Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 639

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1041

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1046

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1518

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1523
راوية فوضى الفصول عن الطفولة - الصفحة 2 - منتديات شباب فلسطين
نحن مع غزة


الإهداءات

العودة   منتديات شباب فلسطين > محطات عامـة > الــوآحــة الـعــآمّــة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-13-2009, 12:56 PM   #11
manal*****lolo
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية manal*****lolo

قوة السمعة: 10 manal*****lolo will become famous soon enough

افتراضي رد: راوية فوضى الفصول عن الطفولة

إذن! فمـا الفرق بين هـذا المكـان والقريـة التي تركتموهـا وراءكـم!؟ هناك ـ في القرية ــ كـان الناس سيجتمعون مــن حولكم لمساعدتكم في ترتيب‏

أثاثكـم، فيما لم يحركّ أحدهم ـ هنا ـ ساكناً! بل أخذوا يراقبونكم من خلف الأبواب المواربة من باب الفضول ربّما! هناك ما كان ليفوت أهل القرية أنكم مُتعبون، وأنّ أدوات المطبخ قد ضاعت بين أثاثكم، فيتسابقون إلى استضافتكم، و إطعامكم، في حين رسم الجيران ـ هنا ـ قطراً لدائرة ما تجاوزوها نحوكم! حتّى التّحية ضنّوا بها! ثمّ ما لبثوا أن أغلقوا أبوابهم، وانصرفوا إلى ما كانوا فيه!‏

أنت تقرّ ـ مُكرهاً ـ أن هذا الحيّ ليس قرية، برغم علامات التشابه، ولكن أحداً لا يستطيع أن يّدعي التماثل بين ما تراه عيناك، وبين تلك الصورة الموشاة بالألق، التي كان أبوك يرسمها عن القصور الإسمنتية الفارهة،والشوارع النظيفة المُعبّدة،والحوانيت الكبيرة الملأى بمختلف أنواع البضائع، والسيارات التي لا تُحصى، لكي يزيّن لأمك مغامرتكم هذه!‏

"يا امرأة أطلبي لبن العصفور هناك، وستجدينه في متناول اليد!"‏

فهل كان أبوك ـ لا سمح الله ـ يغرّر بكم!؟‏

ما الذي حدا برجل مثله إلى سكنى دار إيجارها اثنتا عشرة ليرة سورية!؟ كانت الدور ـ على حدّ علمك ـ تشاد لسكنى أصحابها، أمّا أن يبني المرء داراً لكي يؤجرها، فأنت لم تكن قد سمعت بشيء من هذا القبيل!‏

ومن غير أن تشعروا كان الليل قد أرخى غطاء معتماً على الكائنات، فأفسحت أمك مكاناً لنومكم وسط الأثاث المتكوّم بفوضى عجيبة! استلقيتَ فوق فراشك الجديد! كان التعب قد تسلل إلى الأعصاب المشدودة، التي نال منها السفر والقلق، موهناً محطات التماسك، فتوزّعت الأعضاء المُنهكة على أجزاء الفراش، تطلب راحة مرمّمة للخلايا، لكن النوم ـ بعكس ما هو مُتوقّع ـ أخذ ينأى، وراحت الغرفة الضيّقة تضغط على الأعصاب، وشعورك بالعزلة يسفّ روابي النفس العزلاء!‏

أهي الغرفـة ضيّقـة إلى ذلك الحّد ، أم أنـه القلـب يضفـي علـى الأشيــاء هواجسه ومخاوفه وانكساراته!؟‏

تساءلتَ، وهرباً من ألم مفترس لا يعرف الرحمة أو المنطق،أخذتَ تتأمّل الأشياء التي كانت تتراءى ضائعة،ذلك أن بضع ساعات – فقط - كانت قد انقضت على رحيلكم عن القرية،لكنّ صورتها ـ برغم الإلحاح ـ أخذت تستعصي على الحضور، فتسرب الخوف إلى أعماق النفس المكروبة يرضّها!‏

أيمكن لنا أن ننسى بهذه السرعة!؟‏






عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 12:56 PM   #12
manal*****lolo
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية manal*****lolo

