أحب أن أذكر هنا أن الصوفية لم يدعوا الناس جميعاً إلى توكلهم هذا، بل دعوا إلى ذلك مَن زعموا أنهم خواص الناس والأقوياء منهم. وقالوا: إذا شكا الصوفي الجوع بعد خمسة أيام، فألزموه السوق، ومروه بالعمل والكسب.ولكن خطر هذه الأفكار أنها شاعت في دنيا المسلمين، وأنشأت جواً من السلبية، وإغفال سنن الله، وإهمال أمر الحياة بين جماهير المسلمين، وباتت هذه الأدبيات "المخدِّرة" هي القوت اليومي لعقول العوام في ديار الإسلام، وكانت من أسباب التخلف الذي جعل المسلمين في مؤخرة الأمم، وقد كانوا في طليعة قافلة الحضارة عدة قرون.ومن المؤسف: أن نجد في عصور التخلف -التي تراجع فيها الفكر الإسلامي الصحيح، ليحل محله الفكر الخرافي، أو الفكر المنحرف- قد ترعرعت في الجو الديني -الشعبي خاصة- أفكار وأفهام غير صحيحة ولا مستقيمة مع منهج الإسلام الكلي، ولا مع أدلته الجزئية، ولا مع مقاصده الشرعية، واتخذ منها خصوم الاتجاه الإسلامي تكأة للطعن في الإسلام نفسه، وفي كل دعوة تنادي بالرجوع إليه عقيدة وحضارة ومنهاج حياة. ومن ذلك: اعتبار "الزهد" رفضاً للدنيا. واعتبار "التوكل" رفضاً للأسباب، اعتماداً على شبهات واهية، اعتبروها أدلة مُحْكمة، لأن الصوفية استدلوا بها.