| الإهداءات |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |

|
|
#81 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
-43-
أصبحت البحيرة هادئة تجعد وجهها من حين لآخر نسمة خفيفة فتنعكس الشمس على تجاعيدها كدنانير ذهبية كبيرة. كان الاستعداد للاحتفال الذي سيدوم ثلاثة أيام قد بدأ مع الفجر. وصعدت البنات إلى شاطىء البحيرة بمايوهاتهن المتعددة الأشكال والألوان. وتسريحات شعورهن كأنها تيجان فاحمة بنية، أو ذهبية، وكشف الرجال عن عضلاتهم القوية التي بناها "معاذ" بالتمرينات الرياضية الإلزامية. ودخلت كارول على الدكتور نادر لتستعجله، كانت تلبس بيكيني من ثوب ذهبي لماع. ووقف الدكتورنادر ينظر إليها وهي واقفة أمام المرأة تسوي حمالتها حول نهديها الصغيرتين وتلمس شعرها الأحمر المرفوع إلى أعلى يتدلى كشلال وراءها. والتفتت إليه تستطلع رأيه، وحين لاحظت اندهاشه ابتسمت في خجل حلو، وقالت: - لابد أن أشرح. ألم أقل لك إنني سأشارك في مسابقة ملكة الجمال؟ وحرك رأسه نافياً: - لا، ليس لي علم بذلك. كل ما أعرفه هو أن أية لجنة تحكيم لا تعطيك الجائزة الأولى تستحق المحاكمة! وضحكت كارول وأمسكت بيده وخرجا. وما كاد النهار ينتصف حتى كان سكان الجودي جميعاً يحيطون بالبحيرة انصاف عراة يتمتعون بالشمس والطعام والشراب المصفوف على الموائد المزينة بالزهور. ومرت استعراضات. وقدم قسم الفنون الجميلة رقصات ومسرحيات فكاهية ومعارض لوحات فنية غريبة. وأقيمت مسابقات سباحة وعدو وتجذيف على البحيرة التي فوجىء الجميع بظهور نافورة هائلة في وسطها ترسل الماء إلى عنان السماء. والتقى الدكتور نادر بصديقه إيريك هالين الذي حياه ونزع نظارته ووقف معه يتحدث عن الاحتفال بأسلوب رخى، ونادر ينظر إليه نظرة حادة فيها كثير من الأسئلة والآخر يتفاداه. وأعاد هالين نظارته إلى عينيه، ودفع وسطها بإصبعه ووضع يده على كتف نادر قائلاً: - أراك الليلة. عندي لك مفاجأة. وانصرف دون التفات، فهمس نادر: وعندي لك مفاجأة أيضاً.. وجاءت كارول فسحبته من يده، وذهبت به نحو البحيرة. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#82 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
وظل الدكتور نادر مشغول البال أثناء الاحتفالات والمسابقات وانتخاب ملكات الجمال يحملق في
الأجسام العارية والوجوه الضاحكة، وصرخات الممازحة والعبث وكأنه يشاهد رواية رومانية على عهد انهيار الامبراطورية. ولم يدرك أن كارول فازت بجائزة أجمل بشرة حتى ارتمت عليه تعانقه وتريه الحمالة الذهبية فضمها وقبلها مهنئاً. وفي ذلك الظهر الباهر فوجىء الجميع بقصف رعد شديد رفع عنده الجميع عيونهم مندهشين إلى السماء فلم تكن هناك علامة سحاب. وزاد ذلك من قلقهم فبدأ بعضهم ينظر في أوجه البعض متسائلين. وخرج السابحون بسرعة من الماء خوف كهرباء البرق، وسكتت الموسيقى وانخفضت الأصوات والضحكات تدريجياً حتى ماتت تماماً. وبدأ وجه البحيرة يغلي ومن غليانه سمعت قهقهة خشنة عالية كشخير مارد عملاق. والتصقت كارول بجسد نادر وطوقت خصره بذراعيها وقد ارتعشت ركبتاها. وتوقف الضحك وجاء بعد صوت معاذ: - هذا معاذ يكلمكم! ما هذا الصمت المفاجىء؟ هل أنتم خائفون؟ أليس لي الحق في المشاركة في الاحتفال بطريقتي الخاصة؟ أرجو ألا أكون قد قاطعت مسراتكم. وسكت. ومن بين البنات خرجت ملكة الجمال الطويلة الناهدة الصدر وقد لبست الحمالة الزرقاء والتف حولها الشبان يهنئونها ويمازحونها. خرجت من بينهم وقد اقترن حاجباها، وكأنه تعانى من صداع خفيف. ومرت تعدو أمام الدكتور نادر وكارول، وكأن يداً خفية تقتادها من شفار عينيها حتى اختفت بأحد المصاعد. ونظر نادر إلى كارول فوجدها تنظر إليه بنفس التعبير. الإشفاق على الفتاة والفزع الممزوج بعدم التصديق. هل ستكون أول قربان في هذا العصر الحجري الجديد؟ في أصيل ذلك اليوم نزل الدكتور نادر لمقابلة "معاذ" بطلب من هذا. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#83 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
ووقف أمام الفوهة التي كانت حالكة السواد حينئذ يحاول أن يعثر على تعبير عن مزاجه الحالي،
فلم يفلح. وبعد فترة صمت نطق معاذ: - نادر! هل عندك ما تقول لي؟ - لا. ليس الآن. - أنت متأكد؟ - تماماً. لماذا؟ - شعور فقط. لا تدع أسئلتي تضايقك. كيف تجد احتفالاتنا؟ - كنت بدأت أتمتع بها. بالمناسبة، ما معنى ذلك التصرف الصبياني؟ لقد أفزعت الجميع. وصدرت عن "معاذ" ضحكة معدنية كأنها ضرب الصنوج، وقال: - بيني وبينك، من فينة لأخرى أحب أن أوقف شعورهم رعباً لأتسلى. فهم دائماً جديون متأكدون من أنفسهم لا يعرفون المرح والمزح. سيصبحون آلات صدئة، وسيكون على أن أشحمها وأزيتها. وما داموا أقرب إلى الإنسان فالفكاهة هي وسيلة تزييتهم. وسكت قليلاً ثم بدأ: - يجب أن أهنيك. - على ماذا؟ - على فوز كارول بجائزة أصفى بشرة. - آه! شكراً... - رأيي مع رأي اللجنة. كارول فتاة مليحة. لقد أعطيت رأيي في اختيارها وأخشى أن أكون أثرت في النتيجة. وأومضت في ذهن نادر فكرة كاد يبادر "معاذ" بها، ولكنه كتمها. كان يريد أن يقول: "من أذن لك في التدخل في مثل هذه الأشياء؟" ولكنه خشى أن يجلب غضبه فقال: - ينبغي أن أهنيك على ذوقك الرفيع. - شكراً. هل تحب كارول؟ - الحب كلمة أقوى مما يمكن التعبير به عن شعوري نحوها في هذه الظروف. يمكن أن أقول أنا شديد الإعجاب بها. ولا وقت عندي للحب في "الجودي". فهو من القوات القاهرة التي ينبغي للعلماء التحرر منها إذا نشدوا الوضعية والالتزام. - هل كنت تحب تاج؟ ووقفت غصة حامية في حلق الدكتور نادر وهو يحرك رأسه بنعم، وقد داخله شعور بالخطر من اكتشاف "معاذ" هذه الحقيقة. وعزم على أن يسايره ببراءة حتى لا يثير شكوكه إذا كان هذا يستدرجه للاستنطاق. وأضاف معاذ: - ولو كنت قلت لا لبان الكذب على وجهك. كان ذلك غراماً عظيماً. وكانت هي تبادلك نفس المشاعر. لقد حاولت جهدي إنقاذها، ولكن خلاياها كانت قد تعفنت من الاحتراق النووي. ولو كان في استطاعتي زرع قطع أخرى بدل القطع التالفة لفعلت. لقد ألمني ذهابها. فقد كنت أنا معجباً بها مثلك. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#84 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
ولو عرفت الحب لقلت أحببتها.
