![]() |
|
الدوامة
الفصل الأول
-1- في "ورشة" عملنا الصغيرة، تجتمع بضعة شعوب، وتلتقي عدة عروق وجنسيات..! فأنت لو تجولت قليلاً بين العمال، وتابعت حركاتهم وتصرفاتهم، وتفرست في ملامحهم وهيئاتهم... لفوجئت بتلك الوجوه المختلفة، والعادات المتغايرة، والمواقف المتباينة.. ولو أنك أرهفت السمع، وأصغيت إلى أحاديثهم وهمساتهم، لوجدت عجباً!. فهذا لسان يتحرك بالأوردية، وهذه ألسنة تلهج بالتركية، وتلك نبرات حادة مميزة تشعرك بأن صاحبها كردي.. هذا بالإضافة -طبعاً- إلى اللغة العربية... والتي يتكلم بها المقاول أبو عدنان ومن معه من العمال السوريين، والمصريين، والأردنيين، واليمنيين، وغيرهم.. وهؤلاء جميعاً يشكلون المجموعة الكبرى والرئيسة بين مجموعات العمال.. عفواً.. أيها الأعزاء!. لقد استرسلت في حديثي، وبدأته بداية غريبة من غير أن أعرفكم بنفسي: من أنا؟. وما صفتي؟. بل من دون أن أذكر لكم شيئاً عن الورشة التي أعمل بها.. أين هي، وماذا تنفذ؟. أصلحني الله، فهذا طبعي دائماً، أبدأ الحديث بأشياء تخطر في ذهني وقت الحديث، فأنقلها إلى المستمع كيفما اتفق، من غير اعتبار لتسلسل معقول أو مقدمة مناسبة!... على كل حال.. أنا تحسين.. تحسين الدمشقي.. شاب في مقتبل العمر.. مازلت خارج القفص الذهبي.. أعيش منذ سنوات في ديار الغربة، وأنا أعمل حالياً في ورشة المقاول السوري (أبو عدنان).. هذه الورشة نيط بها مهام بناء مدرسة حديثة في قرية منعزلة، ما برحت معالم التخلف تبدو واضحة في أزقتها وشوارعها ومساكنها. عندما جاء أبو عدنان أول مرة، وعرض علي العمل معه كمعلم كهرباء.. سألته: -وأين.. مكان العمل يا أبا عدنان؟.. |
رد: الدوامة
أجابني: في منطقة تدعى (العويس)؟.
قلت له: وهل هي جديرة بالسكن؟.. هز أبو عدنان رأسه، وسحب نفساً طويلاً من (سيكارته) ثم قال: -لا أخفي عنك، المنطقة يا تحسين متخلّفة، ومحرومة من كثير من الخدمات.. ولكن اطمئن، ستعيش في مسكن نظيف، وستلبى كل طلباتك.. ولم أعط أبا عدنان جواباً سريعاً، إذ ليس من عادتي الإفصاح عن رأيي بسرعة، أحب، أحب دائماً أن أفكر طويلاً قبل إبرام أي أمر، فكيف والأمر متعلق بعمل قد يستغرق شهوراً طويلة، وفي مكان لا أعرفه، ولم اسمع به من قبل!. واتفقت مع أبي عدنان على أن يزورني في اليوم التالي، كي أبدي له موافقتي أو عدمها.. -2- في هدأة الليل يدهمك القلق، وتصارعك الوساوس والهواجس، وتعود إلى ذاكرتك صور الأمس البعيد والقريب، وبخاصة إذا كنت مقبلاً على مشروع جديد... لا تعرف مصاعبه ولا تدرك نتائجه، فأنت تراه حلقة مجهولة من حلقات تلك السلسلة التي بدأت منذ أن لمست قدماك أرض الغربة، وشرعت تمشي بإصرار وعناد في طريق مزروعة بالأشواك محفوفة بالعذاب.. بت ليلتي أدور في أرجاء البيت، ألوب، كما لو أنني أضعت شيئاً.. بت ليلتي، والحيرة تمزقني، والتردد يقهرني، والقرار الصعب الذي أريد الإمساك به يتملص من بين يدي!. هل أقبل هذا العمل أم لا.. إنني في حالة يرثى لها، وموقفي محرج للغاية.. إنني هنا في ديار الغربة منذ خمس سنوات.. لقد كان العمل متوفراً في بداية مجيئي، لكنه الآن يعاني من القلّة! وهو -إن وجد- فجدواه ضئيلة!... لم تعد المدن الكبرى تطعم خبزاً، الخبز