المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشريط الاسود


كميليا
08-13-2009, 06:41 PM
( يا الله ) قالها وهب واقفا من مكانه , وفي الجو تعبق رائحة القهوة والسيجارة اليتيمة التي أطفئ جذوتها في فنجان القهوة البارد , وانطلق الى الباب وهو يتثاءب , ارتدى معطفه المثقل بالهموم والفواتير وحذاءه الجلدي البالي وقبعته الرسمية القديمة , أغلق الباب هو يتمتم _ سبحان الله , والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر _.

من الوهلة الأولي تحت أشعة شمس الصباح تضمر عينا العجوز الصغيرتان المتهدلتان وترمق الشارع المعبد والممتد أمامه براتابة وبشيء من الملل , انه رجل في خريف عقده الخمسيين تبدو عليه ملامح الوقاربالرغم مما تعيق رأيته الثياب القديمه , فقد اعتاد ان يستيقظ في الخامسه صباحا ويخرج من منزله في السادسة إلا ربعا طوال حياته , كان ولا يزال وهذا الشارع يشهد .


نعم يشهد . فهو قد رآه في شبابه شابا قوي البنيه , مغترا بطلته وبهندامه ومشيته التي كانت تتمايل لها قلوب العذارى , وقف العجوز على بوابة أحد البيوت, ورمق الأرجوحة بعينيين ضاحكتيين وقال في نفسه " هنا كانت أول رسالة حب , ألقيتها في حجر فتاة تكبرني بسنوات , إلا أنها كانت جميلة , ولكنها تزوجت ورحلت ورحل معها نكهة المكان.


وهنا وقع وليد على قدمه وكسرها أثناء ركضه , كان ولدا شقيا ومشاكسا , ولكنه كان ذكيا أيضا ,وتنهد من صميم قلبه وتمتم في نفسه , لم يكلمني وليد منذ أسابيع مضت , لا بد أن أولاده الآن يشاكسون وهو يتحمل كما كنت أنا أتحمل _ وفقه الله _ وذهب وليد وذهب التحمل معه .



وطفق الرجل سائرا في طريقه يلتفت الى معالم الشارع , لقد تغيرت أشياء كثيره إلا أنه لا يزال يحمل عبق الذكريات في تفاصيله , يا الله تلك الشجرة كم لها من ذكريات , كنت أجلس أنا وأصدقائي في ليالي الصيف , نتسامر نتشاجر ونعربد سويا ونلعب الورق وندخن الأرجيله , وهنا كانت أول سيجارة , كل أصدقائي رحلوا , ولكن الشيء الوحيد الذي بقي منهم هو السيجارة لذلك هي عزيزة علي .



وفي أثناء مسيره المتواصل , داعبت الذكريات خلجات أفكاره ,فبدا وجهه مستبشرا وعيناه تلمعان , وأحيانا كثيره متكدرا وعيناه أيضا تلمعان ولكنهما تدمعان .

وبعد وقت لا بأس به من اضطراب المشاعر وتنازع الأفكار : أتعلم أيها الشارع الكل تبدل وتغير , صغر وكبر ,جاء ورحل , وكل المتناقضات مرت عليك , وأنت كما أنت , وأن تبدل فيك شكلك ومظهرك ولونك , إلا أنك ممر للعابرين منذ أزل بعيد , فلا بد أنه في يوم ما مر هنا كائن ما فحمل له ذكرى صارت في الماضي وأنت حملته تاريخا , والمفارقة أنك تبدو مستقيما ملتويا متعرجا صاعدا أو هابطا ,بأي شكل كنت فأنت تسير معه , ولكنك في النهاية حلقة مفرغه توصل كلا منا الى مبتغاه أو تعيده أدراجه , طيع حينا , لكنك قاس أحيانا


قسوة الزمان وأهوال الناس كلها بين جنباتك , أو ملقاتا في زوايا زقاقك , هاهنا صبي يعبث في أحدى حاويات القمامه لذلك المطعم الكبير , وهنا فتاة غانية تتسكع مع أحد العابثيين ,تنتظر أن يغدق عليها من فضل جيوبه المحشوة , وصوت طفل رضيع ملقى بملائته على أدراج بيوت لا تعرف الرحمة , نبذته الحياة منذ أ ن شق عينيه عليها , والكثير الكثير والمرير من الحكايا فيك أيها الشريط الأسود ,أنت كشريط الأفلام في كل مقطع منك حكاية .





قطع شريط أفكاره ضوضاء أطفال قاصديين لمدارسهم , فقال : هي الحياه بحلوها ومرها ولا بد أن نعيشها , وفي غقلة منه وجد نفسه أمام منزله من جديد , تنهد وفي سكون وبصوت هادئ : حتى أنت أيها الشارع قد سئمت من خرافات عجوز مثلي , حسنا سأ‘عود الى منزلي وغدا سيكون لي معك لقاء آخر إما ماشيا أو محمولا


بقلم :: كميليا ::

الشاعر لطفي الياسيني
08-16-2009, 08:33 AM
جزاك الله خيرا وبارك الله لك وعليك
دمت بحفظ المولى

.. ليآل ~
08-16-2009, 09:34 PM
http://3ashegaldam3ah.jeeran.com/%D8%B3%D9%84%D9%85%D8%AA%20%D9%8A%D 8%AF%D8%A7%D9%83.gif