| الإهداءات |
|
|||||||
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |

|
|
#2 | ||
|
قوة السمعة: 0
![]() |
وهذا الوصف لا ينطبق إلا على جنة الخلد.
وإن كانت هذه الآيات لم تفصــح عن حقيقــة هذه الجنة فكيف لا نصدق خبر رسول الله الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبى هريرة رضى الله عنه عن رسول الله أنه قال: " يجمع الناس فيقوم المؤمنون حين تزدلف لهم الجنة فيأتون آدم فيقولون يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم". وإن كان دخول آدم لم يفصح عن مكان وحقيقة هذه الجنة. أفلا يدل على ذلك خروجه منها حيث قال تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (البقرة:36). فكيف ستكون الأرض مستقر لهم إلا إن كانوا قبل ذلك في السماء؟ وهل يمنع أن تكون الجنة في السماء لأن إبليس دخلها والمفترض أنه طرد من الملأ الأعلى وحكم عليه بالخروج والهبوط؟ إن إبليس قد صدر عليه الحكم بالخروج والهبوط ولكن الله تعالى لم ينفذ فيه هذا الحكم فورا للحكمة التي يريدها عز وجل. فإن كان قد طرد فهو لم يعود إليها مستقرا، بل لأداء مهمة واحدة ولحكمة يريدها الله فقد تركه يفعل ما يشاء. لأن الأصل أن آدم مخلوق للأرض ولعمارتها والخلافة فيها. ثم في قوله تعالى فَدَلاَهُمَا بِغُرُورٍ وقوله قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ (الأعراف). وقد ذهب إلى القول بأنها جنة الخلد التي في السماء جمهور العلماء. وقال القرطبي إن أهل السنة مجمعون على أن جنة الخلد هي التي أهبط منها آدم، وأن الذين خالفوا كانوا من المعتزلة والقدرية. وعموما الاختلاف هنا أمره هين.. ولا يستحق إهدار الجهد في إثبات أصح الرأيين. خطيئتنا الأولى حكم على إبليس بالطرد، والخروج من الملأ الأعلى والهبوط إلى الأرض، ولم يكن هذا بالأمر الهين على إبليس لذلك صمم إبليس ألا ينزل إلا ومعه آدم (يده على يده ورجله على رجله). ولم يكن في ذلك تحـدى لإرادة الله. لأنه تعالى قد خلق آدم للأرض وأخبر بذلك ملائكته وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً (البقرة:30). وقد أراد تعالى قبل أن ينزل آدم إلى الأرض أن يؤكد له عداوة إبليس الشديدة له، وأن ما قام به إبليس من رفضه السجود له لم يكن إلا لبغضه الشديد له، ولما وجده في نفسه من الحسد والحقد. لهذا الأمر أدخل الله آدم الجنة ولم ينفذ أمر الطرد لإبليس إلا بعد أن يقضى هذا الأمر. وبدقة بالغة وتفصيل رائع يبين عز وجل ما تم في هذا الأمر حتى لكأننا في الجنة مع آدم وزوجته نرى ونسمع ما يدور. يقول تعالى وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ (الأعراف:19). أدخل الله آدم وزوجته الجنة ومنحهما كـل شيء فيها وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا (البقرة:35) كل شيء مباح في الجنة إلا أمرا واحداً هو ألا يأكل من شجرة عينها له ربه وأراها له هَذِهِ الشَّجَرَةَ وزيادة في الاحتياط نهاهما عن مجرد الاقتراب وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ وحذرهما الله من مغبة المعصية فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ ونصحهما وبين لهما ما سيكون لهما في الجنة وما سيحدث لهما لو خرجا منها: فَقُلْنا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مـِنْ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) إِنَّ لَكَ أَلاَ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعـْرَى (118) وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى (طه). ولعلنا نلاحظ أن الله تعالى خاطب آدم دون زوجته في كل الآيات التى أمامنا: وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ (الأعــراف:19). وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ (البقرة:35). فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ (طه:117). وذلـك لأن الله تعالى قـد حـدد – ومـن البـداية - أن الرجل قيم على المرأة. كما قـال: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ (النساء:34). فآدم مسئول عن نفسه ومسئول عن أهله. وحواء مسئولة عن نفسها فقط. وحديث كلكم مسئول عن رعيته، يحدد أن الرجل مسئول عن كل مؤسسة الأسرة برمتها. والمرأة مسئوله عن ما يخصها. لذلك يوضح الله تعالى ذلك لآدم وأن المسئولية سيتحملها هو بالذات فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنْ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (طه) إنه تعالى يحذرهما بلفظ المثنى فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا ولكن العاقبة بلفظ المفرد فَتَشْقَى.. وهكذا كل رجل. لم يمكثا بالجنة كثيرا حتى جاءهما إبليس. وليست القضية: كيف دخل إبليس الجنة، فله قدرات لأن يفعل ذلك وطالما لم ينفذ حكم الطرد بعد. لكن القضية كيف بعد ما رأى آدم بعينيه، وسمع بأذنيه ما كان من إبليس، عندما رفض أن يسجد له. وكيف بعد كل ما نصحه الله به. وكيف وكل شيء في الجنة مباح له. وليس عليه آية تكليفات، ولا أي أوامر ولا أي نواهٍ إلا نهيا واحدا ورغم كل ذلك يعصى آدم ربه كما عصاه إبليس؟ لقد كان لآدم حجة سيخبرنا عنها بعد قليل. الآن ننظر كيف تمت هذه المعصية، وكيف استطاع إبليس أن يغوى آدم. وهل طبق إبليس نفس السيناريوهات التي أعلنها؟ نحن الآن أمام مشهد الخطيئة لحظة بلحظة: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ (الأعراف). هذه أول تجربة للشيطان في الغواية. فعل فيها تماما مثل ما صرح أمام ربه والمبدأ الإبليسي" الغاية تبرر الوسيلة". نجده في هذه التجربة واضح تماما. إننا نكتشف أن هناك غاية لإبليس لم يكشف عنها إلا في هذه الآية لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا. إنه هدف غريب. هـل كان يعلم إبليس أن المعصية تعرى؟ يبدو ذلك. إن الآية لتكشف لنا بالفعل أن هدف إبليس لم يكن مجرد إنزال آدم من مكانه ومكانته. فهو سينزل. إن هدف إبليس أن يعرى العورات التي أمر الله أن تستر. إذن له مغزى من هذا الأمر. إننا تعارفنا أن نرفع الراية فوق الأشهاد دليلا على النصر. إن هذا الرمز بالفعل ما يفعله البشر في أي معركة، لابد من نصب الراية التي لا معنى لها إلا أنها دليل واضح ظاهر على انتصار أصحابها، حتى عندما كانت أمريكا وروسيا تتباريان في السفر إلي الفضاء والصعود إلى القمر والكـواكب الأخرى، كان أهم ما في الرحلة أن ينصب الفضائيون على سطح القمر أو تنصب آلات السفن على سطح الكواكب راية دولتهم. إذن فعلامة انتصار إبليس ورايته أن ننزل نحن رايتنا. وهي تلك التي نستر بها عورتنا. وإبليس لا يعتبر نفسه منتصرا إلا إذا نـزع لباسنا وكشف عورتنا وزيادة في القهر والإذلال يجعلنا نحن بأيدينا، ننزع عنا لباسنا. لنكشف نحن عورتنا أمام بعضنا البعض. هذا هو هدف إبليس وهذه هي رايته التي تعنى أنه انتصر يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا. ولننظر في الآيات ولنرى كيف تمت الغواية، وكيف كان إبليس حريصا عليها وعلى تحقيق أهدافه. وكيف كان يأتيهما كما قال لربه ثُمَّ لأتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (الأعراف:17). وكيف استخدم كل أسلوب ممكن. نعود للآيات: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقـالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِـنْ الْخـَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ . نحن أمام نص الحوار الإبليسي كاملا، ونلاحظ أنه استخدم فيه وسائله الثلاثة بالتدريج: (وسوس، وقال، وأقسم) وبدأ بالوسوسة وانتهى بالقسم وهو بالطبع يحلف كذبا. إن الشجرة كانت بعيدة عن آدم وحواء، لذا نهاهما الله عن مجرد الاقتراب. إلا أننا نكتشف من هذا النص أن إبليس يقول لهما: هَذِهِ الشَّجَرَةِ فكلمة: هَذِهِ تدل عن القريب بخلاف (تلك) التي تدل على البعيد وقد استعملت هذه الكلمة (تلك) ولكن بعد وقوع المحظور عندما قال لهما الله أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ إذن فقد استطاع إبليس في أول خطواته معهما أن يقربهما من الشجرة. ونجد أن عملية التقريب هذه جاءت بعد الوسوسة. فبمجرد أن آدم وزوجته يقفان أمام الشجرة حتى ان الشيطان يقول لهما هَذِهِ الشَّجَرَةِ فقد ارتكبا المعصية، وأتيا ما نهى الله عنه وقد كان النهى صريحا ولا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ. وانتقل إبليس من مرحلة الوسوسة إلى مرحلة القول الصريح ليؤكد انتصاره الذي حققه بأن قرب آدم من الشجرة التي كان بعيدا عنها جدا، يـدل ذلك ما قاله تعالى في سورة طه فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى ولننظر إلى الفرق الكبير. إنه هنا يقول هَلْ أَدُلُّك وخطوة خطوة، خطوة خطوة، وبالوسوسة وحـدها نجد أنفسنا أمام الشجرة وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ. أصبحت هَذِه للإشارة عن القريب، من أجل ذلك يحذرنا الله تعالى ليس فقط من الشيطان وإنما أيضا من خطوات الشيطان ولا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (البقرة:208). كما يحذر تعالى في بعض المحظورات المفتنة من مجرد الاقتراب. مثل قوله تعالى: لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى (النساء:43) ولا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا (الإسراء:32) ولا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ (الأنعام:151) ولا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ (الإسراء:34). هذا النهى الأخير لخطورته ورد مرتين في آيتين من سورتين. الأنعام (الآية:152) و(الإسراء:34). والجهد الأكبر يبذله إبليس للاقتراب. وبعد ذلك يسهل الأمر. لأن النفس والهوى سيشاركان الشيطان ويكونان ظهيران له على صاحبهما. وبعد أن كان الأمر وسوسة، أصبح إبليس يقول، وقد علا صوته وَقَالَ وهذا (القول) يكشف لنا عن مدى الغش والخداع الذي يستخدمه الشيطان ولعل هذا كان أول غش في تاريخ الإنسانية، يكون من الشيطان للإنسان، لذلك السلف يقولون: لقدر رأينا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة، ووجدنا أغش عباد الله لعباد الله الشياطين. والغش محرم في الدين لذا يقول رسول الله " من غشنا فليس منا"، وكذب إبليس على آدم عندما قال له إن هذه الشجرة شَجَرَةِ الْخُلْدِ وهو خبث من إبليس لا يزال يكرره، أن يغير الاسم المنفر، ويضع مكانه الاسم الجميل ولكنه مزور. لقد كانت الشجرة محرمة ولم تكن أبدا شجرة الخلد. ويغير إبليس الاسم من الشجرة المحرمة إلى شجرة الخلد، وهو أسلوب متكرر يعمل به الآن، ووسيلة من أهم وسائل نجاحه. فقد تنفر الخمور باسمها الأصلي" خمور" أو" أم الخبائث"، فيغير الاسم لتصبح " مشروبات روحية ". وليتحول اسم الربا إلى الفوائد، ويسمى العرى تحررا والحرية اسم جميل ومسمى أجمل. ثم يسمى المجون واقتراف الرذائل على مرأى ومسمع من الناس فنا. وهكذا. ومن أحدث أسمائه التي استبدلها في مصر اسم" مس إيجيبت" أي" آنسة مصر" هذا بالنسبة لمصر. فقد وجد إبليس إحجام بنات مصر عن الاشتراك في مسابقته العالمية التي سماها" مسابقة ملكة الجمال" وذلك لطبيعة أهل مصر المتدينة، وعلمهم أن الله يحرم على المرأة أن تظهر زينتها إلا لمحارمها، فغير الاسم الأصلي إلي" اختيار مس إيجيبت" أما المضمون للمسابقة فهو هو، اختيار أفضل حجم للأرداف والنهود والخصور والعيون والقدود. ومن أغرب أسمائه التي اخترعها اسم أطلقه على شاطئ للعراة بمنطقة العجمي بالإسكندرية سماه إبليس" شاطئ الفردوس" والفردوس كما نعلم أعلى الجنة وأوسط الجنة وسقفها عرش الرحمن وتنطلي الخديعة على الكثيرين من الغافلين. ثم في مرحلة ثالثة يستخدم فيها إبليس كل ما أوتى من خبث ودهاء وكذب وخداع فيحلف بالله على صدق ما يقول. يقول تعالى وَقاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ. وبذا سقطت آخر الحصون لدى آدم. إن إبليس يقسم لهما بالله. ولا يمكن أن يقسم أحد بالله كذبا - هكذا اغترا - وحتى لو كان كذلك فإنه يتحمل المسئولية لحلفه كذبا. وهذا من تلبيس إبليس. ويحدثنا الله تعالى في سورة طه عن معلومات جديدة وكيف أثر إبليس على آدم وزوجته، وكيف دخل لهما. ومن أي باب دخل. يقول تعالى: قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى. لقد لمس إبليس عليه اللعنة وترا حساسا في آدم ووضع يده على مهلكيه (الحرص والأمل)، حب التملك، والأمل في طول البقاء، الحرص على الاستحواذ، وطول العمر. التفاني في جمع المال، والخوف من الموت. كل هذا لمسه إبليس فقال غاويا: هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى. وعلى ذلك فإن كانت أول معصية حدثت في الملأ الأعلى بسبب الحسد وكانت من إبليس فإن أول معصية تحدث من آدم - وفي السماء أيضا - هي من الحرص. وكان الدافع شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى تماماً كما كان الدافع لمعصية إبليس: الكبر والاستعلاء. وكانت النتيجة فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ (الأعراف:22). لقد تدليا وهما ما زالا في السماء. لقد أسقطهما في الاختبار الذي وضعا فيه. ونجح إبليس. في أول تجربة له مع آدم. وسقط آدم في أول تجربة له مع إبليس. وكانت نتيجة السقوط في الامتحان أن تعريا وبدت لهما سؤاتهما. ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (الأنفال:53). وصل إبليس إلى النتيجة التي كان يبتغيها، وتعرى آدم وحواء وبدت لهما سؤاتهما، وبذا يكون قد رفع الراية، ويتقهقر إبليس، وهما يحاولان في خجل وفي حياء وقد اسقط في ايديهما، يحاولان تغطيه عوراتهما، ستر نفسيهما، وهما يجريان هنا وهناك، ويبتسم الشيطان في نفسه، ولعله قهقه منتشيا، واختفي من المشهد بعد أن انتهى كل شيء. يقول بعض العلماء المحدثين - حبا في المخالفة - أن معنى بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا ليس ظهور الأعضاء التناسلية لهما، ولكن بدا لهما أن هذا العمل الذي فعلاه كان سيئ ومن هنا جاءت السيئة والسيئات. وهذا القول لم يقل به أحد من علماء الإسلام قبلا ولا بعدا إلا نفرا قليلا على أعتاب القرن الواحد والعشرين مخالفين لله ورسوله والمؤمنين، ومتبعين نصا محرفا في العهد القديم والذي يقول بأن الحية - لا إبليس - هي التي دلت حواء على الشجرة وكانت من أحسن الأشياء وأعظمها، فأكلت حواء عن قولها وأطعمت آدم فعند ذلك انفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانين فوصلا من ورق التين وعملا ميازر. وإن كان في هذا النص أنهما كانا عريانين من قبل ولم يكتشفا ذلك إلا بعد المعصية، فإن هؤلاء النفر المخالفين يقولون بأن شيئا لم يحدث لهما، إنهما فقط اكتشفا أنهما ارتكبا سيئة. ورغم أن هناك قاعدة أساسية في أصول الأحكام تقول: لا اجتهاد مع النص. إلا أن المجترئين على الله ورسوله لن يخلوا منهم زمان أو مكان. فالله تعالى يقول: يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا لَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ويقول رسول الله في الحديث الذي رواه ابن أبى حاتم عن أبى بن كعب" إن الله خلق آدم رجلا طوالا كثير شعر الرأس كأنه نخلة سحوق (طويلة) فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه فأول ما بدا منه عورته فلما نظر إلى عورته جعل يشتد في الجنة فأخذ شعره شجرة فنازعها فناداه الرحمن عز وجل: } يا آدم منى تفر؟ { فلما سمع كلام الرحمن قال: يا رب لا. ولكن استحياء". وروى الحافظ بن عساكر من طريق محمد بن إسحاق عن الحسن عن ذكران عن الحسن البصري عن أبى ابن كعب قال: قال رسول الله " إن أباكم آدم كان كالنخلة السحوق. ستين ذراعا كثير الشعر، موارى العورة، فلما أصاب الخطيئة في الجنة بدت له سوأته فخـرج من الجنة فلقيته شجرة فأخذت بناصيته، فناداه ربه } أفرارا منى يا آدم { قال: بل حياء منك والله يا رب مما جئت به". وللحديث طرق أخرى. وبما أن التعري علامة انتصار الشيطان، ومخالفة الرحمن. فإن البشرية الآن بما وصلت إليه الآن من التعري، ونزع اللباس، وكشف العورات، قد أعلنت انتصار الشيطان عليها، ورفعت له الراية. لقد استطاع الشيطان أن يفتن البشرية على الأرض، كما فتن أبوهم وأمهم في السماء. روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله قال:" حاج موسى آدم عليهما السلام فقال له: أنت الذي أخرجت الناس بذنبك من الجنة وأشقيتهم. قال آدم: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر قد كتبه الله عليّ قبل أن يخلقني أو قدّره علىّ قبل أن يخلقني. قال رسول الله فحج آدم موسى". * * * * * ولكن.. لم تنته المعركة بعد.. ولا زال في عمر الإنسان بقية.. : للجميع، ومهما كان الذنب، ومهما بلغت وإن كانت سنوات أو أيام معدودة قبل أن تطلع الشمس من مغربها.. لا يزال طريق الرجوع إلى الله موجودا.. ولا يزال باب الله أمام الظالمين، والعاصين مفتوحاً ولا يزال الله تعالى الغفور، الرحيم.. باسطا يديه بالليل ليتوب مسيء النهار وباسطا يديه بالنهار ليتوب مسيء الليل. ولم تنته الفرصة بعد. والدعوة عامة مهما كان الذنب، ومهما كانت الخطيئة، ولو كانت الذنوب إلى عنان السماء، ولو كانت الخطايا تملأ الأرض. فهناك أمل في النجاة، أمل في الفلاح، أمل في الله. لقد عصى آدم ربه. وكذلك إبليس عصى ربه. لقد نهى آدم عن نهى واحدا فأتاه. وأمر إبليس بأمر واحد فلم يأتيه. كلاهما عصى ربه. فلماذا كان آدم (عليه السلام) وكان إبليس (عليه اللعنة). لماذا اختلف مصير كلا منهما مع انهما فعلا فعلاً واحدا " المعصية". آدم نهى عن الأكل من الشجرة، فأكل. وإبليس أمر بالسجود لآدم فأبى. ومع ذلك اختلف مصير كل منهما، هذا في النعيم، وهذا في الجحيم.. لماذا؟؟ لقد أخبرنا الله تعالى عن جواب إبليس عندما سأله تعالى: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ كان رده: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (الأعراف:11). أما آدم فتعالوا لنرى ما حدث معه بعد معصيته: وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَـنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقـُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (الأعراف:23) إنها نفس الفرصة التي منحها تعالى لإبليس عندما عصى. منحــها أيضا لأبوينا. ونادهما بهذا النداء. فماذا كان جوابهما قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ (الأعراف:23). هذا هو الفرق بين آدم وإبليس. أمر بسيط وغاية في السهولة واليسر مهما كان الذنب فالتوبة تمحوه. فقط بأن يعود المذنب إلى ربه، يعترف له بالذنب - ويعترف له وحده لا لغيره - ويطلب منه العفو. وسيجد الله. عفوا غفورا توابا رحيما. جوادا كريما. إلها عظيماً.قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (الزمر:53). وبلغ من كرم الله أنه تعالى ليس فقط يغفر الذنوب، بل إنه تعالى قد يحولها جميعا إلى حسنات ومهما بلغت فقط أن يتبع ذنوبه بالعمل الصالح: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ ولا يَزْنـُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يـَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (الفرقان). * * * * * الأرض ثـابتة لقد أقسم إبليس على الغواية قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إلا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ (ص) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَلأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إلا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ (الحجر) وكفر إبليس بمخالفته أمر الله تعالى وهو يعمل جاهدا لأن يجعل بنى آدم كذلك.وإلى درجة كبيرة نجح إبليس في تنفيذ خطته وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(سبأ:2). لقد اتبعت معظم البشرية إبليس عليه اللعنة في مخالفة الله. وتتحسر عندما تجد النبي يبعث في آلاف مؤلفة من الناس فلا يتبعه إلا قليل. لقد أرسل نوح إلى أهل الأرض بعدما خالفوا الرحمن واتبعوا الشيطان، ومكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الإيمان بالله، وعندما تنتهي مهمة نوح مع قومه ويأمره الله بأن يركب الفلك مع المؤمنين به، يعتصرك الأسى وأنت تقرأ قوله تعالى وَمَا آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ (هود:40). وتتعجب عندما تعلم حصيلة خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام في دعوته لقومه كم آمن به في المرحلة الأولى من دعوته (في بابل) فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ (العنكبوت:26). وإذا ذهبت إلى قرى لوط السبعة لتبحث فيها عن المسلمين فلا تجد أحدا على الإطلاق إلا بيت لوط ولم يكتمل عدده لكفر امرأته فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ (الذاريات:36). وقرية أرسل الله فيها ثلاثة من المرسلين فلم تكن الحصيلة إلا رجلا واحدا قتله قومه لاتباعه المرسلين.فانتقم الله منهم أجمعين وجعل الله هذا الرجل من المكرمين.وهكذا الحال في كل الأمم، مع كل المرسلين، باستثناء موسى عليه السلام، الذي اتبعه عدد لا بأس به.ومحمد الذي أرسل رحمة للعالمين وكان من أكثر الأنبياء اتباعاً. واستحق إبليس عليه اللعنة غضب الله وقال تعالى له: قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (ص) أعتمد إبليس في تلبيسه على الناس بمخالفة الله بتحريضهم على تحريف كلماته المنزلة فحرفوها حتى نزل القرآن وتكفل الله تعالى بحفظ هذا الكتاب من التحريف وعلم إبليس أنه لا سبيل لتحريف كلمات الله هذه فحول نشاطه إلى تحريف معانيها. ولأن أهداف إبليس كبيرة وبعيدة العمق، فهو لا يعجل وإن كان يحث الناس على العجلة، فهو يضع خطته ويرسم أهدافه، وينفذها بخطوات، خطوة، خطوة.المهم، أن يصل في النهاية بالناس إلى مخالفة الله، مخالفة قوله وأوامره، وفطرته.وبذلك استطاع عليه اللعنة أن يقلب أفكار الناس، وأحوالهم، وفطرتهم رأسا على عقب. فهل يتصور عقل سوى أن سبع قرى بكامل أهلها تقلب فطرتها فيشتهي الرجال بعضهم بعضا ويزهدون في النساء؟ لقد تم ذلك في قوم لوط. وهل يتصور عقل سوى أن أمة بأسرها يقلب حالهم فيعتبرون خير الكسب وأفضل العيش أن يسرق بعضهم بعضا ويغش بعضهم بعضا؟ لقد حدث ذلك مع قوم نبي الله شعيب. وهل يتصور عقل سوى أن أمة بأسرها ينقلب فكرها فتظن الخير والنفع في حجارة يعلمون أنها لا تنطق ولا تسمع؟ لقد كان ذلك في قوم إبراهيم. هل يتصور عقل سوى أن أمة أكرمها الله تعبد عجلاً صنعته بأيديها وعملته بنفسها؟ لقد فـعل ذلك بنو إسرائيل بعد أن أنجاهم الله من فرعون وجنوده ورؤيتهم آيات الله في ذلك. ولو رحنا نحصى عجائب البشر في انتكاس فطرتها ومخالفتها ليس فقط لأوامر الله بل لأبسط قواعد العقل والفطرة، فلن ننتهي. ولعل من أكبر الأمور عجبا وأعظمها غرابة أن يستطيع إبليس إقناع أكثر من خمسين ألف مليون من البشر هم سكان الكرة الأرضية علي مدار قرن من الزمان بأن هذه الشمس التي يرونها بأعينهم تدور حولهم، والتي ظلت البشرية منذ فجر التاريخ وما قبل التأريخ، أي منذ وجود الإنسان علي الأرض وهم متفقون جميعا علي أن الشمس تدور حولهم، وعلي رغم قول الله في كتبه كلها أن الشمس تجري وتدور حول الأرض، وعلي الرغم من بعث مائة وأربعة وعشرين ألف نبي ورسول إلي البشر، لم يقل واحد منهم بغير ذلك، إلا أن إبليس نجح نجاحاً منقطع النظير أن يقلب كل ذلك ويقلب فطرة كل سكان الأرض ويكذبوا أعينهم ويخالفوا ربهم ورسلهم وأسلافهم ممن عاش قبلهم علي الأرض فيقولون أن الشمس هي مركز عالمهم، وأن الأرض التي يقفون عليها ويعيشون فيها هي التي تدور بهم وبمدنهم وقراهم حول الشمس، وكذلك كل الكواكب الدراري تدور حول الشمس التي سموها (أم) في آخر الزمن. هل يتصور عقل سوي أن ذلك يكون؟ وممن؟ من الجيل الذي صعد إلى الفضاء ومشى على القمر.وجعل الأرض مثل الكرة بين يديه.الجيل الذي ظهرت فيه أعظم المخترعات وأخطر الاكتشافات، الجيل الـذي فيه ملايين المؤمنين بالقرآن الذي يقـول الأرْضَ قَرَارًا ويقول وَالشَّمْسُ تَجْرِي. وفيهم ملايين المؤمنين بالكتب المقدسة الثابت فيها أن الأرض ثابتة والشمس هي التي تدور حولها. وفيهم رجال الفكر والفن والأدب والسياسة، يضحك إبليس على كل هؤلاء ويستغفلهم ويقلبهم رأسا على عقب كما قلب فطرة قوم لوط وقوم شعيب وقوم إبراهيم.. وغيرهم وغيرهم. ورب قائل يقول إن مخترعاتهم ومكتشفاتهم هي التي أدت إلى هذا الانقلاب كاكتشاف من الاكتشافات. نقول: إن إبليس نجح أن يقنع البشر بذلك قبل هذا الاختراعات والاكتشافات حتى يكون هو صاحب الفضل في هذا التحويل وأنه وحده عليه اللعنة الذي قلبهم على رؤسهم. أم ترى: هل كانت البشرية كلها والحضارات كلها هي التي كانت على ضلال وهذا الجيل فقط في هذا القرن، هو الذي عرف الحقيقة التي عميت على الأسلاف؟ كما يقول (عباس محمود العقاد):" وقد جهل الناس شأن الشمس الساطعة وهي أظهر ما تراه العيون، وتحسه الأبدان، ولبثوا إلى زمن قريب يقولون بدورانها حول الأرض ويفسرون حركاتها وعوارضها كما تفسر الأحلام والألغاز. ولم يخطر لأحد أن ينكر وجود الشمس لأن العقول كانت في ظلام من أمرها فوق ظلام، ولعلها لا تزل". إنه لأمر غريب حقا، بل لعله من أغرب الأمور التي حدثت في حياة البشر، أن يعيش الناس ومعهم أنبياؤهم في ظلام طوال تاريخهم على الأرض وقد ظهر فيهم فلاسفة ومفكرون أثروا في عقول الناس أحقابا. ثم كيف يترك الإله عبيده في ظلام وضلال من هذا الأمر طـول هذا الوقت؟ لماذا لم يتطوع أحد الأنبياء المائة وأربعة وعشرين ألفا وينبهوا أممهم لهذا الضلال وهم الذين حدثوهم عن كل كبيرة وصغيرة؟ أم ترى أن الأنبياء والمرسلين أنفسهم كانوا يجهلون هذا الذي علمه كوبرنيقوس وجاليليو؟ رباه.. إنه لأمر محير.. هل كان جاليليو الذي كان عدد النسوة اللائى كان ينام معهن أكثر من عدد الرجال الذين عرفهم، أعلم بالكون من محمد الذي كان أطهر من ماء السماء؟ هل جاليليو الذي لم يتزوج وعاش حياته بين المومسات أعلم من عيسي روح الله ابن الطاهرة البتول؟ هل كان جاليليو الذي أنجب أولاده جميعا من الحرام أعلم من موسى كليم الله، المخلص الرسول؟؟ رباه.. أين الحق؟ أين الحقيقة؟. لكن ما ضرني إذ لم أعرف الحقيقة؟ ما ضرني لو كانت الشمس هي التي تجرى حول الأرض أو أن الأرض هي التي تفعل؟ هل سيغير هذا من الأمر شيء؟ هل سيؤثر ذلك علىً في شيء؟ ألست مستفادا بالشمـس على أي حال؟ لا.. لا.. الأمر أكبر من استفادتي للشمس.. وأكبر من مجرد علمي أو جهلي بحقيقة أمرها.الأمر أخطر.. إنه جد خطير، إذ لو كانت الشمس هي التي تجرى والأرض ثابتة فإن ذلك يعنى استنتاجا خطيرا.. أن الأرض كلها ليس عليها رجل رشيد.ولكن هل هذا معقول؟ ولو كانت الأخرى لكان الأمر أخطر وأفدح.إنه استنتاج لا يمكنني كمؤمن بالله وكتبه ورسله أن أتصوره. ألا من حل وسط؟ ولكن أي وسط بين أمرين ليس في الوجود كله أبين منهما.سكـان الأرض الآن يقولون بأن الأرض هي التي تـدور حول الشمس.. هكذا ثبت لهم الأمر أخيرا.. وسكان الأرض من آدم حتى قبل قرن كانوا يقولون بأن الأرض ثابتة وأن الشمس تجرى حولها.وقد أخبرت بذلك كل الحضارات دون استثناء، وقد أيدهم في ذلك كل الأنبياء دون استثناء، وأيدهم جميعا الله في جميع الرسالات من صحف إبراهيم وموسى إلى قرآن محمد صلى الله عليهم أجمعين. أم ترى أن كلاهما مصيبا في رأيه، سكان الأرض الآن، وسكانها قبل قرن؟ أي أن الشمس والأرض تبادلتا الأدوار منذ قرن أو ثلاث قرون عندما أثبت ذلك جاليليو؟ أو عندما أكتشفها كوبرنيقوس؟ إنها أيها السادة مشكلة.. مـن نصدق؟ ومن على الصواب ومن على الخطأ؟ ومن على الهدى؟ ومن على الضلال؟ أتكون البشرية الآن بكل مكتشفاتها ومخترعاتها وعلومها وتقدمها على ضلال؟ أم تكون البشرية قبل ذلك بكل تاريخها وكتبها وأنبيائها هم الذين كانوا على ذلك؟ وبالطبع لا يمكن أن يكون كلاهما على خطأ أو كلاهما على صواب. الحق أقول لكم إنني، عن نفسي، لست متشككا في أن الأرض ثابتة وأن الشمس وكل ما في السماء يدور جميعا حول الأرض كل يوم دورة.إنني على يقين مـن ذلك.سبحان الله.. هل أكذب كلام الله؟ هل أكذب كلام الأنبياء؟ هل أكذب كل بني آدم من آدم إلى جاليليو أو كوبرنيقوس؟ هل أكذب عيني؟ أكذب نفسي؟ إنني أيها السادة أخالفكم جميعا، أخالف كل سكان الأرض، الذين ولدوا بعد عصر النهضة حتى الآن وإلى أن تغيروا رأيكم إلى ما يقوله الله في كل كتبه وما يقوله كل الأنبياء.وما تقوله كل الحضارات.وسـموني أن شئتم رجعياً.. أو متخلفاً.. أو حتى مجنوناً.. فلا ضيروَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ. إن في إجـماعكم أيها السادة على ما تقولون من دوران الأرض حول الشمس انتصار لإبليس.وانتصار لحزبه الذي صنع عصر الإلحاد وسماه تلبيسا عليكم (عصر النهضة) وانتكستم نفس الانتكاسة التي انتكسها أقوام كثيرون ظهروا على الأرض، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. لا تقولوا أن الأمر ليس فيه مشكلة إلى هذا الحد الذي أراه.بدليل أن أحد الفريقين من كان قبل عصر النهضة ومن كان بعده لم تقصر الشمس في حق أي منهما، تماما كما أن الله تعالى لم يقصر في حق أحدهما، حتى من كفر به أعطاه حقه غير منقوص.فالأمر أخطر مما تظنون.فالقول بدوران الأرض ومركزية الشمس هو في حقيقته رفع لراية الشيطان وانتصاره، نرفعها جميعا على أرض الله.لأن فيه مخالفة صريحة للرحمن واتباع كامل للشيطان. قصة إبليس مع الشمس إن مقولة دوران الأرض حول نفسها، وحول الشمس، ومركزية الشمس للكون ثم التعديل إلي مركزيتها لمجموعة الكواكب، لها مع إبليس قصة. بل إن الشمس ذاتها لها مع إبليس قصة طويلة. لقد استطاع إبليس بكل وسائله غير المشرعة، أن يخرج البشرية كلها متمثلة في (آدم) من الجنة ويهبط بها إلى الأرض بغوايته وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (طه:121). ونجح إبليس أن يقنع آدم وزوجته حواء بأن يأتيا النهي الوحيد لهما وأن يأكلا من الشجرة الوحيدة المحرمة من دون كل شجر الجنة.ولم يترك إبليس في سبيل ذلك وسيلة إلا فعلها فوسوس، وقال، وأقسم، وخدع، وغش، وفي النهاية.. نجح. وكان رمز نجاح إبليس أن تعرى آدم وزوجه وكشفت عورتهما.ولولا توبتهما السريعة والصادقة لخسرا خسرانا مبينا. وقصة إبليس مع الشمس من أكبر قصصه، فرغم أنها أعبد خلق الله لله، وأطوع خلق الله لله وأنفع خلق الله لخلق الله، فقد نجح إبليس أن يعبد معظم الناس الشمس.هذه المسخرة لهم، المذللة لمنفعتهم، الدائبة لخدمتهم، استطاع إبليس أن يقنع الناس باتخاذها إلهاً يعبد من دون الله. المطالع لتاريخ البشر يجد أن الشمس احتلت المركز الأول بين الآلهة التي عبدت من دون الله.ولم ينل معبود ما نالته الشمس من عبودية من البشر. لذلك ليس غريباً أن يجعلها الله أول وأكبر علامة على مجيء يوم القيامة بطلوعها يوماً بين يدي الساعة من مغربها.وليس عجيباً أن يكورها الله تعالى يوم القيامة ويلقى بها في النار.وقد كانت من أعظم العباد لله، وليس ذلك تعذيباً لها، فهي ستكون في النار مثلها مثل خزنة النار من الملائكة، ولكن ليراها البلايين الذين أطاعوا الشيطان وعبدوها أنها معهم في النارإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (الأنبياء). إن أمما بأسرها بحكامها ومحكوميها، بعلمائها وعوامها، بحكمائها وسفهائها، برجالها ونسائها.أغواهم الشيطان فعبدوا الشمس التي هي خادمة لهم ومسخرة. هذه أمة من أسعد الأمم، وحضارة من أكبر الحضارات يغويها الشيطان بالشمس وقص الله علينا في سورة (النمل) خبرها فقال تعالى حاكيا عن هدهد سليمان: فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (24) أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَــوَاتِ وَالأرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ. القدماء المصريون وصلوا إلى حضارة خلدها التاريخ، ورغم أن الله تعالى دمرها فقد أبقى بعض أطلالها لتشهد لهم بما أوتوا، وبقدرة الله عليهم، رغم ذلك. يقول تعالى: وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (الأعراف: 137) فإذا كانت هذه الآثار العظيمة الموجودة حتى الآن هي جزء لا يذكر مما دمره الله لهم فكم تكون صناعتهم وحضارتهم.هؤلاء بحضارتهم وعظمتهم غرر بهم الشيطان وعبدهم للشمس، فكانت أعظم آلهتهم وأول معبوداتهم، فبنوا لها المعابد، وسموا باسمها المدن، واتخذ كثير من الأسر الفرعونية قرص الشمس رمزا لهم، وتاجاً على رؤوس ملوكهم.وكانت على المدى الطويل الإله الرئيسي بين الآلهة. وكانت الشمس في أجزاء متعددة من بلاد الشرق موضوعاً بارزاً للعبادة ففي بلاد (إليريا) (منطقة قديمة كانت على ساحل البلقان) وجد تراث قديم لعبادة الشمس. وفي سوريا كانت المدينة التي نسميها مدينة" بعلبك" معروفة عند اليونان باسم " هليوبوليس" أو مدينة الشمس. وكذلك في بلاد ما بين النهرين حيث انتشرت عبادة الكواكب. أما في فارس فقد كانت الشمس أحد الضباط الأساسين لأهورا مزدا في صراعه في الظلام، وكان لـ (سول) إله الشمس عبادة قديمة في روما ومع تحرك مركز الجاذبية للإمبراطورية الرومانية تجاه الشرق أن تزداد عبادة الشمس قوة، ولقد كانت قوية بالفعل في الدعاية للإمبراطورية فكان بيت نيرون الذهبي مسكنا ملائما للشمس المجسدة.كما أضفى أنطونيوس، الإمبراطور الروماني على الشمس احتراما خاصاً.ولقد أصبحت عبادة الشمس مهيمنة في عهد أسرة سيفروس فكان إله الشمس يصور مع لحية سيفروس (من أباطرة الـرومان) المتميزة.واتخذ الإمبراطور لقب (الذي لا يقهر) وكان هو اللقب الخاص بالشمس، وكان ذلك تطورا طبيعيا، فالشمس كانت رمزاً توحيدياً ونقطة تجمع للإمبراطورية بأسرها. وفي عام 274 م نصب أورليان إله الشمس إلهاً أعظماً للإمبراطورية الرومانية. وقال أرنست رينان (إمبراطور روماني) لو أن المسيحية انهارت لسادت في العالم عبادة الشمس. وقد كانت مسيحية الإمبراطور قسطنطين مسيحية مبهمة غامضة فأسرته كانت تدين بالولاء التقليدي لإله الشمس. ونظرا للدور الذي لعبه الشيطان مع البشر باستغلال الشمس، فقد كان للشمس دور بارز وشأن آخر في الإسلام، فقد أعيد للشمس وضعها الصحيح ووضعت في مكانها الطبيعي، ونفي عنها ما ليس لها.وأثبت لها ما خلقت له، فهي في العقيدة الإسلامية جرم من أجرام السماء تعمل في خدمة الإنسان فهي مسخرة له، تدور حول الأرض دائبة، طائعة لربها ومسخرها، ليس لها من أمرها شيئا، إنما أمرها لله. وبعد أن كانت الشمس قبل ظهور الإسلام أشهر الآلهة، وأول معبود، فقد أصبحت أكبر رمز للعبادة، والعلامة الرئيسية لعبادات المسلمين الكبرى لله الواحد الأحد.فبها تتحدد مواقيت الصلوات الخمس.وبها يبدأ وينتهي صوم رمضان، وبغروبها تجب زكاة الفطر.والوقوف بعرفة في الحج، وبطلوعها يتحدد مواقيت صلاة العيدين، حتى عندما تكسف تشرع صلاة الكسوف، وهي كلها عبادات تؤدى لله سبحانه وليس لها.ثم بطلوع الشمس من مغربها إيذانا بانتهاء عمر أمة الإسلام. وعند ذلك تنتظر الأرض ومن فيها والسماء ومن عليها قيام الساعة. هكذا جعلت أمة الإسلام الشمس دليلا على عبادة الله على غير كل الأمم.يقول تعالى: أَقِمْ الصّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ( الإسراء:78) وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ( طه:130). وغلقاً لباب الفتنة وسدا للذرائع نهي رسول لله عن الصلاة حال شرق الشمس أو غروبها.