| الإهداءات |
|
|||||||
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |

|
|
#11 | |
|
قوة السمعة: 10
![]() |
الفصل الرابع
-1- الأيام هنا قطار متحرك تشابهت محطاته.. رتوبة ما بعدها رتوبة، وجمود رهيب في مسيرة الحياة. كنت أقضي الليل في انتظار النهار، وأدفع النهار كي أستقبل الليل! أما الملل فقد فرض صداقته الدائمة علي، والضجر بات حبيباً وفياً شديد التعلق بي!. كانت (العويس) بلدة في منتهى التخلف، محرومة من أبسط الخدمات التي يتطلبها الإنسان المعاصر.. فالماء فيها لا يأتي إلى البيوت عبر شبكات خاصة، بل يعبّأ في خزانات كبيرة موجودة في كل مسكن.. والكهرباء شبه مفقودة في هذه البلدة، باستثناء الكهرباء التي تولدها (مولّدات) خاصة تابعة لبعض المنازل.. أما إذا أردت الاتصال هاتفياً بأحد، فستصاب بخيبة أمل كبيرة، لأنك لن تجد هاتفاً واحداً في كل (العويس)!. أضف إلى ذلك أن الشوارع غير معبدة وتطفح بالأوساخ والقاذورات.. والمواصلات العامة مقطوعة، فلا خروج من العويس، ولا رجوع إليها إلا بسيارة خاصة، وهيهات أن تجد سيارة خاصة ينقلك صاحبها بسعر معقول!. وإذا عرجنا على الطعام، فستفاجأ حين أخبرك بأن الخضار والفواكه الطازجة لا ترد الأسواق إلا في مواسم خاصة ومحدودة! وهي ترد لتباع للغرباء فقط، لأن أهالي العويس ألفوا طعامهم المفضل (الكبسة).. وهو الأرز المسلوق وفوقه قطع اللحم نصف الناضجة.. يتناولونه في الفطور وعند الغداء وعلى العشاء!!. وهم إن أكلوا شيئاً من الخضراوات؛ فمصدره تلك المعلبات المتنوعة التي تغمر أسواقهم!. ولا تسألني عن البريد.. فسيارة البريد الصفراء المصفحة (!) لا تأتي إلا في يومين فقط خلال الأسبوع كله.. وعليك -إذا أردت إرسال رسالة أو استلامها -أن تنتظر يوم السبت أو يوم الثلاثاء كي تحقق رغبتك الفريدة هذه. فوق هذا وذاك، فالعويس محرومة من المكتبات.. وليس هناك من يلتفت إلى بيع وشراء الصحف والمجلات، مسكينة العويس.. إنها شبه معزولة عن العالم الخارجي، وهي تكاد تكون منفى حقيقياً يعاقب فيه المجرمون والأشقياء!!. أقول.. أصبحت للملل صديقاً! إذ لا مكان تذهب إليه ولا طريق تسير عليها! حتى إذا أحببت أن تتنزه في الليل مستغلاً قدوم نسماته العليلة، فإن رجال (العسس) يعترضون طريقك، ويجرون معك تحقيقاً، ثم بعد السؤال والجواب يطلبون منك العودة إلى بيتك.. هذا إذا كنت محظوظاً! أما إذا كنت سيّئ الحظ، فإنهم سيرجونك بكل لطف ولباقة أن ترافقهم إلى مركز الشرطة، حيث ستنعم هناك بليلة هانئة فيها ألوان من كرم الضيافة لا تخطر على بالك!... فنظام منع التجول نظام صارم، فرضه أهل العويس على أنفسهم، ابتداء من تغلغل الظلام وتغلبه على بقايا الضياء!!.. |
|
|
||
| اقتباس المشاركة |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|