قوة السمعة: 10 manal*****lolo will become famous soon enough

افتراضي رد: راوية فوضى الفصول عن الطفولة

انبثق السؤال في الجوف يمور ويؤلم ، لكن ما يحدث، راح ـ ككّل جديد ـ يفرض سياقه الخاص،وفي وقت متأخّر من الليل؛ تغلبّ التعب على الأسئلة القلقة المحتشدة في الرأس، فذهبتَ في نوم مضطرب مُثقل بالكوابيس!‏

- 5 -‏

يوماً بعد يوم كانت معرفتك بالمكان الجديد تزداد، لتنتقل العلائق إلى فضاء القبول المضمر! لم يكن ما يحدث بينكما توافقاً، بل كان نوعاً من الهدنة المفروضة عليكما، ربما لأن سفنك كانت تسير بعكس الرغائب، ولم يكن في الإمكان الإعراب عن احتجاج صغير يضّمد العجز المحسوس في الداخل!‏

غصنٌ ما كان مزهراً في الأعماق، بيد أنه تيبّس! قد يكون أشعة الطفولة التي أخذت تنضج، وتنتقل ـ قبل أوانها ـ إلى عالم الكبار! وقد تكون غربة داخلية أخذت تنمو، وتعتصر كل ما هو غضّ فيك، إلاّ أنك لم تكن تملك غير الاستمرار، فابتداءً بزقاقكم القصير الذي كان ينحدر من الشمال إلى الجنوب بشدة، وانتهاءً بالإعدادية التي فغرت بابها الحديدي البارد لابتلاعك؛ كان كل ما حولك يضغط، وينكأ الجراح الصغيرة!‏

كان الصف الذي استقبلك ببرود وتجاهل إحدى تلك المنغصات، فلقد انتظم في نسيجه خليط عجيب من البشر ضمّ أبناء الريف إلى جانب أبناء المدينة، ليعسكوا سلوكاً متبايناً تباين الأصول المختلفة التي قدموا منها! وكان التلاميذ القادمون من الريف ينتبذون بأنفسهم زاوية نائية من ساحة المدرسة؛ هرباً من السخرية التي كانت تسحب ظلها على المدرسين والموجهين والتلاميذ، لكن التعويض لا يلبث أن يطّل برأسه عبر التفوق في الدراسة؛ على أساس من التحدي والتحدي المضاد ربما، ولكن شتّان بين التحديَيْن،بين الفجّ المشاكس والهــادئ الحيّي، إذ هـاهـو الأخير ينجح في وضع حــدٍّ لغرور خصمه اللدود، وينتزع منه اعترافاً متذمراً بشرعية وجوده!‏






عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 12:56 PM   #13
manal*****lolo
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية manal*****lolo