لعدم التشبه بعبادها. وهكذا أعيد الوضع الطبيعي والصحيح للشمس، أنها عابدة لا معبودة، وأنها مسخرة لخدمة أهل الأرض. وبالطبع لا يرضي هذا إبليس فبدأ يعمل مرة أخرى لتغيير الوضع، ولأن قصته مع الشمس، لا تنتهى إلا بنهاية الشمس، فهو علـيه اللعنة اتخذ لنفسه عرشاً، وجعله تحت الشمس مباشرة، ليرضي بذلك غروره، متوهماً أن الشمس تسجد له عندما تسجد لله، وأنها تطلع من عنده عندما تطلع من مستقرها. وقد ثبت عن رسول الله " أن الشمس تطلع بين قرني الشيطان" والمؤكد أنه لا علاقة للشمس بالشيطان، ولا شأن لها به، لكنه هو الذي جعل عرشه تحت مستقرها، ثم هو ينتصب بقرنيه كلما وصلت الشمس إلى هذا المستقر ليبدو أنها تشـرق أو تغرب من بين قرنيه. وقد عمل عليه اللعنة بصبر وتؤده على ان يغير الناس نظرتهم إلى الشمس وخاصة المسلمين الذين أنهوا عبادة الشمس بين الناس، وظلت بعقيدتهم التي نشروها تدور مسخرة حول الأرض لعدة قرون، وكأن إبليس يقول للبشرية: تكفيكم هذه القرون من تعبيد الشمس لله، ولتعد للشمس قداستها. وجاء كوبر نيقوس: ( 1473 - 1543 ) وطبقا لخطة محددة من إبليس بدأ بتنفيذ خطواتها خطوة خطوة، أوحي إلى كوبرنيقوس بالفكرة، وذلك لتغير الأوضاع القائمة، لا لشيء أكثر من مخالفة الله، وبتغيير وضع الشمس التي طال استقرارها أكثر مما ينبغي. ووضع كوبرنيقوس ما أوحاه إليه الشيطان في كتاب سماه (حركات الأجرام السماوية) قال فيه:" في هذا المعبد الكبير، من ذا الذي يستطيع أن يضع تلك الشعلة المضيئة في مكان آخر سوى المركز، حيث تضئ كل الأشياء في وقت واحد. فهذه الشمس هي نور العالم، بل هي روحه بل هي التي تتحكم فيه وهي جالسة على عرشها القدسي، ترشد أسرة الكواكب إلى طريقها". كانت هذه أيها السادة الآية الشيطانية الأولى في كتاب كوبرنيقوس الذي كان السبب في الانقلاب الكبير، فلم يكن الأمر بأدلة أو باكتشاف خطأ البشرية القديم، بل كانت البداية ملحدة، كافرة، أن الشمس من فوق عرشها القدسي تنير وترشد وتتحكم في العالم.وهذه صفات الربوبية والألوهية، تعطى للشمس لكي تعبد من جديد من دون الله.ثم جاء كوبرنيقوس بأدلة بعد ذلك (مسروقة) ليثبت بها ألوهية الشمس.والحقيقة أن هذه الأدلة التي سرقها كوبرنيقوس كانت تثبت عبودية الشمس وحركتها وتسخيرها، ولكنه بالغش والخداع استبدل الألفاظ بغيرها على الوضع الذي سنراه. يقول" أحمد سعيد الدمرداش" في عرضه لكتاب (حركات الأجرام السماوية) لكوبرنيقوس:" لأول وهلة عند قراءة كتاب كوبرنيقوس الذي يتألف من ستة أجزاء لا يستطيع المرء أن يفرق بينه وبين كتاب المجسطي للخوجه نصر الدين الطوسي، نفس الترتيب ونفس جداول القسي وأوتارها وجداول القسي وجيوبها، فقط غير كوبرنيقوس موضع الشمس بموضع الأرض". ثم يضيف (الدمرداش)" أما في جداول حركات أوساط القمر وجداول الاختلافات الجزئية، وجداول اختلافات مناظر النيرين في دائرة الارتفاع، وجداول الاجتماعات والاستقبالات، فتكاد تكون نقلا، ذلك لأن كوبرنيقوس لا يعقل أن يقوم بكل الأرصاد التي أخذت من الذهن البشرى آلافا من السنين قبله، فهو اكتفي بذكرها بعد إدخالها في إطار نظامه الجديد". هذا هو الكتاب الذي استبدلت كلماته بكلمات الله، كتاب مسروق، كل ما فيه هو تماما ما في كتاب تحرير المجسطي للخوجه نصر الدين الطوسي.ولم يأت فيه كوبرنيقوس بجديد كل ما فعله أنه استبدل كلمة الأرض بكلمة الشمس والعكس، وانقلب نظام الكون بهذا الأسلوب. والحقيقة أن فكرة دوران الأرض لم يكن كوبرنيقوس هو مفكرها ومبتدعها إنما قال بها قبله الفيلسوف الإغريقي فيثاغورث - الذي ظهر قبل ميلاد المسيح - ولم تحظ مقولته بقبول أو اهتمام ولم يلتفت لها أحد، ولم تخرج من الورق الذي كتبت فيه، والتي وقعت في يد كوبرنيقوس فأخذ الفكرة ووجدها مناسبة لحل بعض معضلات أراء بطليموس في تفسيره لحركة الأجرام السماوية، وقد وجد بها كوبرنيقوس تعقيدا، لأن الدوران الذي فسر به حركة الكواكب كان يعتمد على دوران كل كوكب حول نقطة معينة، هذه النقطة تدور بدورها حول الأرض وسمى بطليموس هذا الفلك الذي يدور فيه حول مركز وهمي أنه فلك التدوير بموجبه يكون الكوكب السيار الدائر حول الأرض مقتربا من الأرض حينا ومبتعداً حيناً آخر، أثناء دورانه، على أن الفـرق بين البعد والقرب ليس كبيرا.وهذا تفسير خاص ببطليموس كتفسيرات غيره التي لا تعتمد على دين ولا على علم حقيقي لأنهم جميعا لم يشهدوا خلق السموات والأرض. ورغم أن هذا التفسير لم يرق لكوبرنيقوس إلا أنه جاء بتفسير أعقد، أخذ الفكرة فيه من فيثاغورث الذي قال فيها قولا فلسفيا، غير أن كوبرنيقوس حوره على أساس تجريبي رياضي حيث قد بدأ في أوروبا آنذاك ظهور علامات الاتجاه التجريبي الذي كان ولادته على يد جاليليو الذي يعتبرونه رائداً لهذا المذهب.وهو مذهب ينبذ النظريات الفلسفية التي تعتمد على مجرد الفكر والتأمل والاعتماد على التجربة والمشاهدة مع تنحية فكرة (الإله) جانبا. ليتحركوا في تجاربهم دون قيود من دين أو فلسفة. بنى كوبرنيقوس نظريته على الأسس التالية: (1) لا توجد مراكز لجميع الدوائر والكرات السماوية. (2) مركز الأرض ليس مركز الكون بل هو مركز الثقل لها فقط. (3) أن الشمس هي مركز الكون وجميع الكرات تدور حولها. (4) بعد الأرض عن الشمس يعتبر ضئيلاً بالنسبة لارتفاع كرة النجوم الثوابت. (5) للأرض حركة دورانية حول نفسها كل يوم وما يشاهد من حركات النجوم نتيجة لحركة الأرض. (6) للأرض حركة أخرى سنوية حول الشمس. (7) للأرض حركة ترنحية (مثل حركة النحلة التي يلعب بها الأطفال) فإنها تترنح عند دورانها. (8) تدور الأرض في دائرة ليست الشمس في مركزها.بل مركزها نقطة أخرى هذه الأخيرة تدور حول الشمس. ووقع كوبرنيقوس في تعقيد أشد مما أخذه هو على تفسير بطليموس السكندري لحركات الكرات السماوية، وتعرض لنقد عنيف نتيجة التناقض الكبير في تفسيره ونظريته. وشعر كوبرنيقوس بخطورة ذلك التحول الفكري، وتصادمه مع المحسوس، وتناقضه مع الدين ومعتقدات الناس جميعا فاستشهد بإحدى قصائد شاعر الرومان" فرجيل" الذي يقول: " إننا نبحر في الميناء نرى البلاد والمدائن تتحرك إلى الوراء. هذه حواسنا التي تخدعنا كل يوم. فما نراه متحركا هو في الحقيقة ساكن. والنجوم نشاهدها كل يوم تتحرك، وهي ليست كذلك، إن الأرض التي نقف عليها هي التي تتحرك". وعلى هذا فقد أنكر كوبرنيقوس كل الظواهر المرئية واعتبرها نتيجة لدوران الأرض أي أنه في مقابل إثبات بطليموس لحركات غير مرئية للأجرام السماوية حيث إنها تدور حول نقطة معينة ثم وهي تدور حول الأرض.فهكذا قال بطليموس وأرسطو.فيأتي كوبرنيقوس ليلغى هذه الحركة غير المرئية، ويقابلها أيضا بإلغاء الحركة المرئية الظاهرة ويقول بتفسير حركاتها بدوران الأرض حول نفسها بينما هي ثابتة. هذه هي نظرية كوبرنيقوس، لان بطليموس أثبت للكواكب حركة غير مرئية فيلغى هـو، ليس فقط الحركة غير المرئية بل الحركة المرئية أيضاً.ثم تكون أدلته من كتاب نصر الدين الطوسي، بل الكتاب ذاته بعد أن يستبدل مواضع الشمس بالأرض ينسب الكتاب إلى نفسه.ولم يفطن أحد لهذه السرقة إلا في أيامنا هذه. وقوبلت نظرية كوبرنيقوس بانتقادات شديدة منها أن الحركة السريعة التي أثبتها للأرض حول نفسها وحركتها حول الشمس كفيلة بأن تقذف جميع الأجسام الموجودة عليها إلى الخارج فلا يبقى على الأرض شيء. وكان رده على هذا النقض بأن أرسطو أيضا يقول بأن النجوم الثوابت معلقة كالقناديل في كرة شفافة هي الفلك الأخير رغم أنها أسرع دورانا من أي كرة فإن النجوم لا تتناثر في الفضاء، هذا هو رده، فكما أن النجوم لا تتناثر من فلكها المسرع فكذلك الأشياء التي على الأرض. كما اعترضوا على نظريته بأننا إذا أطلقنا قذيفة عمودية فوق الأرض فإنها بعد مدة ستسقط في مكانها ولو كانت الأرض تتحرك وتدور فلن تسقط القذيفة في مكانها.ورد كوبرنيقوس بقوله: إن الجسم المقذوف يأخذ حركتين، حركة لمركز الأرض بطبيعته وحركة دورانية حول الأرض وهذه الثانية لا نراها. يقول (الدمرداش):" قام كوبرنيقوس بالرد على الاعتراضات بنمط هجين تصورات أرسطاطاليسية مع أفكار أخرى غريبة، وفي الواقع إن نظرية مركزية الشمس للكون التي نادى بها كوبرنيقوس في متنه الكبير، قد خلقت ناقصة التكوين واحتاج الأمر إلى سنين أخري ليظهر عباقرة أمثال جاليليو وكبلر ونيوتن يقومون بتدعيمها فيزيقيا ورياضيا". لقد كتب كوبرنيقوس متنه هذا ليس على أساس أن ما توصل إليه فيه هو الحق، بل إنه كان مفترضاً لما يقول.ويقال أنه لعدم قناعته الكاملة بنظريته ولنقص الأدلة العلمية، ولخشية السخط العام، فإنه لم ينشر نظريته حتى توفي، فقام" رثيكوس" أحد تلامذته بنشر الكتاب بعد ثلاثة عشر عاماً من تأليفه وذكر في مقدمته أنه يعرض النظرية ليست على أساس ثبت علمي بل كافتراض قابل للعكس.لهذا ظلت نظرية كوبرنيكوس قرنا من الزمان لا يرد عليها نظرا لتهافتها وللقناعة التامة من جماهير الناس بعكس ما يقول كوبرنيقوس، لذلك لم يحدث صدام بين كوبرنيقوس والكنيسة، وقد كانت آراء كوبرنيقوس معلومة للكنيسة ولأوساط العلماء والتجريبيين والفلاسفة، قبل إن ينشرها في كتاب، لأنه نشرها قبل ذلك في مقالات، وذكرهـا في محاضرات.إذ أن الكنيسة رأت أن ما يعرضه" مجرد افتراضات لا تؤثر في الحقيقية أو واقع الأمر شيئاً" بل كان مفكرو عصره يتندرون على آرائه كلما ذكرت.يقول" مارتن لوثر":" أرى الناس يصغون إلى منجم جديد يبذل جهده في البرهنة على أن الأرض هي التي تتحرك لا السماء وما فيها من أفلاك وكيف يريد هذا المعتوه أن يقلب أساس علم الفلك، والكتاب المقدس يخبرنا بأن يوشع أمر الشمس بالوقوف لا الأرض". ويؤيد (كالفن) ذلك القول بقوله بعد الإشارة إلى أحد نصوص التوراة:" إن الأرض ثابتة بحيث لا يمكن تحريكها، ومن ذا الذي يتجاسر بأن يضع رغبة كوبرنيقوس فوق إرادة القدرة الإلهية". وإن لم تكن الكنيسة قد تدخلت، فقد انتقد المفكرون كوبرنيقوس ذاته بشدة وذلك لأنه قال ما يعارض الدين بهذه النظرية التي ليست فقط تفترض دوران الأرض وثبات الشمس، بل بإلغاء فكرة العلة الإنسانية لنظام الكون وهي مبدأ أساسي في الدين، كذلك تلغى نظريته فكرة وجود محرك لهذه الكرات السماوية، بل إنها تتحرك بإرادتها وبتأثير الشمس وليس أمر آخر.وجاء نيوتن وأكد ذلك بنظرية الجاذبية التي ألغت فكرة الإله بالمرة. إن كتاب كوبرنيقوس عن الحركات للكرات السماوية، وكتاب جاليليو" الحوار" الذي أيد فيه هذه النظرية وحاول إثباتها، أتمنى أن يقرأهما علماء المسلمين ليروا كيف أن هذين الكتابين اللذين أحدثا الانقلاب الكوني كما نرى كانا أساسا لمعارضة فكرة الدين وإلغاء كل المبادئ الدينية، ذلك الذي أثار حفيظة رجال الكنيسة، وليروا كم كانت ضربتهم هم للدين قاصمة لتأييدهم أفكار هذين الرجلين، واتهامهم لرجال الكنيسة بالجمود والتسلط. رائد عصر الإلحاد: جاليليو جاليليه لقد كان من الممكن أن تدفن أفكار كوبرنيقوس في طي النسيان حيث مر قرابة قرن من الزمان ولم يتغير في الكون شيء، ولم يكن ثم جديد عن الشمس والقمر، لولا أن سخر إبليس جندياً جديداً من جنوده الذي كان أجدل من كوبرنيقوس.إنه جاليليو جاليليه الذي ولد في 15 فبراير عام 1564 في مدينة (بيزا) الشهيرة ببرجها المائل، وتلقى علومه بجامعتها وعين مدرسا للرياضات بتلك الجامعة.ثم بدأ اهتمام جاليـليو بعلم الفلك وقرأ كتابات كوبرنيقوس واقتنع بها وراح يناصرها في محاضراته وكتاباته.وكان أكثر ما جذب جاليليو لأفكار كوبرنيقوس معارضتها لمبادئ الدين الأساسية. وبدأ جاليليو أولا بإبراز عدم تنافر التعاليم الكوبرنيقية مع تعاليم الكنيسة.ثم بعد ذلك طالب جاليليو رجال الكنيسة بعدم تدخلهم في الأمور العلمية وتركهم يقولون ما يقولون حتى لا تبدو الكنيسة في موقف العاجز في المستقبل. وعلى الجانب الأخر بدأ جاليليو يدعو لتعاليم كوبرنيقوس.جرأة منه ومن علماء عصره في تناول قضايا تمس صميم الدين، فحرمت بعض الكتب العلمية وهي ليست بالطبع علمية بالمعنى الصحيح للعلم، بل كانت في الحقيقة كتبت كفرية.ووجهت الكنيسة تحذيرا إلى جاليليو للكف عن مناصرة الآراء الكوبرنيقية. وفي عام 1632 أنهي جاليليو كتابه وطبع (الحوار) وهو الكتاب الذي غير نظام الكون رأساً على عقب رغم أنه لم يأت بأدلة جديدة على أدلة كوبرنيقوس غير أنه عمل على الرد على جميع الانتقادات التي وجهت للنظرية، هذا فضلا عن احتواء الكتاب لأراء تنطوي على كفر صريح بالدين وتكذيب لأمور الغيب من الجنة والنار والعرش والملائكة وغيرها ولولا خشيته من رجال الكنيسة لأنكر وجود الله.بيد أنه وإن كان قد اثبـت للكون إلها فقد كان إلهاً كالعدم فقد سلبه جميع خصائص الألوهية والربوبية ليصبح إلها خاصاً بعلماء عصر النهضة شبيها بعض الشيء بإله أبى جهل وأبى لهب إلا أن الأخيرين على كفرهما أكثر إيمانا من جاليليو وأتباعه. وإزاء هذا الموقف من جاليليو فقد حذرت الكنيسة بيع الكتاب بعدما احتال جاليليو على طبعه، وإذ لم يمتثل جاليليو بقرار الحظر تم تشكيل محاكمة لمحاسبته بسبب ذلك. وخلال أربع جلسات للمحكمة تراجع جاليليو عن آرائه وتنصل من كتابه وتبرأ من كوبرنيقوس وأشيع الآن كذبا أن جاليليو ظل يصرخ في الجلسات وفي محبسه بمقولة.أراد علماء اليوم أن يصنعوا بها من جاليليو بطلا أسطوريا. وإن كان في الحقيقة قد أصبح كذلك دون حاجة لأي كلام إذ أشيع أنه كان يردد هذه العبارة حتى صارت مثلاً " ومع ذلك فالأرض تدور" . بل إن الذي يعلمه المطلعون والباحثون أن جاليليو تبرأ راكعا من كل ما قال.وقال: " إنــني لم أتمسك بالآراء الكوبرنيقية، كما أنني لم أتمسك بها منذ أن صدر لي الأمر بالكف عنها وعلى كل حال، فإنني أؤيدكم فلتفعلوا إذن ما ترونه". ومثلما فعل كوبرنيقوس بكتابه (حركات الكرات السماوية) وقال فيه: إن هذه الكرات لا يحركها محرك من خارجها بل تتحرك بإرادتها وبتوجيه من الشمس.وكانت هذه هي البذرة لإلغاء وجود الله.ذلك الذي لم يصل إليه كفار العرب عندما قال عنهم الله في سورة العنكبوت الآية (61) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّا يُؤْفَكُونَ فقد فعل ذلك أيضا جاليليو بكتابه الحوار الذي جاء ليقضى على أهم المبادئ التي قام عليها الدين ويجتثها من الجذور، حتى قال البابا (أوروبان الثامن)" لقد كان جاليليو باعثا لأكبر فضيحة للمسيحية". نعم إلى هذا الحد تشبع جاليليو بالأفكار الإبليسية والتعاليم الكوبرنيقية ووجه سهاما مسمومة إلى المبادئ الأساسية للدين.وأصاب جاليليو الغرض وانتشر سمه ليس فقط في أوروبا بل في كل القارات، وليس فقط في المسيحيين بل وفي المسلمين واليهود على السواء. جاء بمقدمة الحوار، وقد كتبت له مقدمات إحداها لأينشتاين: لقد كان مبدأ جاليليو هو تعديل لما روجت له الكنيسة من أحكام علمية منها: (1) أن الأرض تشكل شيئا دنيئا ممتلئا بالرذيلة بينما السماء هي دار الفضيلة ومن ثم فإن الأرض تختلف عن السماء في الجوهر والمرتبة. (2) أن كل ما في السماء من كواكب ونجوم قد خلقت لعلة الأرض ومن أجل إنارتها وإسعادها.ومن ثم فيتحتم أن تكون الأرض في المركز من السماء وأن كل الأجرام السماوية تدور في أفلاكها حول هذه الأرض. (3) أن فوق أرضنا هذه سبع سماوات بعضها فوق بعض، طبقة فوق طبقة ثابتة حول الأرض. (4) أن الأرض خلقت لعلة الإنسان وجعل ما في الكون لعلته وخدمته. هذه أيها السادة المبادئ التي كانت تروج لها الكنيسة والتي من أجلها كما يقول واضعو مقدمات الكتاب ألف جاليليو كتابه، وهو فعلا ما يفهم من الكتاب الذي وضعه جاليليو في ثلاثة أجزاء ليبطل بالدليل ما تروج له الكنيسة من تعاليم. ورغم أن جاليليو بكتابه هذا هو الذي أيقظ الفتنة النائمة القائلة بدوران الأرض وثبات الشمس ومركزيتها للكون.فإنه لم يأت بدليل على ذلك سوى دليل واحد لا غير في كل أجزاء كتابه الثلاثة وفيها أكثر من ألف صفحة، وباقي الكتاب دحض لتعاليم الكنيسة التي ذكرناها بكم هائل من الفلسفة، والسفسطة والجدل العقيم، الذي لا يمكن بأي حال أن يقنع سوى الكاره للدين المنكر لوجود إله لهذا الكون. والآن تعالوا لنرى دفوع جاليليو التي أوردها في كتابه الذي غير به الأحوال: أما عن الدفع الأول: فقد عمل جاليليو على إثبات أن الأرض متحركة مثلها مثل الأجسام السماوية الأخرى.وهي تمتلك صفاتها، وجوهر الأرض لا يختلف عن جوهر هذه الأجسام، بل إنها تتفاعل معها وتؤثر فيها كتأثير الند للند، وهي في سلسلة من الكواكب تدور حول الشمس ليست هي أول أو آخر أفرادها.فإن كان الحال هكذا فلم التطلع إلى السماء باعتبار أن فيها الدار الأسنى والتي تسكنها الملائكة وتستقر فيها الأرواح الخيرة بعد تركها تلك الأجسام المتعفنة، وإن كان الحال كذلك فلـم تكون الجنة في السماء، أو النار في كوكب كذا وكذا. هذا هو الدفع الأول الذي دفعه جاليليو وأراد إثبات أن الأرض لا تختلف عن غيرها من الأجرام السماوية وهي لذلك تدور مثلها.وأنه ليس هناك شيء اسمه أدنى وآخر أسمى.وليس في السماء ملائكة، ولا أرواح المؤمنين، ولا جنه ثًم ولا نار، فالكون كله ليس إلا أعداد هائلة من الأجرام السماوية السابحة في الفضاء الذي ليس له نهاية. استغرق الرد على هذا الدفع الجزء الأول من كتاب جاليليو (الحوار). أما الدفع الثاني : تمثل في القول بأن الكون يحتوى على عدد لا نهائي من النجوم التي تحيطها الكواكب، تختلف في أبعادها عن مركزها، كاختلاف أبعاد كواكب المجموعة الشمسية عن مركزها وهو الشمس.ومن ثم فإن احتمال توفير ظروف جوية مماثلة لتلك السائدة فوق الأرض، أو باختصار احتمال وجود عدد لانهائي من الأراضي في هذا الكون يظل قائما ما قامت الأرض، وما وجدت مجموعتنا الشمسية نفسها. إذن فالأرض ليست مركزا لمجموعتنا الشمسية.أو لكوننا الصغير. ولا هي مركز للأكوان الصغيرة الأخرى.كما أن احتمال وجود حياة فوق ملايين الأراضي المحتملة فوق هذا الكون تنفي أن يكون الكون كله قد خلق لعلة الإنسان الأرضي، أو هي على الأقل، لم تحسم بعد من الناحية العلمية. هذا ما قاله ليثبت عدم أهمية الأرض وأن غيرها في الفضاء ملايين، ومن عند جاليليو بدأت تظهر هذه الأرقام الضخمة التي تسمى بالأرقام الفلكية.