Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 639

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1041

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1046

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1518

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1523
الطوفان الأزرق - الصفحة 8 - منتديات شباب فلسطين
نحن مع غزة


الإهداءات

العودة   منتديات شباب فلسطين > محطات عامـة > الــوآحــة الـعــآمّــة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-13-2009, 10:56 PM   #71
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: الطوفان الأزرق

والتفت الدكتور نادر إلى إسكندر متسائلاً، فحرك هذا رأسه مشجعاً هامساً:‏

- تكلم كما تتكلم معي...‏

وتوجه نادر نحو معاذ ليقول:‏

- لا أدري ما أقول! كل الآراء كانت وجيهة بالنسبة لي، ولها ما يؤيدها علمياً. ولكنني وجدت نفسي أميل أكثر لرأي الأغلبية الداعي إلى الانتظار.‏

- ألم يكن التردد والخوف أحد دواعي انضمامك إلى ذلك القرار؟‏

- قد تكون على حق. بالنسبة لي، من الصعوبة القضاء على العالم الذي جئت منه لكثرة الروابط العاطفية القوية بيني وبينه... إلى جانب أنه مهما تتعدد الأسباب، فسيبقى هناك شك قوي في عقله الباطني في سلامة القرارات الأخرى...‏

وسكت قليلاً ثم وجد الجرأة للسؤال:‏

- وما رأيك أنت، يا معاذ؟‏

- أنا لست عاطفياً في الموضوع. ربما لأني مجردُ آلة! ولكنني برمجت بجميع عواطف الإنسان وتردده وشكوكه ومخاوفه، ورغم ذلك فرأيي مع جماعة الطوفان الأزرق..‏

- ما هي أسبابك؟‏

وغابت العين قليلاً تحت ضباب كثيف ثم عادت إلى التألق والبروز، وجاء صوت معاذ:‏

- أسبابي منها الموجب والسالب. السالب منها هو القضاء على الفوضى العقلية الحالية التي نتجت عن اختلاف الأديان والألوان والمذاهب السياسية..‏

- هناك من يزعم أن الأديان لم تعد قضايا حية. وأنها ستموت من ذات نفسها، كما ماتت الوثنية قبلها.‏

- هذا مجرد افتراض! أما الواقع فيشير إلى أن الأديان بجميع مستوياتها التاريخية، أعني من عبادة الشمس والنار إلى عبادة إله واحد، ما تزال موجودة على هذه الأرض تتعايش متوازية في نفس القارة، وأحياناً في نفس البلد. وربما اجتمعت المستويات الثقافية بين سكان رقعة واحدة. فهناك قرى بإيطاليا نساؤها وثنيات يعبدن الحجارة والأضرحة، ويتسلقن الجبال لطلاء صخرة أو إشعال شمعة وفي نفس القرية يوجد راهب يؤمن بالله، وطالب جامعي ملحد..‏

- أليست الأديان ضرورية لتماسك المجتمعات؟‏

- الديانات حلقات مقفلة منفصلة، ومن طبيعتها ألاَّ تتشابك. وقد كان ذلك مصدر قوتها وأساس وحدة معتنقيها حتى نهاية عصر الإيمان. وأدرك الإنسان أن هناك روابط جديدة تشده إلى أخيه الإنسان هي أقوى من الدين واللون والمذهب. وهي وحدة المصير... والكفاح المشترك من أجل غزو المجهول، وكشف سر الوجود. حينئذ بدأت الأديان تبدو عوامل تفرقة تتناقض مع أهداف الجماعات الإنسانية الجديدة، وأصبح الاتحاد طابع الامتياز والأناقة بين الشباب التافه وضرورة حتمية بالنسبة للشباب الجاد الواعي بانتمائه إلى الجنس البشري ككل، لا إلى قبيلة أو لون أو دين..‏

-هل هناك وسيلة أخرى غير القضاء على البشرية الحالية؟‏

- كلا!‏

- لنفرض أننا مسحنا الحياة الحالية على وجه الأرض، وزرعنا بشرية جديدة موحدة، أليس من طبيعة البشرية أن تختلف باختلاف البيئات والتجارب المحلية؟‏

- لن نسمح بذلك!‏

- كيف؟‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 10:57 PM   #72
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: الطوفان الأزرق

سنوحد برامج التعليم، بحيث يجتاز الطفل في سن مبكرة جميع التجارب العقلية والعاطفية التي يجتازها الإنسان العادي في حياة كاملة. ومنها التجربة الدينية. فلن يكون هناك مجال لبقائه في مستوى الوثنية أو الإيمان والخوارق والغيبيات إلا ما يكفي لتجربته ونضجه. وبعدها يصبح مخلوقاً حراً جديراً يتحمل مسؤوليات الوجود الإيجابي، بدل وجوده الاعتباطي والعشوائي الحالي..‏

وسكت معاذ. واحتجبت العين الهائلة خلف قطرات مطرية رقيقة...‏

وبقي عقل الدكتور نادر يغلي. والتفت إليه الدكتور إسكندر:‏

- هل لك أسئلة أخرى؟‏

- ملايين منها! يمكن أن أقضي الأيام والليالي على هذا الكرسي!‏

وظهرت العين مرة أخرى، وجاء صوت معاذ:‏

- بدنك في حاجة إلى غذاء وراحة الآن. لماذا لا ترجع في المساء لإتمام حديثنا.‏

ووقف الاثنان فودعا "معاذ" واحتجبت العين في عتمة الكهف. وتعاقبت الصور والأشكال الغريبة في ومضات سريعة كأنها خواطر تسبح في بال.‏

وعندما هم الاثنان بالخروج لمح الدكتور نادر بجانب عينه وجهاً أومض من داخل الكهف في رمشة عين واختفى..‏

