Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 639

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1041

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1046

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1518

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1523
الشيعة ومعتقداتهم موسوعة كاملة - منتديات شباب فلسطين
نحن مع غزة


الإهداءات

العودة   منتديات شباب فلسطين > فلسطين إسلاميه > إيماني نبض حياتي

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
قديم 06-12-2011, 07:59 PM   #11
اسد 22
.|| عآشق الـجِنآن ||.
 
الصورة الرمزية اسد 22

قوة السمعة: 139 اسد 22 has a spectacular aura aboutاسد 22 has a spectacular aura aboutاسد 22 has a spectacular aura about

افتراضي رد: الشيعة ومعتقداتهم موسوعة كاملة

الإمامة والخلافة



بدأ الصراع بين الشيعة والتشيع عندما حرفت الشيعة معنى التشيع من حب الإمام علي وأهل البيت إلى ذم الخلفاء الراشدين وتجريحهم بصورة مباشرة وتجريح الإمام علي وأهل بيته بصورة غير مباشرة.

الإمامة والخلافة
فكرة الخلافة حتى القرن الرابع الهجري
الشيعة والتشيع
الانحراف
التصحيح


عقيدة الشيعة الإمامية في الخلافة:


كلما تعمقت في الشيعة والتشيع وعقائد الإمامية أجد أن هناك هوة عظيمة تفصل بين الشيعة والتشيع قد تصل في بعض الأحيان إلى التناقض الصارخ ، حيث أرى بوضوح أن التشيع شيء والشيعة شيء آخر ، وكلما تعمقت في تاريخ الصراع بين الشيعة والتشيع تتجلى أمامي العصور الثلاثة التي انبثق فيها الصراع مبتدئا بالعصر الأول وهو عصر ظهور الصراع الفكري بعد الغيبة الكبرى الذي مهد الطريق للعصر الثاني وهو ظهور الدولة الصفوية على يد مؤسسها الشاه إسماعيل الصفوي في عام 907 هـ وتأسيس الدولة الشيعية في إيران ، ومن ثم عصر الثالث وهو عصر الصراع الأخير الذي نشاهده في حياتنا المعاصرة بين الأفكار الشيعية الحديثة والتشيع ، نلك الأفكار التي عصفت بالمجتمع الشيعي وأدت إلى نتائج حزينة لا تتحملها الأرض ولا السماء ..
ولكي نضع النقاط على الحروف في رسالتنا الإصلاحية هذه لابد من طرح الأفكار بصورتها الحقيقية ، ومن ثم إنارة الطريق لكي يكون القارىء على بينة من أمره ..الإمامة هي الحجر الأساسي في المذهب الشيعي الإمامي ، وهكذا في المذهب الزيدي والإسماعيلي ، ومنها يتفرع كل ما هو مثار للجدل والنقاش مع الفرق الإسلامية الأخرى ، فالشيعة الإمامية تعتقد أن الخلافة في علي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعد علي في أولاده حتى الإمام الثاني عشر الذي هو محمد بن الحسن العسكري الملقب بالمهدي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألمح إلى الخلافة لعلي من بعده في مواطن كثيرة ونص على ذلك في مواطن أخرى أشهرها في موقع يسمى غدير خم عند رجوعه من حجة الوداع ، حيث عقد البيعة لعلي وقال
:
" من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه
"
كان ذلك في شهر ذي الحجة من العام العاشر بعد الهجرة ،.......، أما الفرق الإسلامية الأخرى فترى أن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتخلف أحدا من بعده بل جعل الأمر شورى بين المسلمين نزولا عند نص الكتاب
....
هذا هو ملخص الخلاف بي الفريقين ولكل فرقة آراؤها وأدلتها حيث ألف علماء الفريقين في هذا الموضوع مئات الكتب المطولة والمختصرة ، ولم تنفع تلك الكتب بطولها وعرضها في زحزحة الشيعة عما تعتقده في الخلافة ، أو زحزحة السنة عما تراه أولى بالاتباع ، غير أن المشكلة القصوى هي أن الخلاف الفكري لم يتوقف إلى هذا الحد ، بل اتخذ شكلا خطيرا ، كلما مرت السنوات وبعد العهد عن عصر الرسالة ، ولو أن الخلاف بقي محصورا عند هذا الحد لكان الخطب هينا ، والعالم الإسلامي لم يشاهد في تاريخه الطويل كثيرا من المحن والمصائب التي حلت به بسبب المتفرعات من فكرة الخلافة والخلاف فيها
.
وكما أشرنا ...فإن الخلاف الفكري تجاوز حدود البحث العلمي والاختلاف في الرأي ، بل اتخذ طابعا حادا وعنيفا عندما بدأت الشيعة تجرح الخلفاء الراشدين وبعض أمهات المؤمنين ، وذلك بعبارات قاسية وعنيفة لا تليق بأن تصدر من مسلم نحو مسلم ، ناهيك عن أن تصدر من فرقة إسلامية نحو صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم وأزواجه ، صحابة لهم مكانة كبيرة في قلوب المسلمين ، وأزواج للنبي عبر الله عنهن بأمهات المؤمنين.


وهنا ظهر على ساحة الخلاف عدم التكافؤ بين الفريقين في طريقة التفكير والعقيدة، فالفرق الإسلامية كلها تحب علياً وتكرمه شأنه شأن الخلفاء الذين سبقوه وتحترم أهل بيت رسول الله ﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ وتصلي عليهم في الصلاة في كل صباح ومساء، ولكن الشيعة لها موقف آخر من خلفاء المسلمين موقف فيه العنف والقسوة والكلام الجارح.


فكانت النتيجة ظهور رد فعل عنيف من قبل علماء الفرق الإسلامية الأخرى للدفاع عن أعز وأكرم خلفائهم، فألَّف ودوّن كتاب السنّة وعلماؤها في الشيعة الكتب المطولة والمختصرة معيرة إياها بالكفر مرة وبالخروج عن الإسلام مرة أخرى وهكذا شغلت فكرة الخلافة حيزاً كبيراً من الكتب الإسلامية عند الفريقين ولا زالت الأقلام تكتب والمؤلفات تنتشر وكأن المسلمين بكل طبقاتهم لا يواجهون مشكلة في هذه الدنيا المليئة بالأحداث والمكاره إلا مشكلة الخلافة فحسب.


لكن الحيرة كل الحيرة هي الطريقة التي اتبعتها الشيعة في معالجتها لمشكلة الخلافة فهي تتناقض كل التناقض مع سيرة الإمام علي وسيرة أولاده من أئمة الشيعة، ولذلك تتملكني الحيرة والدهشة عندما أرى أن شعار الشيعة هو حب الإمام علي وأولاده ولكنهم يضربون عرض الحائط سيرة علي والأئمة من ولده.
وهنا أود أن أتحدث مع الشيعة بلغتهم وفي نطاق معتقداتهم كي تكون حجة عليهم ولذلك فلا بد من القول إنني أواجه أمرين متناقضين: أحدهما التشيع والآخر الشيعة، ومن هنا بدأْتُ أستنتج أن ذلك الصراع الذي حدث بين الشيعة والتشيع بعد الغيبة الكبرى مباشرة هو السبب الأساسي لكل الانحرافات التي حدثت في الفكر الشيعي بعد الغيبة الكبرى وإلى يومنا هذا، ونحن نعتقد أن ذلك الانحراف سبب الشقاق بين الشيعة وسائر الفرق الإسلامية والذي سنفصله في هذا الكتاب كلاً في فصل خاص به.


فكرة الخلافة في عهد الرسول ﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾:


إذا درسنا موضوع الخلافة في عصر الرسول ﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ وبعد وفاته بصورة مستفيضة لوصلنا إلى نتيجة مؤكدة لا يختلف عليها اثنان هي: أن فكرة الأولوية والأفضلية لخلافة النبي الكريم ظهرت بعد وفاته مباشرة فهذا " عباس بن عبد المطلب " يخاطب الإمام علياً عندما كان مشغولاَ بتجهيز النبي ﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ وكفنه أعطني يدك لأبايعك حتى يقول القوم عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله ) فيقول له الإمام وهل يطمع فيها طامع غيري ثم إنني لا أريد أن أبايع من وراء رتاج ) ..... واجتمع المسلمون في سقيفة بني ساعدة لينظروا في أمر الخلافة وقالت الأنصار للمهاجرين منا أمير ومنكم أمير ) وكادت تحدث فتنة بين المجتمعين لولا أن الخليفة " عمر بن الخطاب " حسم الأمر وبايع أبا بكرٍ فبايعه المسلمون بعد ذلك وترك " سعد بن عبادة " شيخ الخزرج الاجتماع غاضباً لأنه كان يرى نفسه أولى بالخلافة من غيره، وتخلف الإمام " عليّ " عن البيعة بعض الوقت إلا أنه بايع الخليفة الجديد " أبا بكر " وهو راض عن البيعة مقبل عليها، غير أن فكرة الأولوية كانت تراود نفس الإمام ومعه السيدة " فاطمة الزهراء " وبعض صحابة الإمام وبني هاشم حتى أن الخليفة " عمر بن الخطاب " قال لابن عباس وهو يشير إلى " عليّ " ( أما والله إن كان صاحبك هذا أولى الناس بعد رسول الله ﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ إلا أنا خفناه على اثنين: حداثة السن وحبه بني عبد المطلب ).


ومرة أخرى نستمع إلى الخليفة " عمر بن الخطاب " وهو على فراش الموت يشير إلى الإمام " علي " ويقول والله لو وليتموه أمركم لحملكم على المحجة البيضاء ).


ومن هنا يمكن القول: إن فكرة التشيع لعليٍّ بالمعنى الذي أشرنا إليه ظهرت بعد وفاة النبي ﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ واستمرت حتى القرن الثالث الهجري حيث كان التشيع يعني أن الإمام " علياًّ " أولى بالخلافة وأحق بها من غيره ولكن المسلمين نزولاً لأوامر القرآن الكريم الذي يقول وأمرهم شورى بينهم ) الشورى 38


ارتضوا " أبا بكر " خليفة والإمام ارتضاه كما ارتضاه غيره وبايعه كما بايعه غيره وهكذا كان موقفه مع الخليفتين " عمر بن الخطاب " و " عثمان بن عفان " فبايعهما وأخلص لهما في المشورة والرأي.


التشيع في القرن الثاني الهجري:


منذ أوائل القرن الثاني للهجرة أخذت فكرة التشيع تمثل مذهباً فقهياً هو مذهب أهل البيت وقد تجلى هذا المذهب في زمن انبثقت فيه المذاهب الفقهية الكبيرة الإسلامية الأخرى كالمذهب المالكي والشافعي والحنفي والحنبلي، وتجلت مدرسة أهل البيت في مدرسة الإمام الصادق الإمام السادس للشيعة الإمامية، وقد كانت الفكرة التي تساند مذهب أهل البيت هي الفكرة القائلة بأنه إذا كان الإمام " عليّ " أولى بالخلافة من غيره فأولاده ومن ثم حفيده الإمام " جعفر بن محمد الصادق " الذي كان يعتبر من أفقه فقهاء عصره أجدر بأن يتبع في مسائل الدين وشؤونه من غيره من الفقهاء، وهكذا ظهرت المدرسة الفقهية الجعفرية إلى الوجود في عهد الإمام " الصادق " الذي كان يلقي محاضراته ودروسه في الفقه وفي علوم أخرى على تلاميذه في المدينة المنورة آنذاك.


ولا بد من الإشارة إلى أن التشيع " لعلي " وأهل بيته بدأ يأخذ شكلاً خطيراً بعد مقتل الإمام "


الحسين " الذي أحدث رد فعل عنيف في العالم الإسلامي وكانت نتيجته المباشرة حدوث ثورات متتاليات أدت إلى سقوط الدولة الأموية ومن بعدها المروانية وقيام الخلافة العباسية.