وحتى الآن وبعد غزو الإنسان للفضاء، وبعد تعمقهم بأجهزتهم إلى عمق 6000 بليون سنة ضوئية كما يزعمون لم يكتشفوا أرضاً ثانية.. كأرضنا. أما الدفع الثالث: ردا على قول الكنيسة" إن فوق أرضنا سبع سماوات بعضها فوق بعض" فقد دفع جاليليو بقوله" إن الكون إنما هو فراغ شاسع مليء بالمجموعات الشمسية المتناثرة تتحدد فيها الظواهر وفقا للوضع النسبي بين الأجسام الكونية المختلفة وهو لذلك لا يحتوى على فوق مطلق ولا على تحت مطلق". وعلق الدكتور (على حلمي موسى) الذي وضع مقدمة الترجمة العربية على مقولة جاليليو:" إن الكون إنما هو فراغ شـــاسع" فقال:" لم يشـأ جاليليو بالقول بلا نهاية الكون التي أدت بالكنيســـة إلى الحكم على الفيلسوف (جيردانو برونو) بالموت حرقا في17 /2 / 1600، وإن هذا ما يفهم ضمناً من الحوار". وهذا القول وغيره في حواره فهمت منه الكنيسة اعتقاد جاليليو بلا نهاية هذا الفضاء وأنه لا توجد فوق الأرض أي سماوات وكان ذلك من أسباب محاكمته. أما الدفع الرابع: ردا على قول الكنيسة" بأن الأرض خلقت لعلة الإنسان وجعل ما في الكون لعلته وخـدمته" قال جاليليو" إن احتمال وجود حياة فوق ملايين الأراضي المحتملة في هذا الكون، تنفي أن الكون كله قد خلق لعلة الإنسان الأرضي". هذه هي دفوع جاليليو على تعاليم الكنيسة.أما دليله الوحيد في كتابه عن دوران الأرض فقد كان ظاهرة" المد و الجزر" أي أن حركة الأرض هي التي تسبب المد والجزر فقال:" إنني أكرر وأركز على أنه لا توجد حتى الآن إمكانية أخرى لتعليل حركات المياه في البحر المتوسط التي نستطيع مشاهدتها فعلا، إذا كانت الأحواض المحتوية على مياهه غير متحركة". هذا الدليل على حركة الأرض لحركة المياه في البحار. أبطله كل علماء الأرض عندما قالوا بأن المد والجزر إنما هو من تأثير جاذبية القمر. وبذلك لم يعد في كتاب الحوار لجاليليو ما يدعو لأن يغير نظام الكون. في مقدمة الترجمة الألمانية لكتاب الحوار لجاليليو يقول" إميل شتراوس" مخبرا عن تعاليم جاليليو وموقف الكنيسة منها:" لقد علمت الفلسفة الجديدة الناس أن الأرض نجم ككل النجوم، وأن النجوم أراض مثل أرضنا.لقد تكتلت المدارس المسيطرة آنذاك ضد هذه المعلومة، كما أن هذه الجملة كانت أساساً هي الفكرة التي هبت الكنيسة للدفاع ضدها.فحتى ذلك الحين اعتبر الناس الأجسام السماوية خالدة لا تتغير إلى الأبد، بل إنها أشياء سامية رفيعة لا ينبغي مقارنتها بحسالة هذا الكون القذر، وهي الأرض.فمع أن الإنسان لم يعد يعتقد في أنها مسكونة بالآلهة - كما كان يعتقد الإغريق والرومان - إلا أنه اعتقد أنها مليئة بالأنوار الملائكية، وبرغم من ذلك فقد رأى أيضا أنها قد خلقت جميعها من أجل خدمة هذه الأرض. لقد كان تحرير العقول من هذه الآراء الدينية التي تضع أهمية كبرى للإنسان في الكون، وتعليمها أن الأجسام السماوية - وإن لم تكن مطابقة تماما للأرض إلا أنها يمكن مقارنتها بها، يمثل الخطوة الأولى تجاه المعرفة الخطرة - ولقد تحسست ذلك القوة المحافظة بغريزتها - التي تقول بأن الإنسان لم يخلق لعلة أشباح معينة، وأنه ليس ثمة أشباح قد خلقت لعلته وأنه عليه أن يمسك بزمام أمره ويوجه خط سيره في الحياة حسبما تهيئ له طبيعته". تلك هي تعاليم الكنيسة - عن الكون وخالقه – وهي تتفق في مجملها مع تعاليم الإسلام، وأن دفوع جاليليو كلها تحمل كفرا بواحاً، لا يقل عن كفر فرعون وهامان. فتعاليم الإسلام تقول: إن الأرض ثابتة والشمس هي التي تدور حولها بل إن كل ما في السماء يدور حول الأرض وأن كل هذه الأجرام مسخرة فعلا لأهل الأرض.وأن هذه الأرض ليس لها مثيل في هذا الكون، وأن فوقها سبع سموات بعضها فوق بعض، وأن الجنة في السماء، وأن الملائكة تسكن السموات وهي أجسام نورانية، وليست أشباحاً، وأنها أيضا مسخرة لخدمة الإنسان.وأن مستقر أرواح المؤمنين في السماء، وأن الأرض حقا ممتلئة بالرذيلة، والسماء هي دار الفضيلة لأن السماء تسكنها الملائكة التي لا تعصى الله طرفة عين، والأرض يسكنها الإنس والجن وقد أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، حتى قال تعالى ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون (الروم:41) ورغم ذلك فإن الإنسان هو علة هذا الكون لقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا (هود:7) أي أن الله تعالى خلق السموات والأرض في المدة التي ذكرها لابتلاء الإنسان واختباره.وقـال تـعالى وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَــوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ في ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (الجاثية:13). هذه هي التعاليم التي كان رجال الكنيسة يروجون لها، وهي التي نقم عليها جاليليو والملحدون معه.وقد قام رجال الكنيسة بصدهم آنذاك، ثم كان الفضل لنشر تعاليم جاليليو وإحيائها بعد وئدها يرجع إلى الذين عظموا جاليليو، وكل من جاء بعده الذين لم ينطقوا إلا كفرا. ووجد من العلماء الآن من تحامل على رجال الكنيسة بدعوى محاربتهم للعلم ونظروا لجاليليو وأمثاله على أنهم رواده.وهذا واحد من أرجح علماء المسلمين عقلا وأوسعهم إطلاعا وأكثرهم حرصا وأعفهم لسانا وأرقهم فؤاداً في هذا العصر، يقول في كتاب من أفضل ما أنتجه الفكر المعاصر هو كتاب" ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين".إنه عالم الهند الأشهر أبو الحسن النـدوي (رحمه الله) يقول عن هؤلاء وأولئك: تحت عنوان: (اضطهاد الكنيسة للعلم): " كان من أعظم أخطاء رجال الدين في أوربا ومن أكبر جناياتهم على أنفسهم وعلى الدين الذي كانوا يمثلونه أنهم دسوا في كتبهم الدينية المقدسة معلومات بشرية، ومسلمات عصرية عن التاريخ والجغرافيا والعلوم الطبيعية ربما كانت أقصى ما وصلوا إليه من العلم في ذلك العصر، ولعلهم فعلوا ذلك بحسن نية ولكن كان أكبر جناية على أنفسهم وعلى الدين فإن ذلك كان سببا للكفاح المشئوم بين الدين والعقل والعلم الذي انهزم فيه الدين.ذلك الدين المختلط بعلم البشر الذي فيه الحق والباطل هزيمة منكرة، وسقط رجال الدين سقوطاً لم ينهضوا بعده حتى الآن، وشر من ذلك كله وأشأم أن أوربا أصبحت لا دينية. وكان ذلك في عصر انفجر فيه بركان العقلية في أوربا، وحطم علماء الطبيعة والعلوم سلاسل التقليد الديني فزيفوا هذه النظريات الجغرافية التي اشتملت عليها هذه الكتب وانتقدوها في صرامة وصراحة، واعتذروا عـن عدم اعتقادها والإيمان بها بالغيب، وأعلنوا اكتشافاتهم العلمية واختباراتهم، فقامت قيامة الكنيسة وقام رجالها المتصرفون بزمام الأمور في أوربا وكفروهم واستحلوا دماءهم وأموالهم في سبيل الدين المسيحي.وأنشئوا محاكم التفتيش التي تعاقب أولئك الملحدين والزنادقة.. وكان منهم العالم الطبيعي المعروف"جيردانو بورنو".نقمت منه الكنيسة آراء من أشدها قوله بتعدد العوالم، وحكمت عليه بالموت حرقاً.وهكذا عوقب العالم الطبيعي الشهير (جاليليو جاليليه) بالقتل لأنه كان يعتقد بدوران الأرض حول الشمس. هنالك ثار المجددون المتنورون وعيل صبرهم وأصبحوا حربا لرجال الدين وممثلي الكنيسة والمحافظين على القديم، ومقتوا كل ما يتصل بهم ويعزى إليهم من عقيدة وثقافة وعلم وأخلاق وآداب، وعادوا الدين المسيحي أولا، والدين المطلق ثانيا.وكانوا إذا ذكروا الدين، ذكروا تلك الدماء الذكية التي أريقت في سبيل العلم والتحقيق، وتلك النفوس البريئة التي ذهبت ضحية لقسوة القساوسة ووساوسهم": انتهي. الكنيسة المفترى عليها وعندما تحريت الأمر، واطلعت على سيرة رجال الكنيسة آنذاك وسيرة العلماء أصحاب "الدماء الذكية" و" النفوس البريئة" علمت إلى أي حد يفتري التاريخ الذي كان يكتبه على مدار حياة البشرية، علمانيون.وأسفت إلى حال رجال الكنيسة الآن وقد صاروا لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً.وللأمانة التي يفرضها علينا الدين أسجل هنا موقفين لأولي الأمر من المسلمين في عصرهـم الذهبي (القرن الثاني الهجري).وأولي الأمر من رجال الكنيسة في أسوأ عصورهم التي يقال إنهم وقفوا فيها ضد العلم والعقل وكيف تصرف رجال الكنيسة في عهد الظلمات، أو العصور الوسطى، أو محاكم التفتيش مع أحد الكافرين بكل الأديان، وبكل الكتب وبكل الآلهة. يقول محرر مدخل" كتاب الحوار" إميل شتراوس" عن معاملة جاليليو أثناء المحاكمة بالجزء الأول من الحوار صـ 138 فإن جاليليو لم يتلق تعذيباً جسدياً ولكنه فقط واجه ما يسمى بالفزعة الخفيفة". وفي يونيو سنة 1633 حكم على جاليليو بالحكم الذي جاء في حيثياته: " وبما أنه قد صدر منذ فترة وجيزة كتاب طبع في السنة الماضية في فلورنسا ويبين عنوانه أنك مؤلفه، وبما أنه قد قيل للمجلس المقدس أنه كنتيجة لنشر الكتاب المذكور قد شاع الرأي الخطأ القائل بحركة الأرض وسكون الشمس يوما بعد يوم: فقد تم فحص الكتاب المذكور بكل عناية وقد وجد أن الكتاب يحتوى على انتهاك سافر للأمر المذكور أعلاه والذي تم إبلاغه لك آنذاك وذلك أنك قد دافعت في الكتاب المذكور عن التعاليم التي قد لعنت سابقا والتي وصفت لك صراحة بأنها ملعونة، كما أنك قد اجتهدت في الكتاب المذكور من خلال تحويرات مختلفة أثارت الرأي بأنك نفسك تعتبرها لم تتقرر بعد، وأنها بالتحديد محتملة، وهو ما يعتبر في ذاته خطأ فادحاً للغاية وذلك لأن كل رأى تم إقراره وتعريفه كنقيض للكتاب المقدس، لا يمكن أن يكون بأي حال: محتملاً أو قابلاً للوقوع". " بعد أن تحددت لك فترة زمنية متوازية للدفاع عن نفسك تقدمت بشهادة مكتوبة.. كي تعتذر عن خطئك هذا، ولكن كَيلا يعزي إلى نيتك السيئة، بل إلى طموحك المغرور.بيد أن الشهادة المذكورة، التي أحضرتها أنت من أجل الدفاع عن نفسك تعتبر ملائمة فقـــط لإدانتك بقدر أكبر.وذلك لأنك مع أن الرأي المذكور قد اعتبر مناقضا للكتاب المقدس قد تجرأت بشرح هذا الرأي والدفاع عنه وعرضه وكأنه قابل للوقوع. كذلك فإن التصريح الذي تحايلت في الحصول عليه بطريقة ماكرة خبيثة، لا يبرر أنك لم تقل شيئا عن الأمر الذي صدر لك". " وبما أنه قد ظهر آنذاك أنك لم تقل الحقيقة كلها بصدد نزعتك (أو مذهبك الديني) فقد رأينا أنه من الضروري إجراء التحقيق السخيف معك.وأثناء هذا التحقيق فإنك قد أجبت بخصوص نزعتك أو الذي قد ثبت ضدك - كما ذكر أعلاه بأنك كاثوليكي ومن ثم فقد وصلنا بعد أن تدبرنا بعمق وفحصنا موضوعك هذا من جميع جوانبه، واعترافاتك جميعها التي ذكرت، وأعذارك، وكل النواحي القانونية الأخرى إلى الحكم المحدد ضدك والمذكور أسفله". " وبعد التوسل إذن للاسم المقدس لسيدنا يسوع المسيح، وأمه مريم المجيدة العذراء في كل زمان ومكان فإننا نقول نحن المجتمعين كهيئة المحكمة، ونعلن ونحكم ونقر: بأنك يا جاليليو المذكور أعلاه من خلال الأشياء التي ثبتت في المحاكمة والتي اعترفت أنت بها.قد حملت هذا المجلس المقدس على الشك فيك بشدة بتهمة الزندقة، وانك اعتقدت في التعاليم المضللة التي تتناقض مع الكتب المقدسة الإلهية.والتي تقول: (بأن الشمس هي مركز الكون، وهي لا تتحرك من الشرق إلى الغرب وبأن الأرض تتحرك وهي ليست مركز الكون) وفي أنك اعتبرتها تعاليم حقة حتى بعد أن أعلن أنها نقيض للكتاب المقدس، وقلت: إنه من الممكن لرأى ما حتى لو كان مناقضاً للكتاب المقدس أن يعتبر كرأي محتمل ويدافع عنه بوصفه كذلك - وأنك بناء عليه قد وقعت تحت جميع العقوبات وأنواع الحظر التي أعلنت من خلال الكتاب المقدس والدساتير الأخرى العامة والخاصة ضد أولئك الذين سقطوا بطريقة مماثلة لك.أننا نصدق على انك برئ من كل هذه العقوبات والمحظـورات بشـرط أنك أولا تلعن وتسب أمـامنا بقلب مخلص وعقيدة صافية كـل الضلالات والزنـدقات المذكورة ضـدك، وكـل الضلالات والزنـدقات المعارضـة للكنيسة الكاثوليكية الرسولية في روما". كانت هذه المحاكمة في عصر النهضة الذي أعتبر الملحدون فيه هم رسل المحبة والسلام ورجال الدين هم البرابرة، ومصاصو الدماء في القرن السابع عشر. وحادث مشابه - ولا نقول محاكمة مشابهة لأنه لم يتم ذلك - حدث في عصر النهضة الإسلامي وهو القرن الثاني الهجري.ولكن مع الفرق فقد كان أولى الأمر الذين أنيط بهم الحفاظ على الدين وحماية الكتاب المقدس من المساس هم الذين يروجون لتعاليم مخالفة للكتاب، في حين أن العلماء المسلمين صناع عصر النهضة ذلك هم الذين كانوا يتمسكون بالكتاب وبنشر تعاليمه كما يريد الله، متتبعين سبيل رسول الله دون أن يحيدوا. يحكى ابن كثير في كتاب البداية والنهاية عن هذه الفتنة فيقول: إن الخليفة المأمون كتب إلى نائبه ببغداد (إسحاق بن إبراهيم بن مصعب) يأمره بأن يمتحن القضاة، والعلماء بالقول بخلق القرآن وأن يرسل إليه جماعة منهم، وكتب إليه يستحثه في كتاب مطول، محتجا بأن القرآن محدث وكل محدث مخلوق، وهذا احتجاج لا يوافقه عليه كثير من المتكلمين، فضلا عن العلماء، وقد عين المأمون جماعة من المحدثين ليحضرهم إليه، فلما حضروه امتحنهم بخلق القرآن، أي أن يقولوا بأن القرآن مخلوق، فأجابوه إلى ذلك وأظهروا موافقته، وهم كارهون فردهم إلى بغداد وأمر نائبه في بغداد" إسحاق بن إبراهيم" أن يمتحن كل علماء الحديث والفقه وأئمة المساجد وغيرهم وأن يذكر لهؤلاء موافقة النفر من المحدثين الذين وافقوا المأمون وهم معروفون بينهم ولم يكن منهم أحمد بن حنبل، فأجاب كل من امتحن بالموافقة فوقعت فتنة عظيمة بين الناس. أحمد بن حنبل … وجاليليو جاليليه لا يوجد في تاريخ البشرية حادثان متشابهان ومتناقضان في آن واحد مثل هذين الحادثين، ووجه الشبه بينهما: أن كليهما حـدث في عصرين للنهضة: عصر النهضة الإسلامي وعصر النهضة المسيحي.وتعلق الحادثان بمخالفة الكتاب المقدس لكل منهما، وتعرض بطلا الحادثين لمحنة واحدة والتصقت في كلا الحادثين صفة التشدد لمن تمسك بنص الكتاب.كذلك خرج بطلا القصتين من محنتيهما متوجين.هذا وجه التشابه.ووجه التناقض هو أن ما حدث في محنة جاليليو كان بعكس ما حدث لفتنة" أحمد بن حنبل" بطل المحنه الأخرى. فقد كان أحمد بن حنبل هو الوحيد في عصره الذي تمسك بتعاليم الكتاب المقدس (القرآن) وكان جاليليو هو الوحيد في عصره الذي تمسك بمخالفة الكتاب المقدس.رغم انصياع جميع زملاء جاليليو وجميع زملاء ابن حنبل لضغوط أولى الأمر. كما كان عصر النهضة الإسلامي هو عصر أحمد بن حنبل حيث بدأت حركة تدوين الأحاديث وتفسير القرآن وظهور المذاهب الفقهية الإسلامية الكبرى.فقد كان عصر النهضة العلماني هو عصر جاليليو جاليليه حيث بدأت فيه المذاهب التجريبية التي حلت محل المذاهب الفلسفية. ومن أوجه التناقض للمحنتين، أن أولى الأمر في محنة أحمد كانوا هم المخالفين لنصوص الكتاب، والذين ينشرون تعاليـم لم يقل بها الله ولا رسوله.بينما كان أولو الأمر في عصر جاليليو هم المتمسكون بنصوص الكتاب المقدس وتعاليمه. ومن أوجه التناقض أيضا أن أحمد بطل المحنة الأولى تعرض لأشد تعذيب، نتيجة تمسكه بالكتاب المقدس وعدم مخالفته في كلمة واحدة، مجرد كلمة أن يقول (القرآن مخلوق) بينما عومل جاليليو معاملة كريمة لم يتعرض فيها لأي أذى رغم مخالفته الشديدة للكتاب المقدس وعدم تمسكه بأي مبدأ من مبادئه. ومن أوجه التناقض أيضا أن جاليليو بعد هذه المحنة أصبح رائد عصر النهضة وأصبح أحمد رائد المتشددين حتى أصبح مثلا يسب به كل متعنت (أنت حنبلي؟) كذلك الحال مع رجال الكنيسة الذين تمسكوا بالكتاب المقدس أصبحوا عنوانا للتشدد والظلم والقهر.افتراء عليهم. ثم كان التناقض في موقف الشخصيتين: فبينما نجد تمسك أحمد بالكتاب رغم كل المحاولات من وعد ووعيد وإغراء وتعذيب وطول حبس وقيام الخليفة بنفسه بامتحانه وتعذيبه بالصورة التي سنراها الآن.نجد جاليليو قد خر راكعاً متذللا نادما، وعلى الصورة المزرية التي سنراها بعد قليل.هذا رغم أنه لم يتعرض لأي أذى.وأغرب ما في الأمر أن يخرج جاليليو بعد ذلك بطلا ورائدا ورمزا.ولا حوله ولا قوة إلا بالله. يقول ابن كثير عن فتنة (خلق القرآن) ومحنة (أحمد بن حنبل): أحضر إسحاق جماعة مـن الأئمة والأعلام ومنهـم" أحمد بـن حنبل" وقـرأ عليهم كتاب" المأمون" وأخبرهم عن موافقة الفقهاء والمحدثين، وأئمة المساجد.ثم راح يمتحنهم واحدا واحدا، وأكثرهم امتنع من القول بخلق القرآن، حتى جاء دور أحمد بن حنبل فقال له: أتقول إن القرآن مخلوق؟ فقال أحمد: القرآن كلام الله لا أزيد على هذا.فقال له ما تقول في صفات الله؟ فقال: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.فقال رجل من المعتزلة: إنه يقول سميع بأذن، بصير بعين.فقال له إسحاق: ما أردت بقولك سميع بصير؟ فقال: أردت منها ما أراد الله منها.وهو كما وصف نفسه.ولا أزيد على ذلك. فكتب إسحاق إجابات الحاضرين الممتحنين جميعا وأرسـل بها إلى المأمون.وقد كان من الممتحنين من أجاب إلى القول بخلق القرآن مصانعةً مكرهاً.لأنهم كانوا يعزلون من لا يجيب من وظائفه.وإن كان له رزق على بيت المال قطع.وإن كان مفتياً منع من الإفتاء، وإن كان شيخ حديث ردع عن الإسماع والأداء، ووقعت فتنة صماء ومحنة شنعاء وداهية دهياء، ولا حول ولا قوة إلا بالله. يقول ابن كثير: فلما وصلت إجابات القوم إلى المأمون بعث إلى نائبه يمتدحه على ما فعل ثم أمره بأن يجمع الممتنعين منهم عن القول بخلق القرآن ويمتحنهم مرة أخرى.ومن أجاب منهم يطلق سراحه ويشهر أمره في الناس ومن لم يجب منهم يرسله إلى أمير المؤمنين مقيدا حتى يرى فيه رأيه.وقد كان رأيه أن يضرب عنق من لم يقل بقوله.وإزاء ذلك أجاب القوم جميعا مكرهين متأولين قوله تعالى: إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ (النحل:106) ولم يمتنع إلا اثنان" أحمد بن حنبل" و" محمد بن نوح الجند يسابوري" فأرسلا مقيدين إلى المأمون.وفي طريقهما إليه أرسل المأمون إلى نائبه أنه قد بلغني أن القوم إنما أجابوا مكرهين متأولين قوله تعالى: إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وقد أخطئوا في ذلك خطأ كبيرا فأرسلهم إلىّ جميعا، وكان أحمد ومحمد بن نوح قد سبقا الناس.وفي الطريق دعـا أحمد الله عز وجل ألا يريهما المأمون ولا يراهما ولا يجتمعا به.واستجاب الله دعاء ابن حنبل وهلك المـأمون قبل أن يصلوا إليه.ورد الناس إلى بغداد. يقول ابن كثير: إن المأمون كان قد استحوذ عليه جماعة من" المعتزلة" فأضلوه عن طريق الحق إلى الباطل، وزينوا له القول بخلق القرآن ونفي الصفات عن الله عز وجل. يقول: فلما كانا في طريق جاءه رجل من الأعراب من العباد يقال له" جابر بن عامر" فسلم على الإمام أحمد وقال له:" يا هذا إنك وافد الناس فلا تكن شؤما عليهم وإنك رأس الناس اليوم، فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك أليه فيجيبوا مثلك فتحمل أوزارهم يوم القيامة.وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت عليه فإن ما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل، وإنك إن لم تقتل تمت وإن عشت، عشت حميدا".قال أحمد:" وكان كلامه مما قوى عزمي". فلما اقتربا من جيش الخليفة جاء خادم وهو يمسح دموعه بطرف ثوبه، ويقول:" يعز على يا أبا عبد الله أن المأمون قد سل سيفا لم يسله قبل ذلك.وأنه يقسم بقرابته من رسول الله ، لئن لم تجبه إلى القول بخلق القرآن ليقتلنك بذلك السيف" فجثا الإمام أحمد على ركبتيه ورمق بطرفه إلى السماء.وقال:" سيـدي غر حلمك هذا الفاجر حتى تجرأ على أوليائك بالضرب والقتل.اللهم فإن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته". قال: فجاءهم الصريخ بموت المأمون في الثلث الأخير من الليل. وفي طريق العودة إلى بغداد مات محمد بن نوح وهو في قيوده، وصلى عليه أحمد ولما وصل إلى بغداد أودع في السجن نحوا من ثمانية وعشرين شهرا وقيل نيفا وثلاثين شهرا ثم أخرج إلى الضرب بين يدي المعتصم. ولما توجه للمعتصم زادوا عليه في القيود حتى انه كان يجرها جرا.فلما دخل عليه أدناه المعتصم منه.وقال:" لولا أنك كنت في يد من كان قبلي لم أتعرض إليك" ثم قال لعبد الرحمن بن أبى دؤاد وكان بجانبه:" ألم أقل لك يا عبد الرحمن وأمرتك أن ترفـع المحنة؟" ثم قـال المعتصم:" ناظره.. كلمه".فقال عبد الرحمن:" ما تقول في القرآن؟ فلم أجبه (يقـول أحمد) فقال المعتصم:" أجبه" فقلت:" ما تقول في العلم؟ فسكت.فقلت: القرآن علم الله.ومن زعم أن علم الله مخلوق فقد كفر بالله" فســكت.فقالوا فيما بينهم (الحاضـرون): " يا أمير المؤمنين كفرك وكفرنا" فلم يلتفت إلى ذلك.فقال عبد الرحمن:" كان الله ولا قرآن".فقلت:" أكان الله ولا علم؟: فسكت.فجعلوا يتكلمون من هاهنا وهاهنا.فقلت" يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئا من كتاب الله أو سنة رسوله حتى أقول بـه" فـقال: عبد الرحمن" وأنت لا تقول إلا بهذا؟ فقلت:" وهل يقوم الإسلام إلا بهما". وجرت مناظرات طويلة، واحتجوا بقوله مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ وبقوله اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وأجاب بما حاصله أنه عام مخصوص وبقوله تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فقال عبد الرحمن بن أبى دؤاد:" هو والله يا أمير المؤمنين ضال مضل، مبتدع وهنا قضاتك والفقهاء فسلهم" فقال لهم: ما تقولون؟ فأجابوا بمثل قول ابن أبى دؤاد. لم يكن المعتصم يريد ضرا بالإمام أحمد.فأحضره في اليوم الثاني ليناظرهم ويناظروه، ثم اليوم الثالث كذلك.في كل يوم يعلو صوت أحمد عليهم وتغلب حجته حجتهم، وتنوعت بهم المسائل في المجادلة ولا علم لهم بالنقل.فجعلوا يضعفون الأحاديث وينكرونها.وفي غضون ذلك كله يتلطف به الخليفة ويقول:" يا أحمد أجبني إلى هذا حتى أجعلك من خاصتي وممن يطأ بساطي.فيقول أحمد:" يا أمير المؤمنين يأتوني بآية من كتاب الله.أو سنة رسول الله أجيبهم إليها". وظلوا يستعدون الخليفة بكل وسيلة فقالوا:" يا أمير المؤمنين هذا كافر ضال مضل".وقال له إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد:" يا أمير المؤمنين ليس من تدبير الخلافة، أن تخلى سبيله ويغلب خليفتين" وأيـدهم ابن أبى دؤاد.عندئـذ حمى واشتد غضب المعتصم، وكان ألينهم عريكة فقال لأحمد:" طمعت فيك أن تجيبني" ثم قال:" خذوه واخلعوه واضربوه". يقول ابن حنبل:" وجيء بالضرابين ومعهم السياط فجعل أحدهم يضربني ســوطين ويقول له المعتصم شد قطع الله يدك.ويجيء الآخر فيضربني سوطين ثم الآخر كذلك فضربوني أسواطاً فأغمى علىّ، وذهب عقلي مراراً.فإذا سكن الضرب يعود علىّ عقلي.وقام المعتصم إلىَ يدعوني إلى قولهم فلم أجبه.وجعلوا يقولون: ويحك الخليفة على رأسك فلم أقبل.وأعادوا الضرب ثم عاد إلىّ فلم أجبه.فأعادوا الضرب ثم جاء إلى الثالثة فدعاني فلم أعقل ما قال من شدة الضرب.ثم أعادوا الضرب، فذهب عقلي فلم أحس بالضرب. وأرعبه ذلك من أمري.وأمر بي فأطلقت، ولم أشعر إلا وأنا في حجرة من بيت.وقد أطلقت الأقياد من رجلي.وكان ذلك في اليوم الخامس والعشرين مـن رمضان سنة إحدى وعشرين ومائتين.ثم أمر الخليفة بإطلاقه إلى أهله.وكان الإمام أحمد رجلا طويلا رقيقاً أسمر اللون كثير التواضع.رحمه الله.وجعـل أحمد كـل من آذاه في حل إلا أهل البدع.وكان يتلو قول الله تعالى وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا. وكان يقول: ماذا ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك". قال البخاري:" لما ضرب أحمد بن حنبل كنا بالبصرة، فسمعت أبا الوليد الطيالسي يقول: لو كان أحمد في بنى إسرائيل لكان أحدوثة.وقال إسماعيل بن الخليل: لو كان أحمد في بنى إسرائيل لكان نبيا.وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: خرجت من العراق فما تركت رجلا أفضل ولا أعلم ولا أروع ولا أتقى من أحمد بن حنبل". قال رسول الله :" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذ لهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك". سادتي العلماء: أعتذر إليكم عن تسببي في إيلامكم بذكر هذه المواجع، وتلطيفا للأمر أنتقل بحضراتكم سريعا إلى روما سنة 1632وتحديدا شهر يونيو لنرى جاليليو في ساحة المحكمة وهو راكع على ركبتيه أمام هيئة المحكمة المكونة من عشرة من المطارنة.ولنسمع جاليليو رائد عصر النهضة وبطل هذه المحنة وهو يقول: " أنا جاليليو جاليليه ابن المتوفى فتشنتسيو جاليليه من فلورانسا، البالغ من العمر سبعين عاماً، الماثل شخصياً أمام المحكمة، والراكع أمام سموكم أصحاب المقام الرفيع السادة مطارنة محكمة التفتيش العامة ضد الشرور والزندقة في كل العالم المسيحي، وأمام عيني توجد الأناجيل المكرمة التي ألمسها بيدي، أقسم إنني قد اعتقدت دائما، والآن أعتقد وبمساعدة الإله سوف أعتقد في المستقبل في كل ما تعتبره الكنيسة الرسولية المقدسة في روما، وكل ما تعظ به وتعلمه. ولكن بما أنني وبعد أن صدر الأمر القانوني من هذا المجلس المقدس، إنني يتحتم على الكف تماما، عن الرأي الخاطئ القائل بأن الشمس هي مركز الكون وهي ليست متحركة وأن الأرض ليست المركز، وهي متحركة. وليس من المسموح إلى اعتبار هذه التعاليم الخاطئة بأنها حقه أو الدفاع عنها أو تدريسها بأي طريقة سواء شفهياً أو تحريرياً. وبعد أن كشف إلى أن هذه التعاليم تتناقض مـع الكتاب المقدس.قمت بتأليف كتاب وتسليمه للطبع وشرحت فيه التعاليم التي لعنت سابقا وقدمت فيها بدرجة كبيرة من دلائل تعضدها دون إضافة نقد لها، وبما أنني من خلال ذلك قد جعلت هذا المجلس المقدس يشك بشدة في إنني زنديقاً، أي إنني اعتبرت أن الشمس هي مركز الكون وهي لا تتحرك وأن الأرض ليست هي المركز وهي تتحرك . لذلك وبما إنني آمل من سموكم ومن كل مسيحي مؤمن رفع هذا الشك الشديد الموجه ضدي بحق فإنني تبت، وألعن وأسب بقلب مخلص وعقيدة صافية، الضلالات والزندقات المذكورة، وعلى الإطلاق كل وأي ضلالات أخرى تتناقض مع الكنيسة المقدسة المذكورة، وأنني أقسم إنني في المستقبل، لن أقول، أو أزعم شفاهياً أو تحريرياً شيئا آخر يمكن للمرء أن يستشعر منه شكا مماثلا ضدي.وأنني عندما أتعرف على زنديق أو أي فرد مشكوك في أنه زنديق، فإنني سأبلغ عنه المجلس المقدس أو المدعى العام لمحكمة التفتيش، أو القس العام للجهة حيثما أكون. إنني أقسم أيضا، وأعد بالوفاء بدقة ومراعاة كل الكفارات التي سنت أو ستسن لي في هذا المجلس.ولو أنني - حاشا للإله - – قد أخلفت بأي من الوعود أو التعهدات، أو الأقسام المذكورة فإنني أضع نفسي تحت كل العقوبات والإصلاحيات المحددة والمعلنة بواسطة القانون المقــدس، وكل الدساتير الأخرى، العامة والخاصة، ضد أولئك الذين يتصرفون بهذه الطريقة، وبقدر ما يوفقني الإله وأناجيله المقدسة هذه التي ألمسها بيدي. أنا المدعو جاليليو جاليليه تبت وأقسمت ووعدت، وألزمت نفسي كما هو مذكور أمامي، وللتصديق فقد قطعت هذه الشهادة التي قرأتها كلمة كلمة على نفسي ووقعتها بيدي". (روما في دير المينرفا - في 22 من يونيو 1633) يقول إميل شتراوس في مقدمته لكتاب جاليليو" ومع أنه قد عومل برفق على عكس ما أراد خصومه، إلا أن العقبات قد وضعت في طريق نشاطه المستقبلي". ولعل ذلك يوضح أن جاليليو لم يتراجع خوفا أو تقية، بل كانت توبة، رغم أن أتباعه من المسيحيين أو المسلمين لم يتوبوا. ودخل جاليليو التاريخ واعتبر أبا للعلوم الحديثة نظرا لإحلاله طريقة التفكير التجريبي العلمي، محل التفكير المبني على الاستنباط العقلي.غير أن البعض من علماء عصره يذهب إلى أنه لم يستند في كتاباته إلى التجارب بمعناها الحديث وإنما استند فقط إلى تجارب فكرية على نسق مفكري العصور الوسطى. وقال" ستيلمان دراك" في مقدمة الطبعة الألمانية الجديدة لكتاب الحوار:" إن اكتشاف مخطوطات ترجع إلى العصور الوسطى أوضح ظاهريا أن الكثير من" الحوار" لجاليليو قد اقتبس من أعمال كتبت في القرن الرابع عشر". وعن نظرية" المد والجزر" وهي دليل جاليليو على دوران الأرض الثنائي (حول نفسها وحول الشمس) يقول دراك:" وفي سنة 1618 نوه جاليليو في أحد خطاباته إلى أنه أراد نشر نظريته حول المد والجزر ولو حتى كـ" لعبة فكرية شيقة". من كان يتخيل أن" لعبة جاليليو الشيقة" تطيح بكلام الإله المحكم - أي عقل سليم يصدق هذا وأي منطق يقبله؟ لكن ذلك قد حدث. الجزاء من جنس العمل وقبل مغادرة روما نقف على نهاية جاليليو الذي قال عنه أتباعه " انه كان يتمتع بحواس ثائرة وكان يجد سرورا لا يعادله سرور في صحبة الغواني وعلى الأخص في صحبة واحدة منهن تدعى"..." ولم يتزوج جاليليو أبداً، وقد كان لجاليليو ثلاثة أبناء دون أن يتزوج. يقول جاليليو عن نهايته بعد أن سلبه الله النعمة التي لم يستفد منها، ولم يؤمن رغم كل ما رآه من آيات، فكف بصره، واستبد به الأسى:" إن هذا الكون الذي كبرته مئات المرات بكشوفي الغريبة وآلاتي العجيبة.قد انكمش بالنسبة لي من الآن فصاعداً إلى مجرد الحيز الصغير الذي يشغله جسماني". هكذا انتهى الحال بالرجل الذي حرك الأرض وأوقف الشمس، ضيق الله عليه الأرض بما رحبت حتى ضاقت عليه نفسه وهو الذي قال باللانهائية للفضاء. يقول" إميل اشتراوس" في الثامن من يناير سنة 1642، السنة التي ولد فيها إسحاق نيوتن مات جاليليو في حضور ابنه وزوجة ابنه وتلميذيه وممثلين اثنين عن المجلس المقدس. وحول مراسم دفنه قام صراع (كريه) تقرر في نهايته دفنه في سكوت تام في رواق جانبي صغير بكنيسة سانتا كروس بفلورنسا". لعل من الواجب علينا أن ننتقل الآن إلى بغداد لنلقى نظرة وداع على الإمام العظيم بطل المحنة الأولى" أحمد بن حنبل". يقول ابن كثير: في ليلة الجمعة، الثاني عشر من ربيع الأول – الشهر الذي ولد فيه وتوفي رسول الله - اشتد بالإمام الوجع.وروى ابنه عبد الله وابنه صالح أيضا أنه قال: " حين احتضر أبى جعل يكثر أن يقول: لا بعد، لا بعد، فقلت يا أبه ما هذه اللفظة التي تلهج بها في هذه الساعة؟ فقال يا بني إن إبليس واقف في زاوية البيت وهو عاض على إصبعه وهو يقول: فتني يا أحمد؟ فأقول لا بعد لا بعد – يعني لا يفوته حتى تخرج نفسه من جسده علي التوحيد - لأن أحمد يعلم أنه جاء في الحديث أن إبليس قال: يا رب وعزتك وجلالك مـا أزال أغويهم مـا دامت أرواحهم في أجسادهم.فقال الله } وعزتي وجلالي ولا أزال أغفر لهم ما استغفروني {. وأحسن ما كان من أمره أنه أشار إلي أهله أن يوضئوه، فجعلوا يوضئونه وهو يشير إليهم أن خللوا أصابعي وهو يذكر الله عز وجل في جميع ذلك.فلما أكملوا وضوءه توفي رحمه الله صبيحة الجمعة.وحضر غسله نحو من مائة من بيت الخلافة من بني هاشم، فجعلوا يقبلون بين عينيه ويدعون له ويترحمون عليه رحمه الله.وخرج الناس بنعشه والخلائق حوله من الرجال والنساء ما لم يعلم عددهم إلا الله.ولم يستقر في قبره رحمه الله إلا بعد صلاة العصر وذلك لكثرة الخلق. هذا وقد قام بإحصاء المشيعين غير واحد، بل تم إحصاء رسمي من الأمير محمد بن طاهر وذلك (لعدم) سابقة تجمع هذا العدد.يقول البيهقي فبلغت ألف ألف وسبعمائة ألف سوي من كان في السفن (أي مليون وسبعمائة ألف رجل وامرأة).قال البيهقي رواية عن عبد الوهاب الوراق إنه قال: ما بلغنا أن جمعا في الجاهلية ولا في الإسلام اجتمعوا في جنازة أكثر من الجمع الذي اجتمع علي جنازة أحمد بن حنبل.وقال الوركاني: (جار أحمد بن حنبل) أسلم يوم مات أحمد بن حنبل عشرون ألفاً من اليهود، والنصاري والمجوس.وروي البيهقي عـن الحجاج بن محمد الشاعر أنه قال: ما كنت أحب أن أقتل في سبيل الله ولم أصل علي الأمام أحمد.وروي عن بعضهم قال: دفن اليوم سادس خمسة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز وابن حنبل. انتقال الصراع إلي المسلمين في الربع الأول من القرن العشرين استطاع إبليس بضربة مزدوجة من إسقاط رمزين، أحدهما في الأرض والآخر في السماء. أما رمز الأرض فهو الخلافة الإسلامية التي أسقطها عام 1924 وكانت تحملها الدولة العثمانية، آخر دول الخلافة حتى الآن.وقد كانت رمزا لوحدة المسلمين وتجمعهم والتفافهم حول راية واحدة علي اختلاف أعراقهم.وتفتتت الدولة الإسلامية إلي دويلات، ولم تقم للمسلمين قائمة بعد ذلك وحتى الآن. وأما الرمز الثاني الذي نجح إبليس في إسقاطه هو الرمز السماوي، عندما جعل الشمس هي مركز الكون بعد أن كانت تدور حول الأرض. رفع الحظر عن كتاب" الحوار" بعد..2 سنة وذلك في 25 من سبتمبر 1822وحتى هذا التاريخ ولعدة سنوات بعده ظل الناس علي رأيهم بأن الأرض ثابتة والشمس تدور حولها.ولكن مع بداية القرن العشرين بدأت في الظهور من جديد.ولكن هذه المرة علي يد المسلمين. لم تدخل أفكار كوبرنيقوس وجاليليو إلي البلاد الإسلامية إلا بين يدي الاستعمار الأوربي وبواسطة المسلمين" المستغربين" أنفسهم الذين فتنوا بحضارة الغرب ولا يزالون، ولم تجد هذه التعاليم صدي في بلاد الإسلام في بادئ أمرها، لرفض علمائنا لها واعتبارها مخالفة صريحة وواضحة لا تحتاج إلي تأويل، لقوله تعالى وَالشَّمْسُ تَجْرِي فكيف تكـون مركز الكون.وكيف تدور الأرض حول نفسها وحول الشمس والله تعالى يقول جَعَلَ الأرْضَ قَرَارًا.ومثلما حدث في القرن الثالث الهجري مع فتنة خلق القرآن، فقد حدث في القرن العشرين فتنة (جريان الأرض).ومثلما روج" المعتزلة" لفرية خلق القرآن قديما.روج (المستغربون) لفرية دوران الأرض حديثا. وبــدأ صراع مشابه لما حدث في القرن السابع عشر الميلادي بين رجال الكنيسة والتجريبيين، فقد قام في بلاد الإسلام صراع جديد بين علماء الدين والمستغربين غير أن الصراع انتهى في الغرب بانتصار رجال الكنيسة وتمسكهم بتطبيق الكتاب المقدس أما في الشرق فقد انتهى بانتصار التجريبيين" المستغربين" ونسخت آيات القرآن الكريم وتوقف العمل بكل ما هو متعلق بالأمور الكونية، وخلق السموات والأرض، ولم يكن انتصار المستغربين - رغم قلتهم - يرجع لقوة حججهم، بل كان يرجع لضعف علماء المسلمين، الذين انتهت دولتهم بسقوط الخلافة. استمر صراع المستغربين (وهـم المسلمون الذين بعثوا إلى الدول الأوربية للتعـليـم والتنوير) مع رجال الشرع عدة سنوات استنفدت تقريبا الربع الأول من القرن العشرين. كيف بدأ الصراع؟ عندما بدأ الاستعمار الغربي يقسم تركة الـرجل المريض (الدولة العثمانية) أراد أن يستفيد من" المستشرقين" الذين كانوا يدرسون - بتكليف من حكوماتهم - لغة الشرق ودين الشرق وحضارة الشرق، وذلك لخدمة أغراضهم الاستعمارية، كذلك استجلبوا نفرا من المسلمين ممن عرف عنهم التمرد على أوضاعهم، وقاموا على تربيتهم كما يريدون. كان المستشرقون يعلمون أن القرآن مثله مثل الكتاب المقدس ينص على ثبات الأرض وجريان الشمس، وتنفيذا لمخطط استعماري أرادوا شغل المسلمين بأي قضية يختلفون فيها ويفترقون وقد كان شعارهم (فرق تسد)، فلم يجدوا لذلك أنجح وأفضل من تعاليم كوبرنيقوس وجاليليو التي جربت في القرن السابع عشر الميلادي.فبدءوا يحيون هذه النظرية بعد مواتها، ولكن هذه المرة ليس بينهم في الغرب بل بين المستغربين من المسلمين، الذين فتنوا بحضارة الغرب أفتتاناً جعلهم يتنصلون من كل ما هو شرقي حتى الدين. وأوحى المستشرقون للمستغربين بالفكرة، ونقلها الآخرون لبلادهم، ولم يتقبل علماء الشرع هذه النظرية لمخالفتها الصريحة لكتابهم ولسنة نبيهم ولإجماع سلفهم. وبدأ الصراع.. المستغربون يتهمون علماء الشرع بنفس ما اتهم به رجال الكنيسة، الجمود والتحجر والرجعية والتخلف.وعلماء الشرع يتهمون المستغربين بالانحلال والفسوق والابتداع والولاء للغرب.وظلت سنوات ولم يكتب لهذه النظرية أي قدر من النجاح. وكان لابد من طريقة للاختراق إزاء تمسك علماء الشرع بموقفهم.فكانت الفكرة الجديدة والرائعة.ففجأة أعلن عن كشف جديد. ما هو؟؟ إن الشمس تجرى. كانت المفاجأة كبيرة جداً لعلماء المسلمين، واعتبر انتصار كبير للقرآن.ولكن ما هي تفصيلات هذا الكشف العلمي الجديد؟ قالوا: ثبت علميا أن الشمس ليست ثابتة كما كان يقول كوبرنيقوس وجاليليو بل إنها تجرى. ولكن.. إنها لا تجرى حول الأرض !! لا تجرى حول الأرض؟ فحول ماذا تجرى إذن؟ إنها تجرى حول المجرة. المجرة !! أي مجرة؟ مجرتنا.. درب التبانة. درب التبانة؟ ما هذا؟ ولماذا درب التبانة بالذات؟ هكذا أثبت العلم. الشمس تدور حول درب التبانة؟ وما شأن درب التبانة بالشمس؟ هكذا أثبت العلم. العلم أثبت أن الشمس تدور حول المجرة؟ وكيف تدور حول المجرة في يوم؟ إنها لا تدور في يوم. لا تدور في يوم؟ ففي كم إذن تدور؟ في يومين؟ إن هذا أمر غريب وعجيب !! لا لا.. إنها تدور في 250. الشمس تدور حول ما تسمونه هذا في 250 يوما؟؟ كيف يكون ذلك؟؟ بل تدور حول المجرة في 250 مليون سنة. وترك المستغربون علماء الشرع يضربون أخماساً في أسداس. ويوما بعد يـوم، تغير الموقف، وتحول الصراع إلى صف علماء الشرع ولم يعد صفا بل صفوفاً.