| الإهداءات |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |

|
|
#11 | |
|
قوة السمعة: 10
![]() |
الفصل الرابع
-1- الأيام هنا قطار متحرك تشابهت محطاته.. رتوبة ما بعدها رتوبة، وجمود رهيب في مسيرة الحياة. كنت أقضي الليل في انتظار النهار، وأدفع النهار كي أستقبل الليل! أما الملل فقد فرض صداقته الدائمة علي، والضجر بات حبيباً وفياً شديد التعلق بي!. كانت (العويس) بلدة في منتهى التخلف، محرومة من أبسط الخدمات التي يتطلبها الإنسان المعاصر.. فالماء فيها لا يأتي إلى البيوت عبر شبكات خاصة، بل يعبّأ في خزانات كبيرة موجودة في كل مسكن.. والكهرباء شبه مفقودة في هذه البلدة، باستثناء الكهرباء التي تولدها (مولّدات) خاصة تابعة لبعض المنازل.. أما إذا أردت الاتصال هاتفياً بأحد، فستصاب بخيبة أمل كبيرة، لأنك لن تجد هاتفاً واحداً في كل (العويس)!. أضف إلى ذلك أن الشوارع غير معبدة وتطفح بالأوساخ والقاذورات.. والمواصلات العامة مقطوعة، فلا خروج من العويس، ولا رجوع إليها إلا بسيارة خاصة، وهيهات أن تجد سيارة خاصة ينقلك صاحبها بسعر معقول!. وإذا عرجنا على الطعام، فستفاجأ حين أخبرك بأن الخضار والفواكه الطازجة لا ترد الأسواق إلا في مواسم خاصة ومحدودة! وهي ترد لتباع للغرباء فقط، لأن أهالي العويس ألفوا طعامهم المفضل (الكبسة).. وهو الأرز المسلوق وفوقه قطع اللحم نصف الناضجة.. يتناولونه في الفطور وعند الغداء وعلى العشاء!!. وهم إن أكلوا شيئاً من الخضراوات؛ فمصدره تلك المعلبات المتنوعة التي تغمر أسواقهم!. ولا تسألني عن البريد.. فسيارة البريد الصفراء المصفحة (!) لا تأتي إلا في يومين فقط خلال الأسبوع كله.. وعليك -إذا أردت إرسال رسالة أو استلامها -أن تنتظر يوم السبت أو يوم الثلاثاء كي تحقق رغبتك الفريدة هذه. فوق هذا وذاك، فالعويس محرومة من المكتبات.. وليس هناك من يلتفت إلى بيع وشراء الصحف والمجلات، مسكينة العويس.. إنها شبه معزولة عن العالم الخارجي، وهي تكاد تكون منفى حقيقياً يعاقب فيه المجرمون والأشقياء!!. أقول.. أصبحت للملل صديقاً! إذ لا مكان تذهب إليه ولا طريق تسير عليها! حتى إذا أحببت أن تتنزه في الليل مستغلاً قدوم نسماته العليلة، فإن رجال (العسس) يعترضون طريقك، ويجرون معك تحقيقاً، ثم بعد السؤال والجواب يطلبون منك العودة إلى بيتك.. هذا إذا كنت محظوظاً! أما إذا كنت سيّئ الحظ، فإنهم سيرجونك بكل لطف ولباقة أن ترافقهم إلى مركز الشرطة، حيث ستنعم هناك بليلة هانئة فيها ألوان من كرم الضيافة لا تخطر على بالك!... فنظام منع التجول نظام صارم، فرضه أهل العويس على أنفسهم، ابتداء من تغلغل الظلام وتغلبه على بقايا الضياء!!.. |
|
|
||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#12 | |
|
قوة السمعة: 10
![]() |
ماذا أفعل.. أين أقضي وقتي؟!
