| الإهداءات |
|
|||||||
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |

| الإهداءات |
|
|||||||
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
|
#1 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
9 -
أحسست وأنا أترك السرير قبل الفجر، بنشوة الاحتراق المقدس، وبنشاط وحيوية فائقين ! كانت هدهد تغط في النوم، متكورة على نفسها كطفلة صغيرة، ويدها تحت رأسها كأنها تحرس خرقة الدم . التي " تضطجع " بأمان تحت الوسادة، حتى مجيء الخالة أمينة لتأخذها . كي تمررها على عيون صديقاتها ومعارفها، متباهية بشرف ابنتها المصون ! قضينا ليلة رائعة . استمتعنا بحديث الأماني والتمنيات . ولم تنم هدهد إلاّ قبل ساعة فقط . بينما جفاني النوم وبقيت ساهراً . دون أن يغمض لي جفن .. -هل أنت راضية، مستأنسة . هكذا سألتها بالأمس ونحن ننفرد في غرفتنا بعد العشاء ... -كل الرضا، وسأكون خادمة مطيعة . -اسمعي يا هدهد، أنا لا أريد خادمة . أنا أريد طفلاً . تزوجتك من أجل ذلك .. فلا تخيبي ظني ... -سأبذل جهدي، يابن عمي . وبفضلك ومعاونتك لن يعيقني شيء عن إسعادك، إن شاء اللّه .. استرجعت حديثنا الأول ونزلت إلى المرآة بخفة . حرصت على الهدوء والتصرف بما تبقى لي من عقل، كي لا أزعجها أو أثير مخاوفها . فهي كأي أعمى، نافذة البصيرة متحفزة الأعصاب، شديدة الانتباه لكل ما يجري حولها . وقفت استطلع بالمرآة ماطرأ عليّ وأستبين بها ماجدّ وتغير، بين أمس واليوم . لاحظت ازدياد شحوب عينيّ وأصفرار وجهي ! بينما بدأ الورم الذي خلفه الثعبان، يخف ويتلاشى . فثارت ثائري، استدرت فواجهني الوجه الجميل .. اشتهيتها وكدت أجن ... كانت عزائزي مثارة، ولم تكن بحاجة لمن يثيرها ... لكن ألماً خفيفاً في رأسي منعني من ايقاظها . وأقنعت نفسي بأن الأيام طويلة .. تكفي وتزيد .. ارتديت ملابسي وخرجت ... غادرت البيت دونما هدف ! وجدت نفسي أقف وسط ساحة القرية، بعد ثوان فقط . احترت ماذا أفعل ! وإلى أين أتوجه ! كنت ضجراً والسماء كانت ناصعة، تتلألأ نجومها وتبرق بشكل مثير . ملأت صدري هواء وتنفست بعمق. سمعت نقيق الضفادع وهي تودع البشر، لتسبت . فتذكرت أمي، اشتقت لها وترددت في الذهاب إلى بيت المخرف، حيث باتت أمس . تركت دارنا على الضد من رغبتي . وذهبت لتنام مع أختي بشيرة . لتتيح لنا أكبر قدر من الحرية، في ليلة عرسنا الأولى ..! أنجزت أربعة أعمال مهمة منذ عودتي . وبقيت أمامي عشرة أوأكثر . وعليّ إنجازها قبل " الموعد " وقبل " انقضاء فترة الهدنة " بالأمس، فكرت وأنا على الفراش وهدهد تمازحني، بالبئر ! وقررت البدء في حفره وسط الأرض الشرقية ... وذلك بعد تنظيف بئر المختار، في أرضه المحاذية لأرضي .. قررت ثم ارتأيت ضرورة تأجيل الحفر والتنظيف .. والشروع في تنفيذ وعدي لعم مصطفى .. واقتنعت أن الوقت مازال مبكراً على البئر .. ويجب الالتفات إلى ثور السلماني ... فلقد تمادى في غيه كسيده تماماً . وآن الآوان لوضع حد لاستهتاره . أدركت أن الواجب يدعوني أنا دون غيري لتأديبه، كما أدبت سيده. فكفى ما عمله من فضائح إلى حد الآن ... كفى اتجهت إلى حظيرة المختار، الخالية من الحيوانات منذ ما يقارب السنة . بعد بيع أغنامه السبعين دفعة واحدة، إثر خلافه مع موسى، الذي كان يتولى رعايتها ... اضطررت وأنا أدخل على عجل للانحناء، كي لا يصطدم رأسي بسقف الباب الواطئ . لكني لم أتخلص من الروائح الكريهة . الروث وبقايا الخراف والرطوبة والهواء الفاسد ... ولم أجد مفراً من التقدم بحثاً عما جئت من أجله . كان خم الدجاج فارغاً . وتناثرت الصحون والأواني الفخارية على مدار أرضه التي تحتل جزءاً صغيراً من الحظيرة لاتتجاوز العشرة أمتار . وعلى أعمدته الخشبية وقوائم المرابط نسجت العناكب بكثافة غريبة، شباكها الواهية، وكذلك فالزوايا والرفوف وظهر النافذة الصغيرة المغلقة، لم تنج من دنس الشيطان .. تقدمت فبرز لي خيال " أحمد " فجأة ! تمثل أمامي بوجهه الضاحك .. ثم برقبته المدماة ... فزعت فبكيت .. بكيت بحرقة ! أحمد كان صديقي . ولدنا في أسبوع واحد ونشأنا معاً . هنا كنا نلعب، ننظف البقرات ونحلبها . نملأ السطول ونتسابق في حملها إلى المطبخ الواسع . حيث كانت أمه الراحلة وخالتي مريم قبل زواجها، تغليان الحليب وتصنعان الجبن و " الروبة " واللبن المصفى، والزبدة بصورة أفضل مما تنتجه الخالة أمينة . بكيت أحمد، الذي غرّر به الشيطان، ووسوس له بأن يتجاسر، وينتهك شرف أبيه . ويلبسه ثوب العار طوال عمره . أحمد الذي ماتت أمه بسببه، ولفظ جده أنفاسه بعد شهر وهو يلهج باسمه . تذكرت الجد العجوز " أبو لحية التيس " والنظارة الطبية البيضاء . التي داسها الجنود بأحذيتهم الثقيلة . وتذكرت جدته التي ماتت قبل أسبوعين أو أكثر . وتراءت لي عصاها الخيرزان -الموروثة عن زوجها -وهي تنهال على ظهورنا بسبب أو بدونه، فتلسعنا .. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#2 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
كان بيتنا القديم المهجور بسبب الجن لصق بيتها .
