| الإهداءات |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |

|
|
#1 | ||
|
قوة السمعة: 17
![]() |
أحبب جارك كنفسك.. مباديء حسن الجوار
امتدت أيام الرجل حتى صار شيخاً متهالكاً أدركه الذبول، وتضاءلت في حياته أسباب الراحة، وتقوضت دعامات البقاء، إلا من أنفاس خافتة تتردد في صدره المكدود، الذي ضاق بآلامه ومتاعبه. كانت الزوجة قد رحلت، واختفى الأصدقاء، وانشغل الأبناء بربيع حياتهم المقبل، عن خريف أيامه الغاربة. وانحنــى الرجــل علــى نفســه ناسكــاً في حجرتــه، زاهداً في مبارحة بيته، فكل ركن في البيت يعيد إليه ذكرى عزيزة من ذكريات الأمس الغالية، ويشده إلى أحداث وأشخاص لا يريد أن تفارقه ذكراهم، وإن فارقته أصواتهم وأجسادهم. وربما كان طبيعياً أن لا يدرك الرجل بعد أن تقدمت به السنون كثيراً من متغيرات الحياة، وما استجد على أخلاقيات الناس من تحول، وما اقتحم فطرتهم من استخفاف بالقيم، وخروج على تقاليد الجدود في الحب ورعاية الجار، واحتضان العاجز والمريض. لذلك فقد كانت صدمته في الناس عاتية، ومصيبته من غدرهم قاسية ساحقة. وألف الرجل حياة الوحدة؛ فلم يكن لديه ما يُشرك فيه الآخرين، فضلاً عن أن الأيام سلّحته بخبرات كثيرة تكفيه مذلة الحاجة لعون القادرين، فهو يستطيع أن يطهو طعامه، ويغسل ثيابه، ويُصلح ما فسد من أدوات البيت القديمة. ولديه قناعة بما تيسر، وبديل لما تعذر. لكن هذا الرجل الحكيم القنوع، فوجئ يوماً بما حار في تفسيره، وعجز عن فهمه، وانخلع قلبه حين تيقن أن ما يراه ليس حلماً، بل هو الحقيقة المجردة التي لمسها وتحسسها بيديه وعينيه. وكاد يهرول خارجاً من البيت ليدعو الجيران ليفسروا له ما غمض عليه، واستعصى على فهمه، وليخبروه ما إذا كانوا يرون ما يرى. لكنه آثر أن يتروى في دعوة الناس، لئلا يظنوا أن عقله قد ذهب، وما أسرع ما يُتهم أمثاله بضياع العقل! ولم يكن الرجل قد جُن! كل ما حدث أنه ذهب كعادته إلى إحدى غرف البيت، تحسس المقبض فلم يجد مقبضاً ولا باباً، بل وجد جداراً خشناً أغلق الغرفة بالطوب الأحمر والأسمنت. وما أن أفاق الرجل من هول المفاجأة، حتى توارد إلى ذهنه تفسير واضح لما حدث. لقد سرق الجار غرفة من غرف الذكريات الغالية، وأضافها إلى بيته! ويا لها من حقيقة مخجلة أن يستغل الجار ضعف جاره الأصم، ليهدم ويسرق ويبني. لقد طعن القوي القادر جاره الضعيف العاجز في ظهره، وهو من كان عليه أن يحميه من عدوان الغرباء! مبادئ حسن الجوار: للرئيس الأمريكي الأسبق «روزفلت» عبارة شهيرة دخلت قاموس السياسة الدولية حين قال: «أما عن السياسة الخارجية، فإنني أهدي بلادي سياسة حسن الجوار». وحسن الجوار بين الدول قد يكون لعبة سياسية لها خلفياتها الماكرة التي تدخل في موازين المكسب والخسارة والأطماع وفرض النفوذ. لكن حسن الجوار بمعناه الأخلاقي: عهد والتزام بمبادئ إنسانية، قد تضيع في زحام الشوارع، وتلاحم البيوت، وتكدس المدن، وتضارب المصالح. لكنها مبادئ لابد لنا أن نوقظها حتى نهيئ لعالمنا الصغير حياة مستقرة. وها نحن نضع أمام القارئ بعض هذه المبادئ، لعلها