وكما نعلم فقد حدثت ثورات متتاليات باسم التشيع " لعليّ " وأهل بيته منها ثورة " المختار " وثورة " مصعب بن الزبير " وثورة " زيد بن علي بن الحسين " التي انتهت إلى استشهاده واستشهاد صحبه، كما أن الثورة التي قطف ثمارها " العباسيون " والتي أطاحت بالخلافة الأموية في المشرق الإسلامي إلى الأبد قد بدأت باسم التشيع لأولاد " عليّ " وأهل بيت رسول الله ﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ و " أبو مسلم الخراساني " كان يدعو لأهل البيت في إبان القيام بثورته ولكنه انحاز إلى العباسيين في قصة معروفة جاء ذكرها في كتب التاريخ.


وكان أئمة الشيعة في عهد الخلفاء العباسين يتمتعون باحترام عظيم لدى المسلمين، كما أن فكرة الإسلامية الأولوية والأحقية في خلافتهم كانت تراود كثيراُ من الناس، فلولا الرأي العام الإسلامي بأحقية أهل البيت بالخلافة لما اختار " المأمون العباسي " الإمام " علي الرضا " ولياً للعهد غير أن الرضا توفي في عهد " المأمون " واستمرت الخلافة في العباسيين.


فإذاً إن فكرة التشيع " لعلي " وأهل بيته والتي كانت تظهر بمظاهر مختلفة في المجتمع الإسلامي آنذاك كان لها أنصارها المتحمسين، ونستنتج من كل هذه المقدمات أن فكرة التشيع كانت موجودة في القرون الثلاثة الأولى بعد الهجرة وهذه الفكرة كانت تنحصر في النقاط التالية:


أولاً – إن " علياً " أولى بالخلافة من غيره ولكن المسلمين بايعوا الخلفاء الراشدين و " عليٌّ " بايعهم ثم بايع المسلمون " علياً " بعد " عثمان " فلا غبار على شرعية خلافة الخلفاء الراشدين من " أبي بكر " إلى " علي " .


ثانياً – إظهار العداء للأمويين وذلك لموقف " معاوية " من " علي " ومقتل الإمام " الحسين " في فاجعة " الطف " وسب الخلفاء الأمويين " علياً " على المنابر زهاء خمسين عاماً إلى أن قام بالأمر " عمر بن عبد العزيز " الخليفة الأموي فنهى عن سب الإمام.


ثالثاً – الرجوع إلى أهل البيت في الأحكام الشرعية والمسائل الفقهية.


رابعاً – أهل البيت ولا سيما الأئمة من أولاد " الحسين " أولى بالخلافة من الأمويين والعباسيين.


بداية الانحراف في الفكر الشيعي:
وبعد الإعلان الرسمي عن غيبة الإمام المهدي في عام / 329 / هـ حدثت في التفكير الشيعي أمور غريبة أدعوها ( بالصراع بين الشيعة والتشيع ) أو عهد ( الانحراف ) وكانت أولى هذه الأمور في الانحراف الفكري ظهور الآراء القائلة: بأن الخلافة بعد الرسول﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ كانت في " عليٍّ " وبالنص الإلهي وأن الصحابة ما عدا نفر قليل منهم خالفوا النص الإلهي بانتخابهم " أبا بكر " كما ظهرت في الوقت نفسه آراء أخرى تقول: إن الإيمان بالإمامة مكمل للإسلام وحتى أن بعض علماء الشيعة أضافوا الإمامة والعدل إلى أصول الدين الثلاثة التي هي: التوحيد – النبوة – والمعاد ، وقال بعضهم بأنها من أصول المذهب وليس من أصول الدين وظهرت روايات تنقل عن أئمة الشيعة فيها تجريح بالنسبة للخلفاء الراشدين وبعض أزواج النبي.


ومن الجدير بالذكر أنه حتى في خلافة " معاوية بن أبي سفيان " وعندما كان يأمر بسب الإمام " علي " على المنابر وحتى بعد مقتل الإمام " الحسين " وظهور الثورات الداعية إلى الأخذ بالثأر وفي العهود التي كان التشيع يعصف بالخلافة الأموية ويقصم ظهرها ويمهد الطريق للخلافة العباسية لم نجد أثراً لدى المتشيعين " لعلي " وأهل بيته للآراء الغريبة التي ظهرت فجأة في المجتمع الإسلامي بعد الغيبة الكبرى، تلك الآراء التي ساهم بعض رواة الشيعة وبعض علماء المذهب في بثها ونشرها وغرسها في عقول الساذجين من أبناء الشيعة.


وظهرت في الوقت نفسه فكرة " التقية " التي كانت تأمر الشيعة بأن تعلن شيئاً وتضمر شيئاً آخر وذلك لحماية الآراء الحديثة التي كانت بحاجة إلى الكتمان سواء لنشرها أو لحمايتها من السلطة الحاكمة، ولكي يكون لهذه الآراء الغريبة رصيد ديني لا يجوز التشكيك فيها نسب رواة تلك الروايات الغريبة إلى أئمة الشيعة ولا سيما إلى الإمامين " الباقر " و " الصادق " ولتثبيت صحة تلك الروايات وعدم الخوض في مضامينها وقبولها كما ذكرت فقد ظهرت فكرة عصمة أئمة الشيعة في ذلك العهد لكي تكون رصيداً آخر يجعل من تلك الروايات الغريبة روايات مقدسة لا تخضع للنقاش والجدل والبحث والنقض ، وقد أفردنا لتلك الآراء الغريبة الدخيلة والتي لها علاقة مباشرة بتكوين المذهب الشيعي فصولاً خاصة سنناقشها فيما بعد في هذا الكتاب، أما الآن فلنعد إلى مبحث الإمامة والخلافة لكي نناقش المتغيرات التي أحدثها الرواة وعلماء المذهب فيها بعد الغيبة الكبرى.


إن المتتبع المنصف للروايات التي جاء بها رواة الشيعة في الكتب التي ألفوها بين القرن الرابع والخامس الهجري يصل إلى نتيجة محزنة جداً وهي أن الجهد الذي بذله بعض رواة الشيعة في الإساءة إلى الإسلام لهو جهد يعادل السموات والأرض في ثقله، ويخيل إليَّ أن أولئك لم يقصدوا من رواياتهم ترسيخ عقائد الشيعة في القلوب بل قصدوا منها الإساءة إلى الإسلام وكل ما يتصل بالإسلام، وعندما نمعن النظر في الروايات التي رووها عن أئمة الشيعة وفي الأبحاث التي نشروها في الخلافة وفي تجريحهم لكل صحابة الرسول﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ ونسفهم لعصر الرسالة والمجتمع الإسلامي الذي كان يعيش في ظل النبوة لكي يثبتوا أحقية " علي " وأهل بيته بالخلافة ويثبتوا علو شأنهم وعظيم مقامهم نرى أن هؤلاء الرواة – سامحهم الله – أساءوا للإمام " علي " وأهل بيته بصورة هي أشد وأنكى مما قالوه ورووه في الخلفاء والصحابة، وهكذا تشويه كل شيء يتصل بالرسول الكريم﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ وبعصره مبتدئاً بأهل بيته ومنتهياً بالصحابة، وهنا تأخذني القشعريرة وتمتلكني الحيرة وأتساءل: أليس هؤلاء الرواة من الشيعة ومحدثيها قد أخذوا على عاتقهم هدم الإسلام تحت غطاء حبهم لأهل البيت؟ ماذا تعني هذه الروايات التي نسبها هؤلاء إلى أئمة الشيعة وهم صناديد الإسلام وفقهاء أهل البيت؟ وماذا تعني هذه الروايات التي نسبوها إلى أئمة الشيعة وهي تتناقض مع سيرة الإمام " علي " وأولاده الأئمة وكثير منها يتناقض مع العقل المدرك والفطرة السليمة؟ وإنني لا أشك أن بعضاً من رواة الشيعة ومحدثيها ومن ورائهم بعض فقهاء الشيعة قد أمعنوا في هذا التطاول على أئمة الشيعة وفي وضع روايات عنهم عندما أعلن رسمياً بحدوث الغيبة الكبرى، ونقل عن الإمام المعدي قوله من ادّعى رؤيتي بعد اليوم فكذبوه ).


وهكذا سدت الأبواب كلها للاتصال بالإمام وللسؤال عن صحة الروايات التي نسبت إليه وإلى أجداده الأئمة الطاهرين، وهكذا خلا الجو للمتربصين بالتشيع والإسلام معاً فصفَّروا ونقَّروا وكتبت أقلامهم ما شاءت وما ارتأت.


ولكي أكون واضحاً أود أن أضع النقاط على الحروف وأبدأ بالخلافة لكي نرى أن ما رووه في حق الخلفاء وصحابة الرسول﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ يصطدم اصطداماً كبيراً بسيرة الأمام " علي " وأهل بيته، ونرى بعد ذلك كيف أن هؤلاء الرواة وبعض علماء الشيعة لتعزيز آرائهم ولتفنيد مواقف الإمام الصريحة وأهل بيته التي تفند ما نسبوه غليهم ناقضوا مواقف الإمام " علي " والأئمة من بعده بصورة ملتوية ظاهرها مليح وباطنها قبيح لكي يثبتوا آراءهم حسب أهوائهم.


موقف الإمام " علي " من الخلافة
قلنا قبل قليل أن التشيع كان يعني حب الإمام " علي " وأهل بيته وإعطاءه حق الأولوية في الخلافة وإعطاء أولاده مثل هذا الحق من بعده ولا أعتقد أن هناك أحد لا يعرف الأسباب الدافعة إلى هذا الاعتقاد، فالإمام " علي " ترعرع ونشأ في بيت الرسول الكريم﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ وهو يحدثنا عن تلك النشأة بقوله وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة وضعني في حجره وأنا ولد يضمني إلى صدره ويكنفني إلى فراشه ويُمسني جسده ويشُمني عرفه وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة في فعل )


ويستمر الإمام في بيان منزلته عند رسول الله﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ ويقول ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة وأشم ريح النبوة، ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه وآله فقلت: يا رسول الله ما هذه الرنة؟ فقال هذا الشيطان أيس من عبادته إنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلا أنك لست بنبي ولكنك وزير وإنك لعلى خير ).


ولنستمع إليه مرة أخرى وهو يقول ولقد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وإن رأسه لعلى صدري ولقد سالت نفسه في كفي فأمررتها على وجهي، ولقد وليت غسله صلى الله عليه وآله والملائكة أعواني فضجت الدار والأفنية .... ملأٌ يهبط وملأٌ يعرج وما فارقت سمعي هيمنة فهم يصلون عليه حتى واريناه في ضريحه فمن ذا أحق به مني حياً وميتاً فانفذوا على بصائركم ).


وهذا هو الإمام " علي " يصف نفسه وموقعه من رسول الله﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم﴾ مرة أخرى في كتاب بعثة واليه في البصرة " عثمان بن حنيف " جاء فيها وأنا من رسول الله كالصنو والذراع من العضد ) وبعد كل هذا فالإمام هو زوج " الزهراء " وأبو الحسنين وبطل المسلمين ومن أعظم بناة الإسلام ودافع عن الرسول الكريم ورسالته بقلبه ولسانه ودمه وعرقه وهو بعد غلام لم يبلغ الحلم وقد شاء الله أن تكون شهادته حيث كان مولده فقد ولد " علي " في بيت الله واستشهد في بيت الله، وقد تكتمل الصورة المشرقة " لعلي " وجهاده وموقعه من قلب الإسلام عندما نعلم علم اليقين وحسب الأحاديث المتواترة الصحيحة التي رواها رواة الشيعة والسنة على السواء في حب الرسول الكريم﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ " لعلي " وتقديره إياه، فالنبي زوجَّه " فاطمة الزهراء " بأمر من السماء ورفض أولئك الذين تقدموا لخطبتها بقوله إنما أنتظر بها القضاء ) وعندما نزل القضاء تم ذلك الزواج الميمون بين " علي " و " فاطمة ".