قوة السمعة: 10 manal*****lolo will become famous soon enough

افتراضي رد: راوية فوضى الفصول عن الطفولة

الجغرافيا بفضائها الملغّز، وأرضها المحيّرة، وأسمائها العصية على التذكّر، رسمت ـ بدورها ـ دائرة مرصودة حولها، فنشأ بينكما جفاء غريب، من غير أن تتبين طبيعة ذلك الجفاء أو منشئه، فإذا تصادف درس الجغرافيا ذاك مع الساعات الأخيرة من الدوام، فاض بك الكيل، ذلك أن الضغوط التي تنفر من شقوق الملل تتضافر مع استغاثات المعدة الجائعة، وسطوة النعاس، فيضحي التوفيق بين تلك الهزائم الصغيرة، ونظرات المدرّس الصارمة مشكلة بالغة الصعوبة! هذا إذا لم تتدخل عصاه في حل الإشكال الصغير بدلاً من عينيه المتربصّتين! وهاهو الجوع يضغط، والحركة في الجسد الغضّ تطالب بمجالها الحيوي، فيما ينقل السأم مشاعرك إلى خانة الإحباط، فتبدو تلك العذابات الصغيرة بلا نهاية، لكنّ المربع البليد يطلق سراحك أخيراً، فتتنفّس الصعداء، وتتخذ سمتك نحو الجسر الذي يصل حيكم بالبلدة! كان ذلك الجسر يفرض ضريبته على المارة، فلقد كانت السيارات التي تعبره تَشمُ أولئك المارة بنصيبهم من الغبار صيفاً، وحصتهم من الطين المتطاير عن عجلاتها شتاءً! غبّ الجسر كانت أقدام التلّة التي يربض عليها الحي تنهد بك إلى خاصرة ساقية؛ لتستريح بجوارها بعضاً من الوقت، متلهياً بالتطلّع إلى كوخ المجنونة "مارين"، المستلقي بإزاء خزان الماء كعلامة فارقة، فتتداعى لحظات اللهو الحمقاء متّكئة على عبث طفولي فظّ، إذْ ما تكاد المسكينة تصل إلى كوخها، إثر جولتها في أزقة البلدة، حتى تهاجمونها بقسوة، ليشهد المدى الممتد بينكم معركة حامية سلاحها الحجارة والشتائم، فلا تجــد فرصة للهدوء والراحـة غبّ يوم مـرهق! أمّا مـن هـي "ماريــن"!؟ ومن أين جاءت!؟ ومـن الذي أطلق عليها لقب "سيبورة"!؟ هل لها أقارب مثلاً!؟ فإنّ عالم الطفولة الشقية ما كان ليأبه بمعرفة الأجوبة،ثم أن أحداً لم يكن ليستطيع أن يضيء تلك البقع المعتمة من حياتها! أطفالاً كنتم، وما كان لشيء أن يقف في طريق لهوكم!وحين كانت "سيبورة" تمضي جلّ نهارها متنقلة من زقاق إلى زقاق؛ مسبوقة بثيابها الرثة المتباينة الألوان، كان الطريق يقودكم إلى كوخها لتلصّوه، إلا أنكم ما كنتم تعثرون على أي متاع خَلا دكّة خشبية قليلة الارتفاع، يعلوها فراش رثّ مغطّى بقطعة جلد صناعيّ تمنع عنه البلل، فيركبكم الحنق، وتروحون تبعثرون متاعها الزهيد، ثم تتخفون في انتظار عودتها! إنكم تتحرقون شوقاً لمعرفة ردّ فعلها على مزاحكم الثقيل، وهي توشك على إنهاء جولتها، ربما لأن بضعة قروش قد انتهت إلى جيوبها، لكنها تتفاجأ بالأثاث المتناثر حول الكوخ، فتتلفّت حولها، وهي تشتمكم في أصولكم والفروع، إنها تعرف بأنكم متخفوّن في مكان ما، لكنها لا تعرف أين! فتنتظر متربّصة لأنها متأكّدة بأنّ أحدكم سيفقد السيطرة على نفسه، وتفلت منه ضحكة مكتومة تدلّها على مكانكم، وعندها ستنخرطون في معركة جديدة غير متكافئة؛ لا يعلم نتائجها إلاّ الله!‏






عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 12:56 PM   #14
manal*****lolo
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية manal*****lolo

قوة السمعة: 10 manal*****lolo will become famous soon enough

افتراضي رد: راوية فوضى الفصول عن الطفولة

كان سكان الحيّ يشكّلون خليطاً غير متجانس، بعضه يستمدّ دمه من نزيف ريفيّ مستمّر عن المناطق المجاورة، في حين تضخ المحافظات الأخرى بعضه الأخر، ولم يكُ الأمر ليخلو من ملامح غير واضحة لتجمّع منسجم القوام عندما يكون ذلك متاحاً! أما غالبية سكان زقاقكم فكانوا قد قدموا من ريف "حلب"؛ هرباً من الحاجة التي سرقتهم من قراهم، وبعثرتهم "كحواجين" في المنطقة الممتدة بين "الحسكة" و "الموصل"! وكان البقية يتوزعون على أعمال موسمية كما هو حال المناطق الزراعية عادة، فلقد كان قسم منهم يعملون كعتّالين في موسم القمح أو القطن، فيما اتكأ البعض منهم على شهادة محو الأمية للعمل كمستخدمين في المدارس والدوائر الرسمية، أما الذين حُرموا من هذه وتلك، فلم يجدوا بدّاً من تحويل غرفة من غرف دورهم إلى"دكاكين"؛ أخذوا يبيعون فيها شيئاً من الخضار أو السكر أو الصابون، من غير أن تنقطع أواصرهم بالقرى التي انحدروا منها تماماً، إذْ أنّ بعضهم كانوا قد تركوا وراءهم قطعة من الأرض؛ راحوا يستثمرونها بأنفسهم أو بوساطة مزارع!‏