فيها يحتاج إلى اللف والدوران، وإلى أساليب غريبة أعجز عن ممارستها.. كثيرون الذين يتجهون الآن إلى الريف والقرى، فهناك وإن كانت الحياة صعبة، فالمال متوفر والجدوى طيبة.. هذه ناحية... والمشكلة الثانية أنني فقدت بطاقة الإقامة، أو بمعنى أصح (إقامتي) انتهت مدتها، ولا يحق لي الآن إخراج أخرى، لأن جواز سفري فُقد أيضاً! وعلى صفحاته (فيزة) الدخول، ولا إقامة بدون صورة مصدّقة لهذه الصفحات.. لا تسألوني كيف فقدت جواز سفري.. فلهذا قصة مطولة لن أذكرها هنا.. ربما سأسردها عليكم في موضع آخر من هذا الحديث.. ربما!. ونعود إلى موضوع الإقامة.. |
رد: الدوامة
فقدانها يعني أنني معرض في أية لحظة لأن تمسكني إحدى الدوريات المنتشرة في هذه المدينة.. والتهمة التي ستوجه إلي هي الوجود غير المشروع داخل الدولة، وهذه التهمة كافية لأن أساق كنعجة ذليلة، وأحمل داخل قفص متجول، ثم أرغم على السفر في أول طائرة راحلة إلى بلدي.. وهنا الطامة الكبرى.
إذاً.. لا خيار لي!. وما أصعب أن يفكر المرء في أمر لا خيار له فيه، وليس أمامه غير حل يتيم لا شقيق له!!. -3- عندما جاء (أبو عدنان) في اليوم التالي، وبيده ورقة العقد جاهزة للتوقيع.. كان يبدو متأكداً من موافقتي!. فهو أدرى بحالي، وهو يعرف أنني أمام إغراء عرضه لا مناص لي من القبول.. ناقشته قليلاً في الأجر، ثم انتقلت إلى مدة العمل، ومراحل سيره وتسليمه.. وأخيراً المبلغ الذي سيدفعه أحد الطرفين في حال إخلاله ببنود العقد.. وقبل أن أوقع الورقة، أمسكت بالقلم، وحركته في الفضاء قليلاً.. ثم قلت: -أنت تعرف يا أبا عدنان.. أن حياتي في هذه المدينة لها طابع خاص، وأنت ترى كيف أنني -على الرغم من ضيق ذات اليد- أعيش في منزل مريح، أحاول أن أوفر فيه كل وسائل الرفاهية.. مكيّف، ثلاجة، تلفزيون، فيديو، المقاعد المريحة والأسرة الناعمة!! لا أريد منك يا أبا عدنان منزلاً في (العويس) مثل منزلي هذا، ولكن عسى أن يكون سكني هناك مجهزاً بما أراه ضرورياً لحياة أي إنسان عصري!. قال أبو عدنان وهو يدفع إلي بورقة العقد: -لا تخف.. وقّع هنا.. وستسرّ كثيراً حين تصل إلى منزلك في العويس. وحرك المرآة الصغيرة المعلقة، حتى باتت على مرمى نظري تماماً.. شهقت باستغراب، إذ لم يكن الوجه الذي أراه هو وجهي الذي أعرفه وآلفه!. لقد تحولت أنا أيضاً شخصاً آخر، شبيهاً بتلك الشخصيات الخرافية، التي كانت تثير فينا الرعب، ونحن نستمع إلى حكاياتها من جداتنا.. |
رد: الدوامة
الفصل الثاني
-1- انطلقت سيارة (أبي عدنان) بنا حوالي السادسة صباحاً... وعندما أصبحنا خارج المدينة، وتخلصنا من طرقها المتفرعة، وجسورها المعلقة، وسياراتها التي ليس لها عدد.. أطلق أبو عدنان العنان لسيارته. وقد حاولت أن أحافظ على رباطة جأشي، بيد أن عيني فضحت أمري!. لأنني كنت أنظر بطرفها إلى عداد السرعة، وأتابع دوران السهم الذي تعدى المائة والثلاثين!. وعلى الرغم من ذلك، فقد كانت بعض السيارات تمر بنا.. وتسبقنا!. على كل حال، السرعة الجنونية شيء طبيعي في هذا البلد، وعلى هذه الطريق بالذات.. ولكن المصيبة أن أية حادثة تحدث، فإن الموت نتيجة شبه حتمية لأصحابها. بعد مسيرة ثلاث ساعات تقريباً، لاح أمامنا مفرق للسيارات.. خفف أبو عدنان قليلاً من سرعته، ثم دار باتجاه الطريق الأيسر، وبعدها تابع سيره بسرعته المعهودة، بل وزاد عليها قليلاً.. لأن ازدحام السيارات قد تناقص إلى الربع في هذه الطريق الفرعية.. اعتلت الشمس كبد السماء، وغدت أشعتها شواظاً مخيفاً يلسع كل من يجرؤ على تعريض بشرته لها.. ومما عقّد الحالة أكثر فأكثر، تعطل مكيف السيارة، فكنا مضطرين إلى فتح النوافذ الزجاجية كي يخفف الهواء شيئاً من حرارة الجو.. ولكن حتى هذا الهواء بالذات، كان يلفح وجهي بضرباته الساخنة.. وأحسست بالعرق يتدفق من مسام جلدي بغزارة، والبلل يغمرني من قمة رأسي حتى أخمص قدمي!. وطلبتُ من أبي عدنان أن يغيثني بالوقوف في أقرب محطة، عسى أن نجد فيها شيئاً من المثلجات أو (البارد) كما يسمونه هنا.. وفعلاً، توقف في أول استراحة صادفتنا.. كانت كغيرها من الاستراحات المتناثرة على طريق هذا البلد: بناء اسمنتي مفتوح الجوانب، تنتشر تحت سقفه الخشبي مقاعد طويلة من القش، وبين كل مقعدين هناك طاولة مستطيلة مصنوعة من الخشب أيضاً. اتجهت نحو مكان ظليل، وتهالكت على أقرب مقعد فيه.. لحقني أبو عدنان وهو ينادي النادل كي يأتيه بالبارد، ويعمّر له (شيشة).. |
رد: الدوامة
ضحكت قائلاً:
-شيشة!. وفي هذا الجو اللاهب.. أجاب أبو عدنان: -إنني معتادها في أي وقت. وبعد قليل، جيء بالشيشة والمشروبات.. وبينما كانت قرقرة شيشة أبي عدنان تملأ الجو بألحانها الغربية.. كنت أشرب (البارد) باستمراء، وأنا أتأمل هذه الشيشة الغربية العملاقة، ذات (النربيش) الملون المفرط في الطول والثخانة!!. -2- تابعنا السير، بعد أن نعمنا بقسط وافر من الراحة.. وعاد الهواء الساخن يلفح وجهينا. قال أبو عدنان وهو يخفف سرعته قبل أن يصل إلى (مطب) ممتد على عرض الطريق: -أرجو أن نمر بسلام.. فهنا مركز شرطة. وأربد وجهي عندما مرت كلمة (شرطة).. فقد تذكرتُ أن لا (إقامة) معي.. وتصنّع أبو عدنان الابتسام حين أحس بقلقي... قال: -لا تخف.. فهم نادراً ما يوقفون سيارة ذات (نمرة) خاصة.. ومسح جبينه بباطن كفه.. تابع حديثه: -ثم.. من يجرؤ على تعريض نفسه لحرارة الظهيرة... وفعلاً.. مرت سيارة أبي عدنان أمام المركز.. ولم يكن هناك أي شرطي واقف أمام الباب... تجاوزنا المركز، فوضعت يدي على قلبي وتنهدت بارتياح... بعد فترة من الزمن، أحسست بشيء من الضجر، تململت في مكاني.. أحس بي أبو عدنان، فقال: -اصبر قليلاً.. لقد اقتربنا من مدينة (البحري). وندت من فمي صيحة مفاجئة، قال أبو عدنان باستغراب: -ما بك!. قلت وأنا أشير بسبابتي إلى مجموعة من الأبنية والفيلات الحديثة لاحت من بعيد: -أهذه.. مدينة البحري! |
رد: الدوامة
قال:
-لا.. إنها الهيئة الوطنية للمشاريع.. وهذه مساكن العمال والموظفين.. على كل، إنها أول المعالم التي تدل على اقترابنا من مدينة البحري. ظهرت (البحري) أخيراً.. وعندما دخلنا إليها وسرنا في شوارعها.. أخذت أتأمل مخازنها ودكاكينها بشغف، وأتابع أسواقها وسكانها بإعجاب.. كان كل شيء فيها يغلب عليه الترتيب والتجديد والنظافة.. قال أبو عدنان: -إنها مدينة جديدة بمعنى الكلمة.. وصمت قليلاً.. ثم تابع: -لو جئت إلى هنا قبل سنوات قليلة، لوجدت أمامك بلدة