الأمر الذي ظل يغرينا -أنا وبشيرة -على التفنن بسرقة دجاجات العجوز التي ولعت بتربيتها . إضافة إلى الاستحواذ يومياً على حصتنا من البيض الكثير، والمتراكم .. كنا نبتكر من أجل البيض ما لايستوعبه العقل ... نبتكر خططاً جهنمية لنيلها ! نتسلل، نحفر، نتخفى، نخلع القفل والمزلاج، نكسر الباب، نزيل عيدان السور وخشبه، نعمل فتحة، أو نثقب الصفائح الجدارية ! . وأخيراً أهتدينا إلى حل إثر الحصار الشديد والمراقبة الصارمة ... كنا نربط حبة " قمح " كبيرة أو " ذرة " بخيط وندليه من السطح .. وننتظر أن تتكرم علينا دجاجة غبية وتلتقطها. مما يسهل علينا سحبها إلى الأعلى ..نصعدها بسرعة عجيبة ونذبحها بعيداً عن عيني خجة اللامعتين . كنت أحب الجد أكثر من العجوز، أخت جدتي .. وزاد حبي له حين لقنني درساً لن أنساه، به ختمت فصول السرقة . إذ لم أمد يدي بعد ذلك إلى شيء لايخصني .. مازلت أذكر كل شيء بالتفصيل ... فذات صباح ماطر، تسللت كعادتي لأخذ البيض. بعد أن تأكدت تماماً من سلامة موقفي .. فالكلب غداً صديقي ... يعرفني ويتشمّم رائحتي عن بعد، ويهز رأسه مرحباً بقدومي .. لا يمكن أن ينبح ويثير ضجة تتنبه إليها العجوز قبل الجميع .. كما أن هدأة الفجر والخيط الأسود، وسكينة الدجاج، كانت تساعدني إلى حد كبير، مع خفة الثعلب الماكر التي أتقنتها . تسللت بيقظة وحذر وملأت جيوبي، تماماً كما أفعل كل يوم . وهممّت بالخروج، فإذا بي أباغت بعصا الخيرزان تعترضني ! ثم ظهر الجد بملابس النوم وبشعره الأبيض الحاسر وبوجهه الصارم ....وبدا واضحاً أنه كان يراقبني منذ لحظة وصولي ... خفت أن يضربني أو يوبخني ... لكنه لم يفعل ! حتى أنه لم يسألني عما أفعل هنا وكيف دخلت، ومن أجاز لي الدخول . لم يبدر منه ما ينبئني معرفته بالسرقة ..! بكل طيبة وذكاء ودون أن يجرح شعوري -وأنا ابن الاثني عشر ربيعاً -مازحني ليخفف من رهبتي ... ثم تعمد كسر البيض في جيوبي ! ففي غفلة مني لطم جيوبي الممتلئة براحة كفيه، بحركة سريعة قوية مباغتة . ومضى دون كلام ! ابتعد عني ساخراً في أعماقه وتركني في موقف لا أحسد عليه . لقنني درساً بليغاً لن أنساه ما حييت . وأكمل أبي الدرس . حيث لقنني " فلقة خالدة " بسبب ملابسي الملوثة بالبيض . والتي لم أكن أملك غيرها وأيقنت حين عرتني أمي ودثرتني ببطانية سوداء، وتطوعت بشيرة لغسل القماش القديم، الذي لم يجف بسبب البرد إلا بعد ثلاثة أيام، أيقنت أن الجد لم يتركني عبثاً .. بل " كلف أبي " ووكله بمهمة الحساب، دون أن يتدخل أو يفتح فاه .. ترحمت على روحه وروح الجدة " أم شوارب السخلة " وعلى روح صديقي أحمد . ثم فتشت عن الحبال والمسامير والمطرقة الخشبية الكبيرة، أخذتها مع أربعة قضبان حديدية قصيرة . حملتها صوب شجرة الجوز الضخمة . الواقعة على يمين بيت السلماني .. اخترت المكان المناسب . نظفت الأرض جيداً بحذائي وبيدي، وثبّت القضبان والمسامير، وجلست لأستريح فارتفعت في تلك اللحظة زقزقة العصافير وهي تكبر للإله . ومن ثم وهي تحوم بين الأغصان والحشائش . هدني التعب وتقيأت . وعاودني الصداع فغفوت . مرّ أحمد وأمه وجدته مع أختها وأبي وأخي رحيم، وهبة وخالد أمام عينيّ مروا يضحكون ويبكون في آن واحد ..! عجبت . أردت سؤال الباكين عن سبب بكائهم، والضاحكين عما يضحكهم فلم أقدر . إذ نهضت على صوت هادر رن في أذنيّ : -ماذا تفعل هنا ؟ ما بك ؟ فتحت عينيّ بصعوبة، فألفيت أمي تقف على رأسي هلعة مستلبة . قبل أن تنحني عليّ متسائلة : -ما هذا ! لماذا جئت إلى هنا ؟ لماذا ؟ |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#3 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
صباح الخير يا خجة ..
-ما الذي حدث ؟ أتترك فراش العرس وتنام على الأرض ! -جئت لأعمل ... -تعمل !! أتعمل في صبحية عرسك ؟ ما فعلها أحد قبلك ! أمجنون أنت ؟ هل جننت ؟ -لا يا أمي .. لا .... -لماذا تركت البيت ؟ لماذا تركت عروسك وحدها ؟ إنها لم تتعرف بيتنا بعد ... -تركتها نائمة .... فلا تخافي .... -لم أصدق حين أخبرتني افتخار بأنها رأتك تغادر البيت .. أنهيت صلاتي وجئتك... -هل حان وقت الصلاة ..؟ -ألم تسمع الآذان ؟ -لا .. لم انتبه ! وأنت ... ضحكت قبل أن أنهي كلامي، قهقهت عالياً . وبدورها ابتسمت كأنها خمنت ما يضحكني : -أنت لم تغادري البيت بسببي .. قولي : مالذي أخرجك في هذا الوقت ؟ كأنك لم تنامي .... -مبروك عليك يا بني ... مبروك ... تهربت من الإجابة .. وانحنت على رأسي وقبّلته . استويت جالساً وأخذت رأسها، قبّلته مراراً وقبّلت يديها . وداعبتها : -المخرف أزعجك .. أليس كذلك ؟ ابتسمت بحياء واعترفت : -لم يغمض لي جفن طوال الليل . لم يدعني أنام لحظة ... جن جنونه حين علم بوجودي ... -ألم تتفقي مع بشيرة وافتخار بعدم إخباره ! -لم يخبره أحد ولكنه شم رائحتي، كما يقولون ! تعارك مع يحيى وضرب افتخار التي كانت تجري خلفه، تمسح قطرات بوله ..... شرب قنينتا حليب، وتعش ثلاث مرات ! -هل أسمعك رغبته السابقة ؟ وحبه العظيم ! ضحكت وهي تجرني من يدي . -هيّا ... انهض .... يجب أن ترجع إلى البيت .... -لم تركت بيتنا يا أمي ؟ ألم أسألك ألا تفعلي ! -هيّا .. تعال .. عروسك بانتظارك ... -دعيني أعمل يا أمي .. واذهبي أنت .. خطيبك بانتظارك .. مازحتها فرددت: -لعنة اللّه عليه .... تعال .... تعال ... حاولت عبثاً إعادتي معها ... غير أنها اقتنعت بعدم جدوى محاولتها ... أقنعتها بعد جهد بالذهاب وحدها ... فذهبت وهي تعلن استغرابها، عميق دهشتها لتصرفاتي ... فأنا " عريس " لم تمر ساعات بعد على زواجي ... بقيت أتابع عملي .... وكدت أنهي المرحلة الأولى لولا الحاج صالح زوج عمتي ... تناهى صوته عبر مكبر الصوت يقرأ دعاء الصباح . فأفسد خطتي .. وحتمَ تأجيلها .. أدركت أنهم سيزعجونني ...هو وبقية الرجال .... سيتتابع خروجهم .. سيأتون إليّ .. يسلّمون عليّ ويباركون زواجي ويمضون .. وربما سيستغربون وجودي هنا . ويعلنون دهشتهم .. كما فعلت أمي .... ولما كان الاختباء عن أعينهم شبه مستحيل .. فضلت العودة إلى البيت ... إذ لم أجد مبرراً لبقائي... اضطررت للعودة دون تحقيق كامل العمل، الذي بدأته . وجدت أمي في المطبخ . تحاول إشعال النار في الموقد . لتهيئ لنفسها إبريق الشاي، ولنا فطور " الصبحية " الذي يفترض أن تجلبه الخالة أمينة ... لكننا ذكرناها برفضنا المسبق، لمعرفتنا " عسر الحال" عندهم .... أبديت مساعدتي لأمي فأبت ذلك . دفعتني إلى غرفتي دفعاً .... هامسة في أذني بمحبة : -مكانك هنا وليس في المبطخ . أغلقت الباب وراءي بهدوء .. لم تشعر هدهد بدخولي كانت تسبح في أحلامها ... تستغرق في نومها بارتياح وهناء.... سألت اللّه وأنا أنزع ملابسي أن يديم علينا الهناء ... دسست جسدي في الفراش . التصقت بها فتنبهت . تقربت مني أكثر ومدت يديها . راحت تجس بأصابعها . تتلمس ببنانها أعضائي، كما فعلت أمس ! ولما اطمأنت إلى أن كل شيء في مكانه، احتضنتني بقوة . -ماذا تفعلين ؟ -أتأكد من سلامتك ... -لماذا ؟ -لأنني أسعى لأن أبصر من خلالك، ما عجزت عيناي عن إبصاره .. أريدك أن تكون سالماً معافى دوماً .... -لم أفهم ... -... . -قولي ماذا تقصدين ؟ -رأيت حلماً غريباً ؟ -ياسائر .. يا اللّه .. إن شاء اللّه خير ... بماذا حلمت يا هدهد ؟ -سقط نابي الكبير العلوي ..! -اسكتي اسكتي ... لا تعيدي الحلم ثانية .... ولا تقصيه على أحد آخر ... أياً كان .. -أمرك .. ابن عمي .... أمرك .... همست باستسلام .. والطفت يدي .. قبّلتها بحرارة .. والتصقت بجسدي كأنها تود الذوبان فيه ! |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#4 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
10 -