والفراغ ممل قاتل.. ولا شيء هنا يسد هذا الفراغ!؟ -2- الآلام تجر الآلام، والعذاب يذكرك بالعذاب وشقاء اليوم.. يعيد إلى ذاكرتك شقاء الأمس...... (تلويحة الأيدي الصغيرة.. مازالت مزروعة في بصره.. ووجه العجوز الباكي، مازال مطبوعاً في خياله.. ما أغلى تلك الدموع التي زيّنت وجنتيها الذابلتين، وأعطتها بريقاً سحرياً ليس له مثيل.. كان وداعاً ولا كل وداع.... التفّت أمه واخوته الصغار حوله، كل منهم يحاول أن يحظى قبل غيره بعناقه وتقبيله... ما أصعب تلك المواقف، فيها تتفجر العواطف الإنسانية دفعة واحدة، وكأنها بركان ثائر وجد فوهته!. كان الأمل.. وكانوا الطامحين في وعوده!... كان البطل، وكانوا اللاهثين وراء انتصاراته!. كان المنار، وكانوا المهتدين بنور مصابيحه!. * * * * مرت الأيام.. والرياح تجري بما لا تشتهي السفن!. مرت الأيام.. والأمور تزداد تعقيداً، والحياة تنتقل من سيئ إلى أسوأ! لقد صدمه الواقع الجديد، وأربكته حياة الغربة.... التفاؤل يضمحل، والأمل يخبو، ورسائله -هي الأخرى- بدأت بالتناقص مع تزايد الخيبة... تناقصت شيئاً فشيئاً حتى توقفت تماماً، وانقطعت -مع توقفها- أخباره عن الأهل وصلته مع أمه واخوته. |
|
|
||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#13 | |
|
قوة السمعة: 10
![]() |
مرت الأيام..
والقادمون من أرض الوطن، يحملون نبأ موت العجوز، وتشرد الأطفال! والوجه المسافر، ما زال بعيداً في ديار الغربة. أين كلماته ووعوده؟. أين ماله الذي ينقذ العائلة، وينقلها من الضيق إلى السعة؟. أين الغد المشرق، والمستقبل الباسم؟ ولكن.. أيعود الغائب صفر اليدين بعد هذه الغيبة الطويلة؟!.. ما جمعه.... بدده في ديار الغربة.. وهو ينتظر عودة المال، وهناك ينتظرون عودة الأخ المسافر!. ترى.. هل تتحقق الأماني... هل تحل هذه المعادلة الصعبة؟!..). -3- شهور أربعة كاملة مرت على مجيئي إلى العويس.. شهور ولا كل الشهور.. صباحاً.. أنخرط في عملي من غير أن ألتفت إلى أحد، وعصراً أتناول لقيمات الغداء بعد حمامي السريع.. ثم أجلس أمام المزرعة وقد اعترتني ملالة بلغت حد النزق، يحدثني بعضهم فأردّ بكلمات مقتضبة، ويمازحني آخرون فلا يجدون مني غير الصدّ والتأفف.. أصبحت معزولاً، أو بالأحرى أنا الذي عزلت نفسي عن المجموعة.. لم تكن مشاركتي لها إلا في النوم والطعام، وما عداهما، فأنا في واد وهم في واد آخر!.. كارثة كبرى.. أن يصبح الإنسان مجرد آلة تتحرك.. جهاز فاقد الشعور يسير بلا طموح أو هدف مرسوم.. العمل والنوم والطعام.. مظاهر معروفة في هذه الحياة.. ولكنها ليست (كل) الحياة. ومصيبتي أنني أصبحت إنساناً يعمل ويأكل وينام.. فقط، بحيث لو سألتني: وماذا بعد.. ماذا عن المستقبل المأمول؟ عن الغد الجديد الذي ترنو إليه.. لأجبتك بكل برود: -لا أعرف.. فتفكيري لم يعد مشغولاً بمثل هذه الأمور!!!! * * * * عادة واحدة.. لم يتخل عنها تفكيري، ربما لمحاولته الارتباط مع الجديد في هذه الحياة، ولو بخيط واه!! هذه العادة هي الاهتمام بالمتعاقدين العرب الذين يردون إلى العويس للتدريس، وتسقط أخبارهم. فكلما سمعت بمجيء أستاذ جديد، حاولت فتح باب للتعارف.. ولكن من بعيد.. مكتفياً بمعرفتي الرسمية له، دون أن أجرب تمزيق الحجاب الفاصل بيني وبينه!. تعرّفت أبا أحمد، وأبا