| الإهداءات |
|
|||||||
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |

| الإهداءات |
|
|||||||
| البحث في المنتدى |
| بحث بالكلمة الدلالية |
| البحث المتقدم |
| الذهاب إلى الصفحة... |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
#10 | |
|
I ♥ AQSA
قوة السمعة: 14
![]() |
على الأرض بدخول القدس ؟! طبعا لا . بل على العكس تماماسيكونون بأمس الحاجة ، لما تحصّلوا عليه سالما من مال وعتاد لاستخدامه في المواجهة الحقيقة المقبلة مع الغرب .
وخلاصة القول : أن كل ما علا بنو إسرائيل عليه أو به أو فيه سيصله الدمار لا محالة لعموم لفظ العلو حتى علوهم في الغرب ، إذ أن الذي أبقى علوهم قائما ومستمرا في فلسطين هو علوهم في الغرب ، ولذلك يصبح دمار الدول الغربية أمر محتما ، ليزول علو بني إسرائيل فيها أيضا بشكل نهائي ، وبذلك تنتفي تماما قدرتهم على العلو مرة أخرى ، إذ أن هذا العلو هو علوهم الأخير في الأرض وأن أفعالهم ستكون سببا في زوال علوهم هذا ، وستجد مزيد من تفصيل هذه العبارة في الجزء الثالث من الكتاب . خاتمة السورة : والآن لننتقل إلى خاتمة سورة الإسراء ، حيث ذُكر وعد الآخرة مرة أخرى . أما سبب مجيء هذه الآيات في آخر السورة فهو لسببين : أولا ؛ إظهار الإعجاز العددي في القرآن ، الذي سنظهره بإذن الله لاحقا ، ثانيا ؛ للتعقيب على الوعد الثاني في بني إسرائيل بعد نفاذه ، وما سيكون ممن علموا بتفاصيل هذا الوعد قبل نفاذه ، وما سيكون منهم بعد نفاذه تماما كما جاء به القرآن . ( وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكمْ لَفِيفًا (104) وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا (106) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109) مختصر ما قيل في هذه الآيات ، في تفسير الألوسي : ( جئنا بكم لفيفا ) أي مختلطين ، وفسره ابن عباس جميعا ، وبكم جاءت لتغليب المخاطبين على الغائبين ، ( وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ) ؛ عود إلى شرح حال القرآن الكريم ، فهو مرتبط بقوله تعالى ( لئن اجتمعت الإنس والجن ) وهكذا طريقة العرب في كلامها تأخذ في شيء ، وتستطرد منه إلى آخر ثم إلى آخر ثم إلى آخر ، ثم تعود إلى ما ذكرته أولا والحديث شجون ، فضمير الغائب للقرآن ، وقد حمله بعضهم على هذا ، أو للوعد المذكور آنفا ، أي وعد الآخرة الذي ذُكر في الآية السابقة . والمراد بالحق الأول ؛ على ما قيل الحكمة الإلهية المقتضية لإنزاله ، وبالثاني ما اشتمل عليه من العقائد والأحكام ونحوها ، أي ما أنزلناه إلا ملتبسا بالحق المقتضى لإنزاله ، وما نزل إلا ملتبسا بالحق الذي اشتمل عليه ، وقيل الحق في الموضعين الأمر المحفوظ الثابت ، ( وما أرسلناك إلا مبشرا ) ؛ للمطيع بالثواب ( ونذيرا ) ؛ وللعاصي من العقاب ، فلا عليك إلا التبشير والإنذار لا هداية الكفرة المقترحين . ( وقرءانا فرقناه ) ؛ أي أنزلناه منجما مفرّقا ( على مكث ) ؛ أي تؤدة وتأنّ ، فإنه أيسر للحفظ وأعون على الفهم ، ( ونزلناه تنزيلا ) ؛ على حسب الحوادث والمصالح ، قل للذين كفروا ( آمنوا به ) أي بالقرآن ، ( أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله ) ؛ أي العلماء الذين قرءوا الكتب السالفة ، من قبل تَنزُّل القرآن وعرفوا حقيقة الوحي ، وأمارات النبوة ، وتمكنوا من تمييز الحق والباطل ، والُمحقّ والمُبطل ، أو رأوا نعتك ونعت ما أنزل إليك . ( إذا يتلى ) أي القرآن ( عليهم يخرون للأذقان ) ؛ يسقطون بسرعة على وجوههم ( سجدا ) تعظيما لأمر الله تعالى ، أو شكرا لإنجاز ما وعد به في تلك الكتب من بعثتك ، وقال صاحب الفرائد ، المراد المبالغة في التحامل على الجبهة والأنف ، حتى كأنهم يلصقون الأذقان بالأرض ، وهو وجه حسن جدا ، أي يقعون على الأرض عند التحقيق والمراد تصوير تلك الحالة . ( ويقولون ) ؛ أي في سجودهم أو مطلقا : ( سبحان ربنا ) عن خلف وعده ، أو عما يفعل الكفرة من التكذيب ، ( إن كان وعد ربنا لمفعولا ) ، ( ويخرون للأذقان يبكون ) ؛ كرَّرَ الخرور للأذقان لاختلاف السبب ، فإن الأول لتعظيم أمر الله تعالى أو الشكر لإنجاز الوعد ، والثاني لما أثّر فيهم من مواعظ القرآن ، أي ساجدين