وسط ذاك الخضّم أخذ أبوك يتفكّر في مهنة مريحة؛ تعينه على العيش من جهة، ولا توهن قلبه المريض من جهة أخرى، فقلّب الاحتمالات على وجوهها،بيد أنها لم تكُ تخلو من وجه كالح لا يتناسب ووضعه الصحي، ولمّا لم يقع على جواب مناسب، هدته أمك إلى الحلّ، فلم ينتظر طويلاً، بل عمد إلى باب الحوش يوسّعه، ثُمّ بنى بجانبه ـ من الداخل ـ ثلاثة جدران، ورفع فوقها شمسية من أكياس الخيش المشدودة إلى عوارض خشبية، وأخذ يعرض فيها الخضار نهاراً، أمّا في الليل فكانت أمك تعمد إلى إدخال بضاعته خشية أن تُسرق، إذْ لم يكن ثمة باب لدكانه!‏

بتعثّرٍ كان الرجل يبحث عن ظلّه، ويحاول أن يمسح عن حياتكم الصدأ، في انتظار الأيام الحبلى بالتوقع!‏

- 6 -‏

شيئاً فشيئاً كانت التفاصيل تنمو، وتنفتح لك مغاليق المكان، ويتكامل المشهد في المخيّلة، فعند تزاوج "الخابور" بـ "الجغجغ"، أو قبله بقليل؛ انزوت البلدة على استحياء؛تخفي ضآلتها وصغر سنّها بين المدن القديمات! كان الأول يتقدّم من الشمال الغربي، ثمّ ينعطف شرقاً ليخطّ حدودها الغربية والجنوبية،بينما كان الثاني يتهادى نحو الجنوب مترسماً تخومها الشرقية!‏

وفي أصل من ذاكرة الكبار كانت "الحسكة" مجموعة بيوت قليلة العدد، اجتمعت على خدمة الثكنة العسكرية؛ التي ابتناها الفرنسيون على شاطئ "الخابور"، غير أنّها اليوم تتمدد داخل أضلاع مثلث وادع؛ ضلعه الأول يمتد من ثكنة الهجانة غرباً، وحتى الثكنة العسكرية شرقاً، مروراً بالسجن، ودار المحافظة، أمّا ضلعه الثاني فيتّخذ سمته من ثكنة الهجانة جنوباً، لينطلق نحو ملجأ عسكري؛ بناه الفرنسيون على شاطئ "الجغجغ" شمالاً، في حين يعتقل الضلع الثالث ـ الذي ينطلق من ذلك الملجأ باتجاه الجسر المبني على نهر "الجغجغ" ـ المدينة، متمّماً دارة ناقصة تتخلّلها الفجوات غير المبنية بعد!‏






عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 12:57 PM   #15
manal*****lolo
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية manal*****lolo

قوة السمعة: 10 manal*****lolo will become famous soon enough

افتراضي رد: راوية فوضى الفصول عن الطفولة

قد لاتكون المفردات كثيرة، بيد أنه لاشيء يستطيع أن يغيب عن الخطا اللاهثة وراء تفاصيل جديدة تضمّها إلى مخزونات الذاكرة، إذْ هاهي الأقدام تلوب في الأحياء الثلاثة التي نمت حول البلدة بسرعة؛ مستمدّة نسغها من نزوح ريفي لاينضب! إلى الشرق، وعلى الطريق الذاهب إلى "الهول"، فالحدود العراقية؛ كان حي "العزيزية" يتكوّم بإهمال وكسل، متطلعاً إلى اللحظة التي يُخدَّم فيها كالبلدة! وإلى الشمال من المركز كان حي "تل حجر" يرمق البلدة بعين حاسدة، ربما للسبب ذاته! أمّا إلى الجنوب، فقد ترامى حيّ "غويران" عند أقدامها، مستأثراً بالعناية والتنظيم، ربما لقربه من البلدة، أو لأنّ غالبية الموظفين القادمين من المحافظات الأخرى كانوا يستقرون فيه!‏