تساعدنا جميعاً على خلق علاقــة جـوار أفضل تتجلى في سلام قلبي في حياتنا العائلية وعائلات جيراننا الأقربيــن: لا تطلق يدك في بيت جارك: شكا أحدهم إلى جاره قائلاً: «إن ثمار الأشجار في أطراف حديقتي تسقط في فناء دارك، فأرجو أن لا تسمح لأهلك بالتقاطها!» قال الجار: «يا صديقي، فلنعلِ السور الذي يفصل حديقتك عن فناء داري، فالأسوار العالية تحمي الصداقة». وهذا مبدأ عظيم: لا تطلق يدك في بيت جارك، لا تُلغ الأسوار، فتتداخل المنافع، احتفــظ لجـــارك بحقــه في بيتـــه كامــلاً، ولا تجعله يضيق بك، أو يرتاب في أمانتك، أو يشك في حسن نيتك. لا تطلق عينك في نافذة جارك: لكل بيت أسراره التي لا يريد أن يطلع عليها الآخرون. لذلك كان لكل البيوت أبواب، ولكل النوافذ ستائر تحجب ما وراءها، وتستر خفاياها. لكن الجار - بحكم موقعه - يكشف بعض خفايا جاره، ويرى عفواً كثيراً من أسراره، وقد تصـل إلى أذنــه بعض أخبــاره التــي قد يثرثر بها أطفاله. وقد تقع في يده خطابات أو أوراق تحمل أسراراً أو أخباراً لم يحـن موعد إعلانها بعـد. فلا تطلق عينيك في حجرة جارك، ولا تحملق في السلة التي تحملها جارتك وهي عائدة من السوق. ولا ترسل بصرك إلى داخل باب بيته إذا وجدته مفتوحاً، ولا تلق نظرة فاحصة على مكتبه وأوراقه وخطاباته. احبس عينيك داخل حدود بيتك، فتحفظ أسرار جارك. لا تدع أهدابك تتخطى نوافذك فترفع ستائر جيرانك! لا تطلق شهواتك في ممتلكات جارك: قد تنطلق شهوتك، فتتسلل إلى مال جارك، فتبدو لك لقمته اليابسة خيراً مــن أطايب طعامك، وأرضه الجرداء قد تتصورها أفضل من حديقتك الباسقة. فاحفظ أحكامك من شهوات قلبك؛ فـلا تكـن كالملك الـذي جاءه ضيف عزيز، فلم يشأ أن يذبح له واحدة من خرافه، بل أرسل ليأخذ نعجـة الفقيـر التـي كانـت تبيت في حضن أولاده. اتـق الله فيمـا لجارك، ولا تطلق شهوات قلبك في خزائنه. لا تطلق لسانك في سيرة جارك: قــــال لـــــــورنـــــــزو ســكــــــــبـــولـــــــي (Lorenzo Scupoli): «لا تتكلم عن جارك أو عن أي شيء يخصـه إلا بأقـل القليل، فإذا كان لابد لك أن تتكلـم، فتحيّن الفرصـة لتقول عنه كلاماً طيباً». فالجوار يسمح لك أن تعرف عن جيرانك ما لا يعرفه البعيدون. وقد تُشيع عنهم محاسن لا يستحقونها، أو مساوئ هم أبرياء منها، فلا تكن سيفاً مسلَّطاً على سمعتهم حين يمتدحهم الناس، ولا تمنع لسانك من تبرئتهم حين يتجنى عليهم الآخرون. ولا تجعل حياتهم الخاصة مضغة في فمك، ولا تكسب صداقات الفضوليين على حساب أسرار الجيران. لا تستبح سيرة الجار ولا تغتبه، فليس بيته وحده مبنياً من زجاج، وليس لسانك وحده مطلق العنان، وليست الأذن التي تسمع منك عاجزة عن أن تسمع عنك. لا تضع أنفك في شئون جارك: مــن واجبــك نحــو جــارك أن تشـيــر عليـه - فيمــا تعــرف - إن هــو استشــارك ومــن واجبك أن تنبهه إذا تلمست خطراً في طريقه، ولكن هذا لا يخوّل لك أن تفرض عليه آراءك أو تبعيتك. فالمبدأ الأسمى للعلاقات أن لا يتدخل طرف في شئون الآخر، ولا يفرض عليه وصايته. قال أحدهم: «عالمي ينتهي عند باب جــاري»؛ فلتجعـل لجارك عالمه الذي يروق له. محبتنا لله تتجسد في حبنا لجيراننا: إن حبنا لله هو الذي يجعلنا نحب جيراننا كأنفسنا، وهو الذي يجعلنـا نسالـم الجار ولو جار علينا، ونفتح له أبوابنا ولو أوصد بابه في وجوهنا. إن حبنا لله هو الذي يجعلنا ننظر بإشفاق وحب للجار الشرير الذي يترصدنا أو يحسدنا أو يحقد علينا. لكن القلب لا يستطيع أن ينبض بحب الآخرين ما لم يملأه روح الحب - روح الله - الذي يحب الناس أجمعين، ويُشفـق علـى الشرير والظالم، كما يشفق على الصالح والمظلوم. صرخة إنسانية يا خالقي.. يا ينبوع الطهر.. طهِّر عينيَّ من التطلع إلى بيت جاري، واحفظ قلبي من اشتهاء ماله، وصن لساني عن التقول عليه واغتيابه، واحفظ يدي من اغتصاب حقوقه. وعندما يأكل الحقد والغيظ قلبي، وحين تعتمل الشهوة في نفسي، هبني أن أدرك أن الحب لا يُصطنع، فالقلب الذي لم يغتسل في ينابيعك لا يعرف الرضا، ولا ينبض بالحب. فيا منبع الحب والعطف والحنان املأ قلبي من ينابيع الرضا والحب، فلا ألوم جيراني وأستقبح أعمالهم، بل أحبهم وأحترمهم، عربوناً وتعبيراً عن حبي لك يا رب! |
||
|
|||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#2 | |
|
قوة السمعة: 50
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
يسلمو اخي ابو فادي ..
وبالفعل لازم الواحد يتخلق ويتصف بهادي الصفة وهيا حسن الجوار .. والاسلام حض على ان نكون متوددين بين بعضنا البعض .. والرسول وصى على سابع جار .. شكرا لالك ع موضوعك الفعّال |
|
|
||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#3 | ||
|
قوة السمعة: 17
![]() |
شكرا لمرورك اخت روسانا
|
||
|
|||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#4 | |
|
قوة السمعة: 8
![]() |
اشكر اخى ابو فادى على هذا الموضوع الرائع وبصراحة قالت هذه الكلام للاصدقاء فى مدرسة العين واحبوا كتير الكلام وحتى انهم حطواه على مجلة الحائط اشكرك من كل قلبى على كلامك اللطيف متلك والرائع وذوقك الرفيع
اختك بنت الاقصى |
|
| اقتباس المشاركة |
|
|
#5 | |
|
قوة السمعة: 13
![]() |
شكرا كتير على الموضوع وحسن جوار صر كتير قليل هاي الايام
ونادر للواحد يهتم بهيك اشي فشكرا كتير (ابو فادي ). |
|
|
||
| اقتباس المشاركة |
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| (ياأبيض ياأسود!!) | شاعر فلسطين | الــوآحــة الـعــآمّــة | 5 | 01-04-2008 02:00 PM |
| { مباديء إنسانية } :: 5 :: الجمال هو الطابع الذي يضعه الله على وجوه عارفية:: | أبو فادي | وِجْهـــَةُ نَــظَــرْ | 2 | 10-17-2005 09:57 AM |
| { مباديء إنسانية } :: 2 :: مسئولياتك :: | أبو فادي | وِجْهـــَةُ نَــظَــرْ | 1 | 10-17-2005 07:10 AM |
| { مباديء إنسانية } :: 3 :: الطريق إلى الثقة بالنفس يبدأ بتسليمها في يدي الله:: | أبو فادي | وِجْهـــَةُ نَــظَــرْ | 1 | 10-10-2005 07:17 PM |
| { مباديء إنسانية } :: 1 :: المـواجهة قـــوة.. والهـروب ضعف :: | أبو فادي | وِجْهـــَةُ نَــظَــرْ | 1 | 10-08-2005 05:03 PM |