وفي غزوة الخندق يصف النبي الكريم " علياً " بجملتين تضاهيان كل الأحاديث التي رويت عنه في فضائل " علي " حقاً عن كل حرف من تلك الكلمات الخالدات المشرقات يعتبر وساماً نبوياً ينصبه محمد﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾على صدر " علي بن أبي طالب " إنه وسام أعطى الجهاد والإخلاص والتفاني والإيمان بالله موقعه السرمدي في حياة الدهر وتخليد العظماء، والجملتان صدرتا عن الرسول في خلال ساعة أو أكثر منها بقليل وذلك عندما ذهب " علي " ليلتقي بعدو الإسلام وبطل المشركين " عمرو بن ود " والذي كان يبارز لوحده جماعات ورجالاً قال﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: اللهم برز الإسلام كله إلى الشرك كله ﴾ وعندما وقع " عمرو " صريعاً بسيف " علي " قال﴿صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين ﴾.


إن المتتبع لحياة الرسول الكريم والإمام يصل إلى نتيجة أكيدة وهي: أن الوشائج التي كانت تربط " محمداً "﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ بـِ " علي " كانت أقوى بكثير من وشائج القربى إنها صلات روحية مترابطة متماسكة أصلها في السماء وفرعها في قلبي الرسول﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ وابن عمه ولذلك لا نستغرب أبداً عندما نلمس في " علي " نفحات من نفحات النبي فهذا هو رسول الله﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ يدافع عن رسالته بكلمته الخالدة التي قالها للمشركين والله لو وضعتم الشمس في يميني والقمر عن يساري لأترك هذا الأمر ما فعلت ) وهذا هو " علي " يدافع عن إيمانه بالله ويقول فوالله لو أعطيت الأقاليم السبعة وما تحت أفلاكها أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت). وبعد كل ما ذكرناه ورويناه فقد يكون من الطبيعي أن يرى " علي " نفسه أولى بخلافة محمد﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ من غيره، ومن الطبيعي أيضاً أن تعتقد فئة من الناس بذلك وتتحمس لها أشد التحمس وتجد الفكرة لها مؤيدين وأنصاراً كما أن من الطبيعي أيضاً أن نقرأ في قلب محمد﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ ولسانه ما يدل على استخلاف " علي " بعد وفاته.


الإمام " علي " يؤكد شرعية بيعة الخلفاء
ولكن هل يعني كل هذا - وهذا بيت القصيد وحجر الأساس في كل ما يتعلق بالإمامة وشؤونها المتفرعة منها – أن هناك نصاً إلهياً بتعيين " علي " لخلافة الرسول﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ أم أنها رغبة شخصية من رغبات رسول الله الخاصة؟ الإمام " علي " كان يقول: لا نص عليه من السماء وصحابة " علي " والذين عاصروه كانوا يعتقدون بذلك أيضاً وقد استمر هذا الاعتقاد حتى عصر الغيبة الكبرى وهو العصر الذي حدث فيه التغيير في عقائد الشيعة وقلبها رأساً على عقب.


ومرة أخرى نقول: عن هناك فرقاً كبيراً بين أن يعتقد الإمام " علي " والذين كانوا معه انه أولى بخلافة الرسول الكريم﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ من غيره ولكن المسلمين اختاروا غيره وبين أن يعتقد أن الخلافة حقه الإلهي ولكنها اغتصبت منه، والآن فلنستمع إلى الإمام " علي " وهو يحدثنا عن هذا الأمر بكل وضوح وصراحة ويؤكد شرعية انتخاب الخلفاء وعدم وجود نص سماوي في أمر الخلافة إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد .... وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضىً، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين).


وقبل أن أتحدث عن موقف الإمام " علي " بالنسبة للخلفاء الذين سبقوه وقبل أن نسهب في هذا الأمر ونستشهد بأقوال أخرى للإمام حيث أن لهذا الموقف أهميته القصوى في كشف الحقيقة وإنارة الواقع لا بد من التفصيل حول رغبات النبي الشخصية وذلك الجانب السماوي الذي كان يصدع به بأمر من الله وبوحي منه.


الفصل بين الأوامر الإلهية ورغبات النبي الشخصية
إن فصل هذين الجانبين في الشخصية المحمدية﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ يساهم مساهمة كبيرة في إعطاء صورة واضحة عن الجانب الإلهي والشخصي في رسول الله﴿صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ وإذا علمنا أن النبي الكريم كان يحاول جاهداً التفريق بين الجانب الإلهي في أقواله وما يصدر عنه من أقوال وأعمال لا صلة لها بالسماء لعرفنا عظمة النبي وعظمة نفسه الكريمة، بالقرآن الكريم عندما يتحدث عن النبي﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ بهذه الآيات البينات﴿ وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى﴾ النجم الآيات 3- 5 ، لا شك أنه يقصد بذلك أنه﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ عندما يقرأ القرآن ويبلغ المسلمين بالآيات الإلهية وبالأحكام المنزلة عليهم إنما ينطق بالوحي وبكلام الله المنزل على قلبه وهذا هو شرط الإيمان بالإسلام وبرسالة محمد﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ وبالقرآن المنزل عليه، ولكن القرآن الكريم حتى يبين الفرق الأساسي بين ما هو رغبة من رغبات النبي الخاصة وما هو أمر إلهي قد حسم الموقف بصورة واضحة وصريحة في آيات العتاب وفي آيات النهي عن أمور كان النبي﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ يرغب الإتيان بها ولنقرأ معاً هذه الآيات﴿ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس .....﴾ 67 المائدة، ﴿ واذكر ربك إذا نسيت﴾24 الكهف، ﴿ سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى....﴾6-7 الأعلى، ﴿ ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر .......﴾176 آل عمران، ﴿ ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين ....﴾88 الحجر، ﴿ وما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض .....﴾67 الأنفال، ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ....﴾43 التوبة، ﴿ وما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ....﴾113 التوبة، ﴿ وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه .....﴾37 الأحزاب﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم﴾1 التحريم، ﴿ عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى أما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى كلا إنها تذكرة...... ﴾1-11 عبس، ﴿ قل غنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ أنما إلهكم إله واحد .....﴾110 الكهف، ﴿ إنك ميت وإنهم ميتون .....﴾30 الزمر.


إن من يتدبر في هذه الآيات البينات سيعلم علم اليقين أن القرآن الكريم يؤكد تأكيداً قاطعاً على أن رسول الله﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ لم يكن ملكاً ولا عنصراً سماوياً ولا موجوداً خارج نطاق هذا الكون وطبائعه إنما هم بشر مثل سائر البشر، كان يأكل وينام ويصح ويمرض ويحب ويكره ويتزوج وينجب الأطفال حسب الناموس الطبيعي للكون فيسري عليه من التفاعل الطبيعي كل ما هو يسري على سائر أفراد البشر، ومن الواضح جداً أن التأكيد على هذا الجانب في رسول الله﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ إنما كان ليثبت للناس أن كل ما يصدر من النبي لا يعني أنه وحي أو كلام إلهي أو أمر سماوي، أما الناحية الإلهية في وجود النبي وهي الاتصال بالمبدأ الأعلى فكان يؤكدها شخص النبي﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ عندما كان ينزل عليه الوحي ويطلب من كتبة الوحي أن يدونوا قول الله تعالى، ويبدوا واضحاً للمتتبع لأخلاق الرسول الكريم﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ كما قلنا قبل قليل إنه كان يسعى جاهداً لتأكيد الفصل بين الجانب السماوي والأرضي في شخصه وهذه كانت من أكبر السمات الدالة على قوة النبي النفسية وصدقه في الرسالة وإخلاصه لربه وعظمة شخصيته وهي خصال لا تضاهيها خصال أي رسول من رسل السماء وأي عظيم من عظماء الأرض، فهذا الدور البارز العظيم الذي كان يؤديه ليظهر بالمظهر الذي خصه به ربه وبالصفات التي وصفه بها إلهه ( فهو بشر يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ) ولكنه بشير ونذير أرسله الله للعالمين، فعندما كانت تنزل عليه آيات الثناء كان يقرؤها من موقع العبد المطيع فلم ير النبي في نفسه انتقاصاً عندما تلا على المسلمين آيات العتاب التي نزلت عليه كما لم يظهر عليه الخيلاء والتكبر عندما تلا آيات الثناء التي أنزلها الله على قلبه، وهكذا كانت آيات العتاب والتحذير تعطي للرسول﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ قوة لا تقل عن قوة آيات المدح والثناء فلا غرو انه﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ تلقى من ربه كلمات لم تنزل قط على من سبقوه من أولي العزم من الرسل﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾4 القلم، ولم يقتصر دور الرسول البارز في فصل موقعه السماوي من البشري إلى هذا الحد فحسب بل تجاوزه إلى أبعد ما يمكن للمرء أن يتصوره فعندما هابه رجل من الأعراب التقى به قال له﴿ هون عليك إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد ﴾ وهذه العظمة الروحية في نكران الذات تتجاوز آفاق الأرض والسماء وتتجلى في أعظم مظاهرها عندما كسفت الشمس في يوم وفاة ابنه " إبراهيم " فقال الناس انكسفت الشمس لوفاة ابن رسول الله﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ وسمع الرسول﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ ما قاله القوم فصعد المنبر وخاطب المسلمين بقوله:﴿ إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنكسفان لموت أحد وإنما ما ت إبراهيم بقضاء وقدر من الله﴾ وهكذا كان النبي﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ يدفع عن نفسه مظاهر القدسية وهالاتها ليثبت عبوديته لله وإنه بشر لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرراً﴿ قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً ....﴾49 يونس ويزيد النبي في العبودية والعبادة حتى أنزل الله عليه قوله:﴿ طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ....﴾1-2 طه.


الحرية الفكرية والاجتماعية في عهد الرسول﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾
لكن الوجه الآخر المكمل لهذه السيرة النبوية يتجلى في شيء آخر هو الحرية الفكرية والاجتماعية التي منحها الرسول الكريم لأصحابه وللمسلمين، حقاً إن المرء ليطأطئ رأسه خضوعاً وخشوعاً لعظمة رسول الله﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ عندما يتابع عصر الرسالة وما فيها من الحريات الفكرية والاجتماعية التي منحها الرسول﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ لأصحابه وللمسلمين وهذا هو الجانب المكمل للطريقة التي كان يتبعها الرسول الكريم للفصل بين شخصيته " كرسول الله " و " كمحمد بن عبد الله " ولو أن المتتبعين والمحققين للتاريخ درسوا هذه الناحية في عصر الرسالة وهذا الجانب من سياسة النبي الاجتماعية لسهل عليهم فهم كثير من الغوامض التاريخية المتعلقة بعصر الرسول﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ وبعد وفاته، وبعد ولحلت كثيراً من الخلافات الفكرية والمذهبية بين المسلمين التي انتهت إلى إراقة الدماء تارة وإلى الشتم والتنابز بالألقاب تارة أخرى.


لقد منح الرسول﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ صحابته والمسلمين من الحرية الفكرية والاجتماعية والمساواة منذ إبان دعوته وعند انتشارها وحتى آخر يوم من حياته ما لم نجده في أي عصر آخر ولدى أية أمة أخرى ولم نجده حتى في عصرنا هذا لدى أرقى الأمم ديمقراطية وحرية، ولا اعتقد أنه يوجد في تاريخ الديمقراطية والمساواة قديماً وحديثاً أن سيد قوم ومؤسس أمة وقائد فكر يجلس مع صحابته في صورة دائرية لكي لا يكون لمجلسه الصدر والذيل ويكون كل فرد في ذلك المجلس مساوياً مع رسول الله﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ في جلسته حتى أن الأعرابي عندما كان يدخل إلى مجلس الرسول فلا يميزه بين الصحابة كان يسأل: من هو محمد؟ فكان الصحابة يشيرون إليه﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾.


