كان صبياً في عمر الزهور، ككل الصبيان الذين في مثل عمره، يحلم أن يركب دراجة يطوف بها أنحاء قريته ، يأكل الحلوى كلما اشتهتها نفسه، يحلم أن يكون له ملابس جديدة زاهية عندما يقبل العيد ... لكن حياته كانت مختلفة تماما عن كل الصبيان ....
حمل هموم الحياة مبكراً ، فهذه الحياة الصعبة لا ترحم أحداً فهي كالوحش الكاسر الذي ينقض على فريسته دون رحمه أو أدنى شفقة .... أسرته تعيش في فقر مدمَع بحيث لا تستطيع توفير ابسط الحقوق لأبنائها وهو قوت اليوم، ووالده رجل كبير السن لم يترك له المرض عظماً إلا ونخره بآلامه حتى أصبح غير قادر على الحركة ... وماذا يستطيع أن يفعل هذا الأب وما حيلته ؟.... فقط ينظر لحال أبنائه فتتحادر الدموع على وجنتيه من الأسى والحزن، ما أشد قساوة هذه الحياة !
في ظل هذه الظروف قرَّر أن يعمل ليعيل أسرته علَّه يستطيع أن ينتشلها من مستنقع الفقر المميت، فودّع كرسي الدراسة صغيراً وأخذ يطوف الشوارع باحثاً عن عمل يناسبه، وكم كان صعبا حصوله على هذا العمل !
التحق بعمله ... ومنذ اليوم الأول عمل نشيطاً وبكل ما يستطيع من قوة ليثبت لمسئوليه أنه جدير بهذا العمل ويستطيع إتقانه ولينال رضا من حوله ... فيديه تتعامل مع الآلة وكأنها زيتاً ينسكب في أجزائها فتعمل في منتهى السرعة والسلاسة، وأخلاقه الحميدة تنساب على من حوله وكأنها بلسم يشفي الجروح، وكذا مسئوليه لم يستطيعوا يوما أن يقاوموا أسلوبه الرائع في التعامل معهم ... حتى كان له الأثر الكبير في تقدمه في عمله، فاستحق أن يرشح للدراسة على حساب المصنع الذي يعمل به ... وكم كانت فرحته لا توصف ! فما حرمته منه الحياة صغيرا ... رجعت لتعيره إليه كبيرا ...
درس واجتهد وثابر وسهر الليالي وكم كانت هذه الأيام (أيام الدراسة) حلوة لا توصف، ومن شغفه بها أنه كان ينكب على الكتاب حتى يكاد يلتهمه من اشتياقه إلى صفحاته وما حوت من معلومات وفي النهاية جاء اليوم الفاصل في حياته ... تقدم للامتحان وأدى واجبه ... وكان عليه أن ينتظر النتيجة .... رجع إلى المنزل بعد الامتحان فأخذت تطوف في مخيلته ذكريات السنوات الماضية ... تذكر كيف أنه في الوقت الذي كان أصدقاؤه يلعبون بألعابهم كان هو يبحث عن لقمة تسد جوعه وجوع أسرته ... تذكر أنه في الوقت الذي كان أصدقاؤه يجلسون على مقاعد الدراسة كان هو يبحث عن عمل ، ثم سرعان ما انتبه وأخذ يفكر ... ترى هل ستضحك له الحياة ؟ هل ستفتح له الحياة ذراعيها ؟ لطالما كان يتمنى ذلك ...
وجاء اليوم الموعود ، وظهرت النتيجة ، لم يخذله جهده ، ولا تلك الليالي التي سهرها ، لقد نال الشهادة العليا التي طالما حلم بها ... لن يفتخر عليه أقرانه بعد اليوم لأنه لم يتعلم فها هو يحرز ما لم يستطع أصدقاؤه أن يحرزوه ....
نال ثقة المسؤولين وزملاؤه من العاملين وأصبحوا يعتمدون عليه فيما يسهم من تطوير العمل حتى تطور المصنع الذي يعمل به وارتقى إلى منصب يليق به وبصراعه مع هذه الحياة .... فالإرادة القوية تجعل من الصخور التي تعترض طريقها سلما لتصل إلى النجاح ... وكذا فعل صاحبنا .