تناولت الفطور مع أمي وهدهد، بحضور أمها وبشيرة وابنتها . وتغديت قرب المسجد حيث مدت السُفر داخله بمبادرة من الملا، الذي تطوع بإقامة وليمة كبرى للأهالي احتفاءاً بزواجي ... حال وصولي توافد الرجال لمباركتي وتقديم التهاني .... لم يكن عددهم كبيراً .. لكن ما أن حل الظهر حتى جاءت القرية كلها ... جاؤوا قبل ساعة من الوقت المقرر للغداء ....! اتسع المسجد بضيقه للرجال القادمين مع أبنائهم -ولدقائق راح يسمع لهم لغط مكبوت كدوي النحل، سرعان ما تعالى همساً وتصاعد لغواً وثرثرة حادين . وعندما تأخر " الأكل " بدأت علائم فقدان الصبر تطفو على الوجوه ! وكادت تتحول إلى شيء كريه وتنطلق من اللسان . وحين جلبت الصواني ابتدأت المعركة . وشرعت الملاعق تضرب حافات الصحون، ومن ثم قعورها . وبدا رنينها الرتيب أشبه برنين السيوف الصدئة، وهي تصطدم بالدروع ... وطوال الوقت لم تتوقف طقطقة الفكوك وهي تمضغ الطعام، بشراهة وتلذذ . وكثر التلمظ ولعق الشفاه ومد الألسن، والتهمت الأطباق ولعقت الصحون والكاسات، ومن ثم سال اللعاب وارتفعت أصوات ارتشاف الشاي ... لم احتمل ذلك . حاولت أن أصبر نفسي فعجزت . ولم أجد بداً من أخذ صحني والجلوس في الخارج ... بعد الوليمة، وبمساعدة عمي حسن، أقام المختار حفلات ودبكات استمرت طوال اليوم ... أبدي الجميع فرحتهم بزواجي . فبالإضافة إلى تهانيهم وتبريكاتهم، دعيت إلى حفلة أقامها يحيى، إلاّ أني لم أطق صبراً . لم أحتمل دعابات موسى السخيفة وكاد تنوري يفور بوجهه . فأمام جمع الأصدقاء المدعويين لاطفني : -أرجو أن توافق يا كاكا حمه على زواج أمك من أبي ... وتسعى لإتمام الفرح . فأبي لا يطيق البقاء عازباً وخجة تسرح أمامه وتمرح ... بالأمس جاءته متحدية فألهبته نيراناً حامية ... ثق بأنه سيكتب لها كل أملاكه . -قبل أن يفكر المخرف بالزواج، ليوقف إدراره أولاً . أفهمته بلغة صريحة فخرس . وطال الحديث وتشعب . ولم أرغب في البقاء أكثر ... اعتذرت بالذهاب إلى البيت .. تسللت هارباً رغم مما نعتهم . لا أدري كيف خطر بيت جدي المهجور ببالي . قصدته والأفكار تتضارب في رأسي .. أفكار جديدة مع أخرى قديمة ! تخيلت وأنا في الطريق، الرعب الذي ركبنا طوال سنين . حتى انتقلنا منه إلى بيتنا الجديد، تاركين كل شيء .. على حاله! (( عند الباب رأيت جدتي تدب بساقيها، مستندة على عكازتها . وتنتصب قرب العتبة . لم تزل حدوة الحصان معلقة على الإطار الخشبي فوق الرأس مباشرة . خوفاً من العين الحسود وتجنباً للشرور ... -يدبرها اللّه .. همست بلازمتها المحببة، وهي تبتعد عن طريقي ... |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#5 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
سمعت طرقات عصاها على الأرض، حتى اختفت ))
أهتز رأسي، دار بحثاً عنها .. فلم أجد إلاّ طيفها يحلق في أعالي السموات ... كحمامة بريئة ..مسالمة ! تشجعت .. بسملت ودخلت . أشعلت المصباح (( فبانت لي عمتي بتول، منكفئة على التخت تضحك . سلّمت عليها قلم ترد ! هرعت إلى الحمام .. ودخلت فجريت، أسرعت خلفها .. ووقفت أراقبها وهي تدلك قدمها بالحجر الأسود . ووجهها " بقرص السبتاج الأبيض )) استفقت من غفوتي فاعتصرني الألم . ترحمت على روح جدتي وعمتي ... فمازالت ذكرى الأيام الماضية، راسخة بين جوانحي، منتعشة حتى اليوم . دخلت الغرف وصعدت إلى السطح .. وحتى لا تبقى الخرافات تسيطر علينا ... كان عليّ التخلص من هذا البيت ... لذا قررت هدمه ... سأستفيد من أحجاره بالتأكيد .. سأبنيبها سور الأرض الشرقية . قررت ووجب أن أحدد الوقت واتفق مع نصار ... واجهت سعدو عقب خروجي . صار أمامي وجهاً لوجه وهو يقود بغلته .. ويحمل أكياساً ملأى بحاجات متنوعة، توحي بأعباء كبيرة، وبمسؤوليات أكبر .... أقبل نحوي متردداً، مقطباً . فانتحيت به جانباً . قبّلني رغماً عنه وبارك لي زواجي وكاد يمضي بعيداً . فأمسكت كتفه، فذعر . تطلع إليّ بعينين مدهوشتين، خائفتين . فسألته بلهفة ودون مقدمات : -ابق معي ... هالني ما شاهدت على وجهه من معالم الأسى والحزن العميقين فقلت موضحاً لأخفف من روعه : -أريد مساعدتك ... سكت لحظة ثم سألني ساهماً : -بأي شيء ؟ لم أكن مستعداً للشرح والإطالة : اكتفيت بالقول : -تعال وسترى. -لا ... لا أستطيع .. عندي عمل مهم .... يمكنك تأجيل .... أعلن رفضه القاطع، فأزعجني . سحبته بقوة فأختل توازنه وتكوم تحت قدمي وتناثرت أكياسه على طول الأرض. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#6 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