باكين من خشية الله تعالى ، ولما كان البكاء ناشئا من الخشية الناشئة من التفكّر الذي يتجدّد ، جيء بالجملة الفعلية ( يبكون ) المفيدة للتجدد ( ويزيدهم ) ؛ القرآن بسماعهم له ( خشوعا ) لما يزيدهم علما ويقينا بأمر الله تعالى ، على ما حصل عندهم من الأدلة . من تفسير الألوسي . جِئْنَا بِكمْ لَفِيفًا : قيل في ( لسان العرب ) في كلمة لفيف ( مُجتَمِع ملتف من كل مكان ) ، واللفيف ( القوم يجتمعون من قبائل شتى ليس أصلهم واحدا ) واللفيف ( ما اجتمع من الناس من قبائل شتى ) واللفيف ( الجَمْع العظيم من أخلاط شتى فيهم الشريف والدنيء والمطيع والعاصي والقوي والضعيف ) . والملاحظ أن معاني الكلمة جاءت بمعنى جَمْع لا جميع ، والحقيقة أن الذي تم على أرض الواقع ، هو المجيء والجمع من أماكن شتى . وأن مجيئهم جميعا لن يتحقق لأنهم يتمتّعون بصفات طفيلية ، لا تمكّنهم من ترك الدول الغربية الغنية والعودة إلى فلسطين . أما الآيات (104-109) وكما عقب سبحانه بعد ذِكره لوعد الآخرة في بداية السورة . جاءت بعد ذِكره تعالى لوعد الآخرة ، في نهاية السورة تعقيبا على إنزاله هذا الوعد بنصه في القران ، كما أُنزل في كتاب موسى عليه السلام من قبل ، حيث قال سبحانه ( وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا (106) أي وبالحق الذي أوجبته الحكمة الإلهية ، أنزلنا خبر هذا الوعد في القران ، الذي نزّله على عبده تنزيلا ، وفرّقه ليُقرأ على الناس على مكث ، وبالحقّ والصدق والخبر اليقين جاء هذا القران ، بهذا الوعد - مما سيكون من شأن بني إسرائيل – بكل تفاصيله وملابساته ، بما لا يدع مجالا للشك أو التقوّل . والحكمة الإلهية التي اقتضت إنزاله ، كما جاء من نص الآيات ، هي : أولا : زفّ البشرى للمؤمنين الصابرين المرابطين المتمسكين بدينهم المخلصين له ( وَيُبشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9 الإسراء ) ، بأن الله لن يخلف وعده الذي وعد ، وأن ما وعدهم الله لا محالة واقع ولو بعد حين ، ليحثهم على التمسك بدينهم والتحلي بالصبر ، وعدم الاستعجال لأمر الله والركون لليأس ، فكلما ادلهمت الخطوب بالمؤمنين وضاقت السبل – كما هذه الأيام – كان الفرج ، قاب قوسين أو أدنى ( حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ، جَاءَهُمْ نَصْرُنَا ، فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ ، وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110 يوسف ) . وثانيا : إنذار بني إسرائيل ( الذين لا يؤمنون بالآخرة ) والمكذبين والمتشكّكين ممن غرتهم الحياة وآمنوا بما يقوله الواقع ، مع عدم قراءتهم له بشكل صحيح ، أكثر من إيمانهم بالله وما جاء في كتابه الذي أنزل ، وتحذير لهم من عقابه في الدنيا والآخرة ( وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (10 الإسراء ) . وثالثا : تحصّل الإيمان لمن لم يؤمن بعد وتجدّد إيمان المؤمنين وزيادةً في اطمئنان قلوبهم ، عند نفاذ هذا الوعد كما جاءت صفته في القرآن . حيث قال سبحانه للناس كافة على وجه التبكيت والتهديد شديد اللهجة ، ( قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا … ) من أمر هذا الوعد وهذا القرآن ، أنّ هذا الوعد لا محالة واقع ، وإيمانكم به وبالقرآن وعدمه سواء . وأن من كانوا قد علموه وسبق لهم الإيمان به وتصديقهم له قبل تحققه ( … إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبلِهِ … ) ، لإيمانهم بمن أنزله وصِدق ما جاء في كتابه ، سيكون هذا حالهم عند تحققه وبعد تحققه ( إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) أي أنهم إذا تُليَ عليهم ذِكر هذا الوعد عند وبعد تحققه خرّوا للأذقان سجدا ، قائلين : ( سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ) وسيكون هذا حالهم مرة تلو مرة ، كلما تُليت عليهم آيات هذا الوعد ( وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109) وما أن يقوموا حتى لا تكاد تحملهم أرجلهم ، وتغلب عليهم مشاعرهم من شدّة التصديق وشدّة الإيمان ، فيعودوا ليقعوا ساجدين خاشعين لمن لا يُخلف وعده . ( عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8 ) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ : بعد نفاذ الوعد الثاني ، يوجه سبحانه الخطاب للبقية الباقية من بني إسرائيل ، الذين نجوا من هذا العذاب ولم يطلهم عقاب وعد الآخرة ، لعلّهم يعتبرون مما حصل بعد أن رأوا ما رأوا مما حلّ في بني قومهم لما علوا وأفسدوا في الأرض . فلعلهم يعودون إلى الله ويصلحون أمرهم فيتوب الله عليهم ويرحمهم . قال تعالى ( وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ، وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ، إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ (56 الأعراف ) ، وعودتهم إلى الله تعني اعتناقهم للإسلام ، لقوله تعالى ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ (81) … ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ (85) … ( إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89 آل عمران ) . وهذا ما لم يفعلوه سابقا ولن يفعلوه مستقبلا ، فهم أعلنوا حربهم على الله قبل أن يعلنوها على أي شيء آخر ، وهيهات أن يتوبوا فقلوبهم كالحجارة ( … أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً … (74 البقرة ) … وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا : لذلك سيستمرون بالإفساد وسيعودون إليه مرة تلو أخرى ، وهذا محمول على الشرط فإن عادوا للإفساد بعد تحقق الوعد الثاني ، عاد الله عليهم بالعقاب ، وستكون هذه العودة باتباعهم للدجال أكبر المفسدين في الأرض وهي العودة النهائية لهم ، ولا تتفق من حيث المواصفات والشروط مع كونها مرة من المرتين ، وستكون نهايتهم على مشارف بيت المقدس بباب ( لُدّ ) على يديّ عيسى عليه السلام ومن معه من المسلمين ، عند هروب الدجال إليها ، كما روي في نفس الحديث الصحيح الطويل من رواية مسلم ، الذي أوردنا بعضا منه في شرحنا لعبارة عبادا لنا ، جاء ما نصه … فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ ( أي الدجال ) إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ … فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلُهُ … . ليعقّب سبحانه على ذلك بقوله ( … وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8) ولا أسف ولا رحمة … ( إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ … وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ ) : قال تعالى في سورة البقرة ( … وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ، وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ، وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61) هذه الآية توضح حكما إلهيا مُلازما لبني إسرائيل ، كان فيما سبق قد صدر بحقهم عند كفرهم وقتلهم الأنبياء ، ونلاحظ أن المسكنة عُطفت على الذلة مباشرة ، وأنهما تلازما في الوقوع تحت الضرب ، في قوله تعالى ( وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ) . وفي سورة آل عمران ، أُعيد نفس النص السابق ، في قوله تعالى ( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا ، إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ ، وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ ، وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنَةُ ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ، وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112) ، ولكن بفصل الذلّة عن المسكنة ، مع ضرب كل منهما على حدة أولا ، ومن ثم إضافة الاستثناء التالي ( إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ ، وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ ) من ضرب الذلّة دون المسكنة ثانيا . ومن هنا نستطيع القول ، بأن الذلّة ستُرفع عنهم في حالتين : الحالة الأولى بحبل من الله ، والحالة الثانية بحبل من الناس ، وأن المسكنة ستبقى ملازمة لهم ، في حال رفعت الذلّة عنهم أم لم تُرفع . جاء في معجم لسان العرب ، الذُّل نقيض العزّة ، وقوله تعالى ( وذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلَاً ) ، بمعنى سويت عناقيدها ودُلِّيت أي خُفِّضت ، وتذلَّلَ له أي خَضَع له ، وأن المعنى المُستفاد من الذّل هو الصغار والخضوع والانخفاض ، والنقيض لهذة الصفات هو الاستكبار والسطوة والارتفاع . وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ : أي أُلزموا الذِّلة والصغار فلا منعة لهم ، بمعنى لا قوة لهم لمنع الغير من استباحة دمائهم وأموالهم وأهليهم . وثبتت فيهم هذه الصفة ولازمتهم على مرّ العصور ولا خلاص لهم منها ، والسبب في ضربها عليهم هو استحقاقهم لغضب الله عليهم ، لكفرهم بآياته وقتلهم الأنبياء ، بالإضافة لما كان من عصيانهم لأوامره واعتدائهم على حدوده . أَيْنَ مَا ثُقِفُوا : أينما وُجِدوا . هنا لا بد لنا من وقفة مع هذه العبارة ، حيث يقول سبحانه ، ( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ ، أَيْنَ مَا ثُقِفُوا ، إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ ) ، فالذلة ملازمة لهم أينما أقاموا أو ارتحلوا ، وهذه الذلة ستُرفع عنهم مرتين لتُستبدل بالعلو ، أينما أقاموا أو ارتحلوا ، على امتداد سطح كوكب الأرض ، فالعلو اليهودي لمرتين حدث عارض في تاريخهم ومصيره إلى الزوال ، أو حالة استثنائية سيعيشها عامة الشعب اليهودي لمرتين أينما وُجد ، وستزول هذه الحالة عن عامة الشعب اليهودي كذلك ، عندما يأذن رب العزة بزوال علوهم في المرة الثانية ، وليعود كل يهود العالم أفرادا وجماعات ، في شتى بقاع الأرض إلى حالة الذلة ، التي هي في الأصل الحالة التي يستحقون بمنظور رب العزة . والسؤال الآن ، لماذا كان هذا الفصل وهذا الاستثناء ؟ إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ ، وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ : الاستثناء هنا يفيد رفع حالة الذّلة ، لتصبح حالهم من ( الذل والصغار والخضوع والانخفاض ) إلى العكس تماما ، أي ( العز والاستكبار والسطوة والارتفاع ) ، وهذا مما يفيد معنى العلو ، وهذا الاستثناء يوضح أن العلو سيكون على حالين ، فالعلو الأول كان بحبل الله ، أي باتكالهم على الله في نشأته وتمكينه من خلال الوحي والنبوة ، وأن العلو الثاني سيكون بحبل الناس ، أي باتكالهم على الناس في نشأته وتمكينه من خلال المساعدات المالية والعسكرية . وتمعنّ في جمال ودقة التعبير القرآني ، واستخدام كلمة ( حبل ) في هذا المقام ، فالحبل يُرفع به دلو الماء ، من قعر البئر إلى قمته ، فهو وسيلة لانتشال الشيء ، من أدنى حالاته وإيصاله إلى أعلاها ، ومن قوله عليه الصلاة والسلام ، لصاحب الناقة اعقل وتوكل ، نجد أنه وسيلة ربط لإحكام الشيء وإبقاءه على حاله . وهذا ما تحقق في الواقع ، فقد استطاع اليهود بعد أن كانوا في القاع ، من تسلق الحبل الأمريكي البريطاني ليصعدوا إلى قمة تمثال الحرية ، ومن ثم تناولوا الحبل وربطوه في قرنيّ التمثال ، وأخذوا طرفه الآخر ولفّوه سياجا منعيا حول دولتهم في فلسطين ، حتى أصبح عامّة الأمريكيين عبيدا لليهود ، يقدّمون لهم القرابين التي نعلمها ، خشية أن يسحب اليهود طرف الحبل الذي يمسكونه بإحكام ، فيهوي رأس التمثال في البحر . وطرف الحبل الآخر ليس ببعيد عن أولئك العباد ، فما زال ينتظرهم ليسحبوه ليغرق التمثال وأهله . نعلم أنّ الله قد حذّرهم من اتخاذ وكلاء غيره ، في افتتاحية السورة قائلا ( أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) . في العلو الأول لهم كانوا قد طلبوا العون من الله ، لإقامة الدولة في الأرض المقدسة ، وكان اتكالهم على الله لإدامة وجودها ، ( إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ (246 البقرة ) فآتاهم الله ما طلبوا ( وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16 الجاثية ) فجمع لهم الملك والنبوة في داود وسليمان عليهما السلام . وأما في العلو الثاني كانوا قد طلبوا العون من ( بلفور ) لإقامة الدولة ، والاتكال على بريطانيا لإيجادها وعلى أمريكا لإدامة وجودها فكان لهم ما أرادوا ( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6 الإسراء ) . ولو لم يأتي هذا الاستثناء في سورة آل عمران ، وبقي على حاله كما هو في سورة البقرة ، لتناقض ذلك مع قوله تعالى في سورة الإسراء ، ( لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ ، مَرَّتَيْنِ ، ولَتَعْلُنِّ عُلُوَّاً كَبِيرَاً ) ، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا . وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنَةُ : أي الحاجة للغير والتسول بلا خجل ، فلا كرامة ولا عزة ولا إباء لهم ، فلا يوجد يهودي - وإن كان غنيا - خاليا من زي الفقر والخضوع والمهانة ( وهكذا تكون الطفيليات ) بارعون في التسلق على ظهور غيرهم بمكرهم ودهائهم ، لقضاء حاجاتهم الدنيوية الدنيئة . مجيء اليهود من الشتات : يظنّ البعض ، بناءا على عبارة ( جئنا بكم لفيفا ) أن وعد الآخرة ما زال بعيدا عن التحقق ، كون تجمّع بني إسرائيل في فلسطين لم يكتمل بعد ، فالكثير منهم – تقريبا النصف – ما زال في الدول الغربية ، وهذا الظنّ في غير محلّه وينمّ عن عدم معرفة بحقيقة الشخصية اليهودية ، فاليهود المنتشرون كالجراد في شرق العالم وغربه ، لن يهاجروا إلى فلسطين إلا في حالة واحدة إذا أُجبروا على ذلك مُكرهين ، أو دُمّر العالم بأسره ولم يبق إلا فلسطين ليهاجروا إليها ، وهذا غير وارد في المنظور القريب ، ودمار إسرائيل القادم سيكون سابقا بل سببا لانهيار العالم الغربي ودماره . فاليهود كائنات طفيلية ، لا تستطيع العيش بمعزل عن الآخرين من غير اليهود ، وحتى الدولة اليهودية تتصف بنفس الصفة ، فهي لا تستطيع البقاء والمحافظة على وجودها وكيانها ، بدون المساعدة الخارجية من الدول الغربية ، والتسوّل الدائم والمستمر . وهذه هي المسكنة التي ضربها الله عليهم ، ولازمتهم على مرّ تاريخهم الطويل ، في غناهم وفقرهم وفي ذلّهم وعلوهم . ولا أدلّ على ذلك التسويق المذلّ والمخزي والمستمر ، للمحرقة النازية والتي جعلوا منها ومن تهمة معاداة السامية ، مسمار جحا في حلق الشعوب الغربية لابتزازها ونهب خيراتها وخاصة ألمانيا ، فهم عالة على كل من آواهم ، وهذا ما يشهد به تاريخهم ، وكان سببا – بالإضافة إلى غدرهم ومكرهم ومؤامراتهم - في اضطهادهم . واليهود هم أول من ابتكر الربا ويعيشون به وعليه ، والآن هم يملكون معظم بيوت المال العالمية إن لم تكن كلها ، حتى البنوك المركزية الأمريكية والبريطانية ، وحق إصدار النقد فيها ، فهل من المعقول أن يتركوا العجل الذهبي ، ويغادروا جنّة إلههم بمحض إرادتهم ؟! طبعا لا ، فهذا ضرب من الخيال ، لذلك أستطيع الجزم – لما تقدم – بأنّ تجمّعهم في فلسطين بكلّهم وكليلهم لن يكون ، وللعلم فإن معظم المهاجرين اليهود ، كانوا من بلدان أوروبا الشرقية المعروفة بفقرها ، وأما الغربيون فأعدادهم قليلة جدا . فضلا عن ذلك ، لم يأتِ في مجمل معاني لفيفا ما يُفيد تجمّع كل اليهود في فلسطين كشرط لتحقّق وعد الآخرة ، والمعنى المستفاد منها هو الاختلاط في الأصول والجمع من أماكن مختلفة وهذا قد تحصّل ، فالدول التي هاجروا منها شملت معظم أرجاء المعمورة وهي غنيّة عن التعريف وهذا هو المراد . أما فيما يخص السنن الإلهية في القرى الظالمة ، فقد وردت في هذا البحث الكثير من الآيات التي توضّحها ، فلا أسرع من الانتقام الإلهي ليحل بها . وظلم اليهود وعلوهم واستكبارهم وعنجهيّتهم وعنصريّتهم ، ومحاربتهم لله ورسوله وأولياؤه وقتل الأبرياء العزّل ، وهدم البيوت واستلاب الأراضي واقتلاع أشجارها واستيطانها ، ومنعهم مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه وتدنيسها فاق كل تصوّر ، وأوجب عقابه سبحانه لهم منذ زمن بعيد . ولولا أن الحكيم العليم جلّت قدرته وعَظُم شأنه ضرب لهم موعد لن يُخلفوه ، وأن أرضه المقدسة تزخر بأوليائه الصالحين ، لأنزل الآن عليهم رجزا من السماء ، كما أنزله على أسلافهم ، لمجرد تبديلهم للقول والهيئة عند دخول القرية ، لعنهم الله بكفرهم قليلا ما يؤمنون . ولكنّ عقابهم سيكون مختلفا رحمة من ربك بعباده الصالحين هناك ، لكيلا يسوءهم العذاب فضلا عمّا أساء لهم أولئك الأوغاد ، فليرتقبوا إنّا مرتقبون ( فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ) ، و ( إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (4 نوح ) . تعني عملية ربط نفاذ وعد الآخرة بتجمّع كل اليهود في فلسطين ، أن وعد الآخرة لن يتحقق حتى قيام الساعة ، وهذا مخالف لما نراه على أرض الواقع ، حيث وصل الظلم اليهودي أقصى مداه ، ومخالف أيضا لما تحكيه النصوص ، إذ أن هناك عودة أخرى للإفساد ، وهناك عقاب آخر سينطق فيه الحجر والشجر قبل قيام الساعة ، التي أصبحت أشراطها الكبرى على الأبواب والناس عنها غافلون . ما تُخبر عنه الآيات في السورة ، ليس وعدا بنصر للمؤمنين ، وإنما وعد استثنائي بعقاب بني إسرائيل : قال تعالى ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ (167 الأعراف ) تقرّر هذه الآية الكريمة ، بأن الله سيبعث على بني إسرائيل ، من يسومهم سوء العذاب إلى قيام الساعة . إذاً هناك استمرارية للبعث وهناك استمرارية للعذاب . وقد وقع العذاب فيهم على أيدي وثنيون ونصارى ومسلمون على مرّ تاريخهم الطويل ، مما يؤكد أن العذاب الخاص بوعدي المرتين ، هو حالة استثنائية خاصة مختلفة عمّا تقرّره الآية أعلاه ، وأن الذين سيُوقعونه بهم أناس استثنائيون أيضا ، وهذا الاستثناء جاء لما يملكونه من صفات على رأسها صفة البأس الشديد ، ذلك أن إفساد بني إسرائيل المقترن بالعلو في كلتا المرتين ، أعظم من أي إفساد سابق أو لاحق ، مما يتطلّب بعث أناس هم أهل لما يريده الله لبني إسرائيل من العذاب الشديد . كانت نصوص هذه النبوءة قد أُنزلت على موسى عليه السلام ، قبل 3 آلاف سنة تقريبا من الآن ، وقبل 1600سنة من مجيء الإسلام تقريبا ، وكُشفت نصوصها لبني إسرائيل بعد نكوصهم عن الدخول إلى فلسطين ، وقبل سنوات التحريم والتيه . وهي في الواقع تحكي حالتين استثنائيتين من تاريخ بني إسرائيل ، يتحصّل لهم فيهما علو أمميّ في فلسطين ، يشترط فيهما سبحانه الإحسان وتجنّب الإساءة ، فإن أحسنوا أحسن إليهم ، وإن أساءوا أزال علوهم وعذّبهم في الدنيا والآخرة ، وقد وعدهم بإطالة أمد هذا العلو إليهم طالما هم محسنون ، والإساءة إليهم بعقابهم وبإزالة هذا العلو طالما هم يُسيئون ويُصرّون على الإساءة . ولعلمه المسبق بإفسادهم بعد التمكن من العلو فيها في المرتين ، أخبرهم سبحانه بما سيكون منهم مستقبلا ، مؤكدا ذلك بِقَسَم تستشعر من خلاله التحدّي الإلهي لهم ، كونهم دائبون على تحدّيه بمحاربة رسله وأولياءه وشرائعه . وأنهم كلمّا علوا في الأرض سيفسدون فيها بالرغم من تحذيرهم هذا ، معلنين حربهم عليه سبحانه ، لينالوا غضبه وسخطه عليهم مما يستوجب انتقامه . وعندما يتحصّل ذلك منهم ، وعدهم ربهم بأن يبعث عليهم في كل مرة عبادا له أولي بأس شديد ، ليعيدونهم إلى موقعهم الحقيقي من الإعراب بين الأمم . لنؤكد هنا على أن ما تُخبر عنه سورة الإسراء حصرا ، هو وعد إلهي بعقاب وعذاب لليهود لإفسادهم واستعلائهم في الأرض ، لا وعدا إلهيا بتحرير فلسطين ، بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى ، وفي التعقيب على هذا الخبر ، كانت إحدى الحكم الإلهية للإخبار عنه ، هي زفّ البشرى للمؤمنين . أما نصر المؤمنين من أهل فلسطين ، الذين نصروا الله بصبرهم ورباطهم وثباتهم ، فالإخبار عنه والوعد به جاء في سنن إلهية عامة بنصر المؤمنين والمستضعفين من عباده في مواضع أخرى من القرآن ، فلا نخلط بين الأمرين . من هم هؤلاء العباد ، ولماذا هم ، وما الذي يجري في الحقيقة ؟ يؤكد النص القرآني ، في الآيات من ( 5-7 ) من سورة الإسراء ، أن العقاب الإلهي لبني إسرائيل سيحلّ بهم على أيدي بشر ، طائفة من خلقه سخّرهم الله جلّت قدرته ، من أجل القيام بهذه المهمة العظيمة ، واختارهم لهذه المهمة لاتصافهم بالبأس الشديد ، وغاية هذه المهمة هي الانتقام ، وهذا الانتقام إلهي الطابع ، وصفته شديد الوقع والتأثير . وبالتالي من الضرورة بما كان أن يمتلك أولئك العباد ، مخزونا هائلا وكمّا ضخما ، من الحقد والكراهية الموجّه لبني إسرائيل لسبب أو لآخر ، مما أوجد لديهم رغبة شديدة وملحة في الانتقام منهم ، حتى يتوافق ذلك مع مقتضى الإرادة الإلهية في الانتقام ، وليتجلى ذلك العذاب في أبشع صوره ، كما لو أنه أُنزل عليهم من السماء . وتوحي الآيات بأن هناك علاقة عدائية ما بين اليهود وأولئك العباد ، نشأت منذ نهاية علوهم الأول وتجدّدت مع بداية علوهم الثاني ، واستمرت وتزايدت مع مرور الزمن ، وأن سبق العداء والاعتداء اليهودي على أولئك العباد ، سيكون السبب في خروج أولئك العباد عليهم ، ولتوضيح ما خفي بين السطور في هذا النص القرآني الكريم ، سنقوم بطرح مثال قريب إلى أذهاننا . لنأخذ مثلا الإرادة أو الرغبة في الأكل وهي عادة لا تأتي عبثا ، وفي الغالب تتحصّل لسببين : الشعور بالجوع أو لوجود صفة الشراهة في الإنسان ، والإنسان الشَرِه يأكل في العادة دون الحاجة للشعور بالجوع ذلك لأنها طبع ملازم له ، فتخيّل أن إنسانا كهذا كان جائعا فضلا عن شراهته ، وعند نزوله من إلى الشارع مرّ بمطعم ، فشاهد من خلال الواجهة الزجاجية دجاجة مشوية ، بالتأكيد ستتولّد لديه رغبة شديدة في التهام تلك الدجاجة الشهية على الفور ، للشعور باللذة والمتعة ولإطفاء تلك الرغبة ، وعندما همَّ بالدخول تبيّن له أن المطعم مغلق للاستراحة ، وحسب اللافتة الموجودة على الباب ، تبين له أن المطعم لن يُفتح قبل عشر دقائق . والذي حصل مع صاحبنا ، أنه لم يترك الأمر ويمضي في حال سبيله ، بل أخذ الأمر على أنه موضوع شخصي كونه ذو طبع شره ، وكأن الدجاجة اعتدت عليه بتعرّضها له في الطريق وطعنته في مقتل ، فاتخذ قرارا بالانتقام منها ، لكي يُزيح عن كاهله عبء ذلك الوضع وذلك الشعور المزري ، الذي فرضته عليه تلك الدجاجة بما سبّبته له من استثارة واستفزاز . ولكن هل يستطيع تنفيذ رغبته في الانتقام من الدجاجة ؟ كلا ! … إذن لا مناص له إلّا الانتظار ، لحين مجيء الموعد المنتظر ، فقرّر الانتظار ريثما يفتح المطعم … والآن تخيل سلوك ذلك الإنسان ، لحظة فتح الباب وحتى لحظة وقوع الدجاجة بين يديه … ! وتخيل ما الذي سيفعله بتلك الدجاجة حتى ينتهي من أمرها … ! وتخيل ما بقي من حطامها … ! وتخيل منظر الطاولة لحظة الانتهاء منها … ! وتخيل منظره لحظة تركه لساحة المعركة … وهو يشعر بنشوة الانتصار … الذي حققه وباقتدار … على تلك الدجاجة المزعجة … ! أخبر سبحانه بأن عقابه لبني إسرائيل ، سيكون من فعل البشر ، والسلوك البشري في بعض من جوانبه ، هو مجموعة من الحوادث المتكررة . وما نحن بصدده في هذا المقام ، هو القانون الفيزيائي ( لكل فعل رد فعل معاكس له بالاتجاه ) ولكن ليس مساو له بالمقدار ، فرد الفعل في السلوك البشري تتدخل فيه عوامل كثيرة تغير من مقدار رد الفعل ، ومن قراءتنا للنص القرآني وفهمنا له ، نجد أن هذا العقاب الإلهي ، سينفذ في بني إسرائيل على أيدي بشر ، وسيكون غاية في البطش والتنكيل والإذلال . وهذا السلوك البشري لا يقوم به إلا من كان يعتمل في صدورهم رغبة شديدة في الانتقام . ورغبة الانتقام لدى البشر لا تنشأ عبثا ، فغالبا ما تكون ردّ فعل لفعل سابق . بمعنى أن الرغبة في الانتقام لدى شخص ما ، تنتج عادة لسبق الاعتداء من قبل شخص آخر ، فغالبا ما يتسبب الشخص المعتدِي ، في إيقاع الأذى بالشخص المعتدَى عليه ، سواء كان هذا العدوان جسديا أو نفسيا ، مما يُشكل خطرا وتهديدا على كيان المعتدَى عليه برمّته ، من حيث الأمن والسلامة النفسية والجسدية ، فيُشكّل هذا العدوان استفزازا واستثارة ، تجعل المعتدى عليه يعيش حالة من التوتر والقلق ، تؤدي به أخيرا إلى القيام برد العدوان بعدوان أشد قسوة وأكثر إيلاما وتنكيلا ، حتى يتخلّص المعتدَى عليه من تلك الحالة ، بالإضافة إلى رد اعتباره أمام نفسه وأمام الآخرين ، ولدرء خطر تكرار العدوان من قبل المعتدِي نفسه أو من قبل غيره . وفي كثير من الأحيان ، يتكرر نفس السلوك البشري لشخص ما ، عند تعرضه لنفس المثير في أوقات مختلفة . وفي أحيان كثيرة يتشابه سلوك شخص ما لدرجة التطابق مع سلوك شخص آخر تعرض لنفس الموقف ، وإن اختلف فالاختلاف إما أن يكون : أولا ؛ في درجة الشدة ، للفعل نفسه من ( شتم ، أو ضرب ، أو إيذاء بليغ أو قتل ) . ثانيا ؛ في درجة الشدة لرد الفعل من ( اكتئاب ، أو امتعاض ، أو شتم أو ضرب أو إيذاء بليغ أو قتل ) . ثالثا ؛ في طبيعة الشخص المعتدى عليه ( فإن كان ذليلا ربما يكتئب ، وإن كان جبانا ربما يمتعض ، وإن كان قويا فيه لين ربما يشتم أو يضرب ، وإن كان عزيزا وقويا ربما يقتل وينكل ) . وبما أن السلوك البشري حدث متكرر فهو قابل للدراسة والمقارنة ، وسورة الإسراء أعطت صورة من صور هذا السلوك ، لأولئك العباد في التعامل مع بني إسرائيل . وتصوير السلوك البشري يظهر في مواضع كثيرة أثناء السرد القرآني للقصة ، الذي يعتمد التصوير بإيجاز شديد ، ليلقي على كاهل القارئ تخيل بقية تفاصيل القصة التي اختفت بسبب الإيجاز ، وما كان المثال السابق إلا لإيضاح الجانب الخفي ، مما تحكيه النصوص من أحداث غير ظاهرة ، تغيب في العادة عن ذهن القارئ أثناء التلاوة العادية للآيات . ما تحصل لدينا من ملامح لسلوك هؤلاء العباد ، ومن أحداث من خلال الآيات ، هو ما يلي : 1. صفة البأس الشديد : اتصاف هؤلاء العباد بالصبر والجلد عند البلاء وبالقوة والبطش عند اللقاء . 2. ردّ الكرّة : قيام بنو إسرائيل بالاعتداء على هؤلاء العباد ، بعد تحصّلهم على العلو الكبير . 3. مجيء الوعد : متعلّق بعِظَم الظلم والإفساد في الأرض ، فكلما ازدادت وتيرته كلما اقترب . 4. البعث : الخروج للغزو والغارة ، يقترب كلما ازدادت وتيرة الاستفزاز والتهديد ، وتناقصت المُعيقات والموانع . 5. دخول المسجد : سلب مقومات العلو اليهودي في فلسطين . 6. إساءة الوجه : عِظَم الانتقام وبشاعته ، بالإيذاء والقتل والتنكيل والتهجير والسبي . تتبع وقارن ما بين معطيات السلوكين : (1) توافر صفة الشراهة 2) استفزاز وإثارة من قبل الدجاجة 3) تولّد الإرادة والرغبة في الأكل 4) الاستعداد والتهيئة وانتظار الظروف المواتية 5) مجيء الموعد الذي حدّده صاحب المطعم بانتهاء فترة الاستراحة 6) الانطلاق نحو الدجاجة : بعد فتح الباب وتمكين الوصول 7) دخول المطعم 8) التلذذ والاستمتاع بالتهام الدجاجة 9) لا وجود للدجاجة . (1) توافر صفة البأس الشديد 2) استفزاز وإثارة بسبق الإيذاء والاعتداء من قبل بني إسرائيل على أصحاب البعث 3) تولّد الإرادة والرغبة في الانتقام 4) الاستعداد والتهيئة وانتظار الظروف المواتية 5) مجيء الموعد : مع ازدياد وتيرة الظلم والإفساد اليهودي في الأرض ، وازدياد خطر العدوان اليهودي على المراد بعثهم 6) الانطلاق نحو بني إسرائيل : بعد زوال الموانع وتوفر الأسباب 7) دخول فلسطين 8) الانتقام بالتلذذ والاستمتاع بالتنكيل ببني إسرائيل 9) لا وجود لإسرائيل . الملامح الخفية التي ظهرت من خلال المقارنة هي : 1. ضرورة سبق الاستفزاز اليهودي لأولئك العباد ، بإضرارهم وإيذائهم بشكل بالغ الأثر ، والتهديد الدائم بإبادتهم واستئصال شأفتهم . 2. تولّد حالة من التوتر والقلق والقهر ، لدى أولئك العباد يُخلّفها ذلك التهديد بالعدوان . 3. تولد الإرادة والرغبة بالانتقام لدى أولئك العباد ، بردِّ الصاع صاعين لدفع الأذى والضرر وردّ الاعتبار . 4. العمل والاستعداد والانتظار ، ريثما تأتي اللحظة المناسبة التي تُمكّنهم من الانقضاض . والآن لنطرح الأسئلة التالية : 1. من الشعب الذي يمتلك صفة الصبر والجلد عند وقوع البلاء ، والقوة والبطش عند مواجهة الأعداء ؟ 2. من الشعب الذي هُزم من قبل اليهود عند نشوء دولتهم ، والوحيد الذي استمر اليهود ، في إيذاءه والاعتداء عليه ، بشكل مباشر وغير مباشر ، وما زالوا حتى يومنا هذا ، وسيستمرون في إيذاءه حتى يُجبروه على الخروج عليهم ؟ 3. من الشعب الذي يُظهر رغبة شديدة وملحة في الانتقام منهم ، والقضاء عليهم وإنهاء وجودهم ، وما بقي عليه إلا أن يُهيئ الله له ، أسباب الخروج والانبعاث ؟ 4. من الشعب الذي بُعث عليهم في المرة الأولى ، ودمّر مملكتهم في فلسطين بالذات ؟ وأين تقع الأرض التي خرج منها الآن ؟ 5. من الشعب العزيز والقوي ، الذي لا يقبل الخضوع والذل والهوان ، ولديه القوة والقدرة ، ليفاجئهم ويكيل لهم الصاع صاعين ، وينزل بهم أبشع انتقام إلهي ، وبتجلّ واقتدار ؟ شروط ومواصفات المرة : والآن لنحاول استنباط الشروط والمواصفات ، التي يجب توافرها في المرة الواحدة ، ليصبح لدينا مقياس ينأى بنا عن التخبط والعشوائية والاجتهاد الخاطئ ، نستطيع من خلاله تقييم كل حالة من الحالات المعروضة بين أيدينا ، لأجل التحقق وبدقة متناهية من كونها إحدى المرتين أم لا :- أوجه التشابه بين المرتين : |
|
| اقتباس المشاركة |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| انواع عرض الموضوع |
الانتقال إلى العرض العادي |
الانتقال إلى العرض المتطور |
العرض الشجري |
|
|
Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
new notificatio by 9adq_ala7sas
Powered By atyaf.co