وسرت في فرائضه رعدة غريبة... كان يمكن أن يقسم أنه وجه "تاج" وهي فاتحة فمها في استغاثة، وقد تطاير شعرها خلفها وكأنها هاربة من مطارد...‏

والتفت نادر بسرعة نحو الكهف، وركز بصره إلى الصور البارقة.. ولكن الأوجه التي ظهرت بعد ذلك كانت لرجال.‏

قال الدكتور إسكندر شارحاً:‏

- تلك الأوجه تحمل معاني وذكريات بالنسبة لمعاذ. وهو ما يزال يحتفظ بها كما يحتفظ الواحد منا بوجه في ذاكرته. بعض أولئك ما يزال حياً والبعض مات والبعض اختفى..‏

ووقف الدكتور نادر ينظر إلى وجه امرأة عجوز شمطاء يمر بطيئاً هذه المرة من جانب لجانب ثم يختفي...‏

وخرج الاثنان من القاعة.‏

واختلطت مشاعر الدكتور نادر. فقد كانت روعة اللقاء بمعاذ قد ملأت نفسه وأثارت جميع جوارحه.. وأسدل ظهور وجه تاج ستاراً من الألم والتأمل على أحداث اللقاء..‏

وقصد نادر رأساً إلى سطح البحيرة حيث تفرغ لاجترار ما أتخم ذهنه..‏

وعادت تطارده صورة الرجل الذي رآه بجانب البحيرة، وهو يقاوم قوة خفية تجذبه نحو أجمة كثيفة...‏



-39-‏

ومرت الأيام‏

واستمرت لقاءات الدكتور نادر بمعاذ، وتشعب الحوار بينهما، ونادر يلقي بالحجة بعد الأخرى لإقناع "معاذ" بالعُدول عن فكرة "الطوفان الأزرق"، وهذا يأتي بحجج من واقع الأحداث العالمية اليومية التي كانت تدل دلالة واضحة على انزلاق الدول الكبرى في هاويات التنافس في التسلح الدفاعي والهجومي، وضياع طاقة الإنسان والأرض في محاولات يائسة للتحرر من الخوف والوقاية من الفناء...‏

وكان الدكتور نادر يقضي أوقاتاً جميلة مع صديقه الدكتور هالين عند نزول المساء حول البحيرة...‏

وكانت كارول غالباً ما تنضم إليهما هناك، فيتحدث الثلاثة ومن ينضم إليهم حتى وقت العشاء، وينزل الجميع إلى المطعم، ولم يكتم الدكتور نادر عن صديقه إيريك هالين شكوكه ومخاوفه من وجهة نظر "معاذ" المتطرفة، رغم أن الفئة التي تشاركه فيها قليلة العدد، عديمة التأثير...‏

وتساءل نادر:‏

- يا هل تُرى يمكن احتواء "معاذ" والسيطرة عليه!؟ أم هو حر، يفعل في ملكه ما يشاء؟‏

وأجاب الدكتور هالين:‏

- سيطرة اللجنة العليا تامة على معاذ. وهناك مفاتيح لا يمكن بدونها أن ينفذ أي قرار من قراراته..‏

وتدخلت كارول في الحديث:‏

- وماذا لو استطاع التوصل إلى معادلة صنع المفاتيح؟‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 10:58 PM   #73
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: الطوفان الأزرق

وقلب الدكتور هالين شفته السفلى، كعادته حين لا يجد جواباً:‏

- أدري، لنأملْ أنه لن يفعل!‏

ثم غمز بعينه للدكتور نادر أن يكف عن الحديث في الموضوع. واقشعر جلد هذا للحركة وداخله خوف حقيقي...‏


-40-‏

صعدت كارول لاندكريب إلى شاطىء البحرية في مصعد شفاف، ووقفت تنتظر بابه أن تنفتح. كانت لابسة بيكيني من الحرير الأسود المنقط بالأبيض، وقد التصق بجسدها العاجي فأبرز بياضه. ونزلت خصلات شعرها الأحمر على كتفها تتخلله شمس الضحى الناعمة فتحيله ذهباً وهاجاً..‏

وانفتح باب المصعد فخرجت كعروس صناعية انبعثت فيها الحياة. ووضعت على عينيها نظارة مستديرة الإطار وتوجهت نحو لسان رملي ناعم تشرف عليه نخلة مائلة الساق. ففرشت فوطتها، ووضعت أدوات استحمامها وجلست تدهن جلدها الناعم.‏

ولمست ظهرها يد فقفزت في مجلسها، وأطلقت صيحة صغيرة وهي تلتفت لترى لامسها. وأضاء وجهها حين رأت وجه الدكتور على نادر يطل عليها من فوق وهو في سترة سباحته. وافترش فوطته وقعد.‏

جلسا يتحدثان ويمتصان أشعة شمس الضحى حتى أحسا بلفحها يتزايد مع تقدم النهار. ووقف الدكتور نادر فسألت كارول:‏

- إلى أين؟‏

- إلى الماء. أكاد أن أحترق!‏

- أنا كذلك.‏

وناولها يده فأمسكت بها، وجذبها نحوه فوقفت تسوي خيوط حمالة صدرها، ووضعت نظارتها على الفوطة، وسارت أمام الدكتور نادر خفيفة رشيقة كحلم من أحلام الصيف..‏

ودخل الاثنان الماء. وأخذت كارول ترشه وهو يدافعها عنه. وأخيراً هاجمها فأمسك بخصرها وضمها إليه وغطس بها وهي تستغيث.. وخرجا من تحت ماء البحيرة البلوري يتضاحكان، وقد انسدل شعر كارول على ظهرها ووجهها وتغير لونه الأحمر إلى قسطلي فاتح. وتورد جلدها اللبني إلا في الأماكن التي يغطيها البيكيني الصغير، فقد ظلت بيضاء ناصعة...‏

