رد: راوية فوضى الفصول عن الطفولة
لم يكن حجم القرية، ولا طبيعة العلاقات بين أهلها تحيجهم إلى تكتلاّت كتلك التي عرفتها في البلدة، حيث الناس لا تعرف بعضها البعض، وحيث الميول والمشارب والأهواء والبيئات تختلف، لينضوي صبيتها تحت راية عصابات صغيرة بحسب أحيائهم، عصابات تضع حماية الحّي من صبية الأحياء الأخرى نصب أعينها! صحيح أنّها قد تتجاوز حدود تلك النوايا بفعل الإحساس بالقوة، لكنها ـ في النهاية ـ تتواضع على خطوط عامة لا تتخطّاها غالباً، فهي لا ترى تثريباً في التقاط بعض من أعقاب السجائر داخل صالة السينما المظلمة ، أو التسلّل نحو شاطىء "الجغجغ" من أجل السباحة في مياهه المالحة ، أو توجيه ضربة تأديبيّة ضدّ عصابة من عصابات الأحياء الأخرى، بيد أنّها لا تسمح بالسرقة، أو الإقدام على عمل مشين مثلاً!
وهاهو اليوم يمضي قدماً نحو نهايته،ولم يبق شيء يستطيع أن يبعث في نفوسكم الإحساس بالنشوة والسرور؛ لم تقدموا على اقترافه تحت ضغط الإحساس الطفولي بالحياة، وحان وقت عودتكم إلى بيوتكم التي غبتم عنها طويلاً! لكن مشكلة صغيرة تعترض تلك العودة، وتهددّ متعتكم بنهاية غير سارة، إذْ من يقنع أمهاتكم بأنكم لم تسبحوا في مياه "الجغجغ"، بعد أن تركت بصماتها المالحة على شعوركم وسراويلكم الداخلية!؟ وما السبيل إلى إقناع أولاء الأمهات بأنكم كنتم تلعبون في الظّل، بعد أن وشمت الشمس جلودكم الغضّة بوشمها!؟ بل ما الطريقة لإقناعهنّ بأن الجروح التي خلفّها الزجاج المكسور في أقدامكم، أو أيديكم وقعت لكم في مكان آخر؛ لا علاقة له "بالزبالات" المحظورة عليكم !؟ وهرباً من تلك الأسئلة الممضّة التي ما كنتم تلاقون لها إجابات فورية، فإنكم ما كنتم ترون بأساً في قضاء بعض من الوقت عند السيد "علو "! و "علو" ـ هذا ـ رجل في نهايات العقد الخامس من عمره، لا يعلم أحد ـ على وجه التحديد ـ من أين جاء! كان شعره المصفّف إلى الخلف يتكشّف عن الجبهة قليلاً؛ يخالطه شيءً من البياض، فيما كان وجهه المكرمش يشي بآثار الزمن! بيد أنّ العلامة المميّزة التي أعطته شهرته الواسعة تلك جاءته من شاربه الطويل المعقوف نحو الأعلى! ذلك أنه كان يبذل الكثير من وقته وعنايته لذلك الشارب، فيروح يصففّه، ويدهنه، ويتأمله بكثير من الإعجاب، بحيث راح البعض يراهن على أنّه يدهن شاربه بالسمنة العربية، في حين راح البعض الآخر يقسم على أنّه يدهنه بدبق التمر!
|