ويكفي لذلك العصر فخراً وجلالاً أن بروتوكولات الديمقراطية في عصر الفضاء قلدت فكرة المستديرة لاجتماع الملوك والرؤساء من مجلس الرسول العربي، والنبي إذا صافح رجلاً كان يمسك بيد الرجل حتى يرسلها صاحبها احتراماً منه لذلك الرجل، وكان﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ كما وصفه " علي بن أبي طالب " يأكل على الأرض ويجلس جلسة العبد ويخصف بيده نعله ويرفع بيده ثوبه ويركب الحمار العاري ويردف خلفه، ولعل هذه الديموقراطية والحرية تجلت في أكبر صورها عندما كان الكثير من الناس يستغلونها ويخرجون عن حدود الأدب وطوره بالنسبة للقائد الإلهي، وكان الرسول﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ يحتمل ذلك بصبر وأناة وابتسامة حتى أنْ نزل أمر الله على المسلمين معاتباً إياهم في ذلك، ولكن حتى الآيات الإلهية لم تنه نهياً قاطعاً من كيفية نعامل الناس مع الرسول﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ بل ألقى الملامة عليهم ووصفهم بالجهل أو وضعت ضريبة غير ملزمة لأولئك الذين يخرجون عن الاحترام اللائق بالنسبة لرسول الله﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ ولكن الله لم يحرم شيئاً من ذلك ولنقرأ معاً هذه الآيات البينات﴿ يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون * إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم * عن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون * ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم والله غفور رحيم ﴾2 – 5 الحجرات، ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم ﴾12 المجادلة، وأعتقد أن من الضرورة بمكان أن أثبت في هذا الفصل حادثة أخرى وقعت في حياة النبي الكريم وكانت لهلا صلة مباشرة بزوجته السيدة " عائشة " أم المؤمنين ألا وهي قصة الإفك.


إن المتتبع لقصة الإفك يتضح أمامه صورة كاملة للحرية التامة التي كان المسلمون يتمتعون بها في الفكر والتعبير والكلام، فكل من يقرأ تاريخ تلك الحقبة يعلم علم اليقين أن إشاعة الإفك عندما انتشرت في المدينة وأصبحت حديث الناس في مجالسهم ونواديهم وكانت تلك الأخبار المحزنة تصل إلى سمع رسول الله لم يصدر منه﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ ما يوحي بالغضب على صحابته أو أهل المدينة ولا شك أن الرسول﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ كان يعلم زيف التهمة الموجهة إلى أم المؤمنين وهي أعز أزواجه بعد السيدة " خديجة الكبرى " وابنة صاحبه في الغار ومن أقرب الصحابة إليه ولكنه أراد أن لا يستعمل صلاحية القائد أ ويحد من صلاحية الأمة في التعبير عن الكلام، فالتاريخ لا يشـير قط إلى أن الرسول﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ طلب من أصحابه أن يكفوا عن حديث الإفك أو أنه اعترض عليهم في القول أ وصدر منه ما يشعر المسلمين بأنه غاضب عليهم لما يقال في همس أو علن في أم المؤمنين أو أنه أجرى تحقيقاً مع المشتبه بأمرهم في إشاعة الإفك وكان للنبي في المدينة أعداء ألدّاء تتجسد في الجالية اليهودية ومن المنافقين والمتربصين به وبكل ما يحيط به فلم يتخذ النبي وجود الأعداء بين ظهور المسلمين ذريعة ليطلب من أهل المدينة الكف عن حديث الإفك حتى يهونوا عليه ولا يثخنوا في الجراح بل بالعكس من كل هذا عالج الإفك بالصبر حتى أنه﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسـلم ﴾ شاور " علي بن أبي طالب " و " زيد بن حارثة " وبعض الصحابة في الطريقة التي ينبغي عليه أن يعالج ذلك الأمر ولكن ليس مع الأفاكين بل مع أم المؤمنين.


ومع أن الوطأة كانت شديدة على السيدة " عائشة " وعلى أبيها وأسرتها فهزلت ومرضت ولزمت الفراش، ولكن هذا اللغط الاجتماعي الغريب يعصر قلبها كلما تصورت ما يقول عنها الآفكون إلا كل ذلك لم يغير من سياسة النبي العظيم في الحد من إطلاق الحريات الاجتماعية أو حمل الناس على السكوت وعدم الخوض في ما يدور في مجالس المدينة ونواديها، وهنا ظهرت المشيئة الإلهية وإرادته البالغة فوضعت حداً سماوياً للأحاديث الجارحة والاتهامات الباطلة التي ينسـبها البعض إلى البعض بلا دليل أو شاهد أو بينة فأنزل الله على قلب رسوله﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾:﴿ إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ﴾10 النور، وهكذا بَرَّأَ الرحمن ساحة السيدة " عائشة " ووضع سبحانه وتعالى حداً للحريات الكلامية الجارحة التي فيها إساءة للناس وحط من كرامتهم.


وهنا نريد أن نستنتج شيئاً أهم من هذه الحادثة وهو أن المجتمع الذي يصل فيه التعبير عن الرأي وحرية الكلام سواء أكان ذلك صحيحاً أو سقيماً إلى هذه المرحلة بحيث لا يرعى في حرمة رسول الله﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ الذي أنقذهم من الضلال والهلاك وهداهم إلى خير الدنيا والآخرة وخير البركات حتى أن نزلت آيات التأديب بحق الناس في ذلك المجتمع، هل يمكن للنبي﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ أن يحمل مجتمعاً مثل هذا على أمر وهو مكره عليه إلا إذا كان ذلك الأمر من الله وبنص من كتابه فحينئذ كانت الحريات الفكرية والاجتماعية كلها تتبخر أمام الأوامر الإلهية ويصبح الفرد والمجتمع أمام أوامر الله ونواهيه عباداً مطيعين منقادين لا يسعهم إلا الامتثال لأمره والعزوف عن نواهيه.


لقد كان باستطاعة الرسول الكريم أن يخلق مجتمعاً من المسلمين يطيع إرادته الشخصية لا يحيد عنها إذا أمرهم بها، ولكن مثل هذا الأمر كان مناقضاً للرسالة التي جاء لأجلها ألا وهي إلغاء كل العبوديات والتقاليد المتعلقة بها ما عدا عبادة الله الواحد الأحد، وكما نعلم فإن الإسلام قد جاء ومحمداً قد بعث للقضاء على كل الرواسب والأفكار الجاهلية التي كانت أهم مظاهرها عبادة الفرد للفرد وإطاعة الفرد للفرد، وهكذا أخرج الإسلام الناس من ظلمات العبودية الفكرية والجسدية إلى حيث النور والحرية، ولذلك كان المجتمع الإسلامي الفتيّ يرى في الدين الجديد كل مقومات الحياة وكرامة الفرد والإنسان، إنها الرسالة السماوية التي جعلت من ذلك المجتمع الطبقي المؤلف من السادة والعبيد مجتمعاً موحداً يتألف من أناس كلهم سواسية أمام الله ( لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى ) ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ 13 الحجرات، وكان من نتائج الخروج من عبودية الأصنام والآلهة المتفرقة والتخلص من سادة قريش والدخول في عبادة الله الواحد الأحد تلك الحرية التي أنعمها الله على المسلمين والتي بفضلها بدأ المجتمع الإسلامي الجديد ينعم بحرية الرأي والتعبير والفكر ما دام لم يكن في تلك الحرية غضب الله وسخطه، وعندما أراد المجتمع الإسلامي ذلك أن يتجاوز القيود المفروضة عليه في التعبير عن الرأي لم يمنعهم الرسول﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ من ذلك حتى لا يعيد إلى أذهانهم دور الإطاعة لسادة القوم وكبرائه بل انتظر في ذلك أمر السماء ونزول الوحي وجاء الأمر الإلهي يقيد المسـلمين بالالتزام بالأخلاق الفاضلة وبعدم إشاعة الفحشاء في الذين آمنوا﴿ إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ﴾18 النور،كما أمرهم بالالتزام بحرمة المسلمين وعدم الإساءة إليهم بالكلام الجارح والسب المقذع:﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراًَ منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون* يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم ﴾11-12 الحجرات، وهكذا تظهر عظمة الرسول﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ بكل قداستها وجلالها حيث لا يريد لأمته ومجتمعه إلا ما يريده الله لهم.


وهنا أعود لموضوع الخلافة وأقول: إذا كان النبي﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ لم يدافع عن زوجته في أخطر اتهام وجهته إليها عصبة جاءت بالإفك وهو يعلم أنها بريئة منه كل البراءة حتى لا يعيد الناس إلى دور الجاهلية وإطاعة السادة والكبراء بدون ضابط ومبرر فلم يكن في ذلك أمر إلهي، وإذا كان الرسول﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ يرغب رغبة شخصية أن يكون " عليّ " خليفة من بعده كما تدل على ذلك الأحاديث التي رواها الفريقان بأسانيدهما الصحيحة لكنه لم يرغم أمته على قبول ذلك الخليفة بنفس الطريقة التي لم يرغم الناس فيها على أن يكفوا عن حديث الإفك في أعز أزواجه ولم يرغمهم في الكف عن معاملته بصورة لا تليق برسول الله﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ عندما كانوا يرفعون أصواتهم فوق صوته أو يتناجون بين يديه حتى عن نزلت الآيات الكريمات التي أمرت الناس بالتأدب والاحترام للنبي الذي أطلق للناس حرية استغلها البعض استغلالاً غير حسن وكريم.


ومرة أخرى نلقي نظرة فاحصة على عهد الرسول الكريم والحرية التي كان المجتمع الإسلامي الفتي ينعم بها إلى درجة تجاوزت الحدود ووصلت إلى مرحلة خطيرة أغضبت رسول الله﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ لأنها كانت خروجاً على التقاليد المرعية والمتبعة في إطاعة القائد الأعلى أثناء القتال فقد أجمع أرباب السِّيَر أن رسول الله﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ لما مَرِضَ مَرَضَ الموت دعا " أسامة بن زيد بن حارثة " فقال له: ﴿ سر إلى مقتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك عل ى هذا الجيش وإن أظفرك الله بالعدو فأقلل اللبث وبث العيون وقدم الطلائع ......﴾ فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلا كان في ذلك الجيش منهم " أبو بكر " و " عمر " فتكلم قوم وقالوا يستعمل هذا الغلام على جلة من المهاجرين والأنصار ) فغضب رسول الله﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ لما سمع ذلك وخرج عاصباً رأسه فصعد المنبر وعليه قطيفة فقال:﴿ يا أيها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأمير أسامة لئن طعنتم في تأمير أسامة فقد طعنتم في تأميري أباه من قبل وايم الله إنه كان خليقاً بالإمارة وابنه من بعده لخليق بها وإنهما لمن أحب الناس إليَّ فاستوصوا به خيراً فإنه من خياركم ﴾.


وهكذا نرى بوضوح أن قلب رسول الله﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ كان أكبر من أن يأمر بمعاقبة قوم طعنوا في القيادة التي اختارها لجيشه وتجاوزوا على صلاحيات القائد الأعلى الذي هو في الوقت نفسه رسول الله﴿ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ﴾ ومؤسس أمة وباني مجد وقائد عسكري عظيم حيث يصفه الإمام " علي " بقوله:﴿ كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله فلم يكن منا أقرب للعدو منه ﴾ مثل هذا الرسول العظيم وأمام هذه البادرة الخطيرة لم يزجر ولم يهدد ولم يتهم بالفسق والخروج عن الإســلام أحداً من الذين طعنوا في إمارة " أسامة " وكل ما قاله في آخر عتابه:﴿ واستوصوا به خيراً فإنه من خياركم ﴾ كل هذا يثبت للمسلمين أن اختياره " لأسامة " لم يكن بأمر من الله ولا علاقة لهذا الاختيار بالسماء والوحي بل إنه اختيار شخصي ينبع من كفاءة " أسامة " وحبه لقيادة جيش المسلمين، وإن غضبه﴿صلى الله تعالى عليه وآله وسلم﴾ للمقالة التي قالوها لا يحملهم مسؤولية أخروية أو عذاباً إلهياً، ولذلك ختم كلامه ﴿صلى الله تعالى عليه وآله وسلم﴾ معدداً الأسباب التي كانت وراء اختياره للقائد الشاب وطلب من المسلمين أن يسيروا وراءه.


