5. ومن ثمرات التوكل: الأمل في الفوز بالمطلوب والنجاة من المكروه، وانقشاع الغمة، وانفراج الكربة، وانتصار الحق على الباطل، والهدى على الضلال، والعدل على الظلم.فالمتوكل على الله لا يعرف القنوط إلى قلبه سبيلاً، ولا يغلبه اليأس. فقد علمه القرآن أن القنوط من لوازم الضلال، واليأس من توابع الكفر .قال تعالى على لسان إبراهيم: (قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون) (الحجر: 56).وقال على لسان يعقوب: (يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله، أنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) (يوسف: 87).قال ذلك إبراهيم في مقام إنجاب الشيخ الهرم بعد أن أصابه الكبر .وقال ذلك يعقوب في مقام البحث عن يوسف وأخيه بعد أن طال فراقه ليوسف، وانقطاع أخباره عشرات السنين، ولكنه لم يفقد الأمل، قال: (عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً، إنه هو العليم الحكيم) (يوسف: 83).إن المتوكل على الله يعلم أن الملك كله بيد خالقه ومدبر أمره، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير .إن شاء أغنى الفقير، وأفقر الغني، وقوى الضعيف، وأضعف القوي، ونصر المظلوم، وأخذ الظالم، وشفى المريض، ويسر على المعسر، وأعز الذليل، وأذل العزيز، قد يفعل ذلك بأسباب معتادة معروفة، وقد يفعله بأسباب غير مألوفة، لا حجر على مشيئته، ولا ينازعه أحد في سلطانه. قد يستدرج الظالم ويملي له سنين، حتى يتوهم أن الله قد نسيه! وقد يأخذه في لمح البصر أو هو أقرب. وقد يغيث الملهوف، وينفس عن المكروب، من حيث لا يحتسب هو ولا يحتسب الناس من حوله .يغير الله من حال إلى حال ما بين طرفة عين وانتباهتها إن دوام الحال من المحال، وسيجعل الله بعد عسر يسراً، وسيطلع بعد كل ليل فجراً .ذرعاً، وعند الله منها المخـرج ولــرب نازلة يضيق بها الفتى فرجت، وكنت أظنها لا تفرج ضاقت فلما استحكمت حلقاتها إذا قال قائل: لا يأس مع الحياة، ولا حياة مع اليأس، فنحن نقول: لا يأس مع التوكل، ولا توكل مع اليأس. وقد وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم أوسع الناس أملاً في الغد، ورجاءً في النصر، حتى في يوم الهجرة، وهو راحل من بلده، مطارداً من قومه، يقول لسراقة ابن مالك الذي يطارده رغبة في جائزة قريش: "كيف بك إذا ألبسك الله سواري كسرى"؟ فيقول الرجل: كسرى بن هرمز؟! فيقول: "نعم كسرى بن هرمز".ويقول لخباب وقد جاءه يشكو من شدة ما يلقى من العذاب، ويسأل أن يدعو الله على المشركين فيدمر عليهم، ويريح المؤمنين من شرهم وأذاهم، فيغضب النبي الكريم، ويبين له ما حدث لمن قبلنا من المحن، ثم يقول مبشراً: "والذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون".وقد تحقق كل ما بشر به النبي سراقة وخباباً .فيا أيها المظلوم والمغلوب، ويا أيها الملهوف والمكروب، ويا أيها المجروح والمنكوب، لا تيأس، وإن توالت عليك الخطوب، وسدت في وجهك الدروب، فإن علام الغيوب، وغفار الذنوب، وستار العيوب، ومقلب القلوب، سيفرج عنك الكروب، ويحقق لك المطلوب، كما كشف الضر عن أيوب، ورد يوسف على يعقوب .(وأيوب إذ نادى ربه أنى مسني الضر وأنت أرحم الراحمين * فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين * وإسماعيل وإدريس وذا الكفل، كل من الصابرين * وأدخلناهم في رحمتنا، إنهم من الصالحين * وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) (الأنبياء: 83 - 88).
لا يوجد جزء سادس هذه النهاية وشكرا