| الإهداءات |
|
|||||||
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |

|
|
#9 | |
|
قوة السمعة: 10
![]() |
ابتعد عن المكان متسللاً بين الأشجار والأحراش لكنه لم يذهب بعيداً حينما تواصل إلى أذنيه خرير محركات الطائرات الحربية التي تمطر ناراً ملتهبة، يرعد المنطقة كلها، فانحتى وسط "ضَرْوَة" يبسمل ويحمد الله ويطلب النجاة متمتماً بين شفتيه عبارات متلعثمة غامضة. استمر القصف مرعباً، يزرع الموت والدمار والعقم، والطائرات محلقة في ذهاب واياب دون توقف. انفجرت قنبلة أولى لم تصبه شظاياها، بقي مختفياً في مكانه طيلة يوم كامل ولم يتحرك إلا مع غروب الشمس، بعد أن تأكد من السكون الكلي وانسحاب العساكر من المكان فخرج متسللاً من مخبئه عائداً إلى الدشرة، وأثناء الرجوع سمع وقع أقدام ثقيلة ومتعثرة فانحنى جانباً ينتظر خائفاً وقلقاً، وإذا بمجاهد جريح يتشبث بأغصان الأحراش بيد ويمسك بندقية بيد أخرى يحاول تسلق منحدر متجهاً نحو عمق الغابة.
وقال الرجل باعتزاز أنه ساعد المجاهد الجريح على الخروج من المأزق فأدخله داره وقامت أمه بمعالجته ثم اتصل بمسؤول الدشرة الذي أخبر المجاهدين فأرسلوا رجلين في ليلة الغد أخذا معهما الجريح مسرجاً فوق بغل قوي، محملاً بالقمح والشعير والعدس. وأضاف الرجل في رواية مستفيضة أمام الجميع مشاركته في دفن القتلى مع سكان الدشرة، فهالوا وذعروا للمناظر الوحشية التي عثروا عليها في ساحة المعركة، أجسام مهمشة، ممزقة، جثث ضائعة المعالم، أذرع وسيقان مرمية وحدها، انفصلت بعنف عن الأجسام وبقيت تنزف دماً، حلف الرجل وأقسم بالرب والأنبياء أنه وجد الدم دافئاً لم يتخثر بعد، وجوه ملطخة بالدماء المخلوطة بالتراب والعرق والندى، أعين مفتوحة وثغور تبتسم للسماء الصافي، لم تفقد من حيويتها وفرحها وذعرها شيئاً. وأضاف الرجل باصرار أنه رأى لأول مرة في حياته فرحاً ممتداً لا نهاية له وخوفاً رهيباً على أحد الوجوه الفتية لشاب لم يتجاوزالعشرين، قتل برصاصة في قلبه، وهو الشهيد الوحيد الذي بقي جسمه سليماً، لا جروح عليه ولا تراب. احتار الرجل في تلك اللحظة ولكنه طمأن نفسه بأن الدنيا مليئة بالعجائب وأن الله يخلق من الغرائب مايشاء، دلهم الرجل على القبور المتراصفة تحت أشجار مظللة دون أسماء، قديمة، كان ترابها يستوي مع الأرض، ولم يعرف أهل الدشرة إلا اسم شهيدين كانا من المنطقة . أما بقية القبور فهي مجهولة لا يعرفها ولايزورها أحد لم يعرف مصطفى عمروش أي العظام لصديقه، فالعظام كلها متشابهة، أما الفتاة الشابة الواقفة بين الرجلين فقصتها كانت تروي على غرار الحكايات الشعبية التي تجمع الناس الفقراء في الليالي الشتوية الباردة الطويلة حول الموقد الدافيء. سمع كل أهل المنطقة بقصتها، قصة رددتها بافتخار واعتزاز وأضافت إليها أحداثاً فرعية كي تصبح متكاملة وحلوة للرواية، تغري السامعين. تنهد مصطفى عمروش بعمق، اقتحم الحنين فجأة صدره الذي أصبح يضيق بمثل هذه الذكرايات القاسية كلما تقدم في العمر. أصبح يتألم كثيراً كلما استرجع هذه الذكريات وفي أحيان متعددة تطفح الدموع على سطح عينيه الذابلتين المتعبتين وهو يجهد نفسه لمعرفة نوع الأحاسيس والأفكار والخواطر التي راودت صديقه وهو يحتضر ويلفظ أنفاسه. كانوا جميعاً يستهترون بالموت ويذكرونه في أحاديثهم كشيء عادي. والغريب في الأمر أنهم ينسونه كلياً أثناء المعارك. يفكرون في قتل الأعداء وفي كيفية النجاة والعودة إلى القواعد المخفية وسط الجبال في المغارات المهجورة منذ الأزمنة البعيدة سالمين فرحين، وإذا أصاب الموت المحتوم أحدهم، يتألمون قليلاً، يشعر بعضهم بالفراغ وربما بالخوف ولكن سرعان ما يغادرهم هذا الشعور إذ يقنعون أنفسهم بأن الموت ضروري لربح المعركة الكبرى، وأنهم يقينا سيلتحقون بأصدقائهم وهناك يغمرهم نوع من الابتهاج والسكينة ويتصورون الجنة بمختلف الأشكال في مناظر مبهجة حميلة. حيث النوم العميق والأكل الوفير والدفء والراحة. في السنوات الأخيرة، بدأت خواطر مفزعة تطارد ذهن مصطفى عمروش وتلاحقه دوماً. في ماذا كان يفكر علي زغمار في اللحظة التي أصيب بها بالضربة القاتلة؟ هل مات بالرصاص أم تمزق جسمه بالقنبلة وانفصلت ذراعاه ورجلاه بعيداً عن بقية الأعضاء؟ هل بقي يقظاً ينظر إلى الدم المتفجر من أحد أجزاء جسمه الملقية قربه؟ وتمنى مصطفى من صميم قلبه أن يكون الموت قد أدرك صديقه الحميم في رمشة عين تجعله لا يشعر بوخز الألم وضغطه. وحينما تنهال عليه المشاكل ويكثر القيل والقال حول نزاهة قدماء المجاهدين الذين انساقوا خلف الامتيازات المادية وتحايلوا وتشاجروا وتآمروا من أجلها، ونظرة الناس إليهم وخاصة الشباب الذين يتذمرون ويرون فيهم السبب الرئيسي للبطالة التي ما فتئت تنتشر يوماً بعد يوم، يفضل لو استشهد في احدى المعارك ومات شهيداً ليبقى اسمه نبيلاً طاهراً يذكر باجلال وشموخ أما وهو حي بين أصدقاء تغيروا كلياً وأصبحوا يعتبرون هذه الامتيازات التي يسمح بها القانون حقاً شرعياً، مكافأة لهم تعويضاً عن الجوع والعري والتعب والخوف أيام الثورة التحريرية فلا مفر من السكوت وتقبل الانتقادات بصبر وتبصر. سمع مرة شاباً يحاور صديقه، وهو داخل الحافلة ذاهباً إلى العاصمة يتكلم بصوت مرتفع يملؤه الحقد والغضب، قائلاً بأن المجاهدين استولوا على كل شيء، سيارات مساكن محلات تجارية، مناصب شغل ولا يمكنك أن تحاسبهم على فعل خاطىء أو تغيّب. انتفض بداخله واستشاط غضباً لحظتها ولكنه صمت ولم يقل شيئاً إذ في انتقادات الشاب كثير من الصواب. حينما كانوا يجوبون الجبال والأودية، راودهم أمل وحيد، ليلاً ونهاراً، أكبر مكافأة تمنح لهم استقلال البلاد والعودة إلى عائلاتهم والتخلص النهائي من المطاردات والانتظار القاتل. حورية، طفلة مرحة، ضحوكة دوماً، يعرفها منذ كانا صغيرين يركضان معاً ويجلبان الماء من الوادي عبر دروب وعرة ملتوية موحلة في قر الشتاء ومغبرة في قيظ الصيف. كان يكبرها بثلاث سنوات لاغير. ونمت بينهما صداقة متينة مليئة بالاعجاب والتفاهم، وكبر هذا الشعور معهما إلى أن أضحى حباً قوياً يتحمل المصائب والتضحيات، يلتقيان علانية ويتحدثان طويلاً عن كل شيء يخطر على بالهما، لم يكن الحديث يهمهما بقدر ما كان هاجسهما الوحيد هو المكوث معاً ولأمد طويل بما أن لا شيء يخفي في القرية الصغيرة، فما هو سبب التستر والحذر؟ كانت عائلتهما على دراية بكل لقاءاتهما، ولم تمانعا منتظرتين اليوم الذي تحين فيه الظروف لإقامة عرس كبير لإسعادهما ولكن هذا العرس لم يتم أبداً، أو على الأقل لم يتم بالصورة التي تصورتها العائلتان. في تلك السنين تغيرت حياة السكان في المنطقة كلها رأساً على عقب، كما تغيرت أحاديث الناس واهتماماتهم، فبعد أن كانت الحياة عادية، رتيبة، يتخبط سكانها في البحث عن لقمة الخبز دون الجرأة على رفع أصابعهم للاتهام الصريح والجهوري، وكادوا يفقدون الأمل في تحسين ظروف معيشتهم ويقنعون أنفسهم زوراً وبهتاناً بأن ما يتخبطون فيه من وحل ملطخ بالشر، إنما عقوبة الهية شرسة عن ذنوب اقترفها أجدادهم في يوم ما من الأزمنة الغابرة ولا مفر من التكيف معها والصبر على منوال النبي أيوب.. ربما في يوم ما... وفجأة طفق أهل القرية يغلون ويفورون داخلياً، ويترقبون الأخبار بفارغ الصبر. اندلعت الثورة لتحرير الوطن وطرد المستعمرين بصفة نهائية، امتلأت الجبال المجاورة لهم بمجموعات مسلحة من المجاهدين أتوا من كل مكان واتصلوا ببعض الرجال من القرية. كان مصطفى عمروش شاباً قوياً وشجاعاً فتحمس كثيراً لما يحدث حوله. استهوته الأخبار وحب المغامرة وهاجس التخلص من المعمرين الذين يشتغل في مزارعهم مقابل ثمن زهيد. تكلم مع صديقه علي زغمار واقترح عليه الالتحاق بالأخوة في الجبال الشاسعة المحيطة بالقرية فوافق الصديق على الفور. ومكث مصطفى متردداً لأيام فيما إذا كان يحق له مصارحة حورية بمشروعه، أم لا. وانتهى إلى رأي يقضي باعلامها. انتظر خروجها لجلب الماء فرافقها مسافة قصيرة، وهو صامت لا يعرف من أين يمسك الخيط. تنبهت حورية إلى حيرته وتساءلت عن السبب بدون مقدمات ودفعة واحدة، أجابها مرتبكاً، بنبرة فخورة لا تعرف الخوف أو التراجع: - سألتحق بالمجاهدين في الجبال لتحرير الوطن. |
|
|
||
| اقتباس المشاركة |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|