حسن، وأبا سالم، وغيرهم، وكانوا جميعاً متزوجين ترافقهم عائلاتهم، وكثيراً ما كانوا يزورون الورشة، ويسهرون مع أفرادها.. كنت أجلس معهم صامتاً، أستمع إلى أحاديثهم من غير أن أنبس ببنت شفة!. حتى أنهم استغربوا سكوتي، وحاولوا أكثر من مرة جرّي إلى الحديث معهم.. لكنهم بعد عدة محاولات فاشلة، توقفوا كغيرهم.. وبادلوني صمتاً بصمت، وإهمالاً بإهمال!. لماذا كنت أتصرف بهذه الطريقة مع الآخرين؟. أنا بالذات.. لم أعرف جواباً لهذا السؤال!! |
|
|
||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#14 | |
|
قوة السمعة: 10
![]() |
الفصل الخامس
-1- متعاقد جديد.. جاء إلى العويس.. والشيء الذي أثار فضولي أكثر، أن هذا المتعاقد لا يمت إلى سلك التدريس بصلة، بل هو طبيب جاء ليعمل في المستوصف الحكومي.. وهذه أول مرة يأتي فيها طبيب عربي إلى العويس!! من هو هذا الطبيب؟ ماهي صفاته؟ هل هو مسرور بمجيئه إلى هنا، أم إنه مكره -كغيره- على العمل في العويس؟ ترى.. هل هو اجتماعي يحب التعارف والاندماج مع الآخرين؟ أم إنه -كبعض الأطباء- يحاول أن يحيط نفسه بهالة من الغموض والترفع.. ترى، هل سيزور الورشة أسوة بغيره من المتعاقدين العرب كي يعرف المجموعة السورية العاملة فيها؟.. أم إنه سينتظر زيارتنا له وتحرشنا به.. أم إنه لن يلقي بالاً لكل هذه الأمور؟؟ -2- قال أبو عدنان: -مرحباً بالشباب.... تفضلوا. وحملقت إلى وجوه القادمين، ميزت منها وجه أبي أحمد، ووجه أبي سالم، ووجهاً جديداً لم ألمحه من قبل!. وصافحنا الشباب، ودعاهم أبو عدنان للجلوس في صدر المجلس، ثم أسرع إلى دولة القهوة ليقوم بواجب الضيافة.. قال أبو أحمد مستبقاً الحديث: -معنا اليوم ضيف عربي جديد، انضم إلى قائمة نزلاء العويس!.. إنه الدكتور فارس، الذي جاء ليعمل في مستوصف البلدة. ورددنا بصوت كاد أن يكون واحداً: -أهلاً وسهلاً.. أضاف أبو أحمد: -ضيفنا وأخونا الجديد.. وصل منذ أسبوع تقريباً.. وهو يواجه الغربة للمرة الأولى. |
|
|
||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#15 | |
|
قوة السمعة: 10
![]() |
قال أبو سالم:
-الحقيقة.. كلنا غرباء.. وكلنا نعاني من آلام الاغتراب، ونتجرع كؤوسه المرة كل يوم.. ولكن لقاءاتنا هذه، قد تخفف بعض آلامنا وأحزاننا. ووافقه أبو أحمد بقوله: -فعلاً، فعلاً.. فاجتماعنا هذا يعيد إلينا الجو الذي نألفه في بلداننا، مثلاً أنا أشعر أن هذا البيت قطعة من بلدي.. بلهجة سكانه، وطريقة تفكيرهم، وأسلوب عملهم.. حتى بالكيفية التي يطهون بها طعامهم!. وضحك أبو عدنان قائلاً: -يبدو أنك قد جعت يا أبا أحمد! أجاب أبو أحمد مبتسماً: -ليس تماماً.. ولكن رائحة الطعام التي تسربت من باب هذا المطبخ، هي ما أثار اهتمامي!! قال أبو عدنان بصوت عال: -أبشر، أبشر.. سنطعمكم بعد قليل طبخة شامية شهيرة صنعتها يد الشباب. -3- كان يأكل صامتاً.. وكانت اللقمة تقف أحياناً في يده وهو يحدق إلى وجوه المحدثين، ثم تعود إلى رحلتها الطبيعية، كان يبتسم عندما تُروى فكاهة أو تُذكر طرفة، ولكنه لم يتكلم قط! ولم تتحرك شفتاه إلا عند انتهائه من طعامه، وقتئذ تمتم ببضع كلمات شاكرة، ثم غادر المائدة متعثراً، وفي عينيه سؤال عن مكان المغسلة. وأسرعت بالقيام، لأكون الدليل الذي يرشده إلى صنبور