ثم راحت الأيام تتصّرم، وبتصرمها أنشأ المكان ينتقل من مناخ المهادنة إلى مناخ القبول تدريجياً، بحيث لم يمض وقت طويل حتى أخذتَ تقرّ بأنك تعلمت الكثير من الأشياء فيه! فأنت لا تنكر بأنّ أترابك في الحيّ هم الذين علمّوك السباحة، وإذا كانت المسألة تبدو عادية اليوم، إلا أن اللحظة الأولى ـ التي استطعتَ أن تضرب الماء فيها بيديك وقدميك ـ ستظلّ لحظة استثنائية مطبوعة في ذاكرة الطفولة! حدث الأمر ذات صيف، ولذلك فإنك تنتظر الأصياف المدهشة بفارغ الصبر! ثم أليست تلك الأصياف هي الفصول التي تغلق فيها المدارس أبوابها!؟ أما كيف وقعت المعجزة، فأنت لم تعد تتبين الأمر بوضوح! مرعوباً كنتَ، وكنتَ ترفض الخوض في الماء، وإذا امتدت يد أحدهم إليك ممازحة، تراجعتَ هلعاً، بيد أن التكرار والتشجيع أفقداك حذرك تدريجياً، وشيئاً فشيئاً أخذت تخوض في أماكن أكثر عمقاً! في ما بعد طغت رغبتك على الوجل والتردد إلى أن طفوتَ! ولم تصدق ما حدث ابتداءً، لكن المحاولة الثانية أكدّت لك حقيقة ما حصل، فخفق قلبك الصغير من الفرحة!‏

كانت كرة القدم معروفة في القرية أيضاً، بيد أن الكرة التي كنتم تلعبون بها ـ هناك ـ كانت عبارة عن لفائف من الأقمشة البالية، بحيث لم تكن قابلة للدحرجة الحرة، كما أنها سرعان ما كانت تتفكّك بفعل الركل، وعليه فأنت مضطر للإقرار بأن الفضل في انضمامك إلى فريق كرة القدم؛ إنما يعود إلى أترابك في الحيّ، وأنك تجرّعت ـ مع هؤلاء الأتراب ـ مرارة الهزيمة، كما تذوقّتَ معهم حلاوة النصر، فأخذ اندغامك بالمجموع يتنامى شيئاً فشيئاً! لكن ما أذهلكم عن أنفسكم تماماً؛ كان يوم أن اكتشفتم صالة السينما المعتمة، فهناك، في تلك الصالة المدهشة تفتّحت حواسكم على عوالم بالغة التنوع والغرابة، عوالم حالمة رهنت أفئدتكم لمصلحة حالة من التماهي العجيب، فأخذت أبصاركم الحائرة تتابع مصائر وحيوات أبطالكم الُمحببّين بجوارح الطفولة البريئة؛ التي لم يُخطّ عليها الكثير بعد! ليسجل المؤشر في خوافقكم تمزّق الأحاسيس بين العواطف والأهواء المتباينة والمتناقضة! إلا أن ذلك الهوى ـ الذي كان في طريقه إلى الإدمان ـ كثيراً ما كان يصطدم بصعوبة تأمين ثمن التذكرة، فيفوتكم أن تروا "عنترة بن شداد" وابنة عمه "عبلة"و"هرقل الجبار" و"أوليس" و "طرزان"، وقردته المدهشة "شيتا"!






عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 12:57 PM   #16
manal*****lolo
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية manal*****lolo