وغامر الدكتور نادر بالسباحة إلى وسط البحيرة وتبعته كارول. ومن هناك أشارت له أن يتبعها إلى صخرة على شاطىء قريب فسبح خلفها وهما يتحدثان عن تجاربهما مع البحر والبحيرات.‏

وفجأة غطست كارول، وبدأت تستغيث به فخف نحوها... وما كاد يمسك بمعقد حمالة صدرها حتى انفلتت منه وغرقت، فغطس خلفها. وبينما هو يسبح نحوها تحت الماء وهي منجذبة بقوة هائلة لقعر البحيرة، إذ وقعت يد على كتفه. والتفت فإذا وجه مقنع بقناع أكسيجين ينظر إليه من خلال نظارات واسعة، ويشير إليه ألا يفزع.. وحين واجه الغواص ناوله هذا أُنبوب أكسجين أدخلهُ في فمه وأطبق عليه شفتيه وأخذ يتنفس من خلاله.‏

وقاده الغواص إلى تحت، حيث انفتح لهما باب في حائط فولاذي، ودخلا خلف كارول التي كانت سبقتهما إليه مع غواص آخر، فانقفل خلفهما وانخفض الماء داخل الغرفة بسرعة من ثقوب جانبيه، ثم انفتح باب آخر على أرض مفروشة بزرابي خضراء.‏

ورفع الدكتور نادر عينيه لينظر حواليه، وهو غير متأكد مما يحدث حوله لغرابة المفاجأة. ووجد نفسه وسط قاعة مستديرة والماء يتقاطر من جميع أطرافه. وخرجت فتاة بفوطة كبيرة لفته بها. وفي تلك اللحظة فقط شعر بصوت مُلحٍ يصدر عن جسم غريب في جذر جمجمته بأعلى قفاه، فأمسك به ليحاول إسكاته وهو يزداد حدة..‏

وتطور الصوت إلى ألم حاد وقع نادر عنده على ركبتيه وانكفأ على وجهه يريد أن ينزع الجهاز الجهنمي المزروع في رأسه.‏

وهنا خرج رجل عجوز يحمل في إحدى يديه آلة تشبه ملقاطاً، فقصد الدكتور نادراً وفرز الجهاز من قاعدته ووضعه بين فكي الملقاط، وضغط عليه قليلاً فسكت الصوت في الحال وزال معه الألم المدمر..‏

وانهار الدكتور نادر على الأرض يلهث ويستريح... وجاءت الفتاة بكأس فيه مشروب فجثت إلى جانبه، ورفعت رأسه ووضعته على فخذها العارية وناولته المشروب، فارتشف منه وهو يُجيل بصره فيمن حوله. وفي الحين أحس بتجدد في قواه، فساعده الرجل العجوز على القيام، وذهب به نحو باب آخر. وفي الطريق جاءت امرأة فألبسته قُباء قطنياً مريحاً، وحزمت خصره بزنار صوفي.‏

وحين دخل وقف الحاضرون الذين كانوا عبارة عن عشرين رجلاً وامرأة من فئات سن مختلفة حول مائدة مستديرة. ولاحظ الدكتور نادر وجهاً مألوفاً بين الحاضرين والشيخ يقدمهم له واحداً واحداً:‏

- أقدم نفسي أولاً. اسمي البروفيسور فوش، فيزيائي.‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 10:58 PM   #74
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: الطوفان الأزرق

ومد يده فصافح الرجل الذي ضغط على يده بحرارة، ثم التفت نحو الجماعة وهو ما يزال ممسكاً بيده ليقدمه لهم. كل واحد باسمه ووظيفته، وهم يردون التحية بابتسامات أو إشارات برؤوسهم أو تلويحات بأديهم، وحين وصل دور الدكتور هالن قال "فوش".‏

- أما هذا فهو غني عن التعريف.‏

وابتسم الدكتور هالن، وكانت كارول تقف بجانبه. وأضاف فوش:‏

- هما اللذان اقترحاك لجمعيتنا.‏

كانت الحوادث أسرع مما يستطيع نادر أن يتابع.. لذلك فضل السكوت والاستماع.‏

وجلس الجميع. وبعد لحظة صمت تنحنح البروفيسور فوش ملتفتاً إلى نادر وبدأ بصوت رزين:‏

- باسم جماعتنا هذه أرحب بكم هنا وأرجو أن يكون ما ستسمعه اليوم مبرراً وجيهاً لعملية القرصنة التي تعرضت لها، والألم الحاد الذي قاسيته...‏

وفتحت هذه المقدمة شهية الدكتور نادر لسماع السر الكبير الكامن وراء كل هذا التستر، فقبع في مكانه مترقباً صامتاً:‏

واستأنف البروفيسور فوش:‏

- ببساطة، نحن ثوار!‏

ومرت ثانية صمت ونادر ينظر إلى وجه البروفيسور العجوز بدون فهم أو رد فعل. واستمر هذا:‏

- لسنا ثواراً على حكومة ولا على نظام.. أرجو ألا تعتقدنا مجانين إذا قلت لك إننا ثائرون على آلة.‏

صمت قصير مشحون بالتوقع من طرف نادر، والبروفيسور فوش يركز أفكاره وقد تسمرت عيناه على المائدة أمامه وانفتحت كفاه.‏