الماء. تبعني، وصمته مازال مرافقاً له.. ناولته لوح الصابون، استلمه مني، وقد ارتعشت على شفتيه ابتسامة، ثم بدأ يغسل يديه بهدوء وتأن.. كان نحيل الجسم، طويل القامة، عريض الجبين، خفيف الشعر.. كان ثوبه نظيفاً وإن كان يعوزه الكي! وكان جيبه العلوي منتفخاً بكدسة من الأوراق ربطت بقلم حبر جديد.. وكانت معالم القلق بادية في حركاته.. أحسست بارتباكه من نظراتي، فأشحت بوجهي كي يأخذ حريته بعيداً عن عيني المراقبتين.. غمرني ارتياح غريب لوجودي معه، وأحببت، أن أتقرب منه أكثر فأكثر.. حين ناولته (المنشفة) كي يمسح بها آثار الماء، قدمت له نفسي قائلاً: -أخوكم.. تحسين، تحسين الدمشقي. أجابني بأدب جم: -تشرفنا يا أخ تحسين.. وأنا فارس. وشجعتني إجابته المتواضعة على الاستمرار.. فقلت: -من أي بلد.. دكتور فارس.. |
|
|
||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#16 | |
|
قوة السمعة: 10
![]() |
ضحك وقال:
-وهل يهمك أن تعرف هذا.. أنا عربي وكفى. ولم أحاول تكرار السؤال، فقد سبق أن عرفت مسقط رأسه من (لكنة) كلامه، لكنني كنت أحب التأكد فقط. حاولت تغيير مجرى الحديث.. سألته: -أأعجبتكم العويس؟. بدا مرتبكاً حين سمع السؤال، لكنه رفع رأسه وقال بكلمات متقطعة: -الحقيقة.. البلدة مقبولة.. ولكن! وصمت قليلاً بعد كلمة (ولكن).. وكدت أقول له: ولكن ماذا؟. بيد أنه استمر في حديثه الذي غمرته نبرة حزن مفاجئة: -ولكن.. ليتني بقيت في بلدي. قلت له باستغراب: -أليست هذه رغبتكم.. عفواً دكتور أقصد: ألم تكن راغباً بالمجيء؟. قال.. وعيناه الحزينتان تنظران بعيداً: -صحيح، لقد جئت بمشيئتي.. ولكنني لا أخفي عنك، أنا نادم.. نادم! أحسست بأن وراء هذا الوجه الهادئ بركاناً يوشك أن ينفجر.. حاولت تلطيف الجو: -كلنا مثلك يا دكتور.. نندم في البداية.. لكننا سرعان ما نألف الوضع!! قال، وهو يحرك سبابته بالنفي: -لا.. لست أنا.. صحيح أنني أتيت برغبتي، ولكنها رغبة المجْبَر!! (رغبة) و (بالإجبار)!... كيف توافق ذلك!.. دفعني الفضول إلى خرق الستار أكثر فأكثر، قلت له: -الواحد منا يا دكتور.. مضطر للغربة، كي يجمع قرشين نظيفين، يستطيع بهما بناء حياته. أخذ يفرك (المنشفة) بانفعال، وخرجت الكلمات مهزوزة من بين شفتيه المرتجفتين: -لعنة الله على الفلوس.. ما قيمتها إن لم تجد سبيلاً إلى السعادة!!. قلت: -ولكن.. لابد منها يا دكتور، لابد منها!. قال، وهو يدفع المنشفة إلي: -يا رجل!! لابد منها لمن هو بحاجة إليها!. سألته بنبرة دهشة: -هل هذا يعني، أنك في غنى عنها!. قال، وهو يحاول رسم ابتسامة على وجهه الحزين: -لا أقصد ذلك.. ولكن والحمد لله الحالة مستورة في بلدي.. لي عيادة ممتازة في وسط المدينة، ولدي زبائن محترمون، ولا شيء ينقصني.. وبدون وعي صحت: -إذاً... لماذا أتيت؟ وشعرت بأن صيغة سؤالي كانت غير مهذبة.. لم أعرف كيف أعتذر وأتراجع عن خطئي! لاحظ هو ارتباكي، فوضع يده على كتفي وقال بلهجة مشجعة: -لا عليك، لا عليك.. ولكن لا تنح علي باللائمة!. وتنهد.. ثم قال بنبرة تقطر أسى: -على كل حال.. جازى الله من كان السبب. إذاً.. القصة أعمق مما أتصور.. لم أرغب في متابعة الحديث نفسه، خاصة بعد أن أوصلته إلى تلك النقطة الحرجة.. قلت لنفسي: أترك بقية القصة لظرف أكثر مناسبة. وهززت رأسي، ثم أشرت بيدي إلى باب البيت قائلاً: -تفضل يا دكتور.. فالجماعة بانتظارك. ودلف صامتاً.. ثم أخذ مكانه.. ومعالم الحزن مازالت مرتسمة على وجهه. |