ونذكر هنا رواية رواها " ابن عباس " عن الخليفة " عمر " صريحة كل الصراحة في موقف الصحابة نحو الرغبات الشخصية لرسول الله﴿صلى الله تعالى عليه وآله وسلم﴾ والأوامر الإلهية التي كان يصدع بها فقد روى " ابن عباس " قال:﴿ خرجت مع " عمر " إلى الشام في إحدى خرجاته فانفرد يوماً يسير على بعير فاتبعته فقال: يا " ابن عباس " أشكو إليك ابن عمك سألته أن يخرج معي فلم يقبل ولم أزل أراه واجداً، فيم تظن موجدته؟ فقلت: يا أمير المؤمنين إنك لتعلم، قال: أظنه لا يزال كئيباً لفوت الخلافة، قلت: هو ذاك إنه يزعم أن رسول الله أراد الأمر له، فقال: يا " ابن عباس " وأراد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الأمر له فكان ماذا إذا لم يرد الله تعالى ذلك، إن رسول الله أراد ذلك وأراد الله غيره فنفذ مراد الله تعالى ولم ينفذ مراد رسول الله أَوَكلُّ ما أراد رسول الله كان؟ إنه أراد إسلام عمّه ولم يرده الله فلم يسلم﴾ وبعد كل ما أثبتناه فإن وجود نص إلهي في موضوع الخلافة يصطدم بخمس عقبات رئيسية كل واحدة منها تكفي لهدم الفكرة من أساسها وهذه العقبات الخمسة:


صحابة الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وموقفهم من الخلافة.


أقوال الإمام في الخلافة.


بيعة الإمام مع الخلفاء وإعطاء الشرعية لخلافة الخلفاء الراشدين.


أقوال الإمام في الخلفاء الراشدين.


أقوال أئمة الشيعة في الخلفاء الراشدين.


أولاً – صحابة الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وموقفهم من الخلافة:


لقد أعطينا صورةً واضحة المعالم عن عصر الرسالة في الصفحات السابقة وبَيَّنّا مدى الحرية الفكرية والاجتماعية التي كانت تحكم آنذاك المجتمع الإسلامي الفتيّ واستشهدنا بالآيات الكريمات التي وردت في تقييد تلك الحريات الكلامية والاجتماعية التي كانت فيها إيذاءً للنبي وتجريح للمسلمين، ويجب علينا أيضاً أن نذكر بوضوح وصراحة أن الصورة التي رسمناها لذلك المجتمع الإسلامي الفتي إنما كانت صورةً عامّةً لكل الطبقات التي اجتمعت في المدينة وحواليها وحول الرسول﴿صلى الله تعالى عليه وآله وسلم﴾ بما فيهم المنافقين والمؤلفة قلوبهم وغيرهم من ضعفاء الإيمان الذين يخاطبهم الله بقوله:﴿ قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً إن الله غفور رحيم * إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون * قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السموات والأرض والله بكل شيء عليم * يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا عليّ إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين ...... ..﴾ 14 – 17 الحجرات.


إن من يتدبر في هذه الآيات الكريمات يعلم علم اليقين أنه في ضمن الأكثرية التي أشرنا إليها كانت توجد تلك الصفوة المختارة من صحابة رسول الله التي مشت تحت راية الرسول﴿صلى الله تعالى عليه وآله وسلم﴾ ودافعت عن الإسلام بدمها ومالها واشتركت معه﴿صلى الله تعالى عليه وآله وسلم﴾ في بناء مجد الإسلام والدفاع عن الأخطار التي أحدقت به، إنهم كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار الذي كانوا مع النبي في السراء والضراء يلازمونه ملازمة الظل لصاحبه حتى يكون لهم أسوة في حياتهم ويحمونه من الأعداء والمتربصين بالإسلام، وهناك صورة مشرقة نيّرة لهذه الصفوة المختارة من أمة محمد﴿صلى الله تعالى عليه وآله وسلم﴾ في القرآن الكريم تعني كل كلمة منها صفاء ذلك العصر وعظمته وجلالته وروعته وإخلاص الصحابة وتفانيهم في الإسلام وفي الدفاع عن الرسول﴿صلى الله تعالى عليه وآله وسلم﴾ ولنقرأ معاً هذه الآية الكريمة:﴿ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرةً وأجراً عظيماً﴾ الآية 29 سورة الفتح.


وهناك وصف آخر لهذا العصر المشرق ولصحابة رسول الله﴿صلى الله تعالى عليه وآله وسلم﴾ يذكرها الإمام " علي " ونثبته هنا:﴿ لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله فما أرى أحداً يشبههم لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً وقد باتوا سجداً وقياماً يراوحون بين جباههم وخدودهم ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم كأن بين أعينهم ركب المعزي من طول سجودهم إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفاً من العقاب ورجاء العقاب ﴾.


ولنستمع إلى الإمام وهو يصف مرةً أخرى صحابة رسول الله﴿صلى الله تعالى عليه وآله وسلم﴾ ومدى إيمانهم المطلق واللامحدود بنبيهم وبرسالته:﴿ ولقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا وما يزيدنا ذلك إلا إيماناً وتسليما ومضياً على اللقم وصبرا على مضض الألم وجداً في جهاد العدو ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين يتخالسان أنفسهما أيهما يسقي صاحبه كأس المنون فمرة لنا من عدونا ومرة لعدونا منا فلما رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت وأنزل علينا النصر حتى استقر الإسلام ملقياً جرانه ومتبوئاً أوطانه ولعمري لو كنا نأتي ما أتيتم ما قام للدين عمود ولا اخضرَّ للإيمان عود وايم الله لتحتلبنها دماً ولتتبعنها ندماً﴾.


وهنا لا بد من هذا السؤال: هل أن ( مثل هذه الصحابة التي أثنى عليهم الله هذا الثناء ) العظيم ومدحهم الإمام " عليّاً " بهذا الوصف الكبير خالفوا النص الإلهي في أمر ورد فيه تشريع من الله وهم حماة التشريعات الإلهية ومنفذيها وقد ضحوا بالغالي والرخيص لأجلها ولا سيما لو كان لذلك التشريع صلة مباشرة بمصالح المسلمين ومستقبل أمرهم وإرساء القواعد التي بعث رسول الله﴿صلى الله تعالى عليه وآله وسلم﴾ لإرسائها؟
وبعد كل هذا ونحن نؤدي رسالة التصحيح في هذا الكتاب بعيدة عن الأهواء والعصبيات وتقاليد الآباء والأمهات، إنها رسالة موجهة إلى الطبقة المثقفة وأصحاب الأفكار الحرة من أبناء الشيعة الذين عليهم عقدت الآمال في السير وراء التصحيح ولذلك أرى أن أُعَرِّجَ على البند الثاني وهو قول الإمام " علي " في الخلافة لنرى بوضوح كيف أن الإمام كان يقول بصراحة: أن لا نص هناك من الله في الخلافة.


ثانياً – أقوال الإمام " علي " في الخلافة:


يقول الإمام " علياً "﴿ دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب وإن تركتموني فأنا كأحدكم ولعلِّي أَسْمَعَكم وأَطْيَعَكم لمن وليتموه أمركم وأنا لكم وزيرا خير لكم مني أميرا... ﴾


ولنستمع إلى الإمام مرة أخرى وهو يخاطب أهل الشورى قبل بيعة عثمان:﴿ ولقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري والله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلا عَلَيَّ خاصّة التماساً لأجر ذلك وفضله .....﴾.


وهذا هو الإمام يجيب بعض أصحابه وقد سأله: كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به؟:﴿ وقد استعملت فاعلم أما الاستبداد علينا بهذا المقام ونحن الأعلون نسباً والأشدون برسول الله صلى الله عليه وآله نوطا فإنها كانت أثرة شحت عليها نفوس وسخت عنها نفوس قوم آخرين والحكم لله والمعود إليه القيامة ....﴾
ولنقرأ معاً نصوصاً أخرى للإمام فيها وضوح وصراحة في رغبته عن الخلافة وأنه كان يدفعها عن نفسه دفعاً ولكنه كان يعتقد بأنه أحق من غيره بها، ولم يذكر الإمام أن هناك نصاً من الله وتشريعاً إلهياً ورد في الخلافة، يقول الإمام:﴿ والله ما كانت لي في الخلافة رغبة ولا في الولاية إربة ولكنكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها فلما أفضت إليَّ نظرت في كتاب الله وما وضع لنا وأمرنا بالحكم به فاتبعته وما استسن النبي صلى الله عليه وآله فاقتديته ﴾


ويقول في مكان آخر:﴿ فأقبلتم إلي إقبال العود المطافيل على أولادها تقولون البيعة البيعة قبضت يدي فبسطتموها ونازعتكم يدي فحاذيتموها ....﴾ ويتحدث الإمام مرةً أخرى في كتاب بعثه إلى " مالك الأشتر " جاء فيه:﴿ فوالله ما كان يلقى في روعي ولا يخطر ببالي أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده صلى الله عليه وآله عن أهل بيته ولا أنهم منحوه عني من بعده فما راعني إلا انثيال الناس على " ابن أبي قحافة " يبايعونه فأمسكت يدي ........﴾


وبعد أن قرأنا هذه العبارات الواضحات في اعتقاد الإمام بأولويته في الخلافة بعد رسول الله﴿صلى الله تعالى عليه وآله وسلم﴾ لا بد وأن نقرأ أيضاً ما قاله في شرعية الخلفاء الذين سبقوه حتى نعلم مدى إيمان الإمام واعتقاده بصحة وشرعية بيعتهم، يقول الإمام:﴿ إناه بيعة واحدة لا يثني فيها النظر ولا يستأذن فيها الخيار الخارج منها طاعن والمروي فيها مداهن ﴾
ويقول في مكان آخر:﴿ ألا وإنكم قد نفضتم من حبل الطاعة وثلمتم حصن الله المضروب عليكم بأضراب الجاهلية فإن الله سبحانه وتعالى قد امتن على جماعة هذه الأمة فيما عقد بينهم من حبل الألفة التي ينتقلون في ظلها ويأوون إلى كنفها بنعمة لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة لأنها أرجح من كل ثمن وأجَلُّ من كل خطر واعلموا بأنكم صرتم بعد الهجرة أعراباً وبعد الموالاة أحزاباً ما تتعلقون من الإسلام إلا باسمه ولا تعرفون من الإيمان إلا رسمه..﴾
ولنستمع إلى الإمام مرةً أخرى وهو يؤكد شرعية الخلافة والإمامة بعد أن اجتمعت الأمة عليها إجماعاً مصغراً حيث يجب على عامة المســلمين والأكثرية الغائبة إطاعة الخليفة المنتخب:﴿ ولعمري لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتى يحضرها عامة الناس فما إلى ذلك سبيل ولكن أهلها يحكمون على من غاب عنها ثم ليس للشاهد أن يرجع ولا للغائب أن يختار.....﴾
ثالثاً – بيعة الإمام مع الخلفاء والتأكيد على شرعية الخلفاء الراشدين:


لقد أسهبنا في ذكر النصوص الواردة من الإمام " علي " حول الخلافة وعدم ذكر كلمة واحدة بوجود نص إلهي فيها، والآن لا بد أن نعرج على موضوع آخر وهو إذا كانت الخلافة بنص سماوي وكان هذا النص في " علي " هل كان بإمكان الإمام أن يغض النظر عن هذا النص ويبايع الخلفاء ويرضخ لأمر لم يكن من حقهم؟
لقد علل علماء الشيعة في الكتب العديدة التي ألفوها بيعة الإمام " علي " مع الخلفاء بأمرين: فهناك من ذهب إلى أن الإمام " علياً " بايع الخلفاء خشية منه على ضياع الإسلام وإيجاد الفرقة التي كانت تؤدي إلى هدم الإسلام فلذلك ترك حقه ورضخ لخلافة خلفاء غصبوا حقه، والتعليل الثاني إنه إن بايع الإمام الخلفاء خشية منه على نفسه وعمل بالتقية التي سنتطرق إلى ذكرها في مواطن عديدة.