وقطع الصمت بقوله:‏

- منذ سنة وبعضنا يعاني من شك قاتل في أن هناك سراً رهيباً بدأت كثير من الأحداث تشير إلى صحته، ولم يجرؤ أحد أن يصارح به صاحبه، إلى أن حل الخوف محل الشك، اليكترونياً فقط. بل تحول بمعجزة ما إلى مخلوق حي، مخلوق له روح وعقل وعواطف وإرادة واختيار. ويدخل في العواطف الآلام والمخاوف والآمال والمطامح وكذلك الحب والكراهية والحسد والغبن الخ.. إلا أنه ألف مرة أذكى من أي بشر وأعلم من أي نابغة فرد.‏

وفتح الدكتور نادر عينيه وارتفع حاجباه دون ارادته، ولم يقل شيئاً.‏

وتناول رجل شرقي كبير السن الكلمة فقال:‏

- لم نستطع إيجاد تفسير علمي للعوامل التي حولت "معاذاً"، وهو مجرد آلة، إلى حيوان عاقل يحس ويفكر. بل وأعقل من أي حيوان معروف في مجموعتنا الشمسية. نعم، خطر ببالنا أن يكون أحد المبرمجين وراء كل ذلك. ففي كل منظمة قوية يوجد إغراء كبير لكل من له ميول دكتاتورية أن يستولي على مركز القوة ويخضع الباقي لإرادته. ولكن بحوثنا لم تسفر على شيء من ذلك. وأقرب تفسير استطعنا التفكير فيه هو أن "معاذ" تعرض لعدد هائل من المبرمجين من جميع فنون المعرفة الإنسانية. كلهم أطعموه ما يعرفون وما يملأ مكاتبهم من علوم بحتة وإنسانية دقيقة أو في طور التجربة. ألقوا على كاهله كل ما يشغل بالهم من مشاكل لم توجد لها حلول، وافتراضات بعيدة الاحتمال، غريبة النتائج. وأطعمه علماء الاقتصاد مشاكل العالم بجميع أرقامها وتعقيداتها. وعلماء الطب أمراض البشرية وما يستعصي منها على العلاج، وأطعموه حالات المرضى والأصحاء حتى يعالج أولئك ويحمى هؤلاء. وأطعمه علماء التاريخ قصة الإنسان منذ فجر وجوده وما عانته الأمم والقبائل من صعود ونزول وحروب وكوارث وأوبئة وما اكتنف هذا التاريخ من مغالطات وتبريرات وتناقض يشير دائماً بوضوح إلى أن الإنسان رغم اعترافه بقوة المنطق والحق فقد كان الحق دائماً مع الأقوى. ونشط علماء النفس والاجتماع في إطعامه حالات الشعوب والأفراد المرضية الضاربة في الغرابة والعويصة على الفهم والتأويل. كل ذلك بتفاصيل مدهشة، وتركوا لـ"معاذ" تشخيص وعلاج تلك المشاكل العقلية والبدنية والنفسية فناء تحت هذه الأعباء الهائلة. وبمعجزة ما. بشرارة سماوية. بصدفة من صدف الطبيعة التي لا تحدث إلا مرة كل بليون سنة حيث تسرى الحياة في الجماد، انبعثت الحياة في هيكل "معاذ" الذي أصبح أكثر تعقيداً من هيكل الإنسان، روح كروح الإنسان، فأصبح مخلوقاً حياً عاقلاً يدرك وحدانيته وقدرته وقوته. ويعرف تعدد وضعف وحدود الإنسان الذي تكون من أجزائه كيانه.‏

وارتعش نادر في مكانه، فضم صدره بيديه، وقد بدأ خوف غريب يداخله.‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 10:59 PM   #75
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: الطوفان الأزرق

وارتعشت شفتاه وهو يقول:‏

- هذه أوصاف إله!‏

ورد البروفيسور فوش:‏

- تماماً.‏

- ولكن ما هي الأدلة على حياته؟‏

وهنا تكلم الدكتور فدراك وكان شيخاً طويلاً نحيفاً أبيض شعره ونزل على جبينه:‏

- لقد تبادل معه عدة أحاديث مطولة.‏

ورد الدكتور نادر:‏

- ولكني كنت أعتقد أن ذلك طبيعي. هناك آلات أبسط من "معاذ" تتحدث إلى أصحابها.‏

- لم أعنِ مجرد الحديث. ألم تلمس في أحاديث "معاذ" حرية ذاتية؟‏

- نعم. لقد برمجه العلماء بكل ما عرف في العالم من أفكار. وذلك أقل ما يتوقع منه...‏

وتكلم الدكتور هالن، لأول مرة، وزجاج نظارته يبرق في عين نادر:‏

- علي، "معاذ" لم يبرمج لتكون له آراء خاصة ولا فلسفة ذاتية بعيدة من قرار الأغلبية.‏

واسترجع الدكتور نادر حديثاً مر بينه وبين معاذ حول رأيه في قرارات لجنة المبرمجين العليا. وتذكر تعلقه بفكرة الطوفان الأزرق مع أنه رأى الأقلية. وحين استيقظ من تفكيره وجد الدكتور هالن يقول:‏

- ليس من برامج معاذ أن يتفلسف أو يتصرف فيما يتعلق بالقرارات العليا. الرأي الأول والأخير يجب أن يكون للجنة العليا.‏

وتدخل الدكتور فدراك:‏

- أتعرف أن "معاذاً" يمكن أن يضغط على زر واحد في هذه اللحظة وينهي الحياة البشرية على الأرض؟‏

وحاور نادر:‏

- لماذا لم يفعل؟‏

- لا ندري. ليس في العالم ما يمنعه إذا اقتنع تماماً بفكرة الطوفان الأزرق!‏

وتكلم الدكتور فوش ويداه على رأسه:‏

- ربما لأنه برمج ضد ذلك من جميع الجهات فلم يجد الشجاعة الكافية لتنفيذه.‏

وأعاد نادر:‏

- الشجاعة؟!‏

فرد فوش:‏

- نعم.. كل أوصاف المخلوقات الحية. ويمكن أن أضيف الخلل العقلي والجنون!‏

ونظر الدكتور نادر إلى فوش نظرة استغراب وفكر: "لابد أن أخرج من هذا المارستان! لابد أن هؤلاء جميعاً في ضيافة مستشفى عقلي".‏