|
|
||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#17 | |
|
قوة السمعة: 10
![]() |
الفصل السادس
-1- -أكثر ما يحزّ في نفسي، أنهم يسموننا (أجانب)! قال عبارته هذه، ثم تنهد بعمق. قلت: -لم أنت مستاء من هذه التسمية يا دكتور!! لقد اعتدناها، وستعتادها أنت أيضاً، بعد أن تقضي أياماً أخرى في خدمة هذه البلد. قال وهو يهز رأسه: -يا أخ تحسين.. إنها تسمية جارحة، ولقب مؤذ.. إنني أحس بسكين تطعن قلبي حين يقال لي (أنت أجنبي)، وأنا إنسان عربي أعيش في بلد عربي يفترض فيه الأصالة! قلت له: -وماذا يضيرك من هذه التسمية.. ليسمونا كما يحلو لهم، فالأمور بحاجة إلى شيء من (التطنيش)!! قال بانفعال: -لا أقدر على تحمل هذه الكلمة؟ إنني في بلد هو منبع للأصالة العربية، ومورد لأخلاق العرب، ومَعْلَم للضيافة والكرم والسلوك العربي.. مع ذلك ففيه من ينظر إليك على أنك أجنبي غريب، جئت إليه لأخذ فلوسه وابتزاز أمواله، متناسياً كل مجهود تقدمه له، وكل خدمة تؤديها لمجتمعه. قلت، مكرراً أفكاري السابقة: -على كل حال، ما دام الأمر لا يتعدى التسمية، ولا يصل إلى حقوقك الأساسية.. فلا أرى أنه يستحق منك هذا الانفعال. التفت إلي، وأجابني بحدة: -ومن قال لك إنه لا يمس شيئاً من حقوقي!! ليست حقوقي يا صاحبي هي استلام الراتب في نهاية كل شهر.. بل حقوقي أن أشعر بأنني أعيش في مجتمع عدل ومساواة، أن أعامَل أمام القانون كما يعامَل أي فرد في هذه البلد، أن تطبق علي الأحكام التي تطبق على كل إنسان في هذا المجتمع، أن أقف موقف الند بجانب أي شخص يحمل جنسية هذه الدولة. قلت، محاولاً تهدئته: -وهل يعاملونك معاملة شاذة، تختلف عن معاملة الآخرين. نظر إلي شزراً.. وقد تضرجت وجنتاه، قال: -آه.. لو غيرك قالها! فأنت أدرى مني بهذه الأمور، بعد أن مضى على وجودك هنا عدة سنوات! انظر يا تحسين.. في الدوائر الرسمية معاملتك تختلف، وفي الأسواق والدكاكين معاملتك تختلف، وفي مكان عملك النظرة إليك تختلف تماماً عن نظرتهم إلى أي إنسان متجنّس يمارس مهنتك نفسها، حتى راتبك يختلف اختلافاً غير معقول عن رواتب الآخرين الذين يقدمون المجهود نفسه ويحملون المؤهلات ذاتها إن لم تكن أدنى منها!.. بل، حتى شرطي السير- الذي تلقاه في طريقك دائماً- يعاملك بطريقة تختلف.. فهو يشدد عليك فيما يتعلق بالرخصة والاستمارة، ولا يقبل منك أية رخصة دولية مهما تكن سمعتها.. بينما تراه يغض النظر عندما تمر أمامه سيارة مسرعة يسوقها طفل يرتدي الزي الوطني، ولا يتجاوز عمره تسع أو عشر سنوات!!. |
|
|
||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#18 | |
|
قوة السمعة: 10
![]() |
كان الدكتور فارس منفعلاً في حديثه، وهذه طبيعته عندما يتطرق إلى المواضيع الحساسة، وبحكم كونه إنساناً مرهف الحس سريع التأثر.. لم أكن أستغرب منه هذا الانفعال، فمناقشاتي معه- والتي كانت تجري بين حين وآخر- قد علمتني الكثير الكثير من طباعه وعاداته، وأقنعتني بأن السر العميق الذي يحمله والذي كان سبباً لمجيئه إلى هذا البلد، يحتاج إلى مزيد من الانفتاح والمصارحة والحوار كي يفصح عنه!!.