أما الذين عللوا بيعة الإمام بالخوف على الإسلام من الضياع لأن الناس كانوا على حديث عهد بالإسلام ولم يكن الإسلام بَعْدُ صَلْبَ العود : فيدحضه بيعة " علي " مع " عثمان " التي كانت في عصر امتدت فيه الخلافة الإسلامية من الشرق حتى " بخارى " ومن الغرب حتى شمال أفريقية وكانت الخلافة الإسلامية تحكم اكبر رقعة من الأرض المسكونة في ذلك العصر.


وبعد فإن أغرب الأمور وأعظمها خطراً في مبحث الخلافة والتي لم يتحدث عنها كل من أسهب فيها من رواة الشيعة وعلمائها ومن الفرق الإسلامية الأخرى هي: لم يبحثوا الخلافة الإلهية بصورة مستقلة عن الإمام " علي " ولا عن الخلفاء الذين سبقوه بل ربطوها ربطاً وثيقاً بالأشخاص والأسماء، ويدهشني ويحيرني حقاً هذا التحوير في الخلافة لأنها إذا كانت تبحث بصورة مستقلة عن شخص " علي " لكانت تصطدم بعقبة كبيرة تنسف كل القواعد التي بنيت في عصر الصراع بين الشيعة والتشيع، وإذا كانت الخلافة تبحث حقاً في العقيدة الإسلامية بغض النظر عمن هو المراد بأن يتولاها لما واجه المسلمون ما واجهوه من الحيرة والضياع في شؤون الخلافة وما ترتب عليها وهذا هو بيت القصيد لما أريد أن أذهب إليه وهو أن الخلافة بعد الرسول﴿صلى الله تعالى عليه وآله وسلم﴾ وإن شئت فقل الإمامة إذا كانت بنص إلهي وفيها أمر من السماء سواء أكان " علي " هو المراد بتوليها أو غير " علي " لكانت كل المبررات والأقاويل التي ذكرتها رواة الشيعة وعلماء المذهب " الإمامي " – والتي تنصب كلها على أن الإمام " علي " بايع الخلفاء الذين سبقوه للحفاظ على الإسلام من الضياع وخوفاً من ارتداد الناس بعد الرسول أو للتقية – تذهب أدراج الرياح وتصبح هباءً منبثاً، لأن الخلافة عندما تكون بنصٍّ إلهي وبأمر من الله لا يستطيع أحدٌ مهما كان مقامه أو منزلته في الإسلام أن يقف ضدها أو يخالفها للمبررات التي يتصورها أو يعتقد بها فلم يكن باستطاعة " علي " أو غير " علي " من الصحابة أن يوقف نصاً إلهياً صدر بالوحي.


فإذا كان " محمد " وهو رسول الله﴿صلى الله تعالى عليه وآله وسلم﴾ لا يستطيع ولا يحق له أن يتلكأ في أداء الرسالة الإلهية أو يخفيها كما صرحت بذلك الآية الكريمة:﴿ يا أيها النبي بلغ ما انزل من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ......﴾ فكيف يستطيع من هو دون مرتبة الرسول﴿صلى الله تعالى عليه وآله وسلم﴾ أن يغض النظر عن النص الإلهي أو يخفيه، وهل هناك أمر إلهي أكثر صراحة ووضوحاً لإبلاغ الرسالة والوحي من الآيات الكريمات التاليات:﴿ وإن تكذبوا فقد كذبت أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين ..... ﴾﴿ فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ ....﴾ ﴿ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل ....﴾


إن ربط الخلافة بالخليفة وعدم التفريق بينهما هو الذي مهد الطريق للرواة من الشيعة كما قلنا أن يدونوا ما شاؤوا في إبان عصر الصراع بين الشيعة والتشيع، فالإمام لم يكن مشرعاً ولم يكن يدعي ذلك، ولا اجتهاد أمام النص حتى أن يجتهد أمام نص الخلافة ويسكت عنها كما انه لا يستطيع أن ينقضه لأنه هو موضوع ذلك النص، فالخلافة إذا كانت إلهية وسماوية كانت حقاً عاماً للمسلمين ودستوراً سماوياً لهم بغض النظر عن الشخص الذي يتولاها، ومع كل ما فصلناه في الخلافة وأنها لو كانت بالنص الإلهي لم يستطع أحد مهما كان شأنه أن يعمل خلافها أو يتجاهلها أو ينكرها إلا أننا أمام فئة كبيرة من علماء المذهب الشيعي وقد أغفلوا هذا الأمر إغفالاً، ولذلك ذهبوا إلى تويلأويأأويل بيعة الأمام بالتقية أو الخوف أو أنه أرغم على أمر لا يعتقد به وخلاف إرادته.


وهنا يأتي دور أولئك الذين أرادوا تحطيم الإمام " علياً " وشخصيته والطعن فيه بصورة غير مباشرة وهكذا تحطيم كل ما يتعلق بعصر الرسالة وصحابة الرسول﴿صلى الله تعالى عليه وآله وسلم﴾ لأن الطريق الوحيد في إظهار عصر الرسالة بما فيه كبار صحابة رسول الله بالمظهر القاتم هو إعطاء صورة عن خروج ذلك المجتمع الإسلامي عن أوامر الله الصريحة، وهذا الأمر يتوقف على تصوير الخلافة في " علي " بنص إلهي ومخالفة الصحابة كلهم لهذا النص مع علمهم بذلك وإبلاغ الرسول﴿صلى الله تعالى عليه وآله وسلم﴾ إياهم ثم إعطاء صورة عن الإمام " علي " وهو صاحب الحق في صورة رجل مخادع مداهن مجامل كان مع الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه طيلة خمسة وعشرين عاماً في ظاهر الأمر كمستشار أمين وكصديق حميم مطنباً في مدحهم وقائلاً خير الكلام بحقهم ولكنه في واقع الأمر غير معتقد بما يقول وغير مؤمن بما يفعل حتى إنه زَوَّجَ ابنته " أم كلثوم " لـِ " عمر بن الخطاب " وهو مرغم عليه وسمى أولاده: " أبا بكر " و " عمر " و " عثمان " وهو غير راضٍ عن تسميتهم وهكذا دواليك.


هذه خلاصة ما كتبه بعض علماء الشيعة ورواه بعض رواة أحاديث الشيعة – سامحهم الله – عن الإمام " علي " نصّاً وتلويحاً، ولست أدري ماذا يكون موقف هؤلاء يوم القيامة إذا احتكم الإمام ربه فيهم، كما أني أعتقد جازماً أن بين هؤلاء الأكثرية توجد فئة غير قليلة ساهمت في تغيير مسار الفكر الإسلامي الموحد إلى طريق الشقاق والنفاق ولضرب الإسلام والمسلمين بما فيهم " علي " و " عمر " مع أنهم في ظاهر الأمر كانوا يظهرون بمظهر حماة المذهب الشيعي، غلا أن الغرض كان هدم المذاهب كلها وإن شئت فقل الطعن في الإسلام، فحتى في أوائل القرن الرابع الهجري وهو عصر الغيبة الكبرى لا نجد أي أثر لفكرة اغتصاب الخلافة من الإمام " علي " أو أنها حق إلهي اغتصب منه أو أن صحابة رسول الله﴿صلى الله تعالى عليه وآله وسلم﴾ اشتركوا وساهموا في ذلك الأمر وهكذا وكما قلنا تغيرت فكرة الأولوية بخلافة " علي " إلى فكرة الخلافة الإلهية ومخالفة النص الإلهي، ولا شك أن دخول الفلسفات اليونانية إلى الفكر العربي والأفكار الفلسفية الأخرى التي لعبت دوراً كبيراً في تأسيس المدرستين الاعتزالية والأشعرية كانت وراء الصراع بين الشيعة والتشيع وإظهار الشيعة بالمظهر الذي نحن عليه الآن، ولا شك أيضاً أن عرض الخلافة بالصورة التي عرضها علماء المذهب مستندين على روايات رواة الشيعة كان سبباً لانعزال المذهب الشيعي عن سواه وابتعاده عن المذاهب الأخرى محتفظاً بحالة انعزالية وهجومية بعيدة عن كل ألفةٍ وانسجام مع الفرق الإسلامية الأخرى وكان لا بد لإبقاء المذهب محصوراً على الطائفة وعدم الانسجام بينها وبين الفرق الأخرى هو إيجاد حالة من التنافر تمنع كل تقارب وتقريب مع الآخرين ولذلك أخذت الشيعة تسلك طريق تجريح الخلفاء الراشدين وذمِّهم مستندة على الروايات التي وضعها الرواة على لسان أئمة الشيعة مخلفة وراءها من الخراب والدمار ما لا يحصيه إلا الله.


ونحن هنا نتحدث مع الشيعة بالمنطق الشيعي البحت ولذلك نثبت أقوالاً للإمام " علي " في حق الخلفاء الراشدين ثم نستشهد بما يقول الإمام عن نفسه ثم نسال أنفسنا: هل أن مثل هذا الإمام بايع الخلفاء وهو مرغم عليه وغير راض عنه؟ أو أنه خادع المسلمين فيعمله والخلفاء في بيعته؟ وهل أنه قال كلاماً لا يعتقد فيه وعمل عملاً لا يؤمن به؟ أحقاً أن الشيعة تحب " علياً " وهي التي نسبت إليه مثل هذه الأمور؟ أو أنها سلكت هذا الطريق الشائك حتى تثبت حقها في استلام السلطة وتأسيس الدولة ولو أدى ذلك إلى التضحية بسمعة " علي " وجلالة قدره وعظمة نفسه وعلو مقامه؟
رابعاً – أقوال الإمام " علي " في الخلفاء الراشدين:


ولنستمع إلى الإمام " علي " وهو يتحدث عن الخليفة " عمر بن الخطاب "﴿ لله بلاء عمر فقد قوَّم الأمد وداوى العمد خلف الفتنة وأقام السنة، ذهب نقي الثوب قليل العيب، أصاب خيرها وسبق شرها، أدى إلى الله طاعته واتقاها بحقه، رحل وتركهم في طريق متشعبة لا يهتدي فيها الضالّ ولا يستيقن المهتدي... ﴾ ومرة أخرى يخاطب الخليفة عندما استشاره في الخروج إلى غزو الروم بنفسه:﴿ إنك إن تسر إلى هذا العدو بنفسك فتلقهم بشخصك فتنكب، لا تكن للمسلمين كانفة دون أقصى بلادهم وليس بعدك مرجع يرجعون إليه فابعث إليهم رجلاً مجرباً واحفز معه أهل البلاء والنصيحة فإن أظهر الله فذاك ما تحب وإن تكن الأخرى كنت رداءً للناس ومثابة للمسلمين ...... ﴾ ويستشير الخليفة " عمر بن الخطاب " علياً بن أبي طالب " مرةً أخرى لقتال الفرس بنفسه فينصح الإمام الخليفة بعدم الخروج ويقول له:﴿ والعرب اليوم وإن كانوا قليلاً فهم كثيرون بالإسلام وعزيزون بالاجتماع، فكن قطباً واستدر الرحى بالعرب وأصلهم دونك نار الحرب ....... إن الأعاجم إن ينظروا غداً يقولوا: هذا أصل العرب فإذا قطعتموه استرحتم فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك وطمعهم فيك ..... وأما ما ذكرت من عددهم فإنّا لم نقاتل فيما مضى بالكثرة وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة ..﴾ وهذا هو الإمام " علي " يتحدث مع الخليفة " عثمان بن عفان " ويصفه بصفات الصحابي المقرب إلى رسول الله﴿صلى الله تعالى عليه وآله وسلم﴾:﴿ إن الناس ورائي وقد استنفروني بينك وبينهم والله ما ادري ما أقول لك، ما أعرف شيئاً تجهله، ولا أدلك على أمر لا تعرفه، إنك لتعلم ما نعمل وما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه ولا خلونا بشيءٍ فنبلغكه، وقد رأيت كما رأينا وسمعت كما سمعنا وصحبت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كما صحبنا، وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطاب أولى بعمل الحق منك، وأنت أقرب


إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وشيجة رحم منهما، وقد نلت من صهره ما لم ينالا فالله الله في نفسك فإنك والله ما تبصر من عمى ولا تعمل من جهل ....﴾.