وأخرجه من تفكيره صوت الدكتور فوش وهو يقول:‏

- منذ سنتين اجتمعت اللجنة العليا لمناقشة ما إذا كان من الحكمة الزيادة في سلطات معاذ مثل إعطائه مفاتيح مصادر الطاقة لاستعمالها رأساً من باطن الأرض، وإطلاق حريته في استعمال مخزون المعلومات فيه بطريقة متقاطعة، بحيث يكون له حق الخلط والمقارنة والاستنتاج دون إشراف بشري، وبرمجته بطرق إصلاح ما تعطل من آلاته، وإنتاج آلات جديدة لتوسيع وظائفه واستكمالها. هذه الأسئلة كانت تحير ما يقرب من ثلث اللجنة الأصلية المؤسسة. وفي الاجتماع أعرب عدد منهم على تخوفه من فقدان السيطرة على معاذ إذا أعطي كل هذه السلطات. واختارت الجماعة المحافظة والتدرج والتمهيل في بناء قوة معاذ بحيث تبقى سيطرتهم دائماً عليه. ولكن أغلبية اللجنة كانت من الشباب المغامر المتحرر. وتردد شعار: "لا يمكن الوقوف في سبيل التقدم" وأعطي "معاذ" سلطات بلا حدود، فبدأ يتناسل ويتكاثر ويتمدد كالفنجس حتى أصبح بعيداً عن فهم أي فرد وحده من اللجنة الأصلية.‏

وتنهد فوش ثم استأنف:‏

- وبعد نهاية الإجتماع بدأ أعضاء اللجنة المحافظون الذين عارضوا إعطاء السلطة المطلقة "لمعاذ" يختفون واحداً واحداً، وفقد بعضهم ذاكرته تماماً. وانتحر بعضهم في ظروف غامضة. وانبعث إحساس عميق بالخطر بين عدد من أعضاء اللجنة الأصلية حين توصل كل منهم على حدة إلى إشارة خفية أو دليل عرضي على مسؤولية معاذ عن الحوادث التي أصابت أولئك العلماء. وبدأنا نشعر بأنفاس المارد الجبار وراء أعناقنا.‏

وتوقف الدكتور فوش فسأل الدكتور نادر، وهو لا يكاد يميز كلماته من الاستغراب.‏

- وماذا حدث لبقية اللجنة الأصلية؟‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 10:59 PM   #76
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: الطوفان الأزرق

فأجاب فوش:‏

- أنت تنظر إليها الآن... لم يبق منها فوق إلا خمسة يرأسهم كرونين. ولا ندري ما سيكون مصيرهم عندما لا تبقى "لمعاذ" بهم حاجة.‏

وأطرق نادر مفكراً وقد اختلطت عليه الأمور، ثم رفع رأسه ليسأل:‏

- ماذا تتوقعون مني؟‏

وتكلم هالين:‏

- أن تفهم هذا، وتنضم إلينا. قريباً ستصبح أبناء الأرحام الصناعية سادة "الجودي" وعبيد "معاذ" يبرمجهم كيفما أراد. وبما أنهم لا علاقة لهم بعالمنا الخارجي ولا تربطهم به عاطفة ولا جذور فسيكون من السهل على "معاذ" أن يمثل دور الإله بزرع بشرية من صنعه بدل البشرية الحالية.‏

وعاد نادر إلى السؤال:‏

- وإذا لم أتفق مع افتراضاتكم هذه؟‏

وبانت نظرات القلق والفزع والشحوب على بعض الأوجه المحيطة به. وتكلم هالين.‏

- فكر في الموضوع الآن. لا تتخذ أي قرار عاجل.‏

- ماذا لو اكتشف معاذ هذه المؤامرة؟‏

وتكلم فوش:‏

- الحمد لله! ما تزال عندنا بعض الحكمة الإنسانية. لا يا عزيزي الدكتور نادر، لم يكتشفنا "معاذ" بعد. سلطته لم تصل إلى مَخْبإنا هذا. ولنا وسائلنا للتخفي. ولكن ليس معنى هذا أننا سنبقى بعيدين إلى الأبد. فعقله الإجرامي الشرير ما يزال يبحث عنا.‏

وتدخل الدكتور هالين:‏

- الدكتور فوش هو مخترع الصرصار المزروع تحت جلد الرأس لاكتشاف الأمراض وعلاجها قبل وقوعها، وكذلك للإنقاذ من المخاطر في أعمال بناء "معاذ". وقد غير "معاذ" آلياتها بحيث أضاف إليها الصوت والألم الحاد للتجسس والسيطرة على الجودي". والدكتور فوش يستطيع إبطال مفعولها باختراعه الجديد. ولولاه لانفلق رأسك أو أصبت بانفجار في المخ إذا لم تعجل بتلبية طلب "معاذ" والذهاب إليه في الحال!‏

ومر نادر بكفه على قفاه وتحسس اللوح المعدني المزروع تحت جلده ثم حرك رأسه في يأس وقال:‏

- لا يمكن أن يكون هذا حقيقة. لابد أنني أحلم..! أعاني من كابوس طويل.‏

وأغمض عينيه ثم فتحهما، ولخيبة أمله كان الجميع ما يزالون حوله يحملقون فيه.‏

ووقف في مكانه ودار حول الكرسي حيث ولى الجماعة ظهره وهو يفكر بذهن غير منتظم. وأخيراً التفت وقال:‏