قوة السمعة: 10 manal*****lolo will become famous soon enough

افتراضي رد: راوية فوضى الفصول عن الطفولة

ثم أنكم لستم مشاهدين سلبيين، إذْ قد يحلو لكم أن تعيدوا تشخيص ما استأثر بألبابكم على الشاشة البيضاء، فيروح أحدكم يتقمص دور "طرزان"، ويتوارى خلف نبتات السوس والإثل المنتشرة على ضفاف "الجغجغ"، بانتظار أن يجيء الوحش! وربمّا عنّ لكم أن تنقسموا إلى معسكرين متناحرَيْن، يضم الأول البطل ورفاقه على قلتهم، بينما يضم الثاني الملك الشرير وأتباعه، فتقعقع السيوف المصنّعة من الأطواق التي تُلفّ بها أكياس الخيش، والتروس التي كانت في الأصل قطع صاج دائرية أو بيضوية، في حين تتكفل الأشرطة المطاطية بحلّ مشكلة الأقواس والسهام! تشتد المعركة، فيزخ عرق الطفولة، وتقفز القلوب الغضّة عن الصدور، لكن النصر يمشي في ركاب البطل من كلّ بدّ، ذلك أنّ النهاية في الفيلم جاءت على تلك الصورة! والآن!؟ كيف تتدبّرون ثمن التذاكر!؟ تتفكرون، وتشبعون الموضوع تفكيراً، وتيأسون، وتكاد خطاكم الغضّة أن تتفرّق يائسة، إلا أن الحلّ ما يلبث أن يومض في فضاء الذاكرة! فهناك، بإزاء الدرب المتلوّي في طريقه إلى جبل "كوكب" كانت قمامة المدينة تنهض على شكل تلّة وسيعةغير مُنتظمة؛ يطلق عليها أبناء الحيّ اسم "الزبالات"! إنّها المكان الوحيد الذي يمكنه أن يمدّكم بثمن التذاكر !هناك،كنتم تجدون أكواماً هائلة من القمامة التي تضمّ خليطاً عجيباً من قشور البرتقال والطماطم المتعفّنة، وقشور التفاح والموز، وفضلات الأطعمة، ونوى التمر، والورق المُستهلك، والزجاج المكسور الذي كان يغطّي النوافذ أو الأبواب، والزجاجات الفارغة، والكؤوس المكسورة، والأواني النحاسية، أو تلك المصنوعة من "البافون"، وعلب الأدوية الفارغة، وبقايا الخضار والأحذية الجلدية أو البلاستيكية، ومزق الثياب، والمصابيح الكهربائية التي كانت تنير الشوارع والبيوت ذات يوم، وأعقاب السجائر،والأدوات البلاستكية التي لم تعد صالحة للاستعمال، وبقايا الحبال والقنّب! كان الرماد يغطّي كل شيء، وأسراب الذباب تسدّ الأفق، بيد أنّكم ما كنتم لتأبهون بها، ولا بالرائحة الكريهة المنبعثة في كلّ اتجاه، فما يهمّكم من ذلك الخليط ، يتلخصّ في آنية نحاسية، أو مداسات بلاستيكية كانت تعطيكم بطاقة مرور إلى صالتكم تلك!‏






عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 12:57 PM   #17
manal*****lolo
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية manal*****lolo

قوة السمعة: 10 manal*****lolo will become famous soon enough

افتراضي رد: راوية فوضى الفصول عن الطفولة

لم يكن حجم القرية، ولا طبيعة العلاقات بين أهلها تحيجهم إلى تكتلاّت كتلك التي عرفتها في البلدة، حيث الناس لا تعرف بعضها البعض، وحيث الميول والمشارب والأهواء والبيئات تختلف، لينضوي صبيتها تحت راية عصابات صغيرة بحسب أحيائهم، عصابات تضع حماية الحّي من صبية الأحياء الأخرى نصب أعينها! صحيح أنّها قد تتجاوز حدود تلك النوايا بفعل الإحساس بالقوة، لكنها ـ في النهاية ـ تتواضع على خطوط عامة لا تتخطّاها غالباً، فهي لا ترى تثريباً في التقاط بعض من أعقاب السجائر داخل صالة السينما المظلمة ، أو التسلّل نحو شاطىء "الجغجغ" من أجل السباحة في مياهه المالحة ، أو توجيه ضربة تأديبيّة ضدّ عصابة من عصابات الأحياء الأخرى، بيد أنّها لا تسمح بالسرقة، أو الإقدام على عمل مشين مثلاً!‏