اعترض بخبث . فتابعت غير عابئ بمعارضته . نزعت سرج البغلة . رميته بعيداً وصحت به :
-أنت الذي ستؤجل أعمالك ... تعال معي ... هيّا ... مددت يدي، أعاونه لينهض فاستفسر ملتاعاً ... -إلى أين يا كاكا حمه ؟ ماذا تريد ؟ -سترى بأم عينيك ... فلا تخف ... قلت لك أريد مساعدتك ... فأبق .. احتاجك لتساعدني ... استغرب، وقال ساخطاً : -أساعدك !! بماذا يا كاكا حمه ؟ -لا تستعجل .. اذهب الآن ... احضر لي خيطاً سميكاً ومخيطاً كبيراً ... ولا تنسى أن حريتك، حياتك بيدي . وسجنك رهن إشارتي ... بهت . دارت عيناه دهشة .. وتكلم ونظره في نقطة غير محددة: -ماذا ستفعل بهما ؟ سعدو الخبيث، المتهم بسرقة وكالة الآغا، والذي أنكر دين أبي كان وسيبقى أكثر أهل القرية موضع ريبتي وشكي ... -اجلبهما لي بسرعة ... وسترى نفعهما .. هيّا اذهب وإياك أن تتأخر .. سأنتظرك عند شجرة الجوز . ساعدته في لمّ حاجاته .. وتردد في الذهاب، فدفعته ... حدجني بنظرة ذعر ومضى .... لا حقته بنظراتي، وأنا اتجه إلى الشجرة ... ورغم معرفتي بخبثه وإمكانية غدره إلا أني كنت واثقاً من عودته .. تفحصت القضبان والمسامير المحكمة الإثبات . ولما داخلني الاطمئنان توجهت إلى بيت السلماني ... غدا معروفاً للجميع ولع الشاب المستهتر حسان، في دفع ثورة البكر للتحرش ببقرات القرية، بحجة إخصابها . ولأنه بدأ يتحرش بعزيزة -بقرة سعدو المدللة -وانتقاماً لما فعله بعم مصطفى، وخشية أن يكرر فعلته بالبقرات الثلاث اللائي سأشتريهن له، فكرت بحسم الأمر . أعجبتني شجاعة عم مصطفى، حين وقف بوجه حسان . صده بحزم وأهانه . تلاسن معه وكادت تنشب بينهما معركة حامية، لولا تدخل المختار .... فض النزاع حين أيقن عدم جدواه وبعدما أدرك أن عم مصطفى لم يتردد في خوضها دون خوف ... مما شجع حسان على الاستهتار أكثر، وزاد من غطرسته . فأخذ يرسل ثوره، يقوده إلى حيث ترعى البقرات، مما ولدّلهن جروحاً دامية، أثرت في مردود الحليب . وبالتالي ولّد لعم مصطفى خسارة يومية . لم يتخلص منها إلاّ ببيع مصدر رزقه اتقاء للشر وتفادياً للمواجهة المحتملة .. مع حسان .. لم يشف غليلي ذلك الجرح البسيط، الذي أحدثته في رقبة السلماني . تمنيت معاودة الهجوم وحز رقبته بالكامل، قطعها .. ورميها للكلاب .. لن أنسى ما حييت ما فعله بي، إبان سلطته وعمالته لنظام العصابات التي نصبها الانكليز انتقاماً من شعبنا . بأمره تم حجزنا -أنا وأحمد وموسى -في كوخ صغير لمدة أسبوع بتهمة مساعدة الأنصار . وكان قد غطى أرضيته بالماء بعمق متر. فتقززت رئتا أحمد . فأخذ يصرخ متألماً، يبكي ويتوسل، فأخرجوه وساوموه . فرضخ ووقع عهداً بالوفاء والإخلاص للسلماني، وتعهداً بخيانتنا . نفذه بعد شهر .. وكانت السبب في ذبحه .. منذ يوم الاحتجاز نبعت فكرة الانتقام في صدري، وترسخت في ذهني ... واختمرت بمرور الوقت .. ورحت أترقب الفرصة المناسبة للتنفيذ ..وهاهي تتاح لي .. الآن ... أدبت السلماني أخذت حقي ... فجاء دور حسان ... لم يطمئن قلبي له بعد ... مشيت بخفة وسرعة، إلى حظيرة السلماني . كان الوقت ظهراً وحمودة كالعادة يتواجد في هذا الوقت، مع حسان في الوكالة . |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#7 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
عبر البوابة المشبكة رأيت البكر، مربوطاً . يدور في مكانه بانتظار مجئ حسان . كي يصطحبه في الجولة اليومية المقررة، لغرض إشباع حاجاته الجنسية، وإطفاء شهوته المتأججة كالنيران، في موسم التزاوج هذا ...