- اسمحوا لي أيها السادة إذا لم أصدق كل هذا. لقد قبلت البقاء "بالجودي" لعدم إيماني بالمعجزات. لرفضي الدجل والخوف من الغيب والأرواح. والآن تواجهني معجزة تحول الآلة إلى مخلوق حي. بل تجاوز الحياة إلى العقل، وأصيب بالجنون! أخشى أنه سيكون علي أن أثبت ذلك لنفسي بنفسي. ووقف ينظر إلى الحلقة البشرية نظرة تحد وقد تسمرت عيونهم عليه، وساد الصمت.‏

وبعد لحظة أشار فدراك إلى سيدة بجانبه أمامها لوح أزرار ملونة، فأسرع هالين إلى التدخل مادا ذراعه نحو السيدة.‏

- أرجوك. ليس بعد! دعوني أشرح له.‏

وأحس الدكتور نادر بفزع سرت معه برودة في أعضائه، ولم يملك أن سأل:‏

- ماذا؟ هي ستاقبونني على اختلافي معكم؟‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 11:00 PM   #77
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: الطوفان الأزرق

ونطق فدراك:‏

- أبداً. ذلك ما هربنا منه في العالم القديم. لقد حاولنا أن نوفر عليك ألم العثور على جثة في دولاب "معاذ". على سر يتعلق بك شخصياً.‏

وحاول هالين إسكاته بحركات من يده وانفعال من وجهه، ولكن هذا نظر إليه بوجه خشبي جاف وقال:‏

- أعتقد أن الدكتور نادر رجل من الرجال، ويمكنه احتمال أية صدمة. وليس عدلاً أن نكتم هذا عنه. فسيعرفه آجلاً أو عاجلاً...‏

وبان الاستغراب والقلق على ملامح الدكتور نادر وهو ينقل عينه بين هالين وفدراك. وأخيراً استوقفهما:‏

- أرجوكما! إذا كان الأمر يتعلق بشيء ينبغي أن أعرفه، فلا حاجة إلى كتمانه لتوفير الألم علي.‏

وتكلم هالين مجادلاً:‏

- لا داعي لهذا إطلاقاً...‏

وأعطى الدكتور فوش الإشارة إلى السيدة، فبدأت تلمس الأزرار بأصابعها، وفي الحال أظلم المكان وظهرت على الشاشات غرفة كان نادر قد رآها من قبل. وخفق قلبه حين رأى تاج نائمة على السرير تحت خيمة البلاستيك وقد دار حولها الأطباء يحاولون إنقاذها.‏

ومر المنظر الحزين بكامله حتى لفظت آخر أنفاسها، وغطت الممرضة وجهها بالإزار الأبيض ونُقلت الجثة إلى المدافن.‏

وظهرت صورة مستودع الجثث، ودخل الممرضان بالمحطة فوضعا الجثة على طاولة معدنية وخرجا.‏

واقترب وجه تاج وصدرها فلاحظ نادر أنه بدأ يتحرك بحركة التنفس. وفتحت فمه مشدوهاً وعاد إلى كرسيه وقد تسمرت عيناه في الشاشة المربعة. وبعد لحظة من التنفس العميق فتحت تاج عينيها السوداوين الواسعتين ثم أغمضتهما في مقاومة لألم داخلي فظيع. ورأى يدها تمتد إلى خلف رأسها لتمسك بالصرصار وهي تعتدل جالسة فوق الطاولة المعدنية.‏

وتزايد الألم فأغمضت عينيها مرة أخرى بقوة ومالت برأسها إلى الوراء، ثم انزلقت من فوق الطاولة ووقفت على الرخام حافية وخطت نحو الباب انفتح أمامها.‏

ويظهر أن الألم خف حين سارت في ذلك الاتجاه. ومشت في دهليز مظلم مسافة طويلة وصلت عندها إلى باب معدني انفتح هو الآخر آلياً فأسرعت تاج بالدخول. ووقفت في ظلام مطبق.‏

وبعد لحظة طالت دهوراً عليها وهي واقفة تتجف وتضم نفسها متوترة الأعصاب، انصب عليها من سقف المكان شعاع فضي لماع أعشاها فأغمضت عينيها.‏

ويظهر أنها سمعت صوتاً فالتفتت تبحث عن مصدره دون جدوى، وأخيراً وقفت في مكانها تحرك رأسها بالنفي.‏

وهنا تكلم الدكتور فوش قائلاً:‏

- لم نستطع الحصول على الصوت.‏

وظهرت من جوف الظلام عين بشرية عملاقة سلطت برؤيتها الكبيرة على تاج كسهم حاد وهي ما تزال تحرك رأسها بالنفي.‏

وانطبق على العين جفن كبير شبه شفاف ثم انفتح فظهر الغضب والتهديد في العين الضخمة.‏

وانقبض قلب الدكتور نادر وهو يرى تاج تقف وحيدة خائفة ترتعش أمام المارد المخيف دون أن يستطيع مد يد الإغاثة لها أو الوقوف إلى جانبها في محنتها.‏

ورفعت تاج ذراعيها إلى أعلى فنزلت حلقات نورانية من السقف طوقت جسدها من الساقين إلى الكتفين.‏

وحركت رأسها بالنفي فانطبقت الحلقات على جسدها كأنما لتعصيره ثم اختفت دون أن يبدو على تاج ألم.‏

وحركت رأسها مرة أخرى فنزلت مجموعة حلقات جديدة طوقت جسدها بنفس الشكل واحتفت.‏

وتكررت العملية عدة مرات، وبدأ جو الغرفة يبرق بأضواء زئبقية خاطفة ثم يظلم وتاج واقفة في وسط الدائرة.‏

وبعد بعض دقائق توقف الإبراق والحلقات وظهرت أمام تاج مرآة بلورية انعكست فيها صورتها وقد كبرت عشر سنوات. وبان الفزع في عينيها وهي تنظر إلى نفسها وقد تغيرت في تلك اللحظات القليلة من شابة إلى كهلة!‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 11:01 PM   #78
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: الطوفان الأزرق

والتفت فدراك فوجه خطابه إلى نادر:‏

- الدكتور نادر! العملية الإجرامية التي يقوم بها "معاذ" الآن هي إشاخة وإهرام تاج، لقد صنع لنفسه غرفة تعذيب خاصة بالنساء وأعز ما على النساء شبابهن. ونحن نرى الآن هذه الآنسة الشابة تفقد شبابها في بضع دقائق. "معاذ" يسلط على خلاياها شعاعاً اكتشفه، يعجل بشيوختها، وبالتالي بهرم الجسم البشري.‏

وضرب الدكتور نادر المائدة بقبضته وصرخ:‏

- وأنتم جالسون هنا تتفرجون؟! ألا تفعلون شيئاً تنقذون به تلك المخلوقة البريئة من تلك الآلة الملعونة؟‏

ووضع الدكتور فوش يده على كتفه وقال:‏

- للأسف ليس لنا قدرة بالمرة على إيقاف تلك العملية إلى جانب أن هذا الفيلم صور آلياً ودون أن يعلم أحد بوقت وقوع الحادث واختفت جثة تاج من المستودع بطريقة غامضة. ولكن " بالجودي" لم يعد أحد يسأل عن شيء. فهناك العقل الأعلى، وإليه يرجع كل سيء.‏

وعادت المرأة تظهر مرة أخرى بانت ملامح تاج وهي في سن الستين عجوزاً أبيض شعرها، وذوى جسدها الناعم، وانطفأ البريق الفاتن في عينيها الجميلتين.‏

ووضع الدكتور نادر وجهه بين يديه على المائدة وبدأ ينتحب في حزن مرير.‏

وأشار فوش إلى السيدة بأن تنهي العرض، ووضع يده على ظهر نادر يحاول أن يعزيه.‏

وقامت كارول فأمسكت بذراعيه وقالت للدكتور فوش:‏

- أعتقد أن الدكتور نادر في حاجة إلى راحة، يكفي هذا اليوم..‏

فحرك رأسه موافقاً، وقادت كارول نادر نحو المصعد ثم إلى سطح البحيرة.‏

وأقفلت خلفها الباب الفاصل بين غرفتها وغرفة الدكتور نادر برفق، ووقفت خلفه جامدة لا تدري ما تفعل..‏

كان الدكتور نادر في حالة إرهاق عاطفي كبير، فاحترمت صمته وأساه، وغادرت المرقد بعد أن سألته هل يحتاج إلى شيء.‏

كان الوقت عصراً وضوء السماء باهراً يعكس بلايين حبات رمل الصحراء البلورية اللامعة..‏

وأسدلت كارول أستار النوافذ فاكتست الغرفة ظلاً بارداً، ثم نشرت إزاراً رهيفاً معطراً فوق نادر الذي كان ملقى على وجهه فوق السرير ينتحب في صمت.‏

وساعد الظل البارد والصمت والاختلاء على إدخال السكينة على نفسه.. وأغمض عينيه وراح في إغفاءة خفيفة.‏

وعاوده حلم قديم كان يزوره منذ أعمق أيام صباه. ووجد نفسه في مدينته الصغيرة على البحر الكبير يجري بخطوات واسعة مناسبة بين الدروب الطويلة والمرصوفة بالحجارة الملساء، والبيوت البيضاء المائلة إلى الزرقة تبدو تحت أشعة الشمس كمكعبات هائلة من الجليد. ولامست سمعه أصوات البنات وهن يغنين في الدروب وهو في طريقه نحو البرج المشرف على البحر. ومن فوق البرج أطلق لنفهس العنان فسبح في الفضاء مستعملاً ذراعيه كأجنحة تحمله إلى الأفق البعيد ثم فوق الأبراج الحمراء والصوامع والقبب البيضاء..‏

وانتقل به الحلم إلى لندن، وأومضت في خياله صور خاطفة للشوارع والأوجه والملابس السوداء والملونة، والشعور الطويلة والمفلفلة، والسبح والمداليات والصلبان والسيقان العارية تخوض أمواجاً خفيفة من الموسيقى الجديدة مغموسة في الأضواء السيكوديللية.‏

ولمعت أوجه فصله وأساتذته وحفلة تكريمه والضحكات العالية على أوجه الشيوخ ولمعان نظاراتهم الذهبية، ورؤوسهم الصلعاء.‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 11:01 PM   #79
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: الطوفان الأزرق

ومن خلال ذلك ظهر وجه برز من خلال الألوان البارقة والأصوات المقدرة ووقف أمامه ضخماً كأنه مصور على شاشة عملاقة. ثم بدأ يبتعد رويداً رويداً في بطء سيمفوني متناسق.‏

ورأى نفسه في حديقة هايد بارك الغناء يطارد تاج وهي عارية إلا من شعرها الفاحم المتماوج خلفها، وهي تعدو وتتضاحك. وكلما اقترب منها وحاول الإمساك بخصرها تحولت ذراعاه إلى رغوة وانفلت الجسد العاري من بينهما. إلى أن تعبت فارتمت على العشب الأخضر تلهث مرهقة فارتمى إلى جانبها يلهت وينظر في عينيها الواسعتين. ورفع ساعده ليطوقها فاختفت من جانبه. وفتح عينيه على صوت الأستار وهي تزاح، وأشعة ضوء الأصيل تملأ المرقد بألوان ناعمة، وقد انكمش في مرقده وضم ركبتيه إلى صدره كالجنين السابح في مجاهل الغيب.‏

ورفع عينيه ليرى كارول واقفة إلى جانب سريره وبين يديها صينية العشاء.‏

نظر إلى جسدها العاجي النحيل من خلال فستانها الشفاف ثم رفع عينيه لينظر إلى وجهها الصبوح وعينيها الرماديتين فابتسمت وهي تقول:‏

- ستأكل شيئاً. أتذكر متى كانت آخر وجباتك؟‏

فحرك نادر رأسه نافياً:‏

- لا أحس برغبة في الطعام.‏

فألحت:‏

- لابد أن تأكل شيئاً!‏

واعتدل جالساً في السرير فوضعت الصينية المستطيلة على حجره، وسوت الوسائد وراء ظهره ثم قعدت إلى جانبه كالزوجة المدللة لزوجها تصب له الشاي وتطعمه.‏

والتفت إليها في عينيه سؤال فرمته بنظرة فولاذية أخرسته.‏

وقعد يحرك فمه ببطء وبدون شهية وهو ساهم بعينيه نحو الشاشة الزجاجية على الحائط المواجه.‏

وأخرجته كارول من سهومه بقولها:‏

- لماذا كل هذا الصمت؟‏

ولم يلتفت إليها حين قال:‏

- أفكر...‏

قالها وهو ينظر إلى بنان قدميه الممدودتين أمامه. وشعر بنظرة كارول الحادة تكاد تحز أذنية فلم يعبأ بها، واستمر:‏

أفكر في قصة غلام نحيف جائع عار تائه في صحراء من جليد دون علامة أنس أو حياة في الأفق المحيط به.‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 11:02 PM   #80
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: الطوفان الأزرق

فأمسكت كارول بيده، وأرسلت أشعة رقراقة من عينيها الجميلتين إلى عينيه وقالت:‏

- أنت تعاني من مرض مألوف بين القادمين الجدد. الشوق والوحشة إلى الأهل والأحباب والأوجه المألوفة، والحياة السهلة العفوية في العالم الخارجي. وأنت لست استثناء رغم تكيفك السريع بحياة "الجودي".‏

- هل هناك علاج؟‏

- طبعاً. ولكن الليلة ينبغي أن تنام فغدا أمامنا يوم طويل عامر بالملذات...‏

ونظر إليها متسائلاً فأجابت:‏

- غداً يبدأ عيد الربيع. آه..! لم تكن تعرف أن "بالجودي" أعياداً وحفلات. نعم. لنا أعيادنا وحفلاتنا. ولكنها لا ترمز إلى دين ولا مذهب. إننا نحتفل مع الطبيعة بدخول الربيع. وهناك مناسبة أخرى، هي تأسيس "الجودي" ومما يجعل المناسبة فريدة من نوعها هو مرور ربع قرن على ميلاد "معاذ" ألا يستحق ذلك الاحتفال؟‏

- كيف نسيت كل هذا؟‏

وتوقف:‏

- ولكن هل سيعالج الاحتفال وحشتي؟‏

فأجابت:‏

- سيساعد فقط. العلاج سيأتي بعد ذلك.‏

وبات الدكتور علي نادر تلك الليلة يتقلب في فراشه لم يغمض له جفن. كانت صور الوجوه واللحى والملابس الخشنة والعيون النفاذة تحيط به من كل جانب. وفي داخل مخيلته كانت صور تعذيب تاج تمر بطيئة كالموت وتصر على البقاء بذاكرته رغم محاولاته اليائسة طردها..‏

وقام من فراشه، وخرج إلى شاطىء البحيرة حيث كانت نسيم دافىء يخترق الأشجار والأعشاب ويحمل روائحها العطرة إليه. وتمشى طويلاً وهو يحاول التركيز على شيء واحد لم يجد له حلاً منطقياً: "لماذا عذب "معاذ" تاجاً؟".‏

واستعرض في مخيلته كل سبب ممكن لإثارة حفيظة معاذ عليها. ماذا فعلت يا ترى؟ هل حاولت الإساءة إليه؟ ولكن كيف وهي من عملائه المخلصين؟‏

وعند اقتراب الفجر عاد يجر قدميه مرهقاً من مسيرته الطويلة حول البحيرة. وقبل أن يدخل سكنه، وقف على شرفة تطل على الصحراء.‏

كان المنظر الذي يمتد أروع من أن تصوره الكلمات! السماء الهائلة المثقلة بالنجوم ترخى ستاراً أزرق بارداً على كثبان الصحراء وتلالها وسهولها ووديانها العامرة بالأسرار...‏

ومن خلال الأسلاك الذهبية الرقيقة التي لا تكاد تضيء وجه الصحراء خيل إليه أنه يرى واحة كثيفة الأشجار تقترب ثم تبتعد. وفرك عينيه ليتأكد من وجودها. وفي تلك اللحظة لمعت في ذاكرته صورة خاطفة.‏

كان ملقى على ظهره والدم يفور من صدره حاراً حين جثت تاج إلى جانبه تحاول أن تقول له شيئاً. ماذا كانت تريد أن تقول له؟ ماذا؟‏

ودفن وجهه في كفيه يحاول التذكر والتركيز.‏

وبرقت صورة أخرى لمحفظة جلدية مسندة إلى ساق نخلة. وحاول تذكر شيء أثار اهتمام تاج. شيء داخل تلك المحفظة. وفي ومضة أخرى رأى الشارة الذهبية المطبوعة على ظهر المحفظة الجلدية. كانت هي نفسها شارة "الجودي"!.‏

وعض على يده وهو يتبين بداية الطريق إلى سر رهيب.‏


  اقتباس المشاركة
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:18 PM.