وهاهو اليوم يمضي قدماً نحو نهايته،ولم يبق شيء يستطيع أن يبعث في نفوسكم الإحساس بالنشوة والسرور؛ لم تقدموا على اقترافه تحت ضغط الإحساس الطفولي بالحياة، وحان وقت عودتكم إلى بيوتكم التي غبتم عنها طويلاً! لكن مشكلة صغيرة تعترض تلك العودة، وتهددّ متعتكم بنهاية غير سارة، إذْ من يقنع أمهاتكم بأنكم لم تسبحوا في مياه "الجغجغ"، بعد أن تركت بصماتها المالحة على شعوركم وسراويلكم الداخلية!؟ وما السبيل إلى إقناع أولاء الأمهات بأنكم كنتم تلعبون في الظّل، بعد أن وشمت الشمس جلودكم الغضّة بوشمها!؟ بل ما الطريقة لإقناعهنّ بأن الجروح التي خلفّها الزجاج المكسور في أقدامكم، أو أيديكم وقعت لكم في مكان آخر؛ لا علاقة له "بالزبالات" المحظورة عليكم !؟ وهرباً من تلك الأسئلة الممضّة التي ما كنتم تلاقون لها إجابات فورية، فإنكم ما كنتم ترون بأساً في قضاء بعض من الوقت عند السيد "علو "! و "علو" ـ هذا ـ رجل في نهايات العقد الخامس من عمره، لا يعلم أحد ـ على وجه التحديد ـ من أين جاء! كان شعره المصفّف إلى الخلف يتكشّف عن الجبهة قليلاً؛ يخالطه شيءً من البياض، فيما كان وجهه المكرمش يشي بآثار الزمن! بيد أنّ العلامة المميّزة التي أعطته شهرته الواسعة تلك جاءته من شاربه الطويل المعقوف نحو الأعلى! ذلك أنه كان يبذل الكثير من وقته وعنايته لذلك الشارب، فيروح يصففّه، ويدهنه، ويتأمله بكثير من الإعجاب، بحيث راح البعض يراهن على أنّه يدهن شاربه بالسمنة العربية، في حين راح البعض الآخر يقسم على أنّه يدهنه بدبق التمر!‏






عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 12:58 PM   #18
manal*****lolo
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية manal*****lolo

قوة السمعة: 10 manal*****lolo will become famous soon enough

افتراضي رد: راوية فوضى الفصول عن الطفولة

كان "علو" يلحم صفائح الجبن المُملّح للناس، فيدفعون إليه ببضعة قروش تقوم بأوده، ورغم أن قصته تبدو عادية في حيثياتها، إلاّ أنه بقصد منه، أو من غير قصد، كان قد دفع بالأمور إلى حدودها القصوى، فهو لم يكن يقيم في دار كبقية خلق الله، بل اتخذّ من المحرس العسكري الذي بناه الفرنسيون عند جسر "الجغجغ" مسكناً، ولم يكن لداره تلك نوافذ بالمعنى المألوف للكلمة، إذْ استُبدلت بشقوق طولانية تمكّن المتمترس في الداخل من النظر! كما لم يكن لها ثمة باب، بل فتحة ضيّقة منخفضة كان "علو" يسّدها بلوح من التنك في الليل! وكان الدخان الناجم عن اللحام يغطّي الجدران؛ باسطاً ظلّه على المتاع النزر الزهيد! بقي أن تأتي القصة على تتمّتها، وتحاول أن تجيب عن السبب الذي حدا بالأمهات إلى تهديد أولادهن بذلك المسكين، من غير أن تستطيع إحداهنّ أن تقدّم تفسيراً مقنعاً لتلك النقطة! ألأنّ الرجل كان يربّي مجموعة من كلاب الصيد في كوخه مثلاً!؟ أم لأنه كان غامض الهوية للناس، مجهول الماضي!؟ هل كان " علو" صياداً قديماً؛ يدفعه هوى متأصل إلى تقديم كلابه على نفسه في المأكل والمشرب!؟ لكن تلك الأسئلة ستظل سرّاً مستعصياً على الناس، ربما لأن أحداً منهم لم يكن قد كشف في الرجل ما يضير، بل أنه على العكس كان كثير المزاح، محبّاً للأطفال، وكثيراً ما ارتفع صوته بأغان تركية رخيمة، فهل كان " علو" تركيّاً ألقت به يد الترحال على ضفة " الجغجغ"، أم أن الأيام العاتيات هي التي بعثرت فقرات عمره بتلك الطريقة!؟ بيد أن الوقت أخذ يتأخر، ولم يبق أمامكم إلاّ أن تعودوا إلى دوركم، إذْ ليس من المعقول أن تبيتوا ليلتكم في الكوخ، ولا بدّ من المجازفة! ثم أنكم متيقنّون ـ في النهاية ـ من أن قلوب أمهاتكم ستلين، وعندها فإن تلك القلوب ستميل إلى تصديق أكاذيبكم برغم المظاهر المكذّبة، فتعودون، وأنتم ترددون في سرّكم أن لا بدّ مما ليس منه بدّ!‏






عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
  اقتباس المشاركة
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:54 AM.