ومرةً أخرى يتحدث الإمام حول الخليفة " عثمان " مع " ابن عباس " فيقول:﴿ يا ابن عباس ما يريد عثمان إلا أن يجعلني جملاً ناضحاً بالعرب أُقبِل وأُدْبِر، بعث إليَّ أن أخرج ثم بعث إليَّ أنْ أقدِم، ثم هو الآن يبعث إليَّ أنْ أخرج والله لقد دفعن عنه حتى خشيت أن أكون آثماً.....﴾
ويذكر الإمام " علي " موقفه من الخليفة " عثمان بن عفان " في كتاب بعثه إلى " معاوية بن أبي سفيان " يقول فيه:﴿ ثم ذكرت ما كان من أمري وأمر " عثمان " فلك أن تجاب عن هذا لرحمك منه فأينا كان أعدى له وأهدى إلى مقاتله أمَّن بذل له نصرته فاستقعده واستكفه أمّن استنصره فتراخى عنه وبث المنون إليه ..... وما كنت لأعتذر من أني كنت أنقم عليه أحداثاً فإن كان الذنب إرشادي وهدايتي له فرب ملوم لا ذنب له ....﴾ وهذا هو " أبو سفيان " شيخ الأمويين يزور الإمام " علياً " في داره ويقول له:﴿ غلبكم على هذا الأمر أرذل بيت في قريش أما والله لأملأنها خيلاً ورجلاً أعطني يدك لأبايعكن فيقول الإمام: ما زلت عدو الإسلام وأهله فما ضر ذلك الإسلام وأهله شيئاً إنا رأينا " أبا بكر " أهلاً لها إنما تريد الفتنة .....﴾


فإن كان هذا هو موقف الإمام من الخلفاء الراشدين وهو يصرح بذلك فهل نستطيع أن نقول: إن الإمام كان يظهر شيئاً ويضمر شيئاً آخر؟ معاذ الله من ذلك فإن كان الإمام يريد أن يظهر شيئاً ويضمر شيئاً آخر لما كان له ذلك الموقف الذي لا ينساه تاريخ الإنسان إلى الأبد، إنه موقف صدق وإخلاص وإيمان من رجل هو مع الحق والصدق قبل كل الاعتبارات وبعدها ويضحي في سبيلهما مهما كانت التضحيات غاليات، ففي يوم الشورى عرض " عبد الرحمن بن عوف " على الإمام " علي " الخلافة بقوله:﴿ أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين ، فقال الإمام: كتاب الله وسنة رسوله واجتهاد رأيي﴾ فكرر "عبد الرحمن بن عوف " المقالة نفسها وكرر الإمام الإجابة نفسها إلى ثلاث مرات ثم انحاز " عبد الرحمن " إلى " عثمان " وعرض عليه الخلافة بالصورة التي عرضها على الإمام فقبلها " عثمان " وتمت البيعة له.


فهل " علي " الذي يغض النظر عن خلافة إسلامية كان لواؤها يرفرف على أكبر رقعة من الأرض المسكونة في ذلك التاريخ لأجل كلمة واحدة هي " نعم " وهو لا يريد الإيفاء بها يجامل أو يخادع أو يقول شيئاً ويضمر غيره أو يبايع الخلفاء ويقول في مدحهم الكلام الكثير ويقف معهم موقف الناصح الأمين وهو لا يعني كل هذا؟
ومع أن هذه الصورة الرائعة المشرقة لموقف الإمام " علي " في تلك اللحظة الخالدة في تاريخ الإسلام تكفي عن الإسهاب في فضائل " علي " وصدقه وإخلاصه وعزوفه عن الدنيا، ولكننا نسجل هنا بعض الأقوال الصادرة عن الإمام حول نفسه وإخلاصه وتفانيه في الله يقول الإمام: ﴿ فوالله لو أعطيت الأقاليم السبعة وما تحت أفلاكها على أن اعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت وإن دنياكم عندي لهون من ورقة في فم جرادة تقضمها ....﴾ ويقول الإمام في مكان آخر:﴿ هذا ماء آجن ولقمة يغص بها آكلها ومُجْتَنَى الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه فإنْ أَقُلْ يقولوا حرص على الملك وإن أسكت يقولوا جزع من الموت هيهات بعد اللتيا والتي والله لا " ابن أبي طالب " آنَسُ بالموت من الطفل بثدي أمه.......﴾ ويقول في ضمن رسالة بعثها إلى والي البصرة " عثمان بن حنيف " جاء فيها:﴿ فوالله ما كنزت من دنياكم تبراً ولا ادخرت من غنائمها وفراً ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً ..... أقنع من نفسي بأن يقال " أمير المؤمنين " ولا أشاركهم في مكاره الدهر وجشوبة العيش أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى وأكباد حرَّى فهيهات أن يقودني هواي إلى تخيّر الأطعمة ولذائذها ولعل بالنجد أو اليمامة من لا طمع له بالقرص ولا عهد له بالشبع ...... وكأني بقائلكم يقول: إن كان هذا قوت " ابن أبي طالب " لقعد به الضعف عن قتال الأقران ومنازلة الشجعان، ألا وإن الشجرة البرية أصلب عوداً والروائع الخضرة أرق جلوداً وأنا من رسول الله صلى الله عليه وآله كالصنو من الصنو والذراع من العضد فوالله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها ﴾ ويقول في مكان آخر:﴿ والله لئن أبيت على حسك السعدان مسهداً وأُجَرَّ في الأغلال مصفداً أحب إليّ من أن ألقى الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يوم القيامة ظالماً لبعض العباد وغاصباً لشيء من الحطام....﴾ وهذا هو " عبد الله بن عباس " يدخل على " عليٍّ " بـِ " ذي قار " فيرى الإمام يخصف نعله فيسأله الإمام ما قيمة هذا النعل؟ فيقول: ﴿ لا قيمة لها يا أمير المؤمنين فيقول الإمام: والله لهي أحب إليَّ من إمارتكم إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً ﴾.


ولا بد أن أذكر أيضاً موقف الإمام " علي " من السيدة " عائشة " بعد حرب الجمل فقد كرَّم الإمام السيدة أم المؤمنين وأكرمها إكراماً يليق بزوجة الرسول﴿صلى الله تعالى عليه وآله وسلم﴾ حينما أعادها من ساحة الحرب مصحوبة بعدد من النساء القرشيات، أما الشيعة فلن تغفر للسيدة " عائشة " خروجها على الإمام في تلك الحرب وهذا هو سبب موقفها المعارض لأم المؤمنين، ولست أريد أن أذكر في هذا المجال المبررات التي ذكرها أنصار الســـيدة " عائشة " في تبريرهم لخروجها على الإمام ولا الآراء التي ذكرها علماء الشيعة في تبرير موقفهم المناهض لأم المؤمنين، فهذه أمور معروفة ذكرت في عشرات المجلدات من الكتب ولا فائدة من تكرارها، فنحن في غنى عنها ولكنني أريد إنهاء الصراع الفكري بالمنطق الشيعي البحت وهو أن الإمام بَرَّأَ ساحة السيدة " عائشة " من الحرب التي قادتها، والإمام هو الخليفة الذي كان يقضي بين الناس بالحق ولا يحيد عنه قيد أنملة، فإذا كان الإمام قد ألقى اللوم على فئة استغلوا سذاجة أم المؤمنين وأخرجوها من دارها لتقود حركة مناهضة للخليفة المنتخب والشرعي فيعني هذا أن السيدة " عائشة " بريئة من كل ما يتعلق بحرب الجمل وذيولها في نظر الإمام، ولذلك أمر بإكرامها وإرجاعها إلى المدينة بالصورة التي أجمعت عليها كتب التاريخ ليثبت براءتها من تلك الحرب في نظر القاضي العادل الذي هو الإمام فلا يحق لأحد أن يطعن أو يجرح السيدة " عائشة " متحدياً عمل الإمام ورأيه الذي يؤكده بصريح العبارة عندما يتحدث عن حرب الجمل وإخفاق أم المؤمنين في قيادتها فيقول:﴿ ولها – أي للسيدة عائشة – بعد حرمتها الأولى والحساب على الله تعالى﴾ وفي مواطن كثيرة يلقي الإمام " علياً " المسؤولية على الذين استغلوا حرم رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وجروها وراءهم حسب تعبيره.


إن من حسن التوفيق أن بعض علماء الشيعة وقف موقفاً لائقاً بأم المؤمنين ونهى عن تجريحها فقد قال السيد " الطباطبائي " وهو من علماء القرن الثاني عشر في أرجوزته الفقهية مخاطباً السيدة " عائشة ":﴿ أيا حميراء سبُّك محرم لأجل عين ألف عين يكرم ﴾.


خامساً – أقوال أئمة الشيعة في الخلافة والخلفاء الراشدين:


ونختتم هذا الفصل بإعطاء صورة واضحة المعالم عن موقف أئمة الشيعة حول الخلافة وعدم وجود نص إلهي فيها ليكون البحث متكاملاً كما قلنا في مقدمة هذا الفصل، إن الإمامة إذا كانت إلهية كما تذهب الشيعة وإنها في أولاد " علي " حتى الإمام الثاني عشر لَعَيَّنَ الإمام ابنه " الحسن " خليفة وإماماً من بعده ولكن الذي اتفق عليه الرواة والمؤرخون إن الإمام عندما كان على فراش الموت وذلك بعد أن ضربه " ابن ملجم " المرادي بالسيف المسموم وسئل عن الشخص الذي يستخلفه قال:﴿ أترككم كما ترككم رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم﴾، وبعد وفاة الإمام اجتمع المسلمون واختاروا ابنه " الحسن " وبايعوه خليفة للمسلمين ولكن الإمام " الحسن " صالح " معاوية " وتنازل له عن الخلافة والإمام علل الصلح بأنه لحقن دماء المسلمين، فيا ترى لو كانت الخلافة منصباً إلهياً هل كان يستطيع الإمام " الحسن " أن يتنازل عنه بذريعة حقن دماء المسلمين؟ فكما نعلم أنه لا مكان لحقن الدماء عندما يكون هناك دفاع عن أمر الله وشريعته وماذا يعني إذن الجهاد والقتال في سبيل الله لإرساء دينه وشريعته وأوامره ونواهيه، إن حقن الدماء أمام حق إلهي وسماوي يتناقض مناقضة صريحة مع هذه الآية الكريمة:﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سشبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ﴾.