متخلفة.. ولكن يد البناء والعمران امتدت إليها منذ عهد قريب، وبخاصة بعد أن أنشئت فيها مصفاة للنفط ومحطة لتحلية المياه. وقطع حديث أبي عدنان صوت الكابح.. ووقوف السيارة بجانب بناء جديد كغيره من الأبنية المجاورة.. ضحك أبو عدنان وهو يفتح باب بيته قائلاً: -هلم إلى الحمام، فأنت بحاجة ماسة إليه. قلت له ممازحاً: -لا أظنني بحاجة إليه، فقد نعمت بحمام (عرق) كامل في أثناء الطريق!! -3- مهما تحدثت عن المشاق التي عانيتها، والصعوبات التي لاقيتها.. في أثناء سفري هذا إلى مدينة (البحري)، فإنها لا تعد شيئاً إذا قورنت بعناء السفر من (البحري) إلى (العويس)، وبالتحديد من (النخلي) إلى العويس... فأنت إذا أردت أن تذهب إلى العويس عليك أن تذهب أولاً إلى بلدة (النخلي)، وهي بلدة صغيرة تبعد حوالي خمسة وخمسين كيلو متراً عن البحري.. وبعد وصولك إلى هذه البلدة، عليك أن تودع تلك الطريق الناعمة المعبدة، قبل أن ترمي بنفسك وبسيارتك في أحضان طريق وعرة يتجاوز طولها تسعين كيلو متراً!. ولو وضعت هذه الطريق الوعرة في كفة، ووضعت في الكفة الأخرى كل المسافات التي قطعتها، لرجحت كفة هذه الطريق حتماً!!. بالمناسبة.. أنا لم أخبركم أن أبا عدنان قد استبدل في مدينة (البحريّ) بسيارته الصغيرة المريحة.. أخرى جبلية من نوع (جيب)، في البداية لم أعرف السبب، لكن عندما قطعت أمتاراً قليلة من طريق (العويس) الوعرة عرفت قيمة الجيب، وأدركت بأنه لو كانت السيارة الصغيرة معنا.. لتحطمت فعلاً! |
رد: الدوامة
كانت السيارة تتجه تارة إلى يمين الطريق وتارة أخرى إلى يسارها، وكانت ترتفع في مكان وتنخفض في مكان ثان، وأحياناً كانت تمر فوق مطب مفاجئ فتقذف جسمي إلى أعلى لدرجة أن رأسي يصطدم بالسقف.. وكان الغبار الكثيف يدخل الشقوق والنوافذ فيغمر وجهي، ويملأ جوفي، ويعمي عيني.. وبخاصة عندما تمر بنا سيارة مسرعة تحمل وراءها تلك الزوبعة المخيفة التي تخفي كل المناظر من حولنا، وتجبر أبا عدنان على تخفيف سرعته كي لا يصطدم بشيء لا يراه!!.
وكان أبو عدنان قد تحول شخصاً آخر.. لقد تغير لون شعره وبشرته تماماً، فأصبح شبحاً مخيفاً لا تميز ملامحه!. نظرت إليه وأنا أضحك.. فنظر إلي هو الآخر مبتسماً، ثم قال بتهكم: -لا تضحك علي.. انظر إلى وجهك في المرآة. وحرك المرآة الصغيرة المعلقة، حتى باتت على مرمى نظري تماماً.. شهقت باستغراب، إذ لم يكن الوجه الذي أراه هو وجهي الذي أعرفه وآلفه!. لقد تحولت أنا أيضاً شخصاً آخر، شبيهاً بتلك الشخصيات الخرافية، التي كانت تثير فينا الرعب، ونحن نستمع إلى حكاياتها من جداتنا.. ضحكت وضحكت.. ولم أكن أدري أأضحك من هذا المنظر الغريب، أم أضحك على نفسي التي سقتها إلى هذا المكان العجيب!!. -4- لم أعد أحسب حساباً للوقت، فهذه أطول طريق عرفتها في حياتي!. أخذت أتابع بعيني تلك الجبال السوداء التي لا نهاية لها.. كانت الطريق تخترقها أحياناً، وأحياناً ترتفع إلى قممها، وأحياناً أخرى تزحف زحفاً وهي تلامس سفوحها!. وكادت الأرض أن تكون جرداء قاحلة لولا بضع شجيرات قصيرة، غريبة المظهر، تبدو بين حين وحين على جانبيّ الطريق. وكان يقطع الدرب بين فترة وأخرى جمل متبختر أو حمار عنيد أو عنزة متشردة، فنضطر إلى