ونجحت الخطة الإبليسية. فقد رأى البعض أن ما حدث نصر للقرآن وأنهم عارضوا عندما كان كلام المنجمين يتعارض مع القرآن أما وقد أثبتوا ما أثبته الله فلا مبرر للمعارضة الآن. وقال آخرون إن القضية كما هي فالله تعالى لم يقل إن الشمس تجرى حول المجرة.كما أن الشق الثاني يظل قائما وهو: أن الأرض لا تدور وقد أثبت الله أنها قراراً.ورد الأولون بأن الله بالفعل لم يقل بأنها تجرى حول المجرة ولكنه أيضا لم يقل إنها تجرى حول الأرض.كما أن قول الله بأن الأرض قراراٍِِ فهي كذلك بالنسبة لمن عليها وليس بلازم أن تكون قرارا لباقي الأجرام السماوية. ثم ذكروهم بما وصل إليه الحال في أوربا التي تشددت أمام العلم، كيف فقدت الكنيسة سلطانها، وضاعت هيبتها وكيف أن جيردانو الذي كان زنديقا أصبح اليوم شهيدا، وجاليليو رائدا، وكوبرنيقوس فتح له التاريخ أبوابه. وانتهى الأمر بأن أصبحت أوربا بلا دين بعد أن اختارت العلم وتدينت بالعلمانية ولم يعد الله يعبد عندهم إلا أيام الآحاد من بعض العجائز ولا يدخلون الكنائس إلا عند عقد الزواج، ولا يسمعون آيات الكتاب المقدس إلا على المقابر. وكانت الفتنة، والمحنة، والداهية الدهياء.خاصة وقد بدأ زحف المستعمرين على بلاد الإسلام، وقد رأى المسلمون مظاهر القوة والحضارة والتقدم واضحة عليهم.وأشار إليهم المستغربون بأن هؤلاء ما وصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا بانفتاحهم وتحررهم وأنهم أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله. ويجب على المسلمين أن يحذوا حذوهم ويتتبعوا أثرهم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه وراءهم.وفي نفس الوقت لا يتركون دينهم، ولكن لا يخرجون به من المساجد. ويوما بعد يوم كان الحال قد تغير، ولكي يثبت علماء الشرع للمستغربين والمستشرقين أنهم ليسوا ضد العلم، والإسلام يحث على العلم، وإنما هم فقط ضد الإلحاد، فقد عكفوا على إثبات صحة كل ما قاله التجريبيون بآيات القرآن الكريم، وتبارى علماء المسلمين وتسابقوا في ذلك.فقد كان علماء الغرب يخترعون، وهم يؤيدون.. يكتشفون، وهم يثبتون... وبالقرآن. ووقف إبليس يرنو إلى أطراف العالم في زهو، وكيف نجح في أن يؤلف بين قلوب المؤمنين والكافرين.وكيف نجح في أن يثبت علماء المسلمين - وليس رجال الكنيسة - كل آراء الملحدين … وبالقرآن. واستبدلت من كتب المسلمين الآيات القرآنية ليوضع مكانها (النظريات العلمية) وأصبح علماء الشرع قبل غيرهم يعلمون الناس أن الأرض لم تخلق في أربعة أيـام فقد أثبت العلم أنها بلايين السنين.وأنها لم تخلق بالعناية الإلهية، بل باصطدام نجم مع الشمس في عملية تدميرية.وأن كل الأجرام السماوية يحكمها قانون نيوتن للجاذبية وليس قـانون القدرة الربانية وأن السماء التي بناها الله تتمدد.وأن الأرض التي أقرها وأرساها تتحرك وأن الشمس التي كانت تجرى لمستقرها، أصبحت تجرى حول المجرة. تطويع الآيات استفاد التجريبيون الغربيون من هذه التبعية الكاملة من زملائهم الشرقيين لهم وكأنهم عرفوا أن نبوءة نبي الإسلام قـد تحققت، وأن جيلا من المسلمين سيأتي وسيتبعونهم شبرا بشبر، وذراعا بذراع.واستفاد إبليس أيضا من هذا الوضع أيما إفادة وأوحى إلى أوليائه بلعبة شيقة وهي" تطويع الآيات" ولكن تحت اسم" سبق القرآن" وهذا الأسلوب إبليسي معروف بقلب الحقائق وتغيير الأسماء منذ تسميته للشجرة المحرمة التي نُهي آدم عن الأكل منها شَجَرَةِ الْخُلْدِ . يعلم المستشرقون وعلماء الغرب أن القرآن يخبر عن الأرض بأنها مبسوطة وممدودة وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا (ق:7) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ الأرْضَ بِسَاطًا (نوح:19) وَإِلَى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (الغاشية:20) فطلع علماء الغرب وأهل الفلك والمنجمون على العالم بأنهم اكتشفوا أن الأرض ليست مسطحة ولا مبسوطة ولا ممدودة ولكنها كروية. وأخرج علماء المسلمين قرآنهم وبحثوا، وبعد حين صاحوا فرحين" لقد سبق القرآن العلم الحديث في إثبات كروية الأرض في أكثر من آية منها": يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ (الزمر:5).وعلى رغم إجماع سلف الأمة على كروية الأرض والسموات، إلا أن علماءَنا المعاصرين لم يفطنوا إلى ما وصل إليه سلفهم إلا بعد أن أعلن أهل الفلك أن الأرض كروية. بعد عدة سنوات أعلن رجال الفلك الغربيون أنهم اكتشفوا أن الأرض ليست كروية وإنما هي بيضاوية الشكل، وتملك الحزن علماءنا، وأمسكوا عن القول بكروية الأرض.وسكتوا عن الكلام في أمر الأرض من قريب أو بعيد، حتى جاء اليوم الذي انتفضوا فيه مهللين وأعلنوا قوله تعالى َنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الأفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ هاهو القرآن الذي نزل قبل ألف وأربعمائة عام يقرر حقيقة علمية أثبتها العلم الحديث وهي أن الأرض بيضاوية الشكل يقول تعالى وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (النازعات:30) فقد اكتشفوا أن بعض أهل ريف مصر يطلقون على البيضة لفظ: دحية.فمن الذي أخبر محمداً هذه الحقيقة التي اكتشفت في هـذا العصر الحديث. والغريب في الأمر أن أحدا من علماء التفسير أو حتى علماء الإنتاج الحيواني لم يقل إن هذا هو معنى الآية. ومراد الله عز وجل المتفق عليه على هذه الآية والتي لم يخالف فيها أحد أن معنى دحاها هو ما فسره عز وجل ذاته أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءها وَمَرْعَاهَا أي أن الدحو هو تهيئة الأرض بالصورة التي تحدثنا عنها والتي تمت في اليومين الأخيرين للأرض. هذا هو المعنى القرآني للكلمة، أما معناها اللغوى فهو: البسط. ولم تدم فرحة المسلمين للمرة الثانية.فلم يمض وقت حتى أعلن علماء الفلك أنه ثبت لديهم: أن الأرض ليست بيضاوية، إنما ثبت علميا أن الأرض مستديرة ولكنها مشطوفة القطبين، أي قطرها الاستوائي يزيد عن قطرها القطبي بعدة كيلومترات.فقد اكتشفوا أن نصف قطرها القطبي هو 6357 كم بينما يبلغ نصف قطرها الاستوائي 6378 كم. ترى ماذا يصنع علماء القرآن في هذا المأزق؟ يقيني أنهم لن يعجزوا، ولن يعدموا حيلة.وقد تمرس علماء القرآن الآن في الكشوف القرآنية ليوافقوها مع كل ما أنتجته العبقرية الغربية من اكتشافات وما وصلوا إليه من اختراعات.لم تمض سنوات قليلة حتى أفحم علماء المسلمين رجال الفلك الغربيين، بأنهم مهما فعلوا فلن يسبقوا القرآن، الذي ذكر الله فيه كل شيء، وأنهم لن يستخرجوا كل ما فيه جملة واحدة بل إنهم سيفاجئون العالم حينا بعد حين، إذا ما قيلت نظرية فانهم سيردون عليها - تأييدا - بالقرآن. وبنفس المقدمة:" أن القرآن قد سبق الكشوف العلمية بألف وأربعمائة عام عندما قرر بأن الأرض مشطوفة القطبين - إذ إن الله تعالى ذكر في سورة الرعد: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (الرعد:41). بل مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءهمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ أَفلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمْ الْغَالِبُونَ (الأنبياء:44). ورغم أن الآيات واضحة تمام الوضوح في أنها لا تتحدث عن أمور كونية بل عن أمور حكمية.إلا أنهم استدلوا بهذه الآيات، إذ إن ظاهر الآيات ممكن أن يحمل على هذا، أما معنى الآيات فلا يهم. إن الله تعالى في كلتا الآيتين يتحدث عن أخذه للكافرين، وأن هذا الأمر قدره في اللوح المحفوظ وهو سنة جعلها الله لم يُكذّب أو يظلم من الأمم فإنه تعالى يجازيهم في الدنيا قبل الآخرة يقول تعالى وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (الإسراء:58). أي ما من أهل قرية إلا سيهلكون بموت أو بعذاب يستأصلهم، والمراد بالقرية أهلها والقرية هي المدينة الكبيرة.وكذلك المراد بأطراف الأرض: جوانبها ونواحيها.وإنما قيل قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأن يوم القيامة ستهلك كل القرى.بكل أهلها الصالحين والطالحين.أما هذا الإهلاك في الدنيا فيخص الكافرين والظالمين وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُون (القصص:59) وهذا أمر مقدر ومسطر في اللوح المحفوظ. ولقد رأى كفار قريش ذلك فيمن حولهم، قرى لوط والأحقاف وهي في طريقهم للشام، والحجر وهي في طريقهم لليمن وغيرهم ممن حولهم.وبذلك تنقص الأرض باستمرار من أهلها الفاسقين ويستبدل بهم غيرهم.يقول تعالى وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنْ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ (الأحقاف:27). وأرى أن أنسب تعليق على قول هؤلاء بأن نقص أطراف الأرض هو نقصها من القطبين هـو مـا قـال" سيد قطب" في ظلال القرآن.فقال رحمة الله عن هذه الآية أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ قـال: " وإن يد الله القوية لبادية الآثار فيما حولهم، فهي تأتى الأمم القوية الفتية حين تبطر وتكفر وتفسد، فتنقص من قوتها وتنقص من ثرائها، وتنقص من قدرها.وتحصرها في رقعة من الأرض ضيقة بعد أن كانت ذات سلطان وذات امتداد.وإذا حكم الله عليها بالانحسار فلا معقب لحكمه ولابد له من نفاد". قال سيد قطب بالهامش معلقا على شرحه:" هذا هو المعنى المتعين لهذا النص، لا ما يخبط فيه دعاة التفسير العلمي للقرآن من دلالة هذه الآية على نقص أطراف الأرض عند القطبين وانبعاجها عند خط الاستواء.إلى آخر هذا الهراء.إن السياق القرآني يحدد مدلول العبارات فيه.فليتق الله من يخبطون في هذا المجال دون فقه وبصيرة بطبيعة هذا القرآن". وآية نقص الأرض حول روسيا الشيوعية، ومن قبلها بريطانيا العظمى التي كانت لا تغرب عنها الشمس، وفرنسا التي امتد ملكها للدول الإسلامية، وألمانيا التي غزت العالم، والدولة العثمانية، وغيرها من الدول التي انكمشت الأرض تحتها، تثبت المعنى الصحيح. ورغم معنى الآية الواضح فقد حرف هذا المعنى إلي معنى آخر بعد عصر النهضة. وعلى ما يبدو أن التجريبيين قد ضاقوا ذرعاً بمطاردة المسلمين لهم بالقرآن الذي هربوا من آياته وكفروا به قبل أن يقرءوه.ولأنه ليس ما يفعله أعداء الدين من اكتشاف النظريات إلا هدماً للدين وليس التوصل إلى حقيقة الكون، فإن مسألة العقيدة لا تبرح ذهنهم، فإنهم يضعون النظريات ليحاربوا بها فكرة الإله.يقول تعالى: ولا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا (البقرة:217) لذلك تنازلوا بسهولة شديدة عن كل ما قاله كوبرنيقوس وجاليليو من مبدأ ثبات الشمس ومركزيتها للكون، لان المهم لديهم أن يثبتوا ولو بالإدعاء تناقض الكتب المقدسة مع العلم الحديث، وهذا هو الدور الرئيسى لكل النظريات التي أخرجوها. هذه المرة فتشوا عن وصف للأرض لا يوجد في القرآن، فهداهم تفكيرهم إلى ما أعلنوه أخيرا عـن شكل الأرض وهـو وصف" كوميدي" أكثر منه علمي - مادمنا في تسلية "اللعب بالآيات" فقالوا: " لقد أثبتت الصور الملتقطة للفضاء أن الأرض تبدوا" كمثرية الشكل".وفسروا ذلك بأنها مستديرة في محيطها إلا جزءاً منها مقبباً ومرتفعاً عن بقية الأرض.وعلى الفور انكب علماء المسلمين على مصاحفهم لينظروا ماذا يقول القرآن في هذا الكشف العلمي الجديد. ورغم أن الصور المنشورة للأرض لا تقول أبداً بأن الأرض "كمثرية الشكل" إلا أن علماءنا لا يكذبون أبدا علماء الغرب ويقولون " أتكذبون وكالة ناسا التي أوصلتنا للقمر؟". ومنذ إعلان هذا الكشف وهم يبحثون، ولا يزالون. ووجدوا أثناء بحثهم أن القرآن قد ذكر كثيراً من الفواكه والخضراوات، ولكنه لم يذكر" الكمثرى" وإن كان ذكرها يندرج ضمن ذكر الفواكه التي ذكرت في القرآن 14 مرة، ولكنهم يريدون، للإفحام ذكراً خاصاً لها وأن تكون أيضا في آية تتحدث عن الأرض أو آية قريبة منها.ووجدوا بالقرآن: (نخيل وأعناب) و(رطبا جنيا) و(طلح منضود) و(التين والزيتون) وفاكهة أخرى كثيرة.إلا" الكمثرى" ولا يزال البحث جارياً عنها. غير أن البعض تسرع - إنقاذاً للموقف - وأوردوا آية على أنها دليل" الكمثرى" والحقيقة أنه لا علاقة لها بالكمثرى، وادعوا أن هذا سبق علمي للقرآن، وأقول: بأن هذه الآية ليست كمثرية.كما أنه قد سبق للمستدلين بها أن استدلوا بهذه الآية نفسها على أن الأرض مشطوفة القطبين.وهـذان أمران لا يمكن الجمع بينهما، لأن مشطوفة القطبين أمر والكمثرى أمر آخر. قال" عبد الرازق نوفل" رحمه الله في كتاب (دنيا الزراعة والنبات) وواضح من اسم الكتاب أن له أيضا علاقة بالكمثرى:" بعد أن تمكن العلم الحديث من تصوير الأرض من خارجها في عصر الفضاء، ومن الأقمار الصناعية أعلن أن الأرض أشبه بحبة الكمثرى وأن أقرب شكل لها هو البيضة". ولا ندرى ما وجه الشبه بين البيضة والكمثرى؟ وقال الدكتور" جمال الدين الفندي" في كتابه" لماذا أنا مؤمن": " ثبت أن الأرض غير كاملة الاستدارة.إذ يزيد قطرها عند خط الاستواء على قطرها الواصل بين القطبين بنحو 21 كيلو متر مما يجعلها غير كاملة التكور ولكن" كمثرى الشكل" إلى حد ما وتدل القياسات الحديثة على استمرار هذا التباعد على الشكل الكروي ببطء شديد جدا".ثم استدل الكاتبان على الكمثرى بالآية وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ولأن معظم علمائنا غير مطمئنين إلى وجود هذا الشبه بين أي من الآيات التي ذكرت وبين الكمثرى فلا يزال البحث جاريا. ولأننا نعتبر أن ما يذكره التجريبيون هو حقائق لا تقبل النقض فإن أحدا لم يكلف نفسه عناء البحث - ولو بالنظر للصور المنشورة - عن صحة هذه المعلومة الكمثرية.رغم أنهم قد غرروا بنا قبل ذلك في أمور ادعوا إثباتها علميا ثم تراجعوا، كما حـدث مثلا في قولهم بمركزية الشمس للكون، وغيرها. هذا هو حالنا أيها السادة مع علماء الغرب (التجريبيين) ومع آيات الله التي نحمده تعالى أنه تكفل بحفظها من التحريف، ولم يترك الأمر لنا. لقد كان علماء السلف قبل ذلك يوجهون بالقرآن جميع علماء الأرض من غير المسلمين إلى تغيير ما لديهم من علوم إذا وجدوها مغايرة لما ينص عليه القرآن وكانوا يستجيبون.ووصلنا إلى زمن علماء الأرض جميعا يناقضون آيات القرآن.وعلماء القرآن يوافقون ويوفقون. أدلة ثبات الأرض أدلتنا على ثبات الأرض كثيرة ومتنوعة ، وأدلة شرعية وعلمية ومادية ، وأدلة لأهل الكتاب من كتبهم المقدسة لديهم ، وكذلك تاريخ الحضارات . أما الأدلة الشرعية فهي من الكتاب والسنة وإجماع الأمة . وقبل أن نبدأ في سرد أدلتنا نسأل الذين يقولون بدوران الأرض هذا السؤال : ما دليلكم على دوران الأرض؟ لايوجد دليل . ونتحدى أي مخلوق على ظهر الكرة الأرضية أن يأتي بدليل .. دليل واحد . هل يتصور علماء المسلمين أن كوبرنيقوس وجاليليو غيروا نظام الكون وقلبوا وضع الأرض والشمس دون دليل واحد؟؟ وإلا فما هو الدليل؟؟ لا يوجد دليل واحد .. واحد فقط .. واحد لا غير يقول بإن الأرض هي التي تدور.. وأن الشمس هي الثابتة. هل يتصور علماء الأرض المعاصرين أنهم خالفوا آيات الله إلى تعاليم جاليليو دون دليل؟ لأن دليل جاليليو الوحيد وهو: المد والجزر، أبطله علماء الغرب أنفسهم؟ نسأل علماء الأرض قاطبة: ما هو دليلكم على أن الأرض تدور حول نفسها وحول الشمس؟ نحاول أن نجد أي دليل لنتعامل معه، ونناقشه، ونرد عليه، فلا نجد. ألم تقولوا " لقد أثبت العلم" فما هو دليل الإثبات؟ أما علماء الإسلام الآن فلديهم الدليل، وبالطبع من القرآن الذي ينص على ثبات الأرض ودوران الشمس حولها، أتوا من القرآن بدليل غريب: عبارة عن جزء من آية في قوله تعالى من سورة النمل: الآية 88 يقول بعضها ـ الذي استدلوا به ـ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ والغريب أن الجبال هي الدليل الأول على ثبات الأرض ، ومع ذلك فقد أتوا بهذا الجزء من الآية كدليل وحيد على النظرية التي أصبحت أكبر حقيقة على الأرض ـ هكذا يرونها ـ . وهذا الاجتزاء من الآية ليس أمانة علمية، ولا علاقة له بالعلم، ولا يجوز العمل بـه لأنه يؤدى إلى عواقب وخيمة، واستنتاجات باطلة. فهل يجوز أن نستدل بإجابة الموتى لمن يدعوهم بهذا الجزء من الآية: إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى (الأنعام:36) ؟ هل يجوز الاستدلال بأن الذين يحملون العرش ومن حوله في النار لقوله تعالى في سورة غافر أَصْحَابُ النَّارِ (6) الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ؟ هـل يجوز الاستدلال بجواز الإشراك بالله لأن القرآن ذكر ذلك إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثلاثَةٍ (المائدة:73)؟ إن هذا الاجتزاء للآيات يؤدى إلى أمور خطيرة وباطلة بطلانا مطلقا.بل انه لا يجوز في آيات أن تقرأ كاملة، بل لابد من تجزئتها في القراءة والعرض وإلا ما كان على الكافرين من حرج لأنهم قالوا حقا إذا قرأت الآية هكذا: ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (يونس:65) فهل قولهم إن العزة لله جميعا يحزن ولكنهم لم يقولوا أصلا ذلك.فالجزء الثاني من الآية هو من قول الله عز وجل.وعرفنا علم التجويد وهو علم معنى بقراءة وترتيل القرآن أن هناك وقف لازم بعد قوله ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُم ونقف ثم نكمل إِنَّ الْعِـزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُـوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وكـذلك الأمر في قـوله تـعالى فلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (يس:76) ومن ثم فالاستدلال بالآيات أو بأجزاء منها لا يكون اعتباطا ولا بأي صورة، ولقد مر النبي على رجل يخطب في قومه وقال:" من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما" فقال :" بئس الخطيب أنت" ثم قال موضحا خطأ الخطيب هذا" فقد كان ينبغي أن يصل كلامه فيقول: ومن يعصهما فقد غوى أو يقف على: ورسوله فقد رشد". فإذا كان هذا مكروها في الخطب ففي كلام الله أشد. وهذا هو للأسف الذي يتعامل به دعاة" التفسير العلمي للقرآن" وهو أسلوب يعطي لأي أحد أن يدلل على قوله من القرآن، أيا كان ما يقول، وأي قضية مهما كانت يمكن إثباتها ونفيها بهذا الأسلوب. وهـاك مثال:" إن الصلاة ليست فرضا على المؤمنين... بل إن هناك نهياً عن الصلاة.