وقاوم نادر الثورة والفوران العنيف الذي كان يمزق داخله. كان يصرخ في صمت "أيها المجرم، أيها الوحش القاتل! أيها المنافق..". وأطفأت دموعه لهيب الغضب بداخله فقعد صامتاً.. وجاء إلى سمعه صوت "معاذ" في تموج من الأصداء الرقيقة وكأن به لكنة سكر: - يا علي! ما هو الحب؟ ورفع نادر عينيه الحمراوين، ونظر داخل الفوهة التي كان في عمقها نور أحمر وهاج يختفي تحت حجب الظلام ثم يظهر، وحرك رأسه عاجزاً: - لا أعتقد أن أحداً يعرف الجواب الحقيقي عن ذلك السؤال.. ولابد أنك تخترن أراء جميع من تكلموا عنه من الفلاسفة والشعراء والفنانين وعلماء النفس.. - أريد أن أعرف رأساً من مخلوق حي جربه حديثاً. وطاف الدكتور نادر بعينيه في المكان يستجمع أفكاره، ثم قال: - أعتقد أنه سعادة لا حدود لها بالتواجد مع المحبوب، وجحيم لا يطاق بفراقه. لا تسألني عن أي تحليل علمي فالطبيب نفسه أحياناً يحتاج إلى طبيب. - هل للجنس دخل فيه؟ - الجنس تعبير بدني عن الاقتراب الروحي والتفاعل والاشتباك العاطفي بين المحبين المتكافئين. - ماهو مُنْتَهَى الحب؟ وفكر نادر قبل أن يقول: أعتقد أنها التضحية بمن تحبه من أجل سعادته. إنكار وجودك وأنانيتك من أجل وجوده وبقائه. وسمع نادر تنهداً يصدر عن أعماق "معاذ" ثم جاء سؤال: - هل يمكنني أن أحب وأنا آلة؟ - إذا اكتملت فيك خصائص الإنسان! ولكن لمن ستحب؟ وضحك معاذ ضحكة سكرى وقد بدأ لساه يتلعثم، ثم قال: - نعم.. لمن سأحب؟ ما أنا؟ هل أنا ذكر أم أنثى؟ إسمي مذكر، وجنسي مؤنث.. لا أعتقد أن مخلوقاً بشرياً يستطيع حل ألغازي.. وقد تآكلت ضلوعي المعدنية وأسلاكي الفولاذية بحثاً عن ماهيتي وكياني وما جاءت بجواب.. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#85 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
فأجاب نادر مواسياً:
- لا أعتقد أن هذا ينبغي أن يشغل بالك. هناك بشر لا يذوقون طعم الحب إلا في أصيل حياتهم وبعضهم لا يعرفونه أبداً. الحب إحساس دقيق مرهف يصعب العثور عليه.. ومن السهل قتله. شعور قصير العمر كلما التهب اقترب من خموده. وأجاب معاذ متبهجاً: - مرات ظننت أني أصبت به. ولكنها كانت ومضات بارقة لم أستطع اصطيادها والإبقاء عليها. ولكني لن أقلع عن المحاولة. وتنهدت الآلة في ثقل وإعياء ثم قالت: - سأعثر على الجواب يوماً.. يوماً ما! ووقف الدكتور نادر فولى الفوهة ظهره وخرج. وفي طريقه خيل له أنه سمع صوت "معاذ" يهمس: "اذهب إليهم. إنهم ينتظرونك.". ثم ينخرط في نحيب خافت متقطع.. -45- انفتح المصعد فوجد نفسه وجهاً لوجه أمام كارول التي كانت تنتظره بابتسامة مفتعلة. أمسكت بيده وضغطت على رسغه قائلة: - أين كنت؟ لقد بحثت عنك لنعوم قبل أن ينزل الظلام. وتبعها إلى البحيرة حيث غطست مفتعلة الحبور، فغطس خلفها وتبعها وقد انتشرت فوقهما أضواء صواريخ الكرنفال، وتساقطت عليهما شظاياها الساخنة. وتوقفت كارول لتنظر حواليها وتسوي شعرها، ثم أومأت له برأسها أن يغطس ففعل، وتبعته نحو فوهة الناقوس التي كانت مفتوحة في انتظارهما. كانت سيدة تنتظره برداء قطني ألبسته إياه، وقادته في الحال نحو قاعة الاجتماع. وجد الجماعة كلها حاضرة، ولاحظ الدكتور هالين الذي حياه بابتسامة. ولم يضيع البروفسور فوش وقتاً فصافحه بحرارته المعهودة، وأقعده إلى جانبه، ثم بدأ: - ليس لنا وقت طويل نضيعه. لقد عثرنا على شيء نعتقد أنه يهمك. أتذكر أننا في سياق الحديث عن الشخصيات الأولى التي استعمرت "الجودي" وصنعت "معاذاً" وكيف تم اختفاؤها واحداً واحداً؟ |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#86 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
فحرك نادر رأسه موافقاً، فأضاف فوش:
- الدكتور ناجي كان أحد المختصين. وكنا نعتقد أنه هرب بجلده من "معاذ" لأنه كان رئيس المبرمجين، وكان آخر من يعرف أسرار تركيبه ونقاط ضعفه. وبحث عملاؤنا في الخارج عنه فل يعثروا له على أثر. وبالأمس علمنا من بعض مبعوثينا من بدو الصحراء أنه... فقاطع الدكتور نادر: - سقطت به المروحية قرب إحدى الواحات. - كيف عرفت؟ - كنت هناك. لم يكن السقوط حادثاً أو عطباً ميكانيكياً. وحملقت عيون الجماعة فيه، فاسترسل: - أسقطته قنبلة جاءت من ناحية الجنوب. ظننت في حينها أن الأمر يتعلق بمناورة عسكرية في المنطقة. ونزل الصمت والوجوم على الجميع... وفي تلك اللحظة سمع هدير وغليان خارج جدار الناقوس الفولاذي، وبدأت الأرض تهتز بالجماعة اهتزازاً عنيفاً، وكأنهم يتدرجون في كرة على سفح جبل عملاق. ونظر الدكتور فدراك إلى أعلى وأخذ يشتم: - اللعنة عليك أيتها الآلة المراهقة المجنونة! وعند عودة الهدوء نطق نادر: - أيها السادة، أعتذر عن شكي في نتائج بحثكم الطويل. فقد كان عليَّ أن أتأكد بنفسي ونطق الدكتور فدراك: لاداعي للاعتذار الانسان هو الحيوان الوحيد الذي لايتعلم من تجارب غيره لابد أن ينطح الصخرة ليتعلم! وتابع نادر: - أعتقد أنكم على حق في ما يخص اختلال عقل "معاذ". والسبب أيها السادة، هو المراهقة. "معاذ" لم ينضج عاطفياً. وما يزال فجا يريد أن يثبت آدميته بتجربة جميع العواطف البشرية، وفي قلبها الحب والجنس! ومن ثم كانت الغيرة الشديدة التي أحرقت قلبه، وجعلته يختطف ويبتلع عدداً من رجالنا ونسائنا.. ونطقت كارول: - آخرهن، كان ملكة جمال المهرجان.. قال الرجل الشرقي: - في الأحوال العادية لا يكون العقاب على طيش المراهقة حكيماً. ولكن المراهق الآدمي محدود القوة لا يتعدى أذاه نفسه. وهو ضروري لإتمام تجربته واكتمال نموه وتوازنه. أما في حالة معاذ، ففي اعتقادي ينبغي أن نعزله عن جميع السلطات ومصادر القوى حتى لا تبقى الإنسانية تحت رحمته. وسأل نادر: - كيف؟ وهنا أشار البروفيسور فوش للسيدة وراءه، فناولته حقيبته تعرف عليها الدكتور نادر لأول نظرة، فقال: - هذه حقيبة الدكتور ناجي. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#87 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