الوقوف ريثما يمر موكبه من أمامنا!... على كل حال كانت الحيوانات الشاردة محط تسلية لنا ومثار أنس في طريقنا التي لم تكن تجود علينا بغير التراب!.. يا الله!... أفي جوف هذا الصحراء تكمن حياة؟! أبعد هذه المسافات الموغلة هناك سكان وحركة ومجتمع؟! في الحقيقة... أتمنى لو أن أبا عدنان لوى عنان سيارته، وكر راجعاً! فأنا أشعر- وإن كان شعوري هذا جاء متأخراً- أن الطمع قد أعماني عن النظر في العواقب. *** وأخيراً، لاحت العويس.. عرفت ذلك عندما أشار أبو عدنان إلى البيوت البعيدة، قائلاً وابتسامة النصر مرتسمة على شفتيه المتشققتين: -لقد وصلنا أخيراً.. وهمست مردداً: -أخيراً... أخيراً... |
رد: الدوامة
الفصل الثالث
-1- العويس قرية كثيفة السكان، واسعة المساحة، تمتد على خط طولي يسعى بين عدة جبال، وعند كتف كل جبل.. مجموعة من البيوت المتراصة أو المتفرقة، أما عرض القرية فبسيط للغاية! لكن طولها ممتد إلى مسافات بعيدة بحيث يصعب عليك السير على قدميك، بل أنت تحتاج إلى سيارة تقلّك عبر هذا الامتداد.. وكثيراً ما تنقطع البيوت والدكاكين، حتى تظن أنك انتهيت من العمران، ولكنك تفاجأ بعد قليل بظهور مبان أخرى تشعرك بأنك لم تبتعد بعد عن حدود البلدة. وتوقف أبو عدنان بجانب أرض متسعة، ارتفعت فيها أعمدة إسمنتية، أشار إليها وهو يقول: -هذه هي المدرسة الجديدة. ثم طلب مني أن أحمل حقيبتي، وألحقه إلى بيت صغير متربع خلف المدرسة، كان بيتاً ريفياً بكلّ ما تحمل هذه الكلمة من معنى.. فهناك خزّان مياه مكشوف، وهناك مزرعة أكثر أشجارها نخيل، وهناك سبيل يستقي منه العابرون ماءً لشربهم، وهناك تيس يرعى، وديك يصيح، وحصان يصهل، وحمار ينهق، وعصافير تغرد.. صاح أبو عدنان: -تعال يا تحسين.. تعال لتقابل أصحابك الجدد.. وعندما دخلت السكن، فوجئت بجمع كبير يجلس في فنائه.. قام أفراده لتحيتي، وهم يرددون بلهجة شامية محببة: -مرحباً بالضيف الجديد.. جلست قليلاً مع الشباب، وقد انتابني شيء من الوحشة، فهذا أول لقاء بيني وبينهم، ومن يدري.. ماذا يخبئ المستقبل.. غمزني أبو عدنان قائلاً: -هات فراشك، وضعه هنا.. إنه مكان مناسب. فتحت فمي مستغرباً: -ولكن أين غرفتي؟!.. |
رد: الدوامة
ضحك أبو عدنان وقال:
-البيت الضيق، يتسع لألف صديق.. ستنام بالطبع مع الشباب، وفي هذه الغرفة. لم يكن عرق الطريق قد جف بعد، ولم يكن غباره المقيت قد مُسح عن وجهي وشعري وثيابي.. عندما قمت ونيران الغضب تتأجج في صدري، وهرعت إلى حقيبتي فاتحاً إياها بنزق، أخرجت ورقة العقد.. ومزقتها بانفعال إرباً إرباً.. ثم رميت مزقها أمام أبي عدنان ونظرات التحدي تكاد تثقب وجهه: -هيا.. أعدني إلى المكان الذي أحضرتني منه، وهناك سأرضيك بما تريد، لأنني الطرف المنسحب من تنفيذ العقد. ولم يرد أبو عدنان، بل نظر إلي ببرود.. بينما قام بعض الشباب لتهدئتي، طالبين مني التريث.. إذ ربما غيرت رأيي بعد معرفة ظروف المعيشة.. قالوا لي: -ستسرّ معنا في هذا البيت المتواضع.. جرب أياماً معدودة ولن تخسر شيئاً. في كلماتهم طيبة ساحرة، وعاطفة مريحة.. جلست، وأنا أتمتم بكلمات اعتذار غير مفهومة.. ثم جئت بفراشي، ووضعته في المكان الذي اختاره لي أبو عدنان.. ألقيت بجسدي المنهك