قلت للدكتور فارس.. وأنا أحاول جره إلى مزيد من الحديث: -ولكن هذا يحدث في أي بلد.. دائماً معاملة الغرباء تختلف عن معاملة المواطنين الأصليين! قال.. وابتسامة سخرية مرتسمة على شفتيه: -فعلا هذا يحدث في أي بلد! ولكن بطريقة معكوسة!! سألته: -كيف؟! قال: -في بلدك بالذات- مثلاً- تطلقون على الآخرين تسمية خاصة، ولكن بدلاً من تسميتهم بـ (أجانب) تسمونهم (الأشقاء العرب).. كما أنكم تعاملونهم بطريقة تختلف.. فعلاً، ولكن بالطريقة التي يعامل بها الضيف، فأنتم تعطونهم دوركم حين يتطلب الأمر الوقوف بالدور، وأنتم تسهّلون معاملاتهم وتسيّرونها بسرعة عندما يتعلق الأمر بالدوائر الرسمية، وأنتم تسألون دائماً عن أحوالهم وتطمئنون على حسن أوضاعهم عندما يسكنون بجواركم أو يعملون معكم في مكان واحد.. أنتم تحاولون جهدكم أن لا تشعروهم بالغربة، تحاولون إقناع الواحد منهم أنه يعيش بينكم فرداً من أفرادكم، بل أنتم تفضلونه على أنفسكم في كثير من الأمور. لم يكن لدي جواب.. فهززت رأسي. |
|
|
||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#19 | |
|
قوة السمعة: 10
![]() |
وتابع الدكتور حديثه، بلهجة يغلب عليها الهدوء:
-يا أخي.. يكفي أن الغربة قاسية بطبيعة الحال. فأنت منسلخ عن أهلك وأحبابك ومجتمعك الذي ألفته منذ نعومة أظفارك، وأنت بعيد عن ديارك التي شهدت أيامك الأولى، وعاداتك التي مشيت عليها منذ أن وعيت هذه الحياة.. يقتلك الشوق كل يوم مائة مرة، ويذبحك الحنين كل يوم مائة مرة، وتخنقك اللهفة إلى رؤية الوجوه البعيدة كل يوم مائة مرة.. نعم يا أخي، الغربة قاسية قاسية، وأنت بحاجة إلى أناس يواسونك في غربتك هذه، ويخففون عنك عناءها وضيقها وأذاها.. لكنك هنا تفاجأ بالعكس، أجل تفاجأ بالعكس، تفاجأ بمن يزيد من مرارة هذه الغربة، بمن يجدّد آلامها ويضاعف أحزانها! وصمت.... نظر إلى بعيد بعينين مغرورقتين، وكأنه يحاول أن يستشف من الجبال الجرداء ما يساعده على إتمام حديثه! وعادت كلماته تطرق سمعي بإيقاع عجيب: -إننا شعب واحد، وأمة واحدة... المفروض أن يسافر الواحد منا بحرية ويتجول بحرية.. أن يشعر بأنه يعيش في بلده مهما تباعدت الأسفار وتغيرت المسافات، وإلا.. فما فائدة هذه الشعارات المرفوعة وتلك الأهداف الموضوعة، إن لم نطبقها في سلوكنا اليومي وتعاملنا الشخصي، وعلى جميع المستويات عامة كانت أم خاصة؟ إن الوحدة لا تتحقق إلا بتآلف القلوب، وتراحم النفوس.. وكي تقوم الوحدة الحقيقية في بلداننا، علينا أن نقيمها أولاً في صدورنا! |
|
|
||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#20 | |
|
قوة السمعة: 10
![]() |
الفصل السابع
