| الإهداءات |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |

|
|
#61 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
اعتقد إن من حقّي أن آخذ هذه المساحة بين السطور .. لأصف لكم مشاعري المجروحة ...
إذا كان هناك رجل تعيس في الدنيا فهو أنا.. كيف لا و أنا أرى مخطوبتي.. محبوبتي رغد.. تعد الدقائق بلهفة في انتظار عودة وليد.. حبيب قلبها الغالي.. أصبت بجنون ما بعده جنون ، حين اعترفت لي و بلسانها أنها تحبه هو.. و أنه السبب في قرارها الانفصال عني ، بعد خطوبة استمرت أربع سنوات أو يزيد... أربع سنوات من الشوق و اللهفة.. و الحب و الهيام.. في انتظار الليلة التي تجمعنا أنا و هي.. عريسين في عش الزوجية.. ثم يأتي وليد.. و في غضون شهور أو ربما أيام .. يسرق قلبها مني ! رغد لم تقل لي في السابق : ( أنا أحبك ) ، و لكنها لم تقل : ( أنا لا أحبك ) .. بل كانت الأمور فيما بيننا تجري على خير ما يرام .. حتى أخبرني وليد نفسه ذات ليلة بأنها ترغب في تأجيل زواجنا... الشيء الذي لا أعرفه حتى هذه اللحظة ، ما إذا كان وليد يعرف بحبها له أو يبادلها الشعور ذاته ، أم لا ... أنا أعرف أنه يحبها و يهتم بها كأخت.. أو ابنة عم .. أما كحبيبة.. كزوجة .. فهذا ما لا أعرفه و لن أحتمل صدمة معرفته ، إن كان يحبها بالطريقة التي أحبها أنا بها.. أتذكر أنها في اليوم الذي عرض عليها ارتباطنا قبل سنين قالت : ( لننتظر وليد أولا ) و لأنه كان من المفترض ألا يعود إلا بعد أكثر من عشر سنين من ذلك الوقت، فإننا عقدنا قراننا بموافقة الجميع... و أنا أنظر إليها هذه اللحظة و هي تراقب الساعة ، أشعر بأن خلايا قلبي تتمزّق خلية خلية ، بل ... و أنويتها تنشطر .. و ذراتها تتبعثر حول المجرّة بأكملها ... لماذا فعلت ِ هذا بي يا رغد ؟؟ إن كنت تجهلين ، فأنا أحبك حبا لا يمكن لأي رجل في الدنيا أن يحمل في قلبه حبا مثله.. حبا يجعلني أدوس على مشاعري و أحرق أحاسيسي رغما عنها ، لأجعلك تحيين الحياة التي تريدينها مع الشخص الذي تختارينه.. و ليته كان أنا... و إن اكتشفت أن وليد لا يكترث لك ، فإنني لن أقف صامتا ، و أدعك تبعثرين مشاعرَ أنا الأولى بها من أي رجل على وجه المعمورة ، بل سآخذك معي.. و أحيطك بكل ما أودع الله قلوب البشر من حب و مودة ، و أحملك إلى السحاب .. و إن شئت ِ .. أتحوّل إلى وليد .. أو إلى أي رجل آخر تريدين أن تصبي مشاعرك في قلبه ... فقط.. اقبلي بي... غادرت المطبخ على عجل ، لئلا أدع الفرصة لرغد لرؤية العبرة المتلألئة في محجري... نعم ، سأبكي لتضحكي أنت ... و سأحزن لتفرحي أنت .. و سأنكسر لتنجبري أنت .. و سأموت ... لتحيي أنت... يا حبيبة لم يعرف الفؤاد قبلها حبيبة .. و لا بعدها حبيبة .. و لا مثلها حبيبة... و سيفنى الفؤاد ، و تبقى هي الحبيبة .. و هي الحبيبة .. و هي الحبيبة ... عندما وصل وليد، كانت الساعة تشير إلى الحادية عشر و خمس و أربعين دقيقة، أي قبل ربع ساعة من ولادة يوم جديد.. خال من رغد ... قرع الجرس ، فأقبلت نحو الباب و سألت عن الطارق ، فأجاب : " أنا وليد " جمّدت مشاعري تحت طبقة من الجليد ، لا تقل سماكة عن الطبقات التي تغطي المحيط المتجمّد الجنوبي... و فتحت الباب .. تلك الطبقة انصهرت شيئا فشيئا ، لا بل دفعة واحدة حين وقعت عيناي على الشخصين الواقفين خلفه ، وليد ، و الفتاة الشقراء ! " مرحبا ، سامر ... " بصعوبة استطعت رد التحية و دعوتهما للدخول ... وليد كان يرى الدهشة الجلية على وجهي مجردة من أي مداراة مفتعلة ! قال ، و هو يشير إلى الفتاة الواقفة إلى جانبه تبتسم بهدوء : " أروى نديم ، تعرفها " قلت : " أأ .. أجل ... " قال : " خطيبتي " و من القطب الجنوبي ، إلى أفريقيا الاستوائية ! اعتقد أنكم تستطيعون تصوّر الموقف خيرا من أي وصف أنقله لكم ! " خـ ... ــطيبتك !! " " نعم ، ارتبطنا البارحة " نظرت إلى الفتاة غير مصدّق ، أطلب منها تأكيدا على الكلام ، ابتسمت هي و نظرت نحو وليد .. وليد قال : " أ لن تبارك لنا ؟؟ " " أأ ... نعم ...طبعا ... لكنني تفاجأت ، تفضلا على العموم ، مبروك لكما .. " و قدتهما أولا إلى المجلس ، حيث النسوة... طرقت الباب و أنا أنادي أختي دانة... ، فتحت هذه الأخيرة لي الباب و خرجت من فتحته الضيقة ، و حالما أغلقته انتبهت لوليد ... " وليد ! " أشرق وجهها و تفجرت الأسارير عليه .. ثم فتحت ذراعيها و أطبقت عليه معانقة إياه عناقا حميما... " نعم .. كنت أعلم بأنك ستأتي و لن تخذلني ، فأنت لم تخذلني ليلة خطوبتي.. أنا سعيدة جدا.. " وليد قال : " مبروك عزيزتي... أتم الله سعادتك و بارك لك زواجك .. " بعد ذلك ، رفعت رأسها لتنظر إليه ، ثم دفنته في صدره و هي تقول : " سامحني... لم أكن أعلم .. سامحني يا أخي الحبيب .. أنا فخورة بك.. و أتباهى أمام جميع المخلوقات .. بأن لي أخا مثلك.. سامحني .. " وليد ربت على ظهر دانة بحنان ، و إن كانت الدهشة و الحيرة تعلوان وجهه ، و قال مواسيا : " لا بأس عزيزتي .. لا تبكي و إلا أفسدت ِ زينتك ، و غير المغرور رأيه بك ! " رفعت دانة رأسها و انفجرت ضحكا ، و وكزته بمرفقها و هي تقول : " لم تتغير ! سوف أطلب من نوّار أن يضربك قبل خروجنا ! " قلت أنا : " احذري ! و إلا خرج عريسك بعاهة مستديمة ! " و ضحكنا بانفعال نحن الثلاثة... التفت وليد للوراء حتى ظهرت خطيبته الجديدة ، و التي كانت تقف على بعد خطوات ... قال : " اقتربي أروى " اقتربت الفتاة و هي تنظر نحو العروس ، و تحييها .. " مبروك دانة ! كم أنت جميلة ! " دانة حملقت في الفتاة قليلا ثم قالت محدثة وليد : " هل حضرت عائلة المزارع ؟؟ " وليد قال : " أروى فقط.. " فتعجبت دانة ، فوضّح : " خطيبتي " طغى الذهول على وجهها ربما أكثر مني ، قالت باستغراب شديد : " خطيبتك !! " قال وليد : " نعم ، عقدنا قراننا البارحة... باركي لنا " الاضطراب تملّك دانة ، و حارت في أمرها و لزمت الصمت لوهلة ، إلا أنها أخيرا تحدّثت : " فاجأتماني ...بشدّة ! ... مبروك على كل حال " و كان واضحا لنا، أو على الأقل واضحا لي استياؤها من المفاجأة... قلت : " فلتتفضل الآنسة ... " دانة التفتت إلى أروى و قالت : " تفضلي " و فتحت الباب لتسمح لها بالدخول ... و قالت مخاطبة إيّاي : " رغد في غرفتها .. ذهبت لاستبدال فيلم الكاميرا ... " و كان القلق جليا على ملامحها ... قال وليد : " جيد ! أ أستطيع رؤيتها ؟؟ " تبادلنا أنا و دانة النظرات ذات المعنى .. و قالت هي : " نعم ، سأدخل لأقدّم أروى للجميع " و دخلت الغرفة و أغلقت الباب تاركة إياي في المأزق بمفردي ! وليد التفت إلي و قال : " أريد إلقاء التحية عليها.. إن أمكن " أنا يا من كنت أدرك أنها تنتظره بلهفة منذ ساعات... و أنها ستطير فرحا متى ما رأته .. لم أملك من الأمر شيئا .. قلت باستسلام : " أجل ، تفضل ... " و قدت ُ بنفسي ، حبيب خطيبتي إلى غرفتها لكي تقابله ... طرقت ُ الباب و قلت : " رغد .. وليد معي " قاصدا أن أنبهها لحضوره ، لكي ترتدي حجابها.. إلا أنني ما كدت ُ أتم الجملة ، حتى انفتح الباب باندفاع سريع ، و ظهرت من خلفه رغد على حالها .. و هتفت بقوة : " وليد ! " أي رجل في هذا العالم ، يحمل ذرة حب واحدة لخطيبته ، أو حتى ذرة شعور بالملكية و الغيرة ، فإنه في لحظة كهذه سيرفع كفيه و يصفع وجهي الشخصين الماثلين أمامه في مشهد حميم كهذا ... إلا أنني أنا ... سامر العاشق المسلوب الحبيبة .. المغطّي لمشاعره بطبقة من الجليد .. وقفت ساكنا بلا حراك و بلا أي ردّة فعل .. أراقب خطيبتي و هي ترتمي في حضن أخي بقوة .. و تهتف بانفعال : " وليد .. لماذا لم تخبرني .. لماذا .. لماذا .. " ~ ~ ~ ~ ~ و إن كنت أتظاهر بالبرود و الصمود ، إلا أن ما بداخلي كان يشتعل كالحمم... و إن كنت أتظاهر بأنني فقط أود إلقاء التحية ، فإن حقيقة ما بداخلي هي أنني متلهف لرؤية صغيرتي الحبيبة و الإحساس بوجودها قريبة مني ... لقد كنت أسير خطوة خطوة.. و مع كل خطوة أفقد مقدارا من قوتي كما يفقد قلبي السيطرة على خفقاته ، فتأتي هذه الأخيرة عشوائية غير منظمة .. تسبق الواحدة منها الأخرى... و حين فتح الباب.. كنت ُ قد أحرقت آخر عصب من جسدي من شدة التوتر.. لدرجة أنني لم أعد أحس بشيء.. أي شيء .. لم أع ِ إلا و قذيفة ملتهبة قوية تضرب صدري .. تكاد تكسر ضلوعي و تخترق قلبي... بل إنها اخترقته .. فرغد لم تكن تقف أمامي بل .. كانت تجلس في قلبي متربعة على عرش الحكم.. تزيد و تنقص ضرباته قدر ما تشاء .. تعبث بأعصابه كيفما تشاء.. تسيّر أحاسيسه حسبما تريد... و لأنني كنت مذهولا و فاقدا للسيطرة على حركاتي تماما ، فقد بقيت ُ ساكنا.. دون أي ردّة فعل ... كان صدري مثل البحر .. غاصت صغيرتي في أعماقه و قطعته طولا و عرضا .. و خرجت منه مبللة بالدموع و هي تنظر إلي و تهتف : " لماذا لم تخبرني ؟؟ لماذا يا وليد ؟ لم أخفيت عنّي كل هذه السنين ؟؟ " شيء ما بدأ يتحرّك في دماغي المغلق .. و يفتح أبواب الوعي و الإدراك لما يدور من حولي ... بدأت أنتبه لما تقوله صغيرتي .. و بدأت أحس بأظافرها المغروسة في لوحي كتفي ّ كالمسامير ... و بدأت أرى اللآليء المتناثرة من محجريها ... أغلى ما في كوني ... لا شعوريا رفعت يدي إلى وجهها أردم سيل العبر ... " لا تبكي صغيرتي أرجوك .. " فأنا أتحمّل أي شيء في هذه الدنيا ، إلا أن أرى دموع غاليتي تتبعثر سدى... إنني أشعر بحرارة شديدة أجهل مصدرها الحقيقي ... أهو داخلي ؟ أم حضن صغيرتي ؟ أم الشرر المتطاير من عيني ّ أخي، اللتين تحملقان بنا بحدّة.. رغد أزاحت يديها عني ، و ابتعدت خطوة.. و ذلك أثار توترا في المسافة التي بيننا.. تماما كالتوتر الذي يولّده ابتعاد قطعة حديد صغيرة عن مغناطيس ! قالت : " لقد اكتشفت ذلك الآن فقط .. لماذا لم تخبرني بأنك .. بأنك .. كنت في السجن ؟؟ " و إن كانت مشاعري قبل قليل مخدّرة من تأثير قرب رغد ، فإنها استيقظت كلها دفعة واحدة فجأة.. و تهيّجت .. فصرت أشعر بكل شيء ، حتى بحرارة البراكين الخامدة في اليابان ! نقلت نظري من رغد ، إلى سامر ، إلى رغد ، إلى سامر ... و حين استقرّت عيناي عليه، رأيت قنبلة متوهجة ، على وشك الانفجار... لطفك يا رب ... ! قلت ُ أخيرا : " أنت من أخبرها ؟؟ " سامر لم يجب بكلمة ، بل بإيماءة و تنهيدة قوية نفثها صدره .. و شعرت أيضا بحرارتها... أعدت ُ النظر إلى رغد.. فاسترسلت في سؤالي : " لماذا لم تخبرني؟؟ " أخبرك ؟؟ بأي شيء يا رغد ؟؟ أ لم تري الطريقة التي عاملتني بها دانة ، بل و الناس أجمعون؟ أتراك تنظرين إلي ّ الآن مثلهم ؟؟ لا يا رغد .. أرجوك لا .. قلت بلا حول و لا قوة : " ما حصل..، لكن... أرجو ألا يغيّر ذلك أي شيء ؟؟ " و انتظرت إجابتها بقلق... قالت : " بل يغيّر كل شيء ... " و أذهلتني هذه الإجابة بوضوحها و غموضها المقترنين في آن واحد... قالت: " وليد ... وليد أنا ... " و لم تتم ، إذ أن دانة ظهرت في الصورة الآن مقبلة نحو غرفة رغد.. و تكسوها علامات القلق... جالت بمقلتيها بيننا نحن الثلاثة و استقرت على سامر... شعرت أنا بأن هناك شيء يدور في الخفاء أجهله ... سألت : " ما الأمر ؟؟ " لم يجب أي منهم بادىء ذي بدء إلا أن دانة قالت أخيرا، مديرة دفة الحديث لمنعطف آخر: " رغد ! الكاميرا ! سنستدعي نوّار الآن ! " ثم التفتت نحو سامر : " إنه منتصف الليل ! هيا استدعه ! " و يبدو أن ترتيباتهم كانت على هذا النحو ، أن يدخل العريس إلى تلك الغرفة لالتقاط بعض الصور مع العروس و مع قريباته قبل المغادرة . سامر نطق أخيرا : " سأستدعيه... أخبريهن " و رغد تحرّكت الآن من أمامي متجهة نحو المنضدة و من فوقها تناولت الكاميرا و أقبلت نحو دانة و مدّت الكاميرا إليها ، فقالت دانة: " أعطها لسامر الآن .. " التفتت رغد نحو سامر .. و قدّمتها إليه... سامر نظر إلى رغد نظرة عميقة.. جعلتها تطأطىء رأسها أرضا ... أخذ سامر الكاميرا منها.. و قال .. " سنلتقط له معنا بعض الصور ثم نعيدها إليكن .. " قال ذلك و وجه خطاه نحو الصالة... هممت ُ أنا باللحاق به... إلا أنني توقفت ، و التفت إلى رغد ... و قلت : " كيف قدمك الآن ؟ " رغد و التي كانت لا تزال مطأطئة برأسها رفعته أخيرا و نظرت إلي مبتسمة و قالت : " طاب الجرح... " قلت : " الحمد لله " ثم أوليتها ظهري منصرفا إلى حيث انصرف أخي ... ~ ~ ~ ~ ~ ~ كنت ُ مجنونة، لكنني لم أتمالك نفسي بعدما رأيت وليد يقف أمامي... بطوله و عرضه و شحمه.. جسده و أطرافه... و عينيه و أنفه المعقوف أيضا ... كأن سنينا قد انقضت مذ رأيته آخر مرة ، ينصرف من هذه الشقة جريحا مكسور الخاطر ... اندفعت إليه بجنون... و أي جنون ! ظللت أراقبه و هو يولّي .. حتى اختفى عن ناظري.. و بقيت محدّقة في الموضع الذي كان كتفاه العريضان يظهران عنده قبل اختفائه، و كأنني لازلت أبصر الكتفين أمامي ! " رغد ! " نادتني دانة ، فحررت أنظاري من ذلك الموضع و التفت إليها... و رأيتها تحدّق بي و علامات غريبة على وجهها... أنا ابتسمت .. لقد قرّت عيني برؤية وليد قلبي.. و لأنه هنا ...، فقط لأنه هنا ، فإن هذا يعطيني أكبر سبب في الحياة لأبتسم ! لا أعرف لم كانت نظرة دانة غريبة.. ممزوجة بالأسى و القلق.. قلت : " ما بك ؟ " " لا ... لا شيء " " سأغسل وجهي و أوافيكن... " و أسرعت قاصدة الحمّام ... طائرة كالحمامة ! بعد ذلك ، ذهبت إلى غرفة المجلس...مرتدية حجابي ، إذ أنني سأبقى لأتفرج على العريسين و لمياء - شقيقة نوار - تلتقط الصور لهما.. جميعهن كن يجلسن في أماكنهن كما تركتهن قبل قليل، نظرن إلي ّ جميعا حالما دخلت.. فابتسمت في وجوههن... فجأة لمحت وجها غريبا في غير موقعه ! وجه أروى الحسناء ! دُهشت و علاني التعجب ! وقفت هي مبتسمة و قائلة : " مرحبا رغد ! كيف حالك ؟ و كيف صحتك ؟؟ " " أروى ! " " مفاجأة أليس كذلك ؟؟ " اقتربت منها و صافحتها و الدهشة تتملكني...و نظرت في أوجه الأخريات بحثا عن وجه أم أروى ... أو حتى وجه العجوز ! قلت : " أهلا بك ِ ! أحضرت ِ بمفردك ؟؟ " ابتسمت و قالت : " مع وليد " مع من ؟؟ مع وليد ؟؟ ماذا تقصد هذه الفتاة ؟؟ " مع وليد ؟؟ " ازدادت ابتسامتها اتساعا و حمرة وجنتيها حمرة و بريق عينيها بريقا ... و التفتت نحو دانة ثم نحوي و قالت : " ألم تخبرك ِ دانة ؟؟ " التفت نحو دانة و أنا في غاية الدهشة و القلق.. و رميتها بنظرات متسائلة حائرة.. دانة أيضا نظرت إلي بنفس القلق.. ثم قالت : " إنها ... إنها و وليد... " و لم تتم... نظرت إلى أروى ، فسمعتها تقول متمة جملة دانة ، تلك الجملة التي قضت علي و أرسلتني للهلاك فورا : " ارتبطنا .. البارحة " عفوا ؟؟ عفوا ؟؟ فأنا ما عدت أسمع جيدا من هول ما سمعت أذناي مؤخرا ! ماذا تقول هذه الفتاة ؟؟ " ماذا ؟؟ " و رأيتها تبتسم و تقول : " مفاجأة ! أ ليس كذلك ؟؟ " نظرت إلى دانة لتسعفني ... دانة أنقذيني مما تهذي به هذه ... ما الذي تقوله فلغتها غريبة.. و شكلها غريب.. و وجودها في هذا المكان غريب أيضا... دانة نظرت إلي بحزن ، لا ... بل بشفقة ، ثم أرسلت أنظارها إلى الأرض... غير صحيح ! غير ممكن .. مستحيل ... لا لن أصدّق ... " أنت و .. وليد ماذا ؟؟ ار... تبطـ.. ـتما ؟؟ " " نعم ، البارحة .. و جئت ُ معه كي أبارك للعريسين زواجهما.." خطوة إلى الوراء، ثم خطوة أخرى.. يقترب الباب مني، ثم ينفتح.. ثم أرى نفسي أخرج عبره.. ثم أرى الجدران تتمايل.. و السقف يهوي.. و الأرض تقترب مني.. و الدنيا تظلم.. تظلم.. تظلم..و يختفي كل شيء... " سامر .. تعال بسرعة" هتاف شخص ٌ ما.. يدوي في رأسي.. أيدي أشخاص ما تمسك بي.. أذرع أشخاص ما تحملني.. و تضعني فوق شيء ما.. مريح و واسع.. أكفف تضرب وجهي.. أصوات تناديني.. صياح.. دموع.. لا ليست دموع.. إنها قطرات من الماء ترش على وجهي.. أفتح عيني.. فأرى الصورة غير واضحة.. كل شيء مما حولي يتمايل و يتداخل ببعضه البعض.. الوجوه، الأيدي.. السقف.. الجدران.. أغمض عيني بشدة.. أحرّك يدي و أضعها فوق عيني ّ .. لا أتحمل النور المتسلل عبر جفنيّ .. أشعر بدوار.. سأتقيأ.. ابتعدوا.. ابتعدوا... ~ ~ ~ ~ ~ عندما استردّت رغد وعيها كاملا، كان ذلك بعد بضع دقائق من حضورنا إلى الممر و رؤيتنا لها مرمية على الأرض... كنا قد سمعنا صوت ارتطام ، شيء ما بالأرض أو الجدران ، ثم سمعنا صوت دانة تهتف : " سامر ..تعال بسرعة" قفزنا نحن الاثنان، أنا و سامر هو يهرول و أنا أهرول خلفه تلقائيا حتى وصلنا إلى هناك.. دانة كانت ترفع رأس رغد على رجلها و تضرب وجهها محاولة إيقاظها.. و رغد كانت مغشي عليها... أسرعنا إليها ، و مددت أنا يدي و انتشلتها عن الأرض بسرعة و نقلتها إلى سريرها و جميعنا نهتف " رغد.. أفيقي... " صرخت : " ماذا حدث لها ؟؟ " دانة أسرعت نحو دورة المياه، و عادت بمنديل مبلل عصرته فوق وجه رغد، و التي كانت تفتح عينيها و تغمضهما مرارا... استردت رغد وعيها و أخذت تجول ببصرها فيما حولها.. و تنظر إلينا واحدا عقب الآخر... قال سامر : " سلامتك حبيبتي... هل تأذيت ؟؟ " قالت دانة : " أأنت على ما يرام رغد ؟؟ " قلت أنا : " ما ذا حدث صغيرتي ؟؟ " نظرت رغد إلي نظرة غريبة.. ثم جلست و صاحت : " سأتقيأ " بعدما هدأت من نوبة التقيؤ ، وضعت رأسها على صدر سامر و طوقته بذراعيها و أخذت تبكي ... سامر أخذ يمسح على رأسها المغطى بالحجاب... و يتمتم : " يكفي حبيبتي، اهدئي أرجوك.. فداك أي شيء..." قلت : " صغيرتي ؟؟ " رغد غمرت وجهها في صدر سامر... مبللة ملابسه بالدموع.. " صغيرتي ..؟؟ " " دعوني وحدي.. دعوني وحدي .. " و أجهشت بكاء شديدا... لم أعزم الحراك و لم استطعه، إلا أن دانة قالت لي : " لنخرج وليد " قلت بقلق : " ماذا حدث يا دانة ؟؟ " قالت : " قلت لك... إنها مريضة! هذه المرة الثالثة التي يغشى عليها فيها منذ الأمس... " صعقني هذا النبأ.. قلت مخاطبا رغد: " رغد هل أنت بخير..؟؟ " لم تلتف إلي ، بل غاصت برأسها أكثر و أكثر في صدر سامر و قالت : " دعوني وحدي... دعوني وحدي.." يد دانة الآن أمسكت بيدي ، و حثّتني على السير إلى الخارج، ثم أغلقت الباب... حاولت التحدث معها إلا أنها اعترضت حديثي قائلة : " سوف أعود لأطمئن ضيفاتي.. وليد استدع نوّار ... " و انصرفت... بقيت واقفا عند باب غرفة رغد غير قادر على التزحزح خطوة واحدة.. ماذا حل ّ بصغيرتي ؟؟ و لماذا تتشبث بسامر بهذا الشكل ؟؟ هل صحتها في خطر؟ هل عدلت عن فك ارتباطها به ؟ ماذا يحدث من حولي..؟؟ لحظات و إذا بي أرى دانة تظهر من جديد " وليد أ لم تتحرك بعد ! هيا استدعه " " حسنا.. " و عدت إلى صالة الرجال، و رأيتهم أيضا متوترين يتساءلون عما حدث، طمأنتهم و استدعيت العريس و قدته إلى مجلس النساء.. حيث قامت والدته أو إحدى شقيقاته بالتقاط الصور التذكارية لهن مع العريسين... أروى كانت بالداخل أيضا.. عدت إلى بقية الضيوف و أنا مشغول البال .. بالكاد ابتسم ابتسامة مفتعلة في وجه من ينظر إلي... فيما بعد، جاء نوّار و قال : " سننطلق إلى الفندق الآن.." و كان من المفروض أن يسير موكب العريسين إلى أحد الفنادق الراقية، حيث سيقضي العريسان ليلتهما قبل السفر يوم الغد مع بقية أفراد عائلة العريس إلى البلدة المجاورة و من ثم يستقلون طائرة راحلين إلى الخارج... سامر كان من المفترض أن يقود هذا الموكب.. ذهبت إلى غرفة رغد.. و طرقت الباب.. " سامر.. العريسان يودان الذهاب الآن.." فتح الباب، و خرج سامر.. ينظر إلي بنظرة ريب .. قلت: " كيف رغد؟؟ " قال بجمود : " أفضل قليلا" أردت ُ أن أدخل للاطمئنان عليها، لكن سامر كان يقف سادا الباب.. حائلا دون تقدّمي و تحرجت من استئذانه بالدخول.. قلت : " إنهما يودان الانصراف الآن... " سامر نظر إلي ّ بحيرة .. ثم قال : " أتستطيع مرافقتهما ؟؟ " " أنا ؟؟ " " نعم يا وليد، فرغد لن تتمكن من الذهاب معنا و علي البقاء معها " فزعت، و قلت: " أهي بحالة سيئة؟ " " لا، لكنها لن ترافقنا ، بالتالي سأبقى هنا " " إنني أجهل الطريق.. " " اطلب من أحد أخوته مرافقتكم..." لم تبد لي فكرة حسنة، قلت معترضا: " اذهب أنت يا سامر، و أنا باق هنا مع رغد و أروى..." أقبلت دانة الآن، و سألت عن حال رغد، ثم دخلت إلى غرفتها... ~ ~ ~ ~ ~ " أنا تعيسة جدا " كان هذا جوابي على سؤال دانة التي أتتني بقلق لتطمئن علي.. دانة جلست إلى جواري على السرير و أخذت تواسيني.. إلا أن شيئا لا يمكنه مواساتي في الصاعقة التي أحلّت بي... " أرجوك يا رغد.. كفى عزيزتي.. ألن تودّعينني ؟ إنني راحلة عنك للأبد ! " و جاءت جملتها قاصمة لظهري... " لا ! لا تذهبي و تتركيني ! سأكون وحيدة ! أريد أمي .. أريد أمي..." و بكيت بتهيج.. " يكفي يا رغد ستجعلينني أبكي و أنا عروس في ليلة زفافي التعسة ! " انتبهت لنفسي أخيرا.. كيف سمحت لنفسي بإتعاس أختي العروس في أهم ليالي عمرها؟ ألا يكفي أنها حرمت من حفل الزفاف الضخم الذي كانت تعد له منذ شهور... و خسرت كل ملابسها و حليها و أغراض زفافها.. و احترق فستان العرس تحت أنقاب المدينة المدمّرة !؟ طردت بسرعة الدموع المتطفلة على وجهي، و أظهرت ابتسامة مفتعلة لا أساس لها من الصحة و قلت : " عزيزتي سأفتقدك ! ألف مبروك دانة " تعانقنا عناقا طويلا.. عناق الفراق.. فبعد أكثر من 15 عاما من الملازمة المستمرة 30 يوما في الشهر، نفترق..و دموعنا مختلطة مع القبل... قدم سامر.. و قال : " هيا دانة .. " صافحتها و قبلتها للمرة الأخيرة... ثم جاء دور سامر، و من ثمّ الرجل الضخم الذي كان يقف في الخارج عند الباب مباشرة... لم استطع أن ألقي عليه و لا نظرة واحدة.. لم أشأ أن أنهار من جديد.. اضطجعت على سريري، و سحبت الغطاء حتى أخفيت وجهي أسفل منه... سمعت سامر يقول : " سآخذهما للفندق و أعود مباشرة.. وليد و خطيبته سيبقيان معك " و لم تهز في ّ هذه الجملة شعرة واحدة ، بل أغمضت عيني و أنا أقول : " سأنام.." أحسست بالجميع يغادرون الغرