Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 639

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1041

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1046

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1518

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1523
رواية عائد الى حيفا الكاملة لغسان كنفاني - منتديات شباب فلسطين
نحن مع غزة


الإهداءات

العودة   منتديات شباب فلسطين > فلسطين إسلاميه > نبض فلسطين

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
قديم 03-30-2007, 11:20 PM   #2
أبو يقين

.|[ رفـحآوي أصـيل ]|.
 
الصورة الرمزية أبو يقين
Real Madrid For Ever

قوة السمعة: 452 أبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond reputeأبو يقين has a reputation beyond repute

افتراضي رد: رواية عائد الى حيفا الكاملة لغسان كنفاني

لاحق.

وطل طوال يومي الأربعاء والخميس في ( النزل ) ، وكانوا كلهم قد تلقوا التعليمات بألا يغادروا المكان . ويوم الجمعة بدأ بعضهم يخرجون ،إلا أنه لم يخرج من النزل حتى صباح السبت . وأدهشه للوهلة الأولى أنه لم يجد سيارة ، لقد كان سبتا يهوديا حقيقيا . وابتعث ذلك شيئا من الدموع في عينيه لسبب لا يستطيع تفسيره. وحين رأته زوجته كذلك فوجئ بها تقول له - والدموع في عينيها- :
-" إنني أبكي لشيء آخر، إنه سبت حقيقي، ولكن لم يعد ثمة جمعه حقيقية هنا، ولا أحد حقيقي."

ذلك كان مجرد البداية ، فللمرة الأولى منذ جاء زوجته أمامه باختصار شيئا مقلقا لم يكن يحسب حسابه ولم يفكر فيه. وفجأة أخذت آثار الدمار ، التي بدأ يلاحظها ، شكلا جديدا ومعنى آخر ، ولكنه رفض بينه وبين نفسه أن يجعل من ذلك مبعثا جادا للقلق ، أو حتى للتفكير.

على أن الأمر لم يكن كذلك لميريام ، زوجته ، إذا أنها تغيرت تماما ذلك اليوم ، وجاء التغير حين شهدت ، وهي تدور قرب كنيسة بيت لحم في الهادار . شابان من الهاغانه يحملان شيئا ويضعانه قي شاحنه صغيره كانت واقفه هناك ، واستطاعت في لحظة كانخطاف البصر أن ترى ما يحملانه ، فأمسكت بذراع زوجها وصاحت وهي ترتجف:
-" أنظر!"

إلا أن زوجها حين نظر حيث كانت تشير ، لم يرى شيئا ، كان الشابان يمسحان كفيهما على طرفي قميصيهما الخاكيين ، وقالت زوجته :
" كان طفلا عربيا ميتا ، وقد رأيته مكسوا بالدم ".

وأخذها زوجها إلى الرصيف الآخر وسألها :
-" كيف عرفت أنه طفل عربي؟"
-" ألم تر كيف ألقوه في الشاحنة كأنه حطبه ؟ لو كان يهوديا لما فعلوا ذلك".

وأراد أن يسألها لماذا ، إلا أنه لحظ وجهها وصمت .

كانت " ميريام" قد فقدت والدها في " أوشفيتز" قبل ذلك بثماني سنوات . وقبل ذلك ، حين دهموا المنزل الذي كانت تعيش فيه مع زوجها ، ولم يكن عند ذاك فيه ، التجأت إلى جيران كانوا يسكنون فوق منزلها . ولم يجد الجنود الألمان أحداً ، الا انهم في طريق نزولهم على السلم صادفوا أخاها الصغير قادما إليها ، كان عمره عشر سنوات ، وقد جاء آنذاك ليخبرها -أغلب الظن - أن والها قد سيق إلى المعتقل وأنه الآن صار وحده . إلا أنه حين رأى الجنود الألمان استدار وأخذ يعدو هاربا . وقد استطاعت أن ترى ذلك عبر تلك الكوة الضيقة التي تتيحها المسافه الصغيرة المتروكة بين مجموعة السلالم ومن هناك شهدت كيف أطلق عليه الرصاص.


وحين عاد " إيفرات كوشن" مع ميريام إلى نزل المهاجرين كانت " ميريام" قد قررت العودة إلى إيطاليا . ولكنها لم تفلح طوال تلك الليلة ، ولا في الأيام القليلة التي أعقبت ذلك اليوم ، في إقناع زوجها بذلك ، وكانت دائما تخسر النقاش بسرعة ، ولا تستطيع إيجاد الكلمات التي تعبر عن رأيها ، وتشرح حقيقة دوافعها .

ألا أن الأمور عادت فتغيرت بعد ذلك بأسبوع واحد ، فقد عاد زوجها من زيارة لمكتب الوكالة اليهودية في حيفا بخبرين مفرحين: لقد أعطي بيتا في حيفا نفسها، وأعطي مع البيت طفلا عمره خمسة شهور!

مساء يوم الخميس ، 22 نيسان 1948 ، سمعت " تورا زونشتاين " المرأة التي كانت تسكن مع ابنها الصغير بعد أن طلقها زوجها ، في الطابق الثالث ، بالضبط فوق بيت " سعيد.س" ، صوت بكاء طفل واهن منطلق من الطابق الثاني.

ورغم أنها لم تصدق في بادئ الأمر ما ذهبت إليه أفكارها ، الا أنها تحركت من مكانها بعد أن استطال البكاء الواهن ، ونزلت إلى الطابق الثاني وأخذت تقرع الباب.
واخيرا اضطرت إلى تحطيم الباب، وكان الطفل في سريره منهكا تماما ، فحملته إلى بيتها .

كانت تورا تحسب أن الأمور ستعود إلى ما كانت عليه بعد فترة وجيزة . إلا أن ذلك الحسبان ما لبث أن سقط بعد يومين اثنين ، حين اكتشفت أن الأمر يختلف تماما عما كانت تحسب . ولم يكن من المعقول الاستمرار بالاحتفاظ بالصبي، فحملته إلى الوكالة اليهودية في حيفا وهي تتصور أن شيئا ما يمكن أن يقام به لحل تلك المشكلة .

وهكذا فقد كان من حظ " ايفرات كوشين" أن جاء بعد ذلك بفترة وجيزة إلى مكتب الوكالة اليهودية ، وحين تبين المسؤولون هناك من أوراقه انه لم ينجب أولادا ، عرضوا عليه بيتا في حيفا نفسها ، كامتياز خاص ، إن هو قبل بتبني الطفل.

ولم يكن هذا العرض الا مفاجئة مدهشة لايفرات ، الذي كان يتحرق لتبني طفل بعد أن تأكد كليا من أن ميريام غير قادرة على الإنجاب . بل أنه مضى إلى حد اعتبار الأمر كله بمثابة هبة إلهية لا تكاد تصدق تأتي بخيراتها دفعه واحدة . إذ لا شك أن طفلا يعطى لميريام سيجعلها تتغير تماما ، وتكف عن ذلك الشيء الغريب الذي بات ينتاب أفكارها منذ رأت ذلك الطفل العربي القتيل يلقى في شاحنة الموت كقطعة خشب رخيصة .

وكان ذلك اليوم يوم خميس، الثلاثين من نيسان 1948 ، عندما دخل أفرات كوشين وزوجته ميريام برفقة موظف من الوكالة اليهودية له وجه يشبه الدجاجة ، ويحمل طفلا عمره خمسة شهور ، إلى بيت سعيد س. في الحليصة .


أما سعيد س. وصفية فقد كانا في ذلك اليوم بالضبط يبكيان معا ، بعد أن عاد سعيد للمرة الثالثة فاشلا ، عاجزا عن الدخول إلى حيفا ، لينام بعد قليل مرهقا ممزقا شبه غائب عن الوعي من فرط التعب ، في الغرفة التي كانت صفا سادسا بمدرسة المعارف الثانوية ، مقابل جدار السور الذي يحمي سجن عكا الشهير ، على شاطئ البحر الغربي.

ولم يتناول سعيد س. قهوة ميريام ، واكتفت صفية برشفة واحدة ، تناولت معها قطعة من البسكوت المعلب كانت ميريام قد وضعته ، دون أن تكف عن الابتسام ، أمامهما .

وظل سعيد س. ينظر حواليه وقد تضاعفت حيرته بعد أن أستمع إلى قصة ميريام نتفة وراء الأخرى ، طوال زمن بدا له طويلا ، ولفترة ما ظلا ، صفية وهو ، جالسين على مقعديهما كأنما سمرا هناك ، ينتظران شيئا مجهولا لا قدرة لهما على تصوره .

ومضت ميريام تذهب وتجيء . وحين كانت تغيب وراء الباب كانا يوصلان الاستماع إلى خطواتها البطيئة تجر نفسها جرا على البلاط ، بل كان بوسع صفية حين تغمض عينيها قليلا أن تتصور بالضبط كيف كانت ميريام تعبر الممر المؤدي إلى المطبخ ، وعن يمينها كانت غرفة النوم ، ومرة واحدة فقط سمعت اصطفاق الباب ، فنظرت نحو زوجها وقالت له بمرارة : -" كأنها تتصرف في بيتها ! تتصرف وكأنه بيتها !"

وابتسما بصمت ، وعاد يشد راحتيه على بعضهما بين ركبتيه دون أن يستطيع التوصل إلى قرار ، وأخيرا جاءت ميريام ، فسألها :
-" ومتى سيحضر ؟"
-" وقت أوبته الآن ، ولكنه قد يتأخر قليلا . لم يلتزم طوال عمره بموعد لعودته إلى البيت ، إنه مثل أبيه تماما …. كان …"

وصمتت وهي تعض قليلا على شفتيها وتنظر نحو سعيد الذي أحس ببدنه يرتجف للحظة وكأن تيارا كهربائيا مسه . "مثل أبيه !" وفجاءة سأل نفسه : " ما هي الأبوة ؟" وكان مثل من فتح مصراعي شباك إعصار غير متوقع . فأخذ رأسه بين راحتيه وحاول أن يوقف ذلك الدوران المجنون للسؤال الذي كان كامنا في مكان ما من عقله طوال عشرين سنة ، دون أن يجرؤ على مواجهته ، أما صفية فقد أخذت تربت على كتفه ، لقد فهمت بصورة غريبة >لك الارتطام الذي لا يصدق ، والذي يمكن للكلمات أحيانا أن تفعله على حين فجأة ، ثم قالت:
-" أنظر من الذي يتحدث ! إنها تقول (مثل أبيه)! وكأن لخلدون أبا غيرك !".

إلا أن ميريام تقدمت الى الأمام ، ووقفت معدة نفسها لتقول شيئا صعبا . ثم ببطء أخذت تنتزع تلك الكلمات التي تبدو وكأن يدا ما تنتشلها من أعماق بئر محشو بالغبار :
-" إسمع يا سيد سعيد . أريد أن أقول لك شيئا مهما ولذلك أردتك أن تنتظر دوف ، أو خلدون إن شئت ، كي تتحدثا . وكي ينتهي الأمر كما تريد له الطبيعة أن ينتهي ، أتعتقد أن الأمر لم يكن مشكلة لي كما كان مشكلة لك ؟ طوال السنوات العشرين الماضية وأنا محتارة ، والآن دعنا ننتهي من كل شيء . أنا أعرف أبوه ، وأعرف أيضا أنه ابننا ، ومع ذلك لندعه يقرر بنفسه ، لندعه يختار . لقد أصبح شابا راشدا ، وعلينا نحن الإثنين أن نعترف بأنه هو وحده صاحب الحق في أن يختار ... أتوافق؟".

وقام سعيد عن مقعده واخذ يدور في انحاء الغرفة ثم وقف امام الطاولة المنقوشة بالصدف وسط الغرفة واخذ ، مرة أخرى ، يعد ريشات الطاووس في المزهرية الخشبية الجاثمة هناك ، الا انه لم يقل شيئاً . وظل صامتاً كأنه لم يسمع حرفاً . وكانت ميريام تنظر اليه متحفزة ، واخيراً التفت الى صفية وشرح لها ما قالته ميريام ، فقامت من مكانها ووقفت الى جانبه ، ثم قالت بصوت مرتجف:

- "ذلك خيار عادل ... وانا واثقة ان خلدون سيختار والديه الحقيقيين . لا يمكن ان يتنكر لنداء الدم واللحم ".

وفجأة أخذ سعيد يضحك بكل قوته ، وكانت ضحكته تعبق بمرارة عميقة تشبه الخيبة :

- " أي خلدون يا صفية ؟ أي خلدون ؟ اي لحم ودم تتحدثين عنهما ؟ وأنت تقولين أنه خيار عادل ! لقد علموه عشرين سنه كيف يكون . يوماً يوماً ، ساعة ساعة ، مع الاكل والشرب والفراش .. ثم تقولين : خيار عادل ! ان خلدون ، أو دوف ، أو الشيطان ان شئت ، لا يعرفنا! أتريدين رأيي ؟ لنخرج من هنا ولنعد الى الماضي . انتهى الامر . سرقوه".

ونظر نحو صفية التي تهاوت في مقعدها وقد تلقت للمرة الاولى حقيقة الامر دفعة واحدة ، وبدأ لها كلام زوجها صحيحاً تماماً ، الا انها ظلت تحاول التعلق بخيوط غير مرئية لامال بنتها في وهمها عشرين سنة كنوع من الرشوة . وعاد زوجها يقول لها :

- "ربما كان لا يعرف على الاطلاق انه ولد من أبوين عربيين .. ربما عرف ذلك قبل شهر ، او اسبوع ، او سنة .. فماذا تعتقدين؟ انه مخدوع ، وقد يكون اكثر حماساً لها منهم .. لقد بدأت الجريمة قبل عشرين سنة ، ولا بد من دفع الثمن .. بدأت يوم تركناه هنا".

- "ولكننا لم نتركه. انت تعرف".

- "بلى. كان علينا الا نترك شيئاً . خلدون ، والمنزل، وحيفا! ألم ينتابك ذلك الشعور الرهيب الذي انتابني وأنا اسوق سيارتي في شوارع حيفا؟ كنت اشعر انني اعرفها وانها تنكرني. وجاءني الشعور ذاته وانا في البيت، هنا . هذا بيتنا! هل تتصورين ذلك؟ انه ينكرنا! . الا ينتابك هذا الشعور! انني اعتقد ان الامر نفسه سيحدث مع خلدون وسترين!".

وأخذت صفية تنشج ببؤس ، فيما مضت ميريام الى الخارج تاركة الغرفة التي ملأها فجأة توتر محسوس . وشعر سعيد بأن جميع الجدران التي عيش نفسه طوال عشرين سنة داخلها تكسرت وصار بوسعه ان يرى الاشياء اكثر وضوحاً وانتظر لحظات حتى خف نشيج صفية ، فاستدار نحوها وسألها :

- " اتعرفين ما حدث لفارس اللبدة ؟".
- " ابن اللبدة اياه؟ جارنا؟".

- " اجل ، جارنا في رام الله الذي سافر الى الكويت . اتعرفين ماذل حدث له حين زار قبل اسبوع واحد منزله في يافا؟".

- "هل ذهب الى يافا؟".

- "اجل. قبل اسبوع كما اعتقد، وقد استأجر سيارة من القدس اخذنه الى يافا . توجه فوراً الى العجمي ، كان يسكن قبل عشرين سنة في بيت من طابقين وراء المدرسة الارثودكسية في العجمي . تذكرين المدرسة؟ انها وراء مدرسة الفرير ، وانت ذاهبة الى الجبلية ، الى اليسار وبعدها بمئتي متر مدرسة الارثوذكس على اليمين ، ولها ملعب كبير ، وبعد الملعب يوجد مفرق ، وفي منتصف الزقاق كان فارس اللبدة يسكن مع عائلته. كان يغلي غضباً يومها، فأمر السائق بالوقوف امام المنزل وصعد السلم درجتين درجتين ودق على باب منزله"..

كان الوقت عصراً ، وكانت يافا – فيما عدا المنشية - ما زالت على حالها، كما كان فارس اللبدة يعرفها قبل عشرين سنة . وشعر ان اللحظات القليلة التي مضت بين قرع الباب وبين سماعه لخطوات رجل قادم ليفتحه قد امتدت دهوراً من الغضب والحزن العاجز الكسيح. واخيراً انفتح الباب ، ومد الرجل الطويل القامة ، الاسمر والذي كان يلبس قميصاً ابيض مفتوح الازرار، مد يده ليصافح القادم الذي لا يعرفه . الا ان فارس تجاهل الراحة الممدودة ، وقال بالهدوء الذي يحمل كل معنى الغضب :
- "جئت القي نظرة على بيتي . هذا المكان الذي تسكنه هو بيتي انا، ووجودك فيه مهزلة محزنة ستنتهي ذات يوم بقوة السلاح . تستطيع ان شئت ، ان تطلق علي الرصاص هذه اللحظة، ولكنه بيتي، وقد انتظرت عشرين سنة لاعود اليه .. واذا...".

واخذ الرجل الواقف على عتبة الباب ، والذي كان ما يزال يمد راحته ، يضحك بقوة مقترباً من فارس اللبدة حتى صار امامه مباشرة ، وعندها تقدم بذراعين مفتوحتين نحوه واحتضنه..

- "لا حاجة لتصب غضبك علي ، فأنا عربي ايضاً وبافاوي مثلك، واعرفك. فأنت ابن اللبدة .. ادخل لنشرب القهوة!".

ودخل فارس مشدوهاً ، يكاد لا يصدق . وقد كان البيت هو نفسه ، بأثاثه وترتيبه والوان جدرانه واشيائه التي يذكرها جيداً . واقتاده الرجل نحو غرفة الجلوس دون ان يقدر على اخفاء ابتسامته العريضة وحين فتح بابها وطلب منه الدخول ، وقف فارس مسمراً ثم أخذت الدموع –فجأة- تظفر من عينيه!

كانت غرفة الجلوس على حالها ، كأنه تركها ذلك الصباح، تعبق فيها. نفس الرائحة التي كانت لها، رائحة البحر التي كانت دائماً تثير في راسه دوامات من عوالم مجهولة معدة للاقتحام والتحدي، ولكن ذلك لم يكن الشيء الذي سمره في مكانه ، فعلى الجدار المقابل ، المطلي بلون ابيض متوهج ، كانت صورة اخيه بدر ما تزال معلقة، وحدها في الغرفة كلها، وكان الشريط الاسود العريض الذي يمتد في زاويتها اليمنى ما زال كما كان.

وفجأة تدفق في الغرفة جو الحداد الذي كان ، واخذت الدموع تكر على وجنتي فارس وهو واقف هناك . تلك ايام قديمة ، الا انها تدفقت الان كأن البوابات التي كانت تحبسها قد انفتحت على مصاريعها:

كان اخوه بدر اول من حمل السلاح في منطقة العجمي في الاسبوع الاول من كانون الاول عام 1947 ، ومنذ ذاك تحول المنزل الى ملتقى للشبان الذين كانوا يملؤون ملعب الارثوذكسية انذاك بعد ظهر كل يوم. اما الان فقد تغير كل شيء، وانخرط بدر في القتال ، كأنه كان ينتظر ذلك اليوم منذ طفولته ، وفي السادس من نيسان عام 1948 جيء ببدر الى الدار محمولاً على اكتاف رفاقه، كان مسدسه ما زال في وسطه، اما بندقيته فقد تمزقت مع جسده بقذيفة تلقاها وهو على طريق تل الريش . وشيعت العجمي جثمان بدر كما يتوجب على الرفاق ان يشيعوا الشهيد. ثم جيء بصورته مكبرة ، وذهب رفيق من رفاقه الى شارع اسكندر عوض حيث كتب خطاط هناك كان اسمه ((قطب)) يافطة صغيرة تقول ان بدر اللبدة استشهد في سبيل تحرير الوطن . وحمل طفل ما تلك اليافطة في مقدمة الجنازة وحمل طفلان صورته ، وفي المساء اعيدت الصورة الي البيت ، وربط شريط الحداد الاسود على زاويتها اليمنى .

انه ما زال يذكر كيف رفعت امه كل الصور التي كانت معلقة على جدران غرفة الجلوس، وعلقت صورة بدر على الجدار الذي يقابل الباب. ومنذ تلك اللحظة فاحت في الغرفة رائحة الحداد الحزين ، وظل الناس يأتون فيجلسون في الغرفة وينظرون الى الصورة ويقدمون التعازي.

كان فارس، من المكان الذي يقف فيه، يستطيع ان يرى المسامير التي كانت تحمل صوراً اخرى قبل عشرين سنة تطل برؤوسها من الجدران العارية. وبدت له كأنها رجال يقفون بالانتظار ، امام تلك الصورة الكبيرة لاخيه الشهيد ، بدر اللبدة ، معلقة وحدها ، متشحة بالسواد، في صدر الغرفة .

وقال الرجل لفارس:

- "ادخل . اجلس في الداخل . دعنا نتحدث قليلاً . لقد انتظرناكم طويلاً ، وكنا نريد ان نراكم في مناسبة غير هذه ".

ودخل فارس ، كأنه يمشي عبر حلم لا يصدق ، وجلس في مقعد يواجه صورة شقيقه . تلك هي المرة الاولى التي يرى فيها صورة اخيه بدر منذ عشرين سنة ، فحين خرجـوا من يافا ( حملتهم الزوارق من منطقة تقع الى الشمال من شط الشباب، واتجهت نحو غزة ، الا ان اباه عاد فهاجر الى الاردن) لم يحملوا شيئاً معهم، ولا حتى صورة صغيرة لبدر الذي ظل هناك .

ولم يستطيع فارس ان ينطق الا بعد ان دخل طفلان الى الغرفة ، واخذا يركضان بين المقاعد ، ثم خرجا صاخبين كما دخلا، وقال الرجل:
- "انهما سعد وبدر . ابناي".
_ "بدر"؟
- "اجل سميناه على اسم اخيك الشهيد"..
- "والصورة؟".

ووقف الرجل وقد تغير وجهه ، ثم قال:
- "أنا من يافا . من سكان المنشية . وفي حرب 1948 هدمت قنابل المورتر بيتي. لست اريد ان اروي لك الان كيف سقطت يافا. وكيف انسحبوا ، اولئك الذين جاؤوا لينجدونا، لحظة المأزق. ذلك شيء راح الان.. المهم انني حين عدت مع المقاتلين الى المدينة المهجورة اعتقلونا. وامضيت فترة طويلة في المعتقل . ثم حين اطلقوني رفضت ان اغادر يافا، وقد عثرت على هذا البيت ، واستأجرته من الحكومة."

- "والصورة؟".

- "حين جئت الى البيت كانت الصورة اول شيء شاهدته وربما كنت استأجرت البيت بسببها . ذلك شيء معقد ولا استطيع ان اشرحه لك ، ولكن حين احتلوا يافا كانت مدينة شبه فارغة ، وبعد ان خرجت من السجن شعرت بأني محاصر . لم اشهد عربياً واحداً هنا . كنت وحدي جزيرة صغيرة معزولة في بحر مصطخب من العداء. ذلك العذاب لم تجربه انت، ولكن انا عشته.

وحين شهدت الصورة وجدت فيها سلوى . وجدت فيها رفيقاً يخاطبني ويتحادث الي يذكرني بأمور اعتز بها واعتبرها اروع ما في حياتنا . قررت عندها استئجار البيت، ففي ذلك الوقت – تماماً كما هو الامر الان- يبدو لي ان يكون الانسان مع رفيق له حمل السلاح ومات في سبيل الوطن شيئاً ثميناً لا يمكن الاستغناء عنه. ربما كان نوعاً من الوفاء لاولئك الذين قاتلوا . كنت اشعر انني لو تركته لكنت ارتكبت خيانة لا اغتفرها لنفسي . لقد ساعدني ذلك ليس على الرفض فقط، ولكن البقاء .. هكذا ظلت الصورة هنا . ظلت جزءاً من حياتنا ، انا وزوجتي لمياء وابني بدر وابني سعد وهو ... اخوك بدر ، عائلة واحدة ، عشنا عشرين سنة معاً . كان شيئاً مهماً بالنسبة لنا...".

وظل فارس حتى منتصف الليل جالساً هناك، ينظر الى شقيقه بدر يبتسم في الصورة ، مليئاً بالشباب والعنفوان ، تحت ذلك الوشاح الاسود ، كما كان يفعل طوال عشرين سنة ، وحين قام ليعود سأل ان كان يستطيع استرداد الصورة ، وقال الرجل:
- "طبعاً تستطيع . انه شقيقك بعد كل شيء وقبل اي شيء اخر".

وقام فأنزل الصورة عن الجدار ، وبدا المكان الذي خلفته الصورة وراءها مستطيلاً باهتاً من البياض الذي لا معنى له ، والذي يشبه فراغاُ مقلقاً .

وحمل فارس الصورة معه الى السيارة ، وعاد الى رام الله وكان طوال الطريق ينظر اليها متكئة الى جانبه على المقعد ، ويطل منها بدر وهو يبتسم تلك الابتسامة الشابة المشرقة، وقد ظل يفعل ذلك حتى اجتاز القدس ، وصار على الطريق المتجه نحو رام الله ، وعندها فقط انتابه شعور مفاجيء بأنه لا يملك الحق في الاحتفاظ بتلك الصورة ، ولم يستطيع ان يفسر الامر لنفسه، الا انه طلب من السائق العودة الى يافا ، ووصلها في الصباح .

صعد السلم مرة اخرى بخطى بطيئة وقرع الباب وقال له الرجل وهو يتناول الصورة منه :

- "شعرت بفراغ مروع حين نظرت الى ذلك المستطيل الذي خلفته على الحائط . وقد بكت زوجتي ، واصيب طفلاي بذهول ادهشني . لقد ندمت لانني سمحت لك باسترداد الصورة ، ففي نهاية المطاف هذا الرجل لنا نحن . عشنا معه وعاش معنا وصار جزءاً منا . وفي الليل قلت لزوجتي انه كان يتعين عليكم ، ان اردتم استرداده ، ان تستردوا البيت ، ويافا ، ونحن ... الصورة لا تحل مشكلتكم ، ولكنها بالنسبة لنا جسركم الينا وجسرنا اليكم" .
وعاد فارس وحده الى رام الله ، وقال سعيد س . لزوجته:
- "فارس اللبدة ، لو تعرفين ..".

وهمس بصوت لا يكاد يسمع :
- "انه يحمل السلاح الان".


وعلى الطريق هدر صوت محرك ، ودخلت ميريام الى الغرفة ووجهها يعلوه اصفرار مفاجيء ، كانت الساعة قد قاربت منتصف الليل ، وتقدمت العجوز القصيرة بخطى بطيئة نحو النافذة ، فأزاحت الستائر برفق ، ثم اعلنت بصوت مرتجف :

- " ها هو دوف . لقد جاء!".

جاءت الخطوات على الدرج شابة ، ولكنها متعبة ، وتتبعها (سعيد س.) واحدة بعد الاخرى وهي تصعد السلم منذ ان استمع ، واعصابه مشدودة ، الى صوت البوابة الحديدية تصطفق ثم تنغلق بالمزلاج.

وامتدت اللحظات طويلة يكاد صمتها يضج بطنين جنوني لا يحتمل . ثم سمع صوت المفتاح يعالج الباب ، وعندها فقط نظر نحو ميريام ورأى – للمرة الاولى – انها جالسة هناك ، مصفرة الوجه وترتجف . ولم يكن لديه مقدار من الشجاعة يكفى للنظر الى صفية ، فثبت عينيه ناحية الباب مستشعراً العرق يتفصد بقوة من جميع خلايا جسده دفعة واحدة .

وكانت اصوات الخطوات في الممر مكتومة ومحتارة بعض الشيء ، ثم جاء صوت متردد ، نصف عال ، ينادي : "ماما".

وارتجفت ميريام قليلاً ، وأخذت تفرك راحتيها ، فيما استمع سعيد س. الى زوجته ، تشرق بدمعها بصوت لا يكاد يسمع . وفي الخارج توقفت الخطوات قليلاً وكأنها تنتظر شيئاً ، ثم جاء الصوت نفسه مرة اخرى ، وحين صمت اخذت ميريام تترجم بصوت مرتجف هامس:
- "انه يسأل لماذا أنا في الصالون حتى هذه الساعة المتأخرة ؟".

وعادت الخطوات تتجه نحو الغرفة ، وكان الباب موارباً ، وقالت ميريام بالانكليزية :


- " تعال يا دوف ، يوجد ضيوف يرغبون برؤيتك ".

وانفتح الباب بشيء من البطء ، ولاول وهلة لم يصدق ، فقد كان الضوء عند الباب باهتاً ، ولكن الرجل الطويل القامة خطا الى الامام . كان يلبس بزة عسكرية ، ويحمل قبعته بيده.

وقفز سعيد واقفاً كأن تياراً كهربائياً قذفه عن المقعد ، ونظر نحو ميريام وهو يقول بصوت متوتر :

- "هذه هي المفاجأة ؟ اهذه هي المفاجأة التي اردت منا انتظارها ؟".

واستدارت صفية نحو النافذة ، تخفي وجهها براحتيها وتنشج بصوت مسموع .

اما الرجل الطويل القامة فقد ظل مسمراً امام الباب ، ينقل بصره نحو الثلاثة محتاراً ، وعندها فقط قامت (ميريام) ، وقالت للشاب بهدوء مفتعل وبطيء :

- " اريد ان اقدم لك والديك ... والديك الاصليين" .

وخطا الشاب الطويل القامة خطوة بطيئة الى الامام ، وتغير لونه فجأة وبدا انه فقد ثقته بنفسه دفعة واحدة . ثم نظر الى بزته وعاد ينظر الى سعيد ، الذي كان واقفاً ما يزال امامه يحدق اليه . وأخيراً قال الشاب بصوت خفيض :

- " أنا لا أعرف أماً غيرك ، أما أبي فقـد قتل في سـيناء قبل 11 سنه ، ولا اعرف غيركما ".

وعاد سعيد الى الوراء خطوتين ، ثم جلس مكانه وأخذ راحة صفيه بين يديه ، وادهشه – بينه وبين نفسه – كيف استطاع ان يسترد هدوءه بهذه السرعة . ولو قال له اي انسان قبل خمس دقائق فقط انه سيكون جالساً هناك بمثل هذا الهدوء لما صدقه ، أما الان فقد تغير كل شيء .

ومضت لحظات بطيئة ، كان كل شيء فيها ساكناً تماماً . ثم اخذ الشاب الطويل القامة يخطو ببطء : ثلاث خطوات نحو الباب ثم عودة نحو وسط الغرفة . وضع قبعته على الطاولة ، وبدت قرب المزهرية الخشبية وريش الطاووس فيها شيئاً غير مناسب ، والى حد ما مضحكاً . وفجأة انتاب سعيد شعور غريب بأنه ما زال يشاهد مسرحية معدة سلفاً بدقة ، وتذكر مشاهد درامية مفتعلة في افلام رخيصة تستدر توتراً تافهاً .

وتقدم الشاب من ميريام ، وأخذ يقول لها بصوت اراد منه أن يكون قاطعاً ونهائياً ومسموعاً تماما :

- " وماذا جاءا يفعلان ؟ لا تقولي انهما يريدان استرجاعي !".

وقالت ميريام بصوت مماثل :
- " اسألهما ".

واستدار كقطعة خشب ، كأنه ينفذ امراً ، وسأل سعيد :

-" ماذا تريد يا سيدي ؟".

وظل سعيد محتفظاً بهدوئه الذي بدا له لحظتذاك مجرد قشرة رقيقة تخفي لهباً كامناً ، وبصوت خفيض قال :

- " لاشيء . لا شيء .. انه مجرد فضول ، كما تعلم ".

وخيم صمت مفاجيء ، فيما ارتفع صوت صفيه بالنشيج وكأنه صادر من مقاعد متفرج هش التأثر . ونقل الشاب بصره مرة اخرى : من سعيد الى ميريام ثم الى قبعته المتكئة على المزهرية ، وارتد الى الوراء كأن شيئاً دفعه بقوة نحو المقعد المجاور لميريام ،وجلس فيه وهو يقول :

- " لا . ذلك شيء مستحيل ، لا يصدق ..".

وسأل سعيد ، بهدوئه المفاجيء :

- " أنت في الجيش ؟ من تحارب ؟ لماذا ؟".

وانتفض الشاب واقفاً فجأة :

- " ليس من حقك ان تسأل هذه الاسئلة . انت على الجانب الاخر ".

- "انا ؟ انا على الجانب الاخر ".

وضحك بقوة ، وشعر بأنه عبر تلك القهقهة العالية كان يدفع بكل ما في صدره من اسى وتوتر وخوف وفجيعة الى الخارج ، ورغب فجأة في ان يظل يقهقه ويقهقه حتى ينقلب العالم كله ، او ينام ، او يموت ، او يندفع خارجاً الى سيارته ، الا الا ان الشاب قاطعه بحدة :

- " لست ارى سبباً للضحك ".

- "أنا ارى ".

وضحك لفترة قصيرة فحسب ، ثم صمت كما تفجر ، واتكأ على مقعده مستشعراً تجدد الهدوء ، واخذ يبحث في جيبه عن سيكارة . وامتد الصمت طويلاً الا ان صفية ، التي عادت فهدأت نفسها سألت بصوت خفيض : " الا تشعر بأننا والداك ؟".

ولم يعرف احد لمن كان السؤال . فلا شك ان ميريام لم تفهم ، ولا الشاب الطويل القامة . اما سعيد فلم يرد : كان قد انهى سيكارته في تلك اللحظة فقام الى الطاولة ليطفئها واضطر – كي لا يفعل ذلك – ان يزحزح القبعة من مكانها ، وفعل ذلك وهو يبتسم بسخرية ، ثم عاد الى مكانه وجلس .

وعندها قال الشاب ، وقد تغير صوته تماماً :

- " دعونا نتحدث كأناس متحضرين".

واخذ سعيد يضحك مرة اخرى ، ثم قال :

- " أنت تريد ان تفاوض ... اليس كذلك ؟ كنت تقول انك ، او انني ، في الجهة الاخرى .. ماذا حدث ؟ هل تريد ان نفاوض ام ماذا؟".


وسألته صفيه مستثارة :

- "ماذا قال ؟".

- " لا شيء ".
-
وعاد الشاب فوقف ، واخذ يتحدث وكأنه حضر تلك الجمل منذ فترة طويلة :

-" انا لم اعرف ان ميريام وايفرات ليسا والدي الا قبل ثلاث او اربع سنوات . منذ صغري وانا يهودي . اذهب الى الكنيس والى المدرسة اليهودية واكل الكوشير وادرس العبرية . وحين قالا لي – بعد ذلك – ان والدي الاصليين هما عربيان ، لم يتغير اي شيء . لا ، لم يتغير . ذلك شيئ مؤكد .. ان الانسان هو في نهاية الامر قضية ".

- " من قال ذلك ؟".

- " قال ماذا ؟".

- "من الذي قال ان الانسان هو قضيه ؟".

- " لا اعرف ، لا اذكر .. لماذا تسأل ؟".

- لمجرد الفضول ، الصحيح لمجرد ان ذلك بالضبط ما كان يدور في بالي هذه اللحظة .

- " ان الانسان هو قضية؟".

- " بالضبط ".

- " اذن لماذا جئت تبحث عني ؟".

- " لست ادري . ربما لانني لم اكن اعرف ذلك ، او كي أتأكد منه اكثر . لست ادري ، على اي حال لماذا لا تكمل ؟".

وعاد الشاب الطويل القامة يمشي وهو يعقد كفيه وراء ظهره : ثلاث خطوات نحو الباب وثلاث خطوات نحو الطاولة . لقد بدا تلك اللحظة وكأنه حفظ عن ظهر قلب درساً طويلاً ، وانه حين قوطع في وسطه ، لم يعد يعرف كيف يكمله ، وهو يسترجع صامتاً ، في رأسه ، الجزء الاول كي يصير بوسعه المتابعة ، وفجأة قال :

- " بعد ان عرفت انكما عربيان كنت دائماً اتساءل بيني وبين نفسي : كيف يستطيع الاب والام ان يتركا ابنهما وهو في شهره الخامس ويهربان ؟ وكيف يستطيع من هو ليس امه وليس اباه ان يحتضناه ويربياه عشـرين سـنه ؟ عشـرين سنه ؟ اتريد ان تقول شيئاً يا سيدي ؟".

- " لا".
قال سعيد باختصار حاسم ، واشار له بيده كي يتابع :

- " انني في قوات الاحتياط الان ، لم يقدر لي خوض معركة مباشرة الى الان لاصف لك شعوري ، ولكن ربما في المستقبل استطيع ان اؤكد لك مجدداً ما سأقوله الان : انني انتمي الى هنا ، وهذه السيدة هي امي ، وانتما لا اعرفكما ولا اشعر ازاءكما بأي شعور خاص ".

- " لا حاجة لتصف لي شعورك فيما بعد ، فقد تكون معركتك الاولى مع فدائي اسمه خالد ، وخالد هو ابني ، ارجو ان تلاحظ انني لم اقل انه اخوك ، فالانسان كما قلت قضيه ، وفي الاسبوع الماضي التحق خالد بالفدائيين ... اتعرف لماذا اسميناه خالد ولم نسمه خلدون ؟ لاننا كنا نتوقع العثور عليك ، ولو بعد عشرين سنة ، ولكن ذلك لم يحدث . لم نعثر عليك .. ولا اعتقد اننا سنعثر عليك ".

ونهض سعيد س . متثاقلاً . الان فقط شعر انه متعب ، وانه هدر عمره بصورة عابثة . وساقه هذا الشعور الى كابة لم يكن يتوقعها ، واحس بأنه على وشك ان يبكي ، فقد كان يعرف انه كذب ، وان خالداً لم يلتحق بالفدائيين . وفي الواقع كان هو الذي منعه . بل مضى ذات يوم الى حد تهديده بالتبرؤ منه ان هو عصا ارادته والتحق بالمقاومة . وبدت له الايام القليلة الماضية مجرد كابوس انتهى على صورة مفزعة ، اهو نفسه الذي كان قبل ايام يهدد ابنه خالد بالتبرؤ من ابوته له ؟ اي عالم عجيب لا يصدق . الان لا يجد شيئاً ليدافع به عن نفسه امام تبرؤ هذا الشاب الطويل القامة من بنوته له الا افتخاره بأبوته لخالد ، خالد نفسه الذي حال دونه ودون الالتحاق بالفدائيين بذلك السوط التافه الذي كان يسميه الابوة ! من يدري ، فربما اقتنص خالد الفرصة اثناء وجوده هو في حيفا فهرب ... اه لو فعل ! كم سيكون من المخيب لكل قيم هذا الوجود ان هو عاد الى اليبت فوجد خالد بانتظاره !.

مشى سعيد خطوتين واخذ ، مره اخرى ، يعد ريشات الطاووس الخمس التي كانت في المزهرية الخشبية ، ولاول مره منذ دخل الشاب الطويل القامة الى الغرفة ، نظر الى ميريام ، وببطء قال لها :

-" انه يتساءل كيف يترك الاب والام ابنهما الرضيع في السرير ويهربان ... انت يا سيدتي لم تقولي له الحقيقة ، وحين رويتها له كان الوقت قد مضى ، انحن الذين تركناه ؟ انحن الذين قتلنا ذلك الطفل قرب كنيسة بيت لحم في الهادار ؟ الطفل الذي كانت جثته ، كما قلت لنا ، اول شيء صدمك في هذا العالم الذي يسحق العدل بحقارة كل يوم .. ربما كان ذلك الطفل هو خلدو ! ربما كان ذلك الشيء الصغير الذي مات ذلك اليوم التعيس خلدون... بل إنه خلدون ، وانت كذبت علينا أنه خلدون ، وقد مات ، وهذا ليس الا طفلا يتيما عثرت عليه في بولونيا ، او انكلترا".

كان الشاب طويل القامه ينكفئ على نفسه كشيء محطوم في كرسيه ، وقال سعيد لنفسه :
-" لقد فقدناه ، ولكنه بلا ريب فقد نفسه بعد هذا كله ، ولن يكون ابدا كما كان قبل ساعة " وأعطاه هذا الاعتقاد شعورا غامضا بارتياح لا يفسر ، وذلك كان ما دفعه نحو الكرسي الذي كان الشاب طويل القامة جالسا فيه ، ووقف امامه وقال :
-" الانسان في نهاية المطاف قضية ، هكذا قلت ، وهذا هو الصحيح ، ولكن أية قضية ؟ هذا هو السؤال ! فكر جيدا . خالد هو ايضا قضية ، ليس لأنه ابني ، ففي الواقع ... دع تلك التفاصيل ، على أية حال ، جانبا... إننا حين نقف مع الإنسان فذلك شيء لا علاقة له بالدم واللحم وتذاكر الهوية وجوازات السفر ... هل تستطيع أن تفهم ذلك ؟ حسنا ، دعنا نتصور أنك استقبلتنا –كما حلمنا وهما عشرين سنة- بالعناق والقبل والدموع ... أكان ذلك قد غير شيئا؟ إذا قبلتنا أنت ، فهل نقبلك نحن؟ ليكن اسمك خلدون أو دوف او اسماعيل او اي شيء آخر ... فما الذي يتغير ؟ ومع ذلك فأنا لا أشعر بالاحتقار إزاءك ، والذنب ليس ذنبك وحدك ، ربما سيبدأ الذنب من هذه اللحظه ليصبح مصيرك ، ولكن قبل ذلك ماذا؟ أليس الانسان هو ما يحقن فيه ساعة وراء ساعة ويوما وراء يوم وسنة وراء سنة ؟ إذا كنت أنا نادما على شيء فهو انني اعتقدت عكس ذلك طوال عشرين سنة "!

وعاد يجر خطواته ، محاولا أن يبدو أهدأ ما يكون ، عائدا الى مقعده ، إلا أنه في تلك الخطوات القليلة التي كانت تمر عبر الطاولة المصدفة ، بريش الطاووس الذي يتمايل في المزهرية الخشبية وسطها ، بدت له الأشياء مختلفة تماما عما كانت عليه حين دخل هذه الغرفة للمرة الأولى قبل ساعات ، وسأل نفسه فجأة : ما هو الوطن؟ وابتسم بمرارة ، وأسقط نفسه ، كما يسقط الشيء في مقعده ، وكانت صفية تنظر اليه قلقة ، وتفتح في وجهه عينين متسائلتين ، وعندها فقط خطر له أن يشاركها في الأمر، فسألها :
-"ما هو الوطن ؟".

وارتدت الى الوراء مندهشة وهي تنظر اليه كمن لا يصدق ما سمع ، ثم سألته برقة يكتنفها الشك :
-" ماذا قلت؟".

-" سألت : ما هو الوطن؟ وكنت أسأل نفسي ذلك السؤال قبل لحظة . أجل ما هو الوطن؟ أهو هذان المقعدان اللذان ظلا في هذه الغرفة عشرين سنة ؟ الطاولة ؟ ريش الطاووس ؟ صورة القدس على الجدار؟ المزلاج النحاسي ؟ شجرة البلوط؟ الشرفة ؟ ما هو الوطن ؟ خلدون؟ أوهامنا عنه ؟ الأبوة؟ البنوة؟ ما هو الوطن ؟ بالنسبة لبدر اللبدة ، ما هو الوطن؟ أهو صورة أية معلقة على الجدار؟ أنني أسأل فقط".

ومرة جديدة ، ومفاجئة أخذت صفية تبكي ، وتجفف دموعها بمنديلها الأبيض الصغير ، وقال سعيد لنفسه وهو ينظر اليها:" لقد شاخت هذه المرأة حقا ، واستنزفت شبابها وهي تنتظر هذه اللحظة ، دون أن تعرف أنها لحظه مروعة ".

وعاد فنظر الى (دوف) وبدا له مستحيلا تماما أن يكون هذا الشاب من صلب تلك المرأة ، وحاول أن يستشف شبها ما بينه وبين خالد ، إلا انه لم يعثر على إيما شبه بين الرجلين ، بل رأى بصورة ما تضادا بينهما يكاد يكون متعاكسا تماما ، واستغرب أن يكون قد فقد ايما عاطفة إزاءه ، وتصور أن مجموع ذاكرته عن (خلدون) كانت قبضة من الثلج أشرقت عليه فجأة شمس ملتهبة فذوبتها.

وكان ما يزال ينظر الى (دوف) حين قام هذا الآخر فجأة ووقف أمام سعيد منتصبا كأنه يتصدر طابورا من الجنود المختبئين ، وبذل جهده كي يكون هادئا :

-" كان يمكن لذلك كله ألا يحدث لو تصرفتم كما يتعين على الرجل المتحضر الواعي أن يتصرف".

-" كيف؟".

-" كان عليكم ألا تخرجوا من حيفا . واذا لم يكن ذلك ممكنا فقد كان عليكم بأي ثمن ألا تتركوا طفلا رضيعا في السرير . وإذا كان هذا أيضا مستحيلا فقد كان عليكم ألا تكفوا عن محاولة العودة ... أتقولون أن ذلك أيضا مستحيلا؟ لقد مضت عشرون سنة يا سيدي ! عشرون سنة! ماذا فعلت خلالها كي تسترد ابنك ؟ لو كنت مكانك لحملت السلاح من أجل هذا . أيوجد سبب أكثر قوة ؟ عاجزون! عاجزون! مقيدون بتلك السلاسل الثقيلة من التخلف والشلل! لا تقل لي أنكم أمضيتم عشرين سنة تبكون!...الدموع لا تسترد المفقودين ولا الضائعين ولا تجترح المعجزات ! كل دموع الأرض لا تستطيع أن تحمل زورقا صغيرا يتسع لأبوين يبحثان عن طفلهما المفقود ... ولقد أمضيت عشرين سنة تبكي... أهذا ما تقوله لي الآن؟ أهذا هو سلاحك التافه المفلول ؟".

وارتد سعيد الى الوراء ، مدهوشا ومطعونا ، وأحس بدوار مفاجئ يعصف يه ، أيمكن أن يكون ذلك كله حقيقيا ؟ ألا يمكن أن يكون مجرد حلم طويل وممطوط وكابوس لزج يفرش نفسه فوقه كأخطبوط هائل؟ وأخذ ينظر الى صفية التي كانت دهشتها قد اتخذت شكل الانهيار المهيض الجناح ، وشعر بحزن عميق من أجلها ، ولمجرد أن لا يبدو غبيا ، اتجه نحوها ، وقال لها بصوت مرتجف:

-" لست أريد أن أناقشه ".

-" ماذا قال ؟".

-" لا شيء . بلى . قال اننا جبناء".

وسألت صفية ببرائة :

-" ولأننا جبناء يصير هو كذلك ؟".

عندها فقط استدار نحوه ، كان ما يزال واقفا منصب القامة ، وبدت ريشات الطاووس المطلة وراءة وكأنها تشكل ذيلا لديك كبير خاكي الون يقف هناك . وابتعث فيه المنظر انتعاشا غير متوقع ، فقال :

-" زوجتي تسأل إن كان جبننا يعطيك الحق في أن تكون هكذا ، وهي ، كما ترى، تعترف ببراءة بأننا كنا جبناء ، ومن هنا فأنت على حق ، ولكن ذلك لا يبرر لك شيئا ، إن خطأ زائد خطأ لا يساويان صحا ، ولو كان الأمر كذلك لكان ما حدث لايفرات ولميريام في أوشفيتز صوابا ، ولكن متى تكفون عن اعتبار ضعف الآخرين وأخطائهم مجيرة لحساب ميزاتكم ؟ لقد اهترأت هذه الأقوال العتيقة ، هذه المعادلات الحسابية المترعة بالأخاديع ... مرة تقولون أن أخطاءنا تبرر أخطاءكم ، ومرة تقولون أن الظلم لا يصحح بظلم آخر... تستخدمون المنطق الأول لتبرير وجودكم هنا ، وتستخدمون المنطق الثاني لتتجنبوا العقاب الذي تستحقونه ، ويخيل إلي أنكم تتمتعون الى أقصى حد بهذه اللعبه الطريفة ، وها أنت تحاول مرة جديده أن تجعل من ضعفنا حصان الطراد الذي تعتلي الذي تعتلي صهوته ... لا ، أنا لا أتحدث إليك مفترضا إنك عربي ، والآن أنا أكثر من يعرف أن الإنسان هو قضية، وليس لحما ودما يتوارثه جيل وراء جيل مثلما يتبادل البائع والزبون معلبات اللحم المقدد ، إنما أتحدث إاليك مفترضا أنك في نهاية الأمر إنسان . يهودي . أو فلتكن ما تشاء . ولكن عليك أن تدرك الأشياء كما ينبغي ... وأنا أعرف أنك ذات يوم ستدرك هذه الأشياء ، وتدرك أن أكبر جريمة يمكن لأي إنسان أن يرتكبها ، كائنا من كان ، هي أن يعتقد ولو للحظة أن ضعف الآخرين وأخطاءهم هي التي تشكل حقه في الوجود على حسابهم ، وهي التي تبرر له أخطاءه وجرائمه...
وصمت لحظة ، ثم نظر مباشرة في عيني ( دوف):

-" وأنت ، أتعتقد أننا سنظل نخطئ ؟ وإن كففنا ذات يوم عن الخطأ ، فما الذي يتبقى لديك ؟".

وشعر ، ثمة ، أن عليهما أن ينهضا وينصرفا ، فقد انتهى الأمر كله ،ولم يعد هناك ما يقال بعد، وأحس تللك اللحظة بشوق غامض لخالد ، وود لو يستطيع أن يطير اليه ويحتويه ويقبله ويبكي على كتفه ، مستبدلا أدوار الأب والأبن على صورة فريدة لا يستطيع تفسيرها . " هذا هو الوطن" ، قالها لنفسه وهو يبتسم ، ثم التفت نحو زوجته :
-" أتعرفين ما هو الوطن يا صفية ؟ الوطن هو ألا يحدث ذلك كله ".

وسألته زوجته متوترة بعض الشيء :
-" ماذا حدث لك يا سعيد؟"

-" لا شيء. لا شيء أبدا . كنت أتسأل فقط . أفتش عن فلسطين الحقيقية . فلسطين التي هي أكثر من ذاكرة ، أكثر من ريشة طاووس ، أكثر من ولد، أكثر من خرابيش قلم رصاص على جدار السلم . وكنت أقول لنفسي : ما هي فلسطين بالنسبة لخالد ؟ إنه لا يعرف المزهرية ، ولا الصورة ، ولا السلم ولا الحليصة ولا خلدون ، ومع ذلك فهي بالنسبة له جديرة بأن يحمل المرء المرء السلاح ويموت في سبيلها ، وبالنسبة لنا ، أنت وأنا ، مجرد تفتيش عن شيء تحت غبار الذاكرة ، وانظري ماذا وجدنا تحت ذلك الغبار ... غبارا جديدا أيضا ! لقد أخطأنا حين اعتبرنا أن الوطن هو الماضي فقط ، أما خالد فالوطن عنده هو المستقبل ، وهكذا كان الافتراق ، وهكذا أراد خالد أن يحمل السلاح . عشرات الألوف مثل خالد لا تستوقفهم الدموع المفلولة لرجال يبحثون في أغوار هزائمهم عن حطام الدروع وتفل الزهور ، وهم إنما ينظرون للمستقبل ، ولذلك هم يصححون أخطأنا ، وأخطاء العالم كله ... إن دوف هو عارنا ، ولكن خالد هو شرفنا الباقي... ألم أقل لك منذ البدء إنه كان يتوجب علينا ألا نأتي .. وإن ذلك يحتاج الى حرب ؟ ... هي بنا !".

-" لقد عرف خالد ذلك قبلنا ... آه يا صفية ... آه"

ووقف فجأة ، ووقفت صفية الى جانبه وهي تفرك منديلها محتارة ، وظل دوف جالسا ، منكفئا على نفسه ، وكانت قبعته متكئة على المزهرية وتبدو هناك ، ولسبب ما ، مضحكة تماما ، وقالت ميريام ببطء:
-" لا تستطيعان أن تغادرو هكذا ، لم نتحدث كفاية عن الموضوع"

قال سعيد :
-" ليس ثمة ما يقال . بالنسبة لك ربما كان الأمر كله حدثا سيء الحظ ، ولكن التاريخ ليس كذلك ، ونحن حين جئنا هنا كنا نعاكسه ، وكذلك ، أعترف لك ، حين تركنا حيفا ، إلا ان ذلك كله شيء مؤقت . أتعرفين شيئا يا سيدتي ؟ يبدو لي أن كل فلسطيني سيدفع ثمنا ، أعرف الكثيرين دفعوا أبناءهم ، وأعرف الآن إنني أنا الآخر دفعت إبنا بصورة غريبة ، ولكنني دفعته ثمنا ... ذلك كان حصتي الأولى ، وهذا شيء سيصعب شرحه ".

واستدار ، وكان دوف لا يزال منكفئا في مقعده محتويا رأسه بين راحتيه ، وحين وصل سعيد الى الباب قال:
-" تستطيعان البقاء مؤقتا في بيتنا ، فذلك شيء تحتاج تسويته الى حرب ".

وبدأ ينزل السلم ، محدقا بدقة الى كل الأشياء وقد بدت له أقل أهمية مما كانت قبل ساعات وغير قادرة على إثارة أيما شيء في أعماقه ، ووراءه كان يسمع أصوات خطى صفية أكثر وثوقا من قبل . وكان الطريق في الخارج خاليا تقريبا . أتجه الى سيارته وتركها تنزلق على السفح دونما صوت ، وعند المنعطف فقط أدار محركها وأتجه نحو شارع الملك فيصل .

وقد ظل صامتا طوال الطريق ، ولم يتلفظ بأيما شيء إلا حين وصل مشارف رام الله ، عندها فقط نظر الى زوجته وقال :

-" أرجو أن يكون خالد قد ذهب .... أثناء غيابنا "!




على هذه الأرض ما يستحق الحياة
لا أفهم هذه المناورات•• لا افهم السياسة، لفلسطين طريق واحد وحيد هو البندقية•
بلال والله بحوبك
  اقتباس المشاركة
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:10 PM.