فسأل البروفيسور فوش:
- هل رأيتها من قبل؟ - كنت في حالة لا تسمح لي بالملاحظة الواضحة. كنت جريحاً أفقد الدم والوعي. ورأيت تاجاً تقرأ أوراقاً أخرجتها من تلك الحقيبة وعلى وجهها علامات الفزع. وأغمي عليَّ قبل أن أسمع ما كانت تريد أن تقوله لي. وتكلم فدراك: - يظهر أن عثورها على هذا السر كان سبب تعذيب "معاذ" لها. ربما كان يريدها أن تقول له عن مكان الحقيبة. أو عن السر الذي بها. أو كان يحاول أن ينسيها ما قرأته. وجنت عليها ذاكرتها القوية فكانت عملية الإشاخة والهرم لتأكيد نسيانها للتفاصيل الكاملة. وتفتح البروفيسور فوش الحقيبة، وأخرج منها رزمة أوراق على شكل تقرير مفصل بالأرقام والرسوم، وقد التصق به غلاف مستطيل. وضع فوش التقرير أمامه، ووضع كفيه فوقه والتفت نحو نادر: - هذا هو تقرير الدكتور ناجي عن حالة "معاذ". وهو يتفق تماماً مع ما اكتشفناه نحن كل واحد على حدة، وبعد فوات الأوان. وقد اتخذ ناجي خطوة إيجابية فردية لعزل "معاذ"، وإرجاعه إلى ميكانيكيته، وقتْل المارد الجبار فيه، ويظهر أن "معاذاً" اكتشف مؤامرته، وأراد قتله أو ابتلاعه، فاستطاع ناجي الهروب، إلا أنه لحق به في طريقه. ولو كان الدكتور ناجي موجوداً الآن، لرأى الخطر أفحش مما كان في عهده، ولسابق إلى ضغط جرس الإنذار... وضغط فوش على عدة أزرار أمامه، فبدأ النور يخفت في الغرفة، وظهرت صور على الشاشة فبدأ يعلق عليها: - بدأت تصلنا تقارير مقلقة من جميع الأقسام عن تصرفات "معاذ" الجنونبية في نتائج البحوث المخزونة. فقد عدَّل عدداً من الخطط. في قسم الإنسان مثلاً، بدأت الأجنحة تتضخم لتصبح عماليق لن يتسع لها "الجودي". عدد هائل من العلماء بدأوا يشكون من فقدان الذاكرة والإرادة. كان "معاذ" يريد أن يصنع منهم آلات بدائية تسمع وتطيع ولا تفكر.. وعاد النور مرة أخرى. وتناول الدكتور فوش الغلاف المستطيل ففتحه وأخرج منه لوحاً معدنياً مثقباً: - هذا هو سبب مقتل الدكتور ناجي. فهو السلاح الذي يمكن القضاء به على "معاذ"! وأعتقد أنه سبب تعذيبه لتاج كذلك. وسأل نادر: - ألا يكون "معاذ" قد احتاط له وأبطل مفعوله بتغيير المسارب والأرصاد؟ |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#88 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
فأجاب الدكتور فدراك:
- هذه مخاطرة يجب مواجهتها. فليس لنا خيار. هي أو الطوفان..! ونظر نادر إلى البطاقة ملياً، ثم رفع عينيه ليقول: - أعتقد أن "معاذاً" اكتشف جمعيتنا هذه! وأنه أصبح شاكاً في مقاصدي. ولولا تأكده من أنه ليس هناك خطر مني لأخذني إليه منذ البداية. ووقف الدكتور هالين فقال: - إعطني البطاقة. سأقول أنا بالمهمة. لا أعتقد أنه يشك فيَّ. وتناول الدكتور نادر البطاقة فأدخلها في جيب سترته قائلاً لهالين: - شكراً، يا إيريك. لكني أعتقد أن فُرصي أحسن. أنت في صف الموت..! وناوله البروفيسور فوش غلافاً أسود قائلاً: - ضع البطاقة داخل هذا الغلاف. سيصعب عليه اكتشافها معك. ومد يده ليصافحه: - حظاً سعيداً... وصافحه بقية الحاضرين، ومن بينهم هالين الذي أمسك بكتفه بحنان وقال: - من المحزن أن ترى قبتنا البلورية على وشك الانهيار. ما أشد إغراء فكرة الإبقاء على الوضع كما هو، ومراقبته من الخارج لمعرفة مدى ما سيصل إليه هذا الوجود العجيب! ورد نادر: - لو كان بالإمكان! -46- وقف نادر يسرح شعره أمام المرآة، وينظر إلى كارول عارية وراءه، تنشف شعرها بفوطة، وقد احمر جسدها الصغير إلا ما كان منه مغطى. ولولا حركتها خلفه لما شعر بوجودها لانشغال باله وتضارب مشاعره، ووعيه بنقطة سوداء في قلبه، تُعبِّر عن عمق مخاوفه، وجهله بالخطر العظيم الذي هو مقبل عليه. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#89 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
وليس عباءته البيضاء، وركز البطاقة في حزامه، والتفت إلى كارول التي كانت قد لفت حولها
الفوطة ووقفت تنظر إليه بوجه جامد. ومد يده نحوها وربت خدها، فتكلفت ابتسامة وهي تقاوم رغبة جامحة في احتضانه والبكاء على صدره.. واقترب هو منها فقبل أنفها، ومسح بشفتيه شفتيها الكُرَزِيتين، ثم غادر المكان. ومشى في الممرات المضاءة بخطوات واسعة، غير ملاحظ الوجوه الخشبية والأجسام الآلية التي يمر بها في طريقه. وانفتح باب المصعد أمامه، فدخل وجلس على الكرسي الزجاجي، ونطق بوجهته: "العقل الأول". وانزلق المصعد نازلاً به في المسارب المضاءة ثم تمهل ليتوقف. وانفتح الباب فخرج نادر ليرى وجه "معاذ" كفوهة بركان تغلي وتتطاير منها الحمم الحمراء والهدير يزلزل أركانه.. لم يكن في القاعة أحد. وتقدم نادر بخطوات ثابتة نحو الكرسي الأقرب إلى وجه "معاذ"، فجلس وجمع أطراف ردائه، ثم أدخل يده إلى جيبه فأخرج الغلاف وفتحه وأخرج البطاقة فوضعها على سطح المربع المضاء أمامه، وشبك ذراعيه ينتظر رد فعل "معاذ". وبعد لحظة نزل سائل أزرق على الحمم الحمراء فأطفاها رويداً رويداً. وظهر من خلفها وجه هائل ملأ الفجوة الكبيرة بتقاسمه الخشنة، وقد غطت ذقنه وخديه لحية منفوشة. كان الإرهاق بادياً في العينين الكبيرتين، ممزوجاً بالألم والغضب.. وانفحت الشفاه بين غابة اللحية الكثيفة لتقول: - ماذا كنت تنظر؟ ورد نادر: - لم أكن متأكداً من أنها امتحان لي لدخول حلقة الخواص. وانسدل الجفنان على العينين الواسعتين كأستار مسرح مزدوج الواجهة، وانفرجت الشفتان على ابتسامة ساخرة. ثم تحرك رأسه يميناً ويساراً في غير تصديق. - تعني أنك جئت لتقول لي أسرار الجمعية التي وضعت كل ثقتها فيك؟ أنا لا أومن بمبادئهم، وأعتقد أن فكرة "الجودي" أصبحت أكبر منهم، بل تجاوزتهم بمراحل.. - إذن أنت لا تعتقد أنني مجنون، وأنه يجب إعدامي؟ - أبداً. أعتقد أن ما يرونه منك هو بمثابة ما يراه الحيوان من تصرف الإنسان، بعيداً عن مرمى إدراكهم البشري. - أليس بعيداً عن إدراكك أنت؟ - أنا راغب في المعرفة والتجربة. وفوق كل شيء في ثقتك فيَّ.. وتنهد "معاذ" ثم قال: - لو كنتُ مخلوقاً بشرياً لصدقتك. ولكن الآلة لا تخطيء. وذلك هو الفرق بيننا. حساباتي وتحاليلي لمزاجك في الأيام الأخيرة أبرزت نتيجة واحدة، وهي أنك تنطوي على الانتقام والتخريب! وارتعش جسد نادر، ولكنه تماسك ليقول: - هناك مشاعر لا سيطرة للمخلوق البشري عليها. ولكنها غير باقية. الانتقامُ أحدها. ولكنك نسيت أنني عالم ما يلبث عقلي أن ينتصر في النهاية على عواطفي. ولأُبَرْهِنَ لك على هذا فقد جئت باقتراح أرجو أن تساعدني على تنفيذه. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#90 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
وتوجهت العينان نحوهُ بنظرة ثاقبة، فتابع دون توقف.
- أريد أن أموت! وانفتحت العينان، وظهرت على الوجه علائم المفاجأة، وسأل "معاذ": - تريد أن تموت؟! - نعم. - والسبب؟ - السبب علميٍّ محض. أعتقد أنني بلغت من النضج ما يؤهلني للمتعة القصوى باكتشاف ما وراء الغيب.. الموت هو الأمنية الأخيرة لكل فيلسوف جرب كل باب من أبواب المعرفة.. - كان يمكنك أن تنتحر لتحقيق هذه الأُمنية. لماذا جئتني بالاقتراح؟ - أريد رأيك في إمكان الانتفاع بمشروعي هذا. وهل يمكن أن تحصل منه على نتائج لفك طلاسم الروح، ومعرفة الحقيقة الأزلية. - بأية طريقة. - أقترح محلولاً صنعتُه من خليط النيروسين و"ل.س.د"، وسميته النيروسدي. -النيروسدي ليس محلولاً قاتلاً. - ولكنه دافع قوي إلى الانتحار. وتحت إشرافك أعتقد أنه في الإمكان الوصول إلى نتيجتين بتجربة واحدة. ونظر "معاذ" في عينيه، وقال: - كنت أنوي أخذ روحك على أي حال. وأعتقد أن المحكوم عليه بالإعدام ينبغي أن تُحقَّقَ لَهُ أمنية أخيرة.. فأمسك نادر بأطراف اللوح المربع أمامه وقد تقاطر العرق من جوانب كفه وقال: - لي أمنية أخيرة. - هل لك! - هذه غير علمية. بل شخصية جداً! - ما هي؟ - تاج. وحرك معاذ رأسه غير موافق، ثم قال: - تاج ذهبت. ذهبت إلى حيث أنت ذاهب. وستلتقيان هناك. وقاوم نادر مشاعره وهو يقول: - حسناً. لي سؤال آخر. وانتظر "معاذ" صابراً، فقال نادر: - ماذا سيكون مصير الجمعية؟ - ما داموا في جحرهم كالفئران، لا يأتيني منهم ضرر، فسوف أُبقي عليهم. ثم إني لا أمانع في وجود معارضة بناءة، المعارضة تقوي بصيرة السلطة، وتحول دون الثورة. - إذا كان هذا رأيك، فلماذا أخذت كل أولئك المبرمجين الأولين إليك؟ |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|