تقدمت، رفعت مزلاج الباب . أبعدت الخشبتين الحاجزتين، واللتين كانتا تعيقان أية حركة يقوم بها الثور للخروج، فيما لو استطاع التخلص من قيوده .... قطعت الحبل بسكيني . وقدت البكر بهدوء . بدا مطاوعاً وكأنه اعتقد أنني سأفسحه بدل سيده ! وآخذه ليعتلي مؤخرات البقر ... أصعدته إلى المكان المطلوب دون الالتفات لصيحات سعدو المرعوب وهو يقترب هلعاً، مهرولاً : -ماذا تفعل يا كاكاحمه ؟! ماذا تفعل ؟ -تعال ساعدني من أجل عزيزة ... من أجل سلامتها .. -لا.. لا قدرة لي ... لا أستطيع . سلمني الخيط والمخيط . وانصرف مذعوراً، وكأني أريد ذبحه هو ..! ضحكت منه وراقبته . يفر، يسرج بغلته، ويتوجه إلى بيته . بهروبه توجب الإسراع . فمادمت وحيداً، فعليّ إضافة إلى الحذر، بذل أقصى مالديّ من قوة . فالبكر ليس سعدو أو السلماني . وخفت أن تخونني يداي . أو تبدر منه مقاومة عنيفة، يتولد عنها حركات تؤذيني، ولا أستطيع صدها أو تلافيها . أو يصدر عنه خوار غير متوقع ينبه الآخرين . قربته من الشجرة . حشرت رأسه بين ساعدي، مسّدت رقبته . وانحنيت لأربط قوائمه . لم يبد أية مقاومة، ولم تظهر منه ردود فعل مضادة . إلاّ أن الصعوبة كمنت في طرحه أرضاً، ومن ثم ربطه بالحبال وشده في القضبان، والمسامير المثبتة منذ الصباح . ربطته بإحكام، بعناء كبير .. وحسبتني نجحت وسيتم الأمر بسهولة ... لكن ما أن نغزت خصيته بالسكين حتى أطلق خواراً، لم أسمع مثله طوال حياتي ... حتى عند الذبح ! أرهبني الصوت مثلما أرهبني منظر الدم . انبثق بغزارة أكثر مما انبثق من رقبة السلماني، حين حززتها المنجل ... أخذ يتحرك، يحاول الانتفاض، الرفس، وأنا منهمك في استئصال فحولته، دون الاهتمام بمقاومته الضارية التي أسفرت عن انخلاع المسامير. إذ انخلع المسمار الأول جراء حركته، وتلاه الثاني والثالث . ثم أفلت القضيب الأول ! دون أن أولي ذلك أي اعتبار. لكن ما أن تراءى لي القضيب الثاني يهتز، حتى خفت . تملكني الخوف من نجاح البكر في الإفلات من قبضتي، قبل الانتهاء من عملي . انغمست يداي في دمه الأحمر . وتلوثت ملابسي، وتعبت سال عرقي، تصبب على جبهتي بغزارة ... -توقف .. توقف .. ماذا تعمل ؟ ضجت الصرخة المتوترة في أذني، فتلفتّ لمعرفة صاحبها . لمحت حسان قادماً والسخط يغلي في شراينيه . لم أبال، تابعت عملي ... فقد كدت انتهي منه .. وبدأت في خياطة الجرح الذي أحدثته . على الرغم من كل الحركات المستميتة، والمقاومة الضارية التي أبداها الثور المدلل ! نفعني المخيط الحديدي والخيط الصوفي المبروم، فراحت أصابعي تعمل بسرعة ومهارة .... -ماذا فعلت يا مجنون ؟ ! ماذا ؟ صاح حسان وهو يقف على بعد خطوات مني . مدهوشاً مرعوباً لرؤية دماء عزيزه البكر، الثائر المقيد . -لماذا ؟ ما الذي حدث لعقلك ؟ صرخ مستغرباً . وعيناه تتقدان جمراً . وخشية أن يباغتني بالهجوم . شهرت سكيني بوجهه: -سأمزق صدرك ... هددته وكدت أتقدم ناحيته، لولا فطنته . تجاهلني واتجه إلى البكر ! في محاولة ذكية لإمرار الحادثة بسلام . انحنى عليه ليفك رباطه، ويطلق سراحه . -حذار .. حذار يا حسان ... لاتمد يدك ... إنه خطر ... خطر ... زعق نصار من بعيد محذراً . وآكمل آمراً مهدداً حسان من ارتكاب الخطأ الجسيم . وهو تخليص الثور من الحبال، قبل اخماد مرجله . مسحت يدي في التراب، ثم في ساق الشجرة . ونظفت السكين .. وغادرت المكان مبتهجاً . |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#8 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
اعترضني نصار في الطريق .وواجهني بعتابه :
-لماذا فعلت هذا يا كاكاحمه ؟ لماذا ؟ لم أرد عليه . مضيت قدماً إلى البيت . فصادفت جوقة الراقصين، المتناثرة . توزع أفرادها بين ذاهل واجم، وقف يترقب وصولي، وبين فضولي مرتاب، هرع إلى حين تمدد البكر مضرجاً بدماء خصيتيه . وبجواره وقف حسان هلعاً، محتاراً . -هات الرماد .. الرماد ... اجلبه من التنور ... ... جاءني صوت نصار الآمر. ومن ثم مر حمودة من جانبي مهرولاً ... في اليوم الثالث من إقامتي، دعتني إلهام إلى المطبخ . أرسلت ابنها ميسر إلى غرفتي قبل المغرب . -أمي تريدك .. بسرعة . قال لي كالببغاء . وذهب ليلازم غرفته حتى الصباح . حتى ذلك الوقت اقتصر عملي، على التسوق . شراء ما تحتاجه السيدة الفاضلة إلهام، من حاجات نسائية خاصة بها . أما حاجات البيت الضرورية فهي مهمة العقيد رأفت . إذ يبعثها يومياً بسيارة عسكرية قبل العاشرة صباحاً . عبرت الصالة الجميلة، ثم ولجت المطبخ، فرأيتها! فوجئت برؤيتها كعروس في ليلة زفافها ! أثار عجبي وجهها الملطخ ببهارج الألوان ! وشعرها المرتب، المزين بوردة حمراء ! وصدرها العاري ! صدر عريض مكشوف يتباهى بالثديين الصارخين ! وساقان عاريتان لامعتان ! وثوب " ململ " وردي خفيف، يكشف البقية الباقية من الجسد الرشيق، الملتهب . -" اللّهم اجعلها بقرة " تمتمت وأنا أتملاها بإعجاب، ودهشة . -تعال . نادتني بدلع فتقدمت . سحبت كرسياً كما أشارت عليّ، وجلست أمامها بقلب يخفق حياءً ... تقابلنا وجهاً لوجه، فأزداد خفقان القلب ... وبدأت أعرق من شدة الخجل . إنها المرة الأولى التي أجالس فيها أنثى، على هذه الشاكلة .. وأية امرأة ..! لم يكن يفصلنا سوى شبر واحد، حيث سمعت زفير أنفاسها المتوتر . ولمحت بريق عينيها اللامعتين، اللتين أشعرتاني بالرهبة . استغفرت ربي واستعذت من شر الشيطان الرجيم . الذي حدست وجوده مستريحاً على رقبتي ! لدقائق بقينا صامتين ! راحت تتأملني في شبق ووقاحة، وتأملتها في حيرة ودهشة . وتساءلت في سري " ماذا تريد ؟ " . وعلى حين غفلة لوت رجلاً على رجل . فبدا ما تحت الثوب ! فزعت، أحسست بالكراهية لها، والمقت والاحتقار، تجتاح كياني . استعذت باللّه من جديد وأبعدت الشيطان عن رقبتي . وأزحت الكرسي قليلاً، وأدرت رأسي عنها حياءً وارتباكاً . صحيح أن مجيداً كلمني عن مغامراته . وحدثني عن النساء العاريات، اللائي نام وسهر معهنّ . لكني لم أر واحدة .. من قبل .. لم .. واللّه .. -ماذا بك ؟ لم أدرت وجهك ؟ قهقهت بعد سؤالها المستغرب . التفتّ مضطراً وسرعان ما ضجرت من عينيها، اللتين راحتا تنزان شظايا الرغبة الجامحة . وتفاقم ضجري حين أنامت عنقها بغنج واضح على كفتها الأيمن وسألت : -هل تجيد الطبخ والنفخ ؟ صمتّ، لم أدر بم أجيب ! إذ لم أعرف قصدها بالضبط . لم أجد أية علاقة بين الطبخ، وهذا الصدر المضطرب ! -طباختنا العجوز، تركت العمل عندنا .. اليوم ... -وتريدين أن أحتل محلها ... أقوم بمهامها ؟ -بالضبط .. أعندك مانع ؟ -أنا لم أدخل مطبخاً من ... أخرستني بإشارة من يدها وأكملت : -لم تدخل مطبخاً من قبل .. ولا تعرف كيف يقلى البيض .. أعرف كل ذلك .. لا تهتم .. ستتعلم .. لا أحد خرج من بطن أمه طباخاً .. لا أحد .. كانت عيناها الواسعتان مركزتين في عينيّ ، حين همست بعد ثوان، بشفتين حمراويين رقيقتين : -سأعلمك يا كاكاحمه .. ستتعلم على يدي .. -أتوافقون على أكل ما أطبخ ؟! -توافقون !! من تقصد ؟ رأفت لا يأكل في البيت . فهو لن يأتي إلاّ مساء الخميس ... ألا تعرف أنه يبيت في المعسكر ... |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#9 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
فغرت فمي دهشة .. فواصلت :
-لا يذهب عقلك بعيداً ... لا زوجة ثانية ولا عشيقة : سكتت . حدقت بي باستهزاء . وتنهدت : -أتفهم ما يعني عشيقة ؟ -لا ... لا أعرف ... استوت جالسة فاستترت . فغرت فمها هي الأخرى مستغربة جهلي التام . وإذ تأكدت من صدقي عادت للقهقهة وبصوت عال! ثم استفسرت : -ألا تعرف حقاً أم أنك تمزج ؟ اضطربت .. شعرت بالحرج وأكدت : -قلت لك لا أعرف .. يعني ... لا أعرف ... قهقهت من جديد، وراحت تنظر إليّ بنهم وشبق ... فتملكني الخجل والحياء قرأت في عينيها ما يدعو للحيرة والدهشة . -ألم تقرأ ذلك في كتاب ؟! في مجلة ! في جريدة ؟! -أخبرتك أني لم أعرف القراءة والكتابة إلاّ مؤخراً . -ألم تشاهد ذلك في السينما، في التلفزيون ؟ -لا تلفزيون في قريتنا ولا سينما .. -أمرك أعجب من العجيب، وأغرب ! قل لي : ألم تسمع بامرأة " فاسدة "؟ -أنت تسألين كثيراً ... قولي : ماذا تريدين ؟ -ماذا أريد !! لقد توسمت فيك خيراً يا كاكاحمه . ومع ذلك سأبقيك .. سأدعك تنضج كالتفاحة ... سكتّ استوعب كلامها . خيل إليّ إنها تستغفلني . تريد سبر معلوماتي . فلم أشأ إظهار غبائي .. -تذكرت .. تذكرت " هبة " زوجة نصار . كانت فاسدة فذبحها .. رأيته بعيني .... لكنه أدعى بأنها هربت من القرية . لم تصدق . بان ذلك على ملامحها، وظهر على لسانها: -عجيب !! متى حدث هذا ؟ متى ؟ هل رأيتها حقاً ؟ عاودني الاضطراب شعرت باستحالة شرح الأمر لها : -نعم .. . والسلماني شهد أنه رآها تهرب -من هوالسلماني ؟ -إنه الآغامنير .. عميل السلطة .. كانت هبة تعاشره سراً ... لذلك ساوم نصار .. -عال .. جداً عال .. قلت " تعاشره " . يعني زوجة نصار كانت " عشيقة " السلماني .... -عشيقة ولكنهم قالوا عنها : "زانية " . امتعضت .... لاح الاستياء على محياها وهي تعترض : -لا ..هناك فرق شاسع يا كاكا حمه .. فرق شاسع ... العشيقة .. امرأة شريفة تحب رجلاً محترماً، وتقيم معه علاقة جنسية .. دون زواج .. -بالحرام أعوذ باللّه .. هتفت مستنكراً فاستطردت توضح : -المهم أنهما متفاهمان ... ولا أحد يعرف سرهما ... لا أحد سوى اللّه . -والشيطان .. لأنه دفعهما لعمل المنكر . -وأنت، ألا عشيقة لك ؟ -أنا !! استغفر اللّه . أهتف بفزع فتضحك ! تقرقر حنجرتها بضحكة ماجنة . ويتراقص ثدياها خلف قميصها الوردي الشفاف. أصمت يلفني الذهول. وبغته، تستفسر بخبث : -ألم تقترب من امرأة، يلتحم جسدك بجسدها ... ؟ تقيم معها علاقة ؟ صعقت لوقاحتها فصحت متنرفزاً : -أنا لست فاسداً ... وعندما أنهي العسكرية سأتزوج . تزداد ضحكتها ! ويترقرق الدمع في عينيها . تصفق بيديها ساخرة وتقول باستهتار : -أنت " كاكاحمه " فعلاً ... بحق وحقيق ... تصمت لحظة وتسأل، والضحكة البلهاء تملأ وجهها : -اتنتظر حتى ذلك الوقت ! شعرت بأن الاضطراب بلغ عندي شأوا يمنعني عن التفكير، ومجارتها : وقفت أهمّ بالانصراف، فاستوقفتني : -إلى أين ؟ وسألتها بدوري وأنا أتحرك، ابتعد عنها قليلاً : -ماذا سأطبخ اليوم ؟ لوت شفتيها بامتعاض . تنهدت بعمق، وطردتني بإشارة من سبابتها : -لا تشغل بالك بالطبخ . عليّ أن أطبخك أنت أولاً يا شاطر ... " |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#10 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
11 -
للمرة الثالثة منذ استيقاظنا، لاحظت أصابع هدهد تنسل خفية وعلانية وتروح تجسني جساً ! تتفحص وجهي، خدي الأيمن ثم الأيسر، صدري وبطني و ... ! لم اهتم في المرتين السابقتين . لكنها أثارت فضولي في المرة الأخيرة . راقبتها بعجب . فقرأت الاستغراب على وجهها ! حاولت الاستفهام عما تنشده، فسبقني سؤالها . طرحته بحياء كمن يكلم نفسه : -يا إلهي، أتخدعني بناني ؟! -ما بك ؟ -... . لم يتسن لي مطالبتها بالتوضيح، إذ عادت تقول بذعر : -رأيت الحلم من جديد! -أي حلم ؟! اصفر وجهها، انكمشت وتمتمت : -سقط نابي الكبير العلوي ! اشتعلت غضباً، فالتقطت خصلة من شعرها، وسحبتها بقوة، أفهمتها : -إذا زارك الحلم مرة ثالثة فلا تخبريني به . -حاضر يا بن عمي ... حاضر .. لكن .. من هو أزرق برلين ؟ -أزرق برلين !! كيف عرفت ؟ -سمعتك تقول في المنام .. الفضل لأزرق برلين ! -صحيح ..الفضل له .. فهو صديق .. أنقذني من موت محتم .... لفت ذراعيها حول عنقي واحتضنتني . امتزجت روحي المعذبة بروحها، وذبنا في نشوة عارمة، قبل أن تتناهى إلى آذاننا زغرودة مدوية .... وأعقبتها هلاهل أمي الصادحة، المعبرة . -جاءنا ضيوف... همست في أذن هدهد ... التي أذهلتني، لم تأبه بكلامي فحسب، بل راحت تتحسس أعضائي من جديد، وكأنها تريد الاطمئنان على شيء ما ! وحين أعدت الهمس تنهدت بضجر : -من يشرفنا في هذا الصباح ؟ تنصتّ فسمعت صوت أمي، وهي تحدث عمتي مليحة . حدست أن وراء قدومها المبكر سبباً وجيهاً، غير مباركتها زواجي . تمنيت أن يكون الحاج صالح -العطار المؤذن-معها . ففي رأسي فكرة تنفعه، وفي جعبتي حديث طويل يخصه . بعكس ما كان أبي هادئاً مسالماً، كانت عمتي ثرثارة مشاكسة " تشتري المشاكل بالمال " ... معركتها الأخيرة مع الخالة رباب غدت حديث كل لسان، فبعد صداقة امتدت لأكثر من ثلاثين سنة، اختلقتا في أشياء تافهة ... على إثرها شنت عمتي حملة شعواء ..نقلت افتخار لي بعضها .. " لا يغرنكن وجهها الملطخ، انظرن إلى رقبتها المجعدة ... إنها ما تزال تنام عارية بحضن الملّا حتى لا يطلقها، كزوجته الأولى . رباب لم تسمع ديك الفجر مرة ولا تعرف صلاة الصبح ... لم تؤدها مرة واحدة ..تظل نائمة للظهر ... ويضطر الملّا إلى تسخين الماء بنفسه والشطف قبيل الفجر حتى يذهب إلى المسجد .. " -ارتدي ملابسك . قلت لهدهد وأنا أترك السرير . انذاك برز طيف عمتي الصغيرة " بتول" . تذكرت يوم زواجها وهو اليوم الأخير الذي وقعت عيوننا عليها . كان أول خميس من آذار . وقبل زفافها إلى بيت المخرف .. عروسة جميلة ليوسف . الذي عمل المستحيل لنيلها، وإقناع أبي ... |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
![]() |
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|