يقول تعالى في سورة النساء لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ بل إنه تعالى يتوعد المصلين أشد وعيد فيقول فَـوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (الماعون:4) وأثبت القرآن أن قوما أعلنوا التزامهم قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وبما أن التجريبيين الغربيين لا يصلون، فيكون القرآن قد سبقهم وسبق العلم الحديث بأكثر من ألف وأربعمائة سنة. ما رأيكم أيها السادة في هذا الإثبات، أليس من القرآن؟ ألم نفعل مثلكم؟ أم أنه حلال عليكم حرام علينا؟ ولكن بالطبع إن هذه القضية لا يقول بها إلا مغيب العقل كمن يقول لصاحبه: دع المساجد للعباد تسكنهــــا وطـف بنا حول خمار يسقينا لم يقل ربك ويل للأولى سـكروا بـل قال ربك:(ويل للمصلينا) بهذا الأسلوب يتعامل علماؤنا في إثبات ما لم يثبته الله ولا رسوله، وتعاملوا مع كل النظريات المعاصرة في إثباتها بالقرآن بهذه الطريقة.ولقد رأينا كيف رفض السلف القول بخلق القرآن لمجرد أن الله لم يقل بذلك ولم يقل به رسوله.رغم استناد المروجين لهذا القول بآيات من القرآن وبنفس أسلوب ذلك المخمور. نأتي إلى الآية التي يثبت بها علماء المسلمين ويستشهدون بها على دوران الأرض يقول تعالى وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَــوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (89) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. إن هذه الآية التي يستدلون بها على دوران الأرض، ذكرها الله تعالى ضمن آيات توضح مشهداً من مشاهد يوم القيامة.ولا علاقة لهذه الآية بالحياة الدنيا لأن الله تعالى أخبر في القرآن أن الجبال ثابتة، راسية، منصوبة وليست في الدنيا بأي حال من الأحوال متحركة وإلا فكيف يخبرنا تعالى أن الجبال ثابتة ثم نكتشف بعد ذلك أنها ليست ثابتة وإنما هي تمر مر السحاب؟ إن الله تعالى يخبرنا بأن الجبال في الدنيا ثابتة، ولكنها في اليوم الآخر لن تكون كذلك، وهذا لأن كل ما في الكون سينقلب إلى ضده فالثابت سيتحرك والمتحرك سيثبت والمنير سينطفئ والمنطفئ سيشتعل، والمشتعل سيبرد والبارد سيتوهج، وما في الباطن سيظهر وما كان في الظاهر سيبطن.باختصار شديد سينقلب كل شيء إلى ضده يقول تعالى كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (الأنبياء:104).فهذا الكون الممتلئ بالنشاط والحيوية والحركة والعمل والنظام والدقة (سيدمر). يقول تعالى فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (الملك:3) هذا في الدنيا، ليس في السماء شقوق، أما يوم القيامة فيقول عنها تعالى إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ (الانفطار:1) وهذا يوم القيامة بلا شك.ويقول تعالى وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (الشمس:5) هذا في الدنيا أما في الآخرة إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ (الانشقاق:1).أما الأرض فيقول تعالى عنها جَعَلَ الأرْضَ قَرَارًا(النمل:61) هذا في الدنيا أما يوم القيامة إِذَا زُلْزِلَتْ الأرْضُ زِلْزَالَها إِذَا رُجَّتْ الأرْضُ رَجًّا.. والشمس قال عنها في الدنيا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا أما في الآخرة فيقول إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (التكوير:1) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ.وقال تعالى عن القمر وَالْقَمَرَ نُورًا (يونس:5) هذا في الدنيا، أما الآخرة فيقول وَخَسَفَ الْقَمَرُ (القيامة:8).ويقول عن الكواكب في الدنـيا إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (الصافات:6) أمـا في الآخرة وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ (الانفطار:2) وعـن النجـوم في الدنيا النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا (الأنعام:97) أما يوم القيامة فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (المرسلات:8).والبحر قال عنه تعالى في الدنيا لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا (النحل:14) وفي الآخـرة وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (التكوير:6) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (الانفطار:3) وما من شك أن ذلك سيكون يوم القيامة. وكذلك الجبال قال تعالى عنها في الدنيا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (النازعات:32) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (النبأ:7) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (الغاشية:19) أمـا عن الآخـرة فيقول تـعالى وَسُيِّرَتْ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (النبأ:20) وَكَانَتْ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلا (المزمل:14) تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ (النمل:88). أدلة القرآن الكريم الدليل الأول الجبال هي الدليل الأول لثبات الأرض إنــها لواحدة من عجائب علماء المسلمين بعد عصر النهضة أن يأتوا بالدليل الأول والصريح على ثبات الأرض، وبالأداة التي ثبت الله بها الأرض حتى لا تميل، ويجعلوها دليلاً على الدوران. إن الله تعالى لم يخبر بأنه ثبت الأرض بالجبال في آية ولا اثنتين ولكن في اثنتي عشرة آية يؤكد الله أنه ثبت الأرض بالجبال وخلق الجبال لتثبت الأرض يقول تعالى: (1) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِي (الرعد:3). (2) وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ (الحجر:19), (3) وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ (النحل: 15). (4) وَجَعَلْنَا فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ (الأنبياء: 31). (5) أَمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ (النمل:61). (6) وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ (لقمان:9). (7) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا (فصلت:10). (8) وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ (ق:7). (9) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ (المرسلات:27). (10) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (النازعات:32). (11) ألَمْ نَجْعَلْ الأرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) (النبأ). (12) أَفلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَت ْ(18) وَإِلَى الْجِبـَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (الغاشية). بهذه الآيات الإثنتى عشرة يخبرنا تعالى أنه ثبت الأرض، فلو كانت الجبال تتحرك هذه الحركات التي ذكرها كوبرنيقوس فما فائدة الجبال؟ وأي شيء تثبته الجبال؟ إن أهل الفلك لم ينسبوا للأرض حركة واحدة بل ست حركات: (1) حركة حول نفسها بسرعة 1044 ميل / ساعة أي 1680 كم / ساعة. (2) حركة دائرية حول الشمس بسرعة 67 ألف ميل / ساعة أي 78 ,107825 / ساعة. (3) حركة دائرية مع الشمس حول المجرة بسرعة 497 ألف / ميل أي 000 800 كم / ساعة. (4) حركة نحو نجم النسر بسرعة 43 ألف ميل أي 000 70 كم / ساعة. (5) حــركة لتمدد الكــون (مع الشمس) بســرعة 14 ألف في الثانيــة أي 50 مليون ميل / ساعة. (6) حركة ترنحية مع نفسها أشبه بحركة ترنح نحلة لعب الأطفال التي تميل وهي تدور ذات اليمين وذات الشمال. وهناك حركات أخرى ذكرها العلماء ولم نذكرها هنا اختصارا. فكيف نجمع بين هذين القولين، قوله تعالى أنه ثبت الأرض باثنتي عشرة آية، وقول كوبرنيقوس وأتباعه أن لها أكثر من ست حركات؟ لا يمكن الجمع بينهما. فمن نصدق الله أم كوبرنيقوس؟ إن أهل الأرض جميعا يصدقون كوبرنيقوس.وكوبرنيقوس لا يؤمن بالله. ولكنى أصدق الله.وأقول بأن الأرض ثابتة، ولو قال كل سكان الأرض أنها تدور. لقد ذكرنا أن الله تعالى بعد ما خلق الأرض خلق لها جبالاَ رواسي.ولكنه تعالى لـم يرس الأرض بالجبال فور خلقها، وذلك لأن الأرض انتقلت من مكان إلى آخر، من مكان خلقها إلى مكانها الحالي، وأتت إليه بالأمر.وبعد ما أتت الأرض مع السموات جعلت تميد كما روى أحمد عن انس ابن مالك عن النبي قال:" لما خلق الله الأرض جعلت تميد (تتحرك وتتمايل) فخلقت الجبال فألقاها عليها فاستقرت.فتعجبت الملائكة من خلق الجبال.فقالت: يارب هل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ }قال نعم الحديد {.قالت يارب هل من خلقك شيء أشد من الحديد قال } نعم النار { قالت: يارب فهل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال: } نعم الريح {.قالت: فهل من خلقك شيء أشـد من الريح؟ قال: } نعم ابن آدم يتصدق بيمينه يخفيها من شماله {. ويوم القيامة ستعود الأرض كما بدأها الله تعالى كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (الأنبياء:104) وستمر الأرض بالمراحل التي بدأت بها ولكن ما جعل فيها أخيرا (إرساء الجبال) سينزع منها أولاً.أخرج ابن المنذر عن ابن الجراج قال: قالت قريش: يا محمد كيف يفعل ربك بهذه الجبال يوم القيامة فنزلت الآية وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا ولا أَمْتًا (طه). أي أنه تعالى يقلع الجبال من أصولها ثم يصيرها رملا يسيل سيلا ثم يصير كالصوف المنفوش، تطيرها الرياح هنا وهناك ثم كالهباء المنثور، فتكون مواقعها بعد ما قلعت منها الجبال قاعا صفصفا، أي أرضا مستوية ملساء مكشوفة لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا ولا أَمْتًا فلا ترى في الأرض يؤمئذ منخفضاً ولا مرتفعاً ولا شيئا بارزاً من الأرض. وهنا ستتحرك الأرض، تزلزل، وترج، وتدك: إِذَا زُلْزِلَتْ الأرْضُ زِلْزَالَهَا. إِذَا رُجَّتْ الأرْضُ رَجًّ. إِذَا دُكَّتْ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا. وكما أتت الأرض فإنها ستعود، بعد أن تخرج ما أودع فيها، وتبعثر قبورها، وتفجر بحارها، فتعود مرة أخر.يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَــوَاتُ (إبراهيم:48). والآية 88 من سورة النمل التي يظن البعض أنها تتحدث عن حركة الأرض، وهي إحدى اثنتى عشرة آية تتحدث أيضا عن مصير الجبال في اليوم الآخر، تماما كما أخبر تعالى عن دور الجبال في الدنيا في اثنتى عشرة آية، حتى تكون هذه مقابلة لتلك ولم يقتصر إعجاز القرآن عند حد المساواة التامة بين آيات الجبال في الدنيا وبين آيات مصيرها في الآخرة، بل في لفتة معجزة أخرى يذكر تعالى هذه الآيات المتعلقة بنهاية الجبال في الآخرة في النصف الآخر من القرآن.الاثنتى عشرة آية ذكرت من منتصف سورة الكهف وهو أول النصف الآخر للقرآن حتى سورة القارعة.وقد وردت جميع هذه الآيات الأربع والعشرين في السورة المكية فقط، ذلك أن أهل مكة كانوا يكذبون باليوم الآخر.وكما أخبرهم تعالى عن خلقهم أخبرهم عن خلق الجبال الأكبر والأشد منهم، وكما أخبرهم عن إعادتهم يوم البعث أخبرهم عن إعادة الجبال كما كانت.وأنها ستعود مرة أخرى من حيث أتت، بل وسيرونها وهي تمر من فوقهم كالسحاب. والآيات الاثنتى عشرة التي تخبرنا عن مصير الجبال يوم القيامة هي: (1) وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (الكهف:7). (2) وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا ولا أَمْتًا (طه:105). (3) يوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (10) ( الطور:10). (4) إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) (الواقعة:5). (5) وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (الحاقة:14). (6) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (8) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (المعارج:9). (7) يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتْ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلا (المزمل:14). (8) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ ( المرسلات:10). (9) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ( النبأ:20). (10) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ ( القارعة:5). (11) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ( التكوير:3 ). هذه إحدى عشرة آية تحدد مصير الجبال في اليوم الآخر، ولا يوجد غيرها في القرآن إلا الآية 88 من سورة النمل والتي هي دليل البعض على دوران الأرض.فأيـن نضع هذه الآية؟ ألـيس مناسباً أن نضعها هنا لتتساوى آيات الجبال في الدنيا مع آيات الجبال في الآخرة.وليس فقط لتتساوى الآيات بل إن هذه الآية توسطت مشهدا من مشاهد يوم القيامة.بدأ المشهد بقوله تعالى وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّور وانتهي المشهد بقوله تعالى هَلْ تُجْزَوْنَ إلا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ كذلك ورد بهذه الآية فعل للجبال تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ وكذلك بقية آيات الجبال في اليوم الآخر فقد نسب للجبال فعلا في جميع الآيات دون استثناء. (نسير الجبال ـ ينسفها ـ تسير ـ بست ـ دكت ـ تكون ـ ترجف ـ نسفت سيرت ـ تكون ـ سيرت ـ تمر) أثنى عشر فعلا كلها حركة تختلف إحداها عن الأخرى، ما بين البس وهو التقطيع والتفتيت، والرجف والدك والنسف والسير والمرور... بينما لا نجد للجبال في الاثنتى عشرة آية التي تتحدث عنها في الدنيا أي فعل، فلم ينسب ربنا فعلا واحداً للجبال، حتى في قوله والْجِبَالَ أَرْسَاهَا فالهاء هنا تعود على الأرض أي أنه تعالى أرسى الأرض بالجبال. وقد عرضت الآية 88 بنفس الصورة التي عرضت بها عدة آيات تعرض مشاهد للجبال في اليوم الآخر.كمثل الآية 105 سورة طه: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (102) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إلا عَشْرًا (103) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طـَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا (104) وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا. وبنفس العرض تأتى الآية 88 من سورة النمل: وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَــوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ. وكما هو واضح من سياق الآية لكل ذي عقل سليم أن الآية التي يستدل بها بعض علماء المسلمين على دوران الأرض لا شأن لها بذلك. وقد اتفقت كل التفاسير لعلماء ما قبل عصر الإلحاد و أجمع المحدثون والفقهاء أن هذه الآية تخبر عن يوم القيامة، والأمر لا يكون إلا كذلك، وإلا لتناقضت آيات الله من الثبات للحركة.وقد وردت بسورة النمل آيتان للجبال آية تتحدث عن جبال الدنيا والأخرى التي نحن بصددها.ولم تجمع سورة كلا النوعين إلا هذه السورة وسورة النبأ التي يقول تعالى فيها أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا وفي نفس السورة يقول تعالى: يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18) وَفُتِحَتْ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19) وَسُيِّرَتْ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا. أما سورة النمل فقد ذكرت جبال الدنيا في قوله تعالى: أَمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ (النمل:61) يقول" سيد قطب" عـن هذه الآية" والرواسي الثابتة تقابل الأنهار الجارية في المشهد الكوني الذي يعرضه القرآن هنا والتقابل التصويري ملحوظ في القرآن.وهذا واحد منه.لذلك يذكر الرواسي بعد الأنهار". أما عن الآية الأخرى في نفس السورة فيقول" سيد قطب": وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَــوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ: ويصاحب الفزع الانقلاب الكوني العام الذي تختل فيه الأفلاك، وتضطرب دورتها ومن مظاهر هذا الاضطراب أن تسيير الجبال هذا يتناسق مع ظل الفزع الأكبر.ويتجلى الفزع فيه وكأنما الجبال مذعورة مع المذعورين". هذا التفسير ورد بكتاب" في ظلال القرآن" وهو من التفاسير المؤلفة بعد عصر النهضة ولم يفلت صاحبه من تأثير هذا العصر، وإن كان أقلهم تأثيرا، لذلك كان من القلائل الذين عصمهم الله من التقول عليه بما لم يقله تعالى في هذه الآية. أما تفسير المنتخب فقد علق مؤلفوه على الآية بالآتي: " تقرر الآية الكريمة أن جميع الأجسام التي تخضع للجاذبية الأرضية مثل الجبال والبحار والغلاف الجوى.. الخ، تشترك مع الأرض في دورتها اليومية حول محورها ودورتها السنوية حول الشمس ولكن هذه الدورة لا تدرك فهي مثل حركة السحاب في الجو يراها الناظرون بعيونهم ولكن لا يسمعون صوتها أو يلمسونها وإن إيراد هذه الحقائق العلمية على لسان النبي - التي لم تكن قد وصلت إلى علمه - دليل على أنها موحى بها من عند الله". تحويل الجبال إلى سحاب إن تفسير الآية بمثل ما قال به مؤلفو" المنتخب" يخرج مدلول الآية عن مراد الله وتعطيل للمعني الصحيح الذي في هذه الآية بإخفائه، وهذه الآية من أعجب الآيات وفيها دليل على قدرة الله العظيمة، وإتقان الله في صنع الأشياء إذ تتحول السحب إلي جبال وهو أمر يتكرر في الأرض كل يوم، أما في اليوم الآخر فستتحول كل جبال الدنيا إلي سحاب وهو أمر لن يحدث إلا مرة واحدة. وإن كـان علماء عصر الإلحاد المؤمنون فيه والكافرون يستعظمون أن تتحول الجبال إلي سحاب.فإنهم لا يجحدون أن يتحول السحاب إلى جبال في الدنيا.والتجريبيون يعلمون ذلك ولا ينكرونه بعدما رأوا ذلك الأمر من الطائرات، والمؤمنون يعلمون ذلك من قول الله تعالى لهم في سورة النور أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصَارِ (43).ففي هذه الآية يخبر الله عن نوع من السحاب واسمه (السحاب الركامي) الذي يتراكم بعضه فوق بعض حتى يصل إلى ارتفاع 20 كيلو متر، وينزل منه الودق أي المطر كما ينزل منه البرد.أي الثلج.فالسحاب إذن يتحول إلى جبال في هذا النوع الركامي.أقول يتحول إلى جبال ولا أقول كالجبال كما يقول بعض المفسرين إن السحاب يصبح كالجبال.وهذا لم يقله الله تعالى فالله يقول وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ ولم يقل من مثل الجبال.فالسحاب يتحول بالفعل إلى جبال من حيث الارتفاع ومن حيث التجمد والصلابة. أما في الآخرة فستنقلب الأمور كما ذكرنا، وستنقلب الجبال إلي سحاب.ولكي ندرك هذا الأمر سنتحدث عن هذه الآية كلمة كلمة لنرى عجبا. وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ. وَتَرَى إنه خطاب لكل منا على حده، فرغم هول الموقف وجلال الأمر والقلق على المصير، فان كلا منا سيرى هذه الآية، بل إن عرضها أمامنا سيكون كأن كلا منا وحده المعني بها وكأنها معروضة له وحده. الْجِبَالَ والرؤية ستكـون للجبال وليس لغيرها، والجبال ليست كما يقول مفسرو العصر إن الأمر ينطبق على الجبال والبحار والغلاف الجوى... الخ بل إن الجبال وحدها هي المعنية. تَحْسَبُهَا أي تظنها، والكلمة بهذا الشكل تَحْسَبُهَا لم ترد في كل القرآن إلا هنا. جَامِدَةً لقد فسرها المفسرون بمعني: قائمة ثابتة، ولكن المعني أدق من ذلك، فمعني جـامدة: أي صلبة، وليس معناها ثـابتة وإلا لقال تـعالى (ثابتة) ولكنه قـال جَامِدَةً أي تحسبها في الحالة الأولى للمادة، ونحن نعرف أن للمادة ثلاث حالات جامدة، وسائلة، وغازية.ونعرف أن جزيئات المادة (الجامدة) أقوي ترابطا من غيرها، ومسافتها البينية أقل من غيرها، وحركة هذه الجزيئات أقل حركة بالنسبة لغيرها من جزيئات السائل أو الغاز.والجبال من المعلوم أنها تندرج تحت الحالة الأولى للمادة، وهذا العلم بحال الجبال لا يخفى حتى على الأمي. لذلك سنخطئ جميعا في ظنننا بحال الجبال يوم القيامة إذ أننا سنظنها بحالتها التي عهدناها وعرفناها بها، أي جامدة بمعني صلبة وليس بمعني ثابتة لأنه مستحيل أن تنخدع البشرية كلها بالظن في المتحرك أنه ثابت، فهذا الأمر لا يمكن تصوره ولا الخطأ فيه خاصة والله تعالى يخبر وفي آيات كثيرة أنها تتحرك وتسير يوم القيامة، ولن ننخدع في ذلك لإخبار الله لنا وللرؤية البصرية.ولكن من الممكن أن تنخدع حواسنا جميعا في حالة المادة فنظن السائل صلباً والصلب سائلاً، أو الغاز سائلاً والسائل غازاً وهكذا وكثيرا ما يحدث ذلك لنا. وكما ذكرنا ستتحول الجبال إلى سحاب، أي تتحول من أول حالات المادة وهي الصلبة، إلى أخر حالاتها وهي الغازية، مروراً بالحالة الثانية وهي السائلة.كيف؟ إن مراحل تحول الجبال إلى سحاب لم يتركها القرآن ليستنتجها العالمون، ولكن ذكر الله تعالى مراحل التحول بدقة شديدة، ومرحلة مرحلة، وكأننا نراها رأى العين فإن الله تعالى سيحمل الجبال ويدكها دكاً وَحُمِلَتْ الأرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (الحاقة:14).وسيرج الله الأرض بما عليها رجا، فتتفتت منها الجبال وَبُسَّتْ الْجِبَالُ بَسًّا (الواقعة:5) أي تكون قطعا ، ويرجف الله الأرض والجبال، فتصبح الجبال كالرمل السائل الذي يهال كَثِيبًا مَهِيلا (المزمل:14) وينسف الله الجبال نسفا حتى تكون الرمال المهيلة كالصوف المنفوش بتحول الرمال إلى ذرات دقيقة من الغبار كأنها غاز، وفي هذه الحالة ستسيرها الرياح، وستصعد بها فوق الخلائق الذين ينظرون ويحسبون أنها جامدة، بينما هي أصبحت سحابا فوق رءوسهم وبذلك تكون الجبال قد تحولت من الحالة الصلبة أي الجامدة إلي الحالة الغازية بقدرة الله تعالى. وكلمة جَامِدَةً لم ترد أيضا في القرآن إلا مرة واحدة هي هذه المرة. وَهِيَ تَمُرُّ إنها أيضا كلمة وحيدة بهـذا الشكل تَمُرُّ فلم تذكر في كل القرآن إلا هنا فقط، مثلها مثل كلمة جامدة غير أن الثانية لم تذكر بمادتها كلها (جمد) في القرآن كله إلا هنا.ومعنى تمر أي تسير، ولكن قد ذكر أكثر من مرة أن الجبال تسير.. في أربع آيات إذن فالمرور هنا غير السير، وغير الدوران الذي يريد علماء العصر أن يحملوه على الآية، فالمرور لا يعنى أبدا مجرد السير، وإنما معناه مجاوزة شيء ما. ولو فسرت الآية باللهجة العامية المصرية، فيكون معناها: تفوت، أو تعدى، أو تخطى. أي أنها تتخطى الناس منتقلة من مكان إلى آخر. وهذا هو معنى المرور فهـو مسألة وقتية مكانية، كقـوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قـَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ (البقرة:259) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلـَّمَا مـَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ (هود:38) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (المطففين:30) ومَرَّ هنا في الآيات فعل. أما مَرَّ في هذه الآية فاسم مَرَّ السَّحَابِ إن هاتين الكلمتين في كل القرآن الكريم اللتين تفسران حدثا فريداً لا ولم يحدث في الكون إلا مرة واحد لم تفسره إلا هذه الآية وبالذات هاتين الكلمتين. مَرَّ السَّحَابِ ذكرنا أن الجبال تحولت بالدك والرج والبس والنسف والرجف إلى سحاب وكأي سحاب ينشأ من الأرض بالرياح، ثم يتحرك السحاب إلى حيث يشاء الله.وبوصوله لما يريد الله ينزل مرة أخرى موزعا على الأرض.فإن هذا ما سيحدث للجبال تماماً فبعد تحولها إلى السحاب تمر فوق رءوس الخلائق، يحسبونها جامدة وهي سحاب، تمر مر السحاب من فوقهم وبعد أن تتخطاهم تنزل إلى الأرض مرة أخرى، ولكن ليس كجبال بل ذرات دقيقة من التراب تسوى بها الأرض. صُنْع هذه أيضا لم تذكر في القرآن إلا مرة واحدة هي هذه.والصناعة تعنى العمل وتحديداً تحويل المادة من حالة إلى حالة، أو تغير شكلها، وهو المفهوم حتى الآن لمعنى الصناعة، وهو المعنى الذي يرد في أي آية بها مادة (صنع) وَيَصْنَعُ الْفُلْك أي يحول الخشب الخام إلى بناء سفينة.فكذلك تحول الجبال من الحالة الجامدة إلى حالة تشبه الغازية حتى أنها لتسير وتعلو كسحاب.فهي صناعة لا يقدر عليها إلا الله.وهو تعالى القادر على كل شيء. الَّذِي أَتْقَن وهذه الكلمة أيضا لم ترد إلا مرة واحدة في القرآن كله هـي هذه يقول :" إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه" وهو سبحانه الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ وما حولنا من الخلق لا يقدر على إتقانه إلا الله القادر الحكيم، وما أغبى وما أظلم من يقول بأن الكون تكون بالانفجار والدمار، والمصادفة هي التي أتت بهذا الإتقان البديع. وإن كان تعالى قد أتقن كل شيء إلا أن هذه الكلمة لم ترد إلا في هذه الآية التي تتحدث عن تحويل الجبال إلى سحاب وهي حادثه لن تحدث إلا مرة واحدة في الدنيا والآخرة.لذلك جاءت معظم كلمات الآية مرة واحدة في القرآن هذه الكلمات هي: 1- تحسبها 2- جامدة 3- تمر 4- مر (كاسم) 5- صنع 6- أتقن. فجاءت ست كلمات لأول مرة ولآخر مرة في آية واحدة لتدل على أنه حدث فريد في الدنيا والآخرة. هذا هو دليلنا الأول على ثبات الأرض هو تثبيتها بالجبال التي أرساها الله فيها، وهو دليل في الكتاب. وهذه باقي أدلة القرآن: الدليل الثاني: نفي الحركة والفعل للأرض بإحصاء كلمة الأرض التي وردت في القرآن وجدنا أنها ذكرت (451) مرة. لم يرد مرة واحدة مع كلمة الأرض أي فعل فيه حركة، بل ولا غير الحركة سوى أفعال التسبيح فقط. بخلاف الشمس التي ذكرت حوالي 30 مرة وردت مع معظمها أفعال حركة. كذلك كما تذكر الشمس دائما مع القمر، وكلاهما متحركان، تذكر الأرض مع السموات وكلتاهما ثابتتان . الدليل الثالث: نفي السجود للسموات والأرض أثبت الله تعالى لكل الكائنات عبودية تتعبد بها له سبحانه وتعالى سواء أكانت سموات أو أرض أو شمس أو قمر أو نجوم أو شجر أو جبال أو دواب أو أناس فكلها تعبد الله تعالى فنسب الله لهم جميعا التسبيح له.ونسب لهم أيضا السجود ما عدا السموات والأرض فلا تسجدان. فقد نسب لكل ما في الكون التسبيح بما فيه السموات والأرض كما قال تُسَبِّحُ لَهُ السَّموَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ( الإسراء:44).فكل الكائنات هنا تسبح حتى السموات والأرض. ولم ينسب تعالى للأرض سجودا ولا للسماء مع خضوعهما لله وتسبيحهما ولكن دون هذا النوع من العبادة، لأن فيه حركة، والله تعالى قد ثبتهما وأمسكهما لينتفع سكانهما بثباتهما. فأثبت تعالى للسموات والأرض طاعة كاملة له كشأن الكائنات.فمثلا: 1- وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءك وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأمْرُ هكـذا أمـر الله، كـانت الطـاعة التامة وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأمْرُ (هود:44). 2- أن السموات والأرض تبكي على المؤمنين الصالحين لفراقهم إذا ماتوا أما غيرهم فلا تبكى عليه فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالأرْضُ (الدخان:29). 3- وأنكرت الأرض على من قال إن لله ولداً تَكَادُ السَّمَـوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (مريم). 4- أثبت الله لها وللسموات طاعة من بدئهما حتى نهايتهما.ففي البدء: قَالَتَا أَتَيْنَا َطائِعِينَ ( فصلت:11). وفي الختم قال عن كل منهماوَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (الانشقاق:5). أما السجود فقد أثبته تعالى لجميع الكائنات والمخلوقات في السموات والأرض ولم يثبته لهما.أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَــوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِن اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (الحج:18). فكل هذه الكائنات على عظمتها وحركتها تسجد لله وهو سجود حقيقي باستثناء السموات والأرض.وقد كان الله تعالى قادراً على أن يسجدهما.ولكنه تعالى منعهما من ذلك ليثبتهما لمن عليهما. أفيثبتها الله لنا ونحركها نحن؟ أيمنعها الله أن تتحرك لتسجد له ونعطى لها نحن كل هذه الحركات؟ الدليل الرابع:إتيان السموات والأرض ذكرنا أن الله تعالى خلق السموات والأرض في غير مكانهما الحالي، في المكان الذي خلقهما فيه من الماء، الذي كان العرش عليه، وبعد تمام اليوم الرابع أمرهما تعالى أن يأتيا إلى مكانهما الحالي.فقال تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (فصلت:11). لقد أتت السماء والأرض إلى هذا المكان الذي نحن فيه.فإذا كانت الأرض في هذا المكان الذي هي فيه، فإنما جاءته من أول الخليقة بأمر الله.وطاعة لله.فكيف تترك مكانها هذا لتلف وتدور؟ ولم يخبرنا الله أنه أصدر لها أمراً آخر بعد إتيانها إلى مكانها وقال: اذهبا بأمر الله.فتذهب الأرض وتتحرك حيث شاءت. بل إن الكلمة ذاتها أَتَيْنَا توحي بأن مكانها هذا لم يأمرها الله لتذهب إليه، وإنما حدد تعالى لها مكانا ثابتا معيناً وقال اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا.فأتت إليه مع السماء. الدليـل الخامس: الأرض قرارا القرار هو الثبات والتمكن والسكون والإستقرار.وفي الفقه القانونى (الإقرار سيد الأدلة) لأن المرء يثبت على نفسه ويقر.وفي اللغة القرار: السكون والثبوت. أخبرنا تعالى بأن الأرض مستقرة بنا.وأخبرنا بـأن الأرض مستقرة في مركز العالم.وفي قلب الكون. يقول تعالى اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاء (غافر:64). يقول البعض تفسيراً إنها قارة بالفعل كما قال تعالى، ولكنها قارة بالنسبة لنا ولما عليها، ولكنها ليست كذلك بالنسبة للكون. ولكيلا يكون للناس حجة على الله في أنهم فهموا الآية على هذا الفهم.فقد أورد الله تعالى آية أخرى تعطى نفس المعنى ولكن دون أن يكون فيها ما يدعو للبس أو سوء الفهم فقد كانت الآية السابقة تذكر كلمة لَكُمُ في قوله جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَارًا فجاءت الآية الأخرى دون هذه الكلمة، حتى لا يكون لنا شأن بقرارها، أي (ليست قارة لكم) فقال تعالى أَمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا (النمل:61) ليس هنا لَكُمُ.إذن فلو جعلنا معنى الآية الأولى أنه تعالى جعل الأرض قارة بالنسبة لنا وليست بالنسبة للكون، وتعللنا لـهذا المعنى بوجـود كلـمة لَكُمُ فإن الآية الثانية خلت منها ولا حجة لأحد في هذه الآية أن يقول إن مـراد الله أنها قارة بالنسبة لنا. كذلك وردت كلمة جَعَل في الآيتين.والجعل مرحلة تالية للخلق.وقد علمنا أن الجبال أرساها الله في الأرض بعد أن خلق الأرض، وبدا أنها غير مستقرة ولاحظت الملائكة ذلك.فالقرار إذن للأرض جاء كعملية مستقلة للأرض فهي لم تستقر فور خلقها. يتلاحظ أيضا أن الآية الثانية جاءت في صيغة سؤال فالله تعالى يقول: من الذي جعل الأرض ثابتة مستقرة لا تتحرك؟ أفتكون الإجابة، أن نقول: إنها ليست ثابتة ولا مستقرة؟ هل يقول بـذلك مؤمن؟ مع أن هذا السؤال لم يطرح على المؤمنين وإنما على الكافرين، الذين قال عنهم تعالى بعد إيراد آية قرار الأرض بَلْ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (النمل:66). ولقد اتفق سلف الأمة جميعا دون استثناء على قرار الأرض وثباتها وعدم إتيانها بأي حركة.يقول ابن كثير:" جَعَلَ الأرْضَ قَرَارً أي قارة، ساكنة ثابتة لا تميــد ولا تتحرك بأهلها، ولا ترجف بهم، فإنها لو كانت كذلك لما طاب عليها عيش ولا حياة". ولتثبيت المعنى لمن في قلوبهم شك من أن قرارها يعنى ثباتها قوله تعالى لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى (الحج:5) فقد جاء ذلك بعد قوله تعالى عن المضغة مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ فالمخلقة تثبت وتستقر في الرحم، وغيرها تنزل منه ولا تستقر فيه، وقوله تعالى وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانـَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا (الأعراف:143). هكذا كل آيات القرار في القرآن لا تعنى إلا الثبات. يلفت انتباه قارئ القرآن المتدبر، الآيات المستفيضة التي يؤكد فيها تعالـى أن الأرض مستقرة، وغير متحركة وأنه تعالى ثبتها بالجبال الرواسي، المنتصبة الشاهدة على ذلك، ويجعلنا هذا الأمر نتساءل: لماذا يؤكد الله تعالى على هذا الأمر بكل هذا التأكيد؟ من قراءة التاريخ وعلم الكون والفلك نجد الإجابة على تساؤلنا.بأنه كانت ثمة محاولات من بعض الفلاسفة لتغيير معتقدات البشر بحقيقة الكون وباءت هذه المحاولات بالفشل لمخالفة ما يقولونه لما يراه الناس، ولوجود الأنبياء والمرسلين الذين يعلمون الناس مجددا حقيقة الكون. غير أن هـذه المحاولات كتب لها النجاح منـذ قـرن تقريبا عندما سرت في أهل الأرض جميعاً قناعة تامة بأن الأرض تدور حول نفسها وحـول الشمس.كأنهـم وقعـوا جميعاً تحت تأثير واحـد غامض، حتى أنهم جميعاً لا يعرفون دليلاً واحداً على ما يقولون، ويصدق فيهم قوله تعالى أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (54) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (الذاريات). يذكـر التاريـخ أن اثنين من الفـلاسفة قالوا بـدوران الأرض قبـل كوبرنيقوس.كان الأول" فيثاغورث" اليوناني الذي رأي من منطلق فلسفي أن الأرض لا يمكن أن تكون نقطة العالم المركزية، إذ تقطنها نقائض عديدة، كما أنها في ذاتها مظلمة ويجب أن يكون وسط العالم مضيئا، لأن الضوء إحد الطيبات. فكما نرى لم تكن هذه النظرية مؤسسة على علم ومشاهدة، إنما مجرد رأي وهوى ومن عجب أمر هؤلاء في اتباع الهوى، أن فيثاغورث كان من رأيه ألا تكون الأرض هي المركز لأن بها النقائص وأنها مظلمة.ثم جاء جاليليو ليثبت أن الأرض لا تكون مركزا للكون، وأنها ليست كما يظن بها نقائص، وأنها لا تختلف عن غيرها في شيء، وهي كأي جرم في السماء، فلماذا نعتبرها مركزالكون؟؟ ولم يلتفت أحد لما قاله فيثاغورث، وكأنه لم يقل شيئاً، ولكن احتفظ التاريخ بنظريته على الورق أكثر مما احتفظ بالكتب المنزلة، فهكذا التاريخ. وفي القرن الثالث قبل الميلاد ظهر في" الإسكندرية" فليسوف آخر هو" إريستاخورس الساموسي" (280 ق.م) ورأي الآخر أن يجعل الشمس مركزا للكون.والأرض والكواكب في أفلاك حولها يسبحون.وأن النجوم الثوابت لابد وأن تكون على مسافات شاسعة، تفسيرا لعدم ملاحظة أية إزاحة ظاهرية لها.وغير هذين لم نسمع أحدا قال بجريان الأرض ومركزية الشمس.وربما كانت هنــاك آراء أخـرى من هنا أو هناك تقول بمثل هذا من الفلاسفة ولكنها لم تحفظ لشذوذها وخروجها عن إجماع البشر، ولأنها ثالثا لم تعتمد في دعواها على دليل واحد. كـذلك يذكر التاريخ أن فلاسفة قاموا بالرد ودحض نظريات زملائهم القائلين بمركزية الشمس منهم" أرسطو طاليس المقدوني" وهو فيلسوف إغريقي ولد عام 384 وتوفي عام 322 قبل الميلاد.وهـو التلميذ الأشهر لأفلاطون.ومعلم الإسكندر الأكبر.أسس عام 325 ق.م" المـدرسة البريباتية" وهو مؤسس علم المنطق والمذهب الذي يشار إليه باسمه وقد ترجمت جميع كتبه إلى اللغة العربية في القرنين التاسع والعاشر الميلادي. وقد تصور أرسطو النسق الكوني على أساس التجربة البسيطة المشاهدة واعتبر عناصر الأشياء أربعة (الماء والهواء والنار والتراب).فهو يقول بان التراب هو أثقل العناصر الأربعة لأنك لو أتيت بإناء به تراب وماء وهواء وهززت ذلك تماما، فأنك ستشاهد فقاقيع الهواء تتصاعد فوق السطح والتراب يترسب في القاع وإذا أوقدت نارا تصاعد اللهب عاليا خلال الهواء، وفي النظام الكوني تكون الأرض مكانها القاع (المركز) وطالما استقرت في مكانها وليست من سبب لتحريكها حركة دورانية، أو أي حركة انتقالية أخرى بينما النجوم والكواكب لم تستقر مكاناً فهي دائما في حركة سنوية حول الأرض الساكنة. كما جاء كلوديوس بطليموس الفلكي السكندري (140: ق.م) ليؤيد نظرية أرسطو وتوسع في تفسير حركات الكواكب والنجوم ثم قام بصياغة نظرية متكاملة عن بناء الكون تعتمد على اعتبار الأرض ساكنة في مركزه والكواكب السبعة بما فيها الشمس والقمر تدور حولها في مدارات ثابتة شبه دائرية.ودون نظريته عن الكون في كتابه الرئيسي" النظام الفلكي الأكبر" ولم يحدث إن استقر نظام كهذا النظام الذي تصوره بطليموس. ونظام بطليموس في مجمله لا يتعارض مع الرؤية الدينية للكون.ويعتبر كتابه (النظام الفلكي الأكبر) الذي ترجم إلى اللغة العربية باسم" المجسطى" هو من أكبر مؤلفات البشر. إذن فتأكيد القرآن على ثبات الأرض لم يكن من فراغ، ولا لمجرد التأكيد.ورغـم |
||
| اقتباس المشاركة |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|