-1- لا بد لمن يعاشر الدكتور، من أن يشعر بأنه أمام إنسان ذي أطوار غريبة.. فهو يراه - أحياناً- صامتاً لا يتكلم مع أحد، همّه أن يطرق رأسه ويمعن في التفكير، أو ينظر إلى بعيد نظرات شاردة لا معنى لها، أو يحملق إلى وجه محدثه ببرود يكاد يصل إلى حد البلاهة.. وأحياناً أخرى يراه مندمجاً في أحاديثه مع الآخرين، يدافع بقوة وصلابة عن رأيه، وينظر نظرات مركزة في وجه محدثه، ويصغي بانتباه إلى كل كلمة يتفوه بها!! ولكنه سواء أكان في صمته أم في حديثه، في نفوره أم في إقباله.. فقد كنت أحس أن شيئاً ما في داخله يعذّبه، بل يكاد يقضي عليه.. فمعالم الحزن ما غابت يوما عن وجهه، والضحك كان شبه محرم على فيه، وهو إن ضحك فما كانت هذه (الضحكة) لتخرج من أعماق صدره أبداً! مع الأيام.. ازدادت علاقتي بالدكتور فارس، وتوطدت صداقتي معه.. كثيراً ما كنت أزوره في العيادة الحكومية حين يخف عدد المراجعين، وكثيراً ما كان يزورنا في ورشة عملنا.. حتى أن زملائي العمال استغربوا ذلك التحول الذي طرأ على شخصيتي، إذ تغيرت بعض طبائعي، وأخذت أسامرهم وأحادثهم وأشاركهم في أعمال البيت!.. ولعل الصداقة الجديدة هي التي أحيت في نفسي شيئاً من الحماسة لهذه الحياة.. ولعل أصحابي أدركوا هذا السبب أيضاً، لذا فإنهم كانوا ينادونني بلهفة حين يدلف الدكتور من الباب: -جاء صديقك يا تحسين! وما كان الدكتور لينزعج من أن أُسَمَّى صديقا له، فالصداقة بين عامل وطبيب طبيعية جداً، وفق المبادئ المأخوذ بها إلى حدّ الهوس! -2- كان موعد زيارة الدكتور لنا قبيل التاسعة.. ولا يكاد يأخذ مكانه في المجلس حتى يمسك بالمذياع، ويدير إبرته ببطء حتى تقف عند محطة عالمية تبثّ أخبارها في ذلك الوقت.. ونضطر إلى السكوت طوال المدة التي تستمر فيها النشرة!.. كنت ألاحظ انفعاله مع كل خبر، كان يعيش مع الأخبار وكأنه في عالم آخر.. عالم لسنا نحن من سكانه! وعندما تنتهي الأخبار، يعود إلينا.. بصمته أو بحديثه.. حسب الطور الذي يعيش فيه!! أحياناً.. كان الدكتور يحدثني بكلمات غير مفهومة! وكأنه يقصد من وراء كلماته هذه أن أشاركه مشكلته التي يعاني منها، من غير أن أعرف ما هي المشكلة بالتحديد!! مصيبة كبرى أن يحمل الإنسان في صدره هماً عظيماً ثم لا يقدر أن يبوح به أمام الآخرين! فهو حين يطرح أمامهم همومه وأحزانه يشعر براحة كبرى، فكيف إذا وجد بعد الطرح حلولاً ناجعة تشفيه!! أتمنى لو يبوح الدكتور لي بما يعتلج في صدره لعلي -وبإمكاناتي البسيطة- أتمكن من مساعدته في الوصول إلى درب الحلول وطريق الشفاء... ولكنه لم يفعل ذلك حتى الآن، ولا أعلم إن كان سيقدم على ذلك في المستقبل؟؟ |
|
|
||
| اقتباس المشاركة |
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|