والإمام " الحسين " عندما ثار وهو يريد الإطاحة بخلافة " يزيد بن معاوية " واستشهد في كربلاء ومعه أولاده وصحابته لم يذكر قط بأنه يدافع عن خلافة سماوية اغتصبها " يزيد " بل كان يقول: إنه أولى بالخلافة منه وإن مثله لا يبايع " يزيداً " وإنه ثار لإحياء دين رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الذي انحرف على يد " يزيد " كما أننا لم نجد في أقوال الإمام " علي بن الحسين " الملقب بـِ " السجاد " أية عبارة تدل على كون الخلافة إلهية، وبعد الإمام " السجاد " يأتي دور الإمام " محمد الباقر " والذي في عهده بدأ يتبلور مذهب أهل البيت الفقهي الذي أكمله ابنه الإمام " جعفر الصادق " فنحن لا نجد أثراً لفكرة الخلافة الإلهية في عهدهما ولا في عهد أئمة الشيعة الأخرى حتى الغيبة الكبرى، وهناك شيء جدير بالاهتمام لا بد من التركيز عليه لتفنيد كل الروايات التي ذكرها بعض رواة الشيعة في تجريح الخلفاء الراشدين بما فيهم الخليفة " أبو بكر " وهو أن الإمام " الصادق " الذي يعتبر رئيس ومؤسس المذهب الإمامي الإثني عشري قال مفتخراً﴿ أولدني أبو بكر مرتين﴾ فالإمام " الصادق " ينتهي نسبه إلى " أبي بكر " عن طريقين: عن طريق والدته " فاطمة بنت قاسم بن أبي بكر " وعن طريق جدته " أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر " التي هي " أم فاطمة بنت قاسم بن محمد بن أبي بكر " ولكن الغريب أن رواتنا – سامحهم الله – رووا عن هذا الإمام الذي يفتخر بجده " أبي بكر " روايات في تجريح هذا الجد لا تعد ولا تحصى، فهل يعقل أن يفتخر الإمام بجده من جهة ويطعن فيه من جهة أخرى؟ إن مثل هذا الكلام قد يصدر من السوقي الجاهل ولكن معاذ الله أن يصدر من إمام يعتبر أفقه وأتقى أهل عصره.


وهكذا نرى أن رواة الشيعة ساهموا مساهمة فعالة ولكن بصورة غير مباشرة حتى في الإساءة إلى أئمة الشيعة الذين يدعون أنهم من أنصارهم وأنهم ألفوا كتباً عديدة لإحياء تراثهم، ونحن نسمي عصر تأليف تلك الكتب وما جاء فيها من الروايات الملفقة بالعصر الأول لظهور الصراع بين الشيعة والتشيع، وأعتقد أننا أسهبنا القول في الخلافة وكل ما يتعلق بها وإن الذي علينا الآن هو التحدث عن الفكرة الصحيحة التي ننادي بها وننشدها ونرغب من أبناء الشيعة الإمامية أن يسيروا عليها وينضووا تحت لوائها وندعو أن تقف الشيعة بكل ما أوتيت من جهد قوة في وجه المرتزقين بالأقلام والألسنة والدعوات المفرقة ونطلب من الطبقة الواعية المثقفة من أبناء الشيعة التي نعقد عليها الآمال في نجاح مسيرتنا التصحيحية التي ندعو إليها أن تكون منارا الهداية للأكثرية التي آمنت بما سمعت من دعاة التفرقة وأصحاب العقول المتحجرة والنفوس المريضة والأهواء والمصالح.


التصحيح
:
وهنا أبدأ بتحديد النقاط الأساسية للتصحيح وأملي معقود لضمانه على الطبقة الواعية المثقفة من أصحاب العقول النيرة التي أشرت إليها أعلاه:
1- إن موضوع الخلافة يجب وينبغي أن لا يخرج عن إطاره الحقيقي الذي نص عليه القرآن الكريم :﴿ وأمرهم شورى بينهم ﴾ وأن تنظر الشيعة إلى الخلفاء الراشدين بنفس النظرة والطريقة التي أقرها الإمام " علي " نزولاً عند نص القرآن الكريم وإجماع المسلمين، وإن الخلفاء الراشدين من بناة الإسلام الأوائل وقد اجتهدوا في مدة خلافتهم فأصابوا وأخطأوا وخدموا الإسلام ما استطاع كل واحد منهم إلى ذلك سبيلاً، فالخليفة الأول " أبو بكر " حفظ الإسلام من خطر الردة بحزمه وصبره وصرامته، تلك الردة التي كانت السبب في الحروب التي استشهد فيها عشرون ألف صحابي للدفاع عن الإسلام وأبلى المسلمون فيها بلاءً حسناً، وهذا هو الإمام " علي " يقف على باب " أبي بكر " في يوم وفاته ويخاطبه بقوله:﴿ رحمك الله يا " أبا بكر " كنت أول القوم إسلاماً وأخلصهم إيماناً وأشدهم يقيناً وأعظمهم غناءً وأحفظهم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأنسبهم برسول الله خلقاً وفضلاً وهدياً وسمتاً فجزاك الله عن الإسلام وعن رسول الله وعن المسلمين خيراً، صدَّقت رسول الله حين كذبه الناس وواسيته حين بخلوا وقمت معه حين قعدوا وأسماك الله في كتابه صديقاً ( والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون ) يريد " محمداً " ويريدك وكنت والله للإسلام حصناً وعلى الكافرين عذاباً، لم تقلل حجتك ولم تضعف بصيرتك ولم تجبن نفسك وكنت كالجبل الذي لا تحركه العواصف، كنت كما قال رسول الله ضعيفاً في بدنك قوياً في أمر الله متواضعاً في نفسك عظيماً عند الله جليلاً في الأرض كبيراً عند المؤمنين ولم يكن لأحد عندك مطمع ولا لأحد عندك هوادة، فالقوي عندك ضعيف حتى تأخذ الحق منه والضعيف عندك قوي حتى تأخذ الحق له، فلا حرمنا الله أجرك ولا أضلنا بعدك ﴾، والخليفة الثاني " عمر بن الخطاب " أعطى للإسلام قوة عظيمة بفتوحاته ومواقفه الخالدة في توسيع الرقعة الإسلامية شرقاً وغرباً، وهو الذي أرسى قواعد الإسلام في بلاد واسعة شاسعة منها " فارس " و " فلسطين " و " الشام " و " مصر " ، والخليفة الثالث " عثمان بن عفان " صاهر الرسول مرتين ولولا أنه رجل يمتاز عن كثير من أقرانه لما زَوَّجَه الرسول بنتين، وكان له جهاد كبير في إبان الدعوة الإسلامية وكفاه فخراً أنه كان من أغنياء قريش يملك ألف إبل من حمر النعم باعها وصرف ثمنها في سبيل دعوة الرسول﴿صلى الله تعالى عليه وآله وسلم﴾ وعلى المسلمين وقدر ثمن تلك الإبل بمليون سكة ذهبية في ميزان ذلك العصر، وكان عصره عصراً امتدت فيه الفتوحات الإسلامية حتى وصبت إلى تخوم " الهند " وإذا أخفق في الخلافة في أواخر حياته إلا أنه قُتِلَ وهو شيخ بلغ الثمانين وهو مكب على قراءة القرآن الكريم.


ولا يجوز تجريح الخلفاء وذمهم بالكلام البذيء الذي نجده في أكثر كتب الشيعة، الكلام الذي يغاير كل الموازين الإسلامية والأخلاقية ويناقض حتى كلام الإمام " عليٍّ " ومدحه وتمجيده في حقهم كما أثبتناه قبل قليل، ويجب على الشيعة أن تحترم الخلفاء الراشدين وتقدر منزلتهم من الرسول فالنبي﴿صلى الله تعالى عليه وآله وسلم﴾صاهر " أبا بكر " و " عمراً " و"عثمان" صاهر النبي مرتين، و " عمر بن الخطاب " صاهر " علياً " وتزوج من ابنته " أم كلثوم " ولا أطلب من الشيعة في هذه الدعوة التصحيحية أن تقول وتعتقد في الخلفاء الثلاثة الذين سبقوا الإمام " علياً " أكثر مما قاله الإمام في حقهم، فلو التزمت الشيعة بعمل الإمام " علي " لانتهى الخلاف وساد الأمة الإسلامية سلام فكريّ عميق فيه ضمان الوحدة الإسلامية الكبرى.
2- غربلة الكتب الشيعية التي ذكرت روايات عن أئمة الشيعة في ذم الخلفاء الراشدين وإعادة طبع تلك الكتب منقحة مغربلةً مما ورد فيها.
3- على الشيعة أن تعتقد جازمةً أن كل الروايات التي ذكرتها كتب الشيعة في حق الخلفاء الراشدين وفي وجود نصوص إلهية في موضوع الخلافة هي روايات وضعت بعد عصر الغيبة الكبرى وذلك بعد أن سدت الأبواب كلها في الوصول إلى آخر إمام للشــــيعة وهو " المهدي " كما قلنا فلذلك لا نجد أثراً للروايات الجارحة في حق الخلفاء الراشدين وموضوع النص الإلهي في الخلافة إلى عصر الإمام " الحسن العسكري " وهو الإمام الحادي عشر للشيعة الإمامية حيث كان باستطاعة الشيعة أن تتصل بالإمام مباشرةً وتسأله عن صحة ما ينسب إلى آبائه الأئمة من الروايات، ولكن بعد الإعلان الرسمي عن غيبة الإمام الثاني عشر وتكذيب كل من ادعى رؤيته بعد الغيبة بنص صريح صدر منه وضع بعض الرواة روايات باسم أئمة الشيعة لتعذر الوصول إلى الإمام والسؤال عن صحتها وسقمها فكان ما كان من حديث وأحاديث تندى منها الجباه.
4- أن تخرج الشيعة من الانطواء على نفسها وتسلك طريق الإمام " علياً " إن كانت حقاً من أنصاره وتسمي أولادها بأسماء الخلفاء الراشدين وتسمي بناتها بأسماء أزواج النبي – وأقصد السيدة عائشة وحفصة بالذات – لأن الشيعة نعزف عن هذين الاسمين، فالإمام " علي " قد سمى أولاده " أبا بكر " و " عمر " و " عثمان " وأئمة الشيعة سلكوا الطريق نفسه وكم من بنات الأئمة سُمِّينَ بـِ " عائشة " و " حفصة " هذا بغض النظر عن أن التسمية بأسماء الخلفاء الراشدين خروج من جاذبة الفرقة والانطواء على الطائفية والدخول إلى صفوف الوحدة الكبرى مع المسلمين، ويعز على المصلحين من أبناء الإسلام أ ن لا يصادفوا في البلاد الشيعية بطولها وعرضها هذه السماء إلا نادراًن ففي " إيران " مثلاً وفي البلاد الشيعية التي يكثر فيها الخلاف مع الفرق الإسلامية الأخرى لا نجد لمثل هذه الأسماء أثراً يذكر.
5- أنْ تَعْلَم الشيعة في كل مكان تتواجد فيه على هذا الكوكب أن السبب الحقيقي والأساسي لتخلفها الفكري والاجتماعي هو السير وراء زعاماتها المذهبية وإطاعتها إطاعة عمياء جعلتهم كالأغنام تساق إلى حيثما تريد وأن تلك الزعامات هي التي سببت للشيعة شقاءً وعناءً ومحنةً سِعَتُها سِعَةُ السموات والأرض، ومع أنني أستثني بعض هذه الزعامات من هذه القاعدة إلا أن الأكثرية منهم كانت ولا زالت هي الماسكة بزمام البدع الفكرية في عقول الشيعة من عصر الغيبة الكبرى وإلى هذا اليوم، ولا شك أن التكوين الفكري المغلق لهذه الزعامات والامتيازات المالية الكبيرة التي حصلوا عليها من أموال الشيعة باسم " الخمس " في أرباح المكاسب تلك البدعة التي سنشير إليها في الفصل الخاص بها والقدرة المطلقة التي زعموها لأنفسهم في التحكم برقاب الشيعة كانت السد المنيع لرفع الغطاء عن العيون المحجبة والترفع عن الدنيا وحطامها، وكأنهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول:﴿ تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين﴾ ورسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول:﴿ آخر ما يخرج من رأس الصديقين جب الجاه﴾ ، وحتى هذا اليوم فإن الزعامات المذهبية الشيعية لعبت بالشيعة كالكرة فرمتها بأقدامها هنا وهناك وهم بها ساخرون وجعلت منها أمةً يسخر بها العالم وتضحك منها الأمم، ومع أنني سأذكر في فصل من فصول التصحيح شواهد وأدلة لاستغلال الزعامات المذهبية الشيعية للشيعة عبر التاريخ وحتى هذا اليوم وفي كل مكان تتواجد فيه هذه الأمة المسكينة إلا أنني وفي كل فصل سأضع النقاط على الحروف كي لا يختلط الحديث بالحديث ولا الفكرة بالفكرة


  اقتباس المشاركة
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:47 PM.