالية الفلسطينية غنية . وطويلة ومريرة جداً ، وما كتب او سيكتب عنها لن يوفي هذه التجربة حقها.
وتعمقت تجربة المؤلف نظراً لطول الفترة التي امضاها داخل المعتقلات ، ومساهمته في النشاطات الثقافية والسياسية هناك . وسيشكل هذا الكتاب اثراءاً للأدب الاعتقالي ، فهو كتاب جدير بالقراءة والاقتناء .
  اقتباس المشاركة
قديم 03-02-2007, 06:47 AM   #2
ملكة الإحساس
I ♥ ISLAM
 
الصورة الرمزية ملكة الإحساس

قوة السمعة: 40 ملكة الإحساس has a spectacular aura aboutملكة الإحساس has a spectacular aura aboutملكة الإحساس has a spectacular aura about

افتراضي رد: الشمس في منتصف الليل

يسلمو اخي الأيهم ..معلومات جميلة
ويعطيك العافية ..
  اقتباس المشاركة
قديم 03-02-2007, 11:24 AM   #3
aBo SaLeeM
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية aBo SaLeeM

قوة السمعة: 305 aBo SaLeeM has a reputation beyond reputeaBo SaLeeM has a reputation beyond reputeaBo SaLeeM has a reputation beyond reputeaBo SaLeeM has a reputation beyond reputeaBo SaLeeM has a reputation beyond reputeaBo SaLeeM has a reputation beyond reputeaBo SaLeeM has a reputation beyond reputeaBo SaLeeM has a reputation beyond reputeaBo SaLeeM has a reputation beyond reputeaBo SaLeeM has a reputation beyond reputeaBo SaLeeM has a reputation beyond repute

افتراضي رد: الشمس في منتصف الليل

يسلمو اخي ايهم


  اقتباس المشاركة
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:27 PM.