| الإهداءات |
|
|||||||
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |

|
|
#21 | |
|
قوة السمعة: 10
![]() |
3-
قال لي يوماً: - إنني أبحث عن توازن فكري ونفسي.. لقد اختل هذا التوازن منذ أن قررت الهجرة، وقدمت إلى هذا البلد.. ثم ازداد الاختلال معي حين ذقت الوحدة في أبشع معانيها، وعايشت العزلة في أشنع صورها.. لقد انقلبت بعض الأسس التي كنت أعتمد عليها في سلوكي وتفكيري، وبت أشك في معايير كانت ثابتة مؤكدة في مخيلتي! إنني أشعر وكأنني ريشة في مهب الريح.. وأحس بأن أفكاري تسبح في محيط بلا شطآن، وتحوم في فضاء ليس له حدود!! وسكت الدكتور فجأة! وحين نظرت إلى وجهه، صدمني البريق الذي تشعه عيناه.. هاتان العينان المغرورقتان بالدموع!! هذه أول مرة أرى فيها الدكتور يبكي! كانت دموعه- التي حاول مسحها بسرعة- دليلاً على عمق المأساة التي يعاني منها، وضخامة المصيبة التي يعيش معها.. لقد بكى أمامي اليوم مضطراً! ترى ماذا يفعل عندما يكون وحيداً بين أربعة جدران؟ أي نشيج أو نحيب يمكن أن يسمع منه! مسكين يا دكتور فارس، لقد تزاملت لديك الغربة والكربة، وتصادقت عندك العزلة والهموم.. أي سر رهيب ذلك الذي تحمله في أعماقك؟! ليتك تفتح لي صدرك قليلاً، وتميط اللثام عن معالم هذا السر.. ولكنني لن أطلب، لا لن أطلب ذلك منك، لأن طلبي سيزيد آلامك، ولن تكون وراءه أية فائدة!! -4- في أحاديث السياسة، كان الدكتور يصول ويجول.. يبدو أن الحديث السياسي- على الرغم من مرارته- ينسيه شيئاً من همومه الذاتية.. لاحظت هذه النقطة الإيجابية أكثر من مرة، لذا حاولت الاستفادة منها قدر الإمكان.. فكثيراً ما كنت أثير أمام الدكتور موضوعاً سياسياً ما، أو أطرح أمامه خبراً جديداً نقلته الإذاعة.. وكنت أطلب منه التحليل وإبداء الرأي، وما كان عند هذا الطلب يخجلني قط!! آراء الدكتور وطروحاته السياسية، تدل على سعة أفقه، وعمق تجربته، ودقة ملاحظته.. كان يقوّم الأمور بطريقة (بانورامية) شاملة، فلا يتوقف عند الحدث الجزئي، بل يحاول ربطه بما سبقه أو رافقه من أحداث أخرى أثّرت فيه وأثّر فيها.. وكان ينظر إلى المستقبل نظرة بعيدة وفريدة، ويسعى دائماً أن يصل بين أمجاد الماضي وهزائم الحاضر، بين دروس الأمس وأحداث اليوم.. كانت ثقافته الإنسانية عالية، وإطلاعاته السياسية غزيرة، وله ذاكرة عجيبة لا يعلوها الصدأ حافلة بأخبار وأحداث ومناسبات وتواريخ قلما يتذكرها الإنسان العادي!! كان يردد دائماً: مشكلتنا الأساسية أننا ننسى، نعيش الحاضر فقط، ونبني أمورنا كلها على وقائع الحاضر، دون أن نتساءل كيف تسنى لهذه الوقائع أن تجري لولا استباقها بوقائع أخرى حدثت في الماضي.؟!! |
|
|
||
| اقتباس المشاركة |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|