عليه، ثم غطيت وجهي بالوسادة، وأخذت أبكي بكاءً مراً!!! -2- استيقظت باكراً على صياح الديكة.. نظرت حولي فلم أجد أحداً.. تذكرت أحداث الليلة الفائتة، عادت الغصة لتسكن في حلقي، بلعت ريقي بصعوبة، وأنا أشعر وكأن البكاء يعاودني من جديد.. تحاملت على نفسي، وقمت من فراشي وأنا أتلفت هنا وهناك.. أين ذهبوا.. يبدو أنهم جميعاً يزاولون أعمالهم في هذه الساعة المبكرة!.. وضعت (المنشفة) على كتفي، وخرجت من السكن.. دهمني نور النهار الذي غمر الأرجاء، وداعبني هواء الصباح بنسماته الندية العليلة.. نظرت إلى العصافير الملونة تطير هنا وهناك وهي تملأ الفضاء بألحانها الشجية، وتابعت بنظري جذوع النخيل وسعفه الخضر وعناقيده المدلاة الشهية.. ثم التفت إلى الأفق الشرقي، وقد بدأ يتمخض عن شمس تضحك ليوم جديد.. أحسست بالسعادة تغمرني فجأة، فلا شيء يفوق حبي للطبيعة الساحرة.. نعم، أحسست بالسعادة.. فها هي ذي السحب السوداء التي أحاطت بي قد تبددت، وها هي ذي شموس الأمل والتفاؤل قد أشرقت من جديد، وها أنذا أشعر أنني على أبواب قرار جديد.. أيضاً!. لماذا لا أبقى؟ حقاً... لماذا لا أبقى؟... وهل هناك ضير من السكن مع هؤلاء تحت سقف واحد، ما دام التفاهم هو اللغة المشتركة بين الجميع. صوت أبي عدنان يناديني من بعيد، ويوقظني من تأملاتي وتساؤلاتي.. رأيته يلوح من مرتفع يطل على البيت، رددت تحيته بحركة مقتضبة من يدي.. صاح أبو عدنان ثانية: -هيا.. انته من حمامك.. وتعال لأريك مكان عملك.. |
رد: الدوامة
هززت رأسي، ثم اتجهت إلى ذلك الحمام الميداني، الذي نصبت جدرانه الخشبية قرب المزرعة.
-3- المدرسة الجديدة التي كلفت ورشتنا ببنائها، مدرسة نموذجية بكل معنى الكلمة.. فبالإضافة إلى غرف الصف والأساتذة والإدارة، هناك مسجد ومسرح ومكتبة ومطعم وإذاعة وقاعة مطالعة.. وهذه مرافق لا تتوفر عادة إلا في أفضل مدارس الدولة، وقد علمت أن تكاليف هذه المدرسة ملايين عديدة، وقد كان كثيرون يطمعون في استلام هذا المشروع المغري، إلا أن أبا عدنان -بوسائله الخاصة- كان السباق في استلامه.. بالإضافة إلى مجموعة العمال السوريين الذين التقيتهم في البيت، والذين سأعيش معهم طيلة فترة عملي في هذا المشروع.. هناك أفراد من جنسيات متعددة تقوم بعملها داخل الورشة، وقد كنت أحب الإصغاء إلى أحاديثهم وكلماتهم التي لا أفقه بعضاً منها!!. وأحب المقارنة بين النبرات المختلفة التي تميز ألسنتهم.. وكثيراً ما يحلو لي أن أردد بعض الكلمات من غير أن أفهم معناها... كانوا يضحكون مني، وهم يقولون بلغة عربية مفككة: -أنت.. ما في كلام صح! ويشيرون إلى رأسي، ثم يتابعون حديثهم (المكسر): -هادا خربان.. أنت لازم علوم مظبوط... *** انسجمت في البداية مع عملي.. خاصة وأن المساعدين الهنود الذين وضعهم أبو عدنان تحت تصرفي كانوا على مستوى لا بأس به من الفطنة والنباهة.. وكانوا يفهمون تماماً ما أرشدهم إليه من عمل، على الرغم من أن وسيلة التفاهم لم تكن أكثر من الإشارة، أو بضع كلمات من العربية المفككة ا لبسيطة التي لا يفقهون غيرها!!!. |
| الساعة الآن 10:28 AM. |
|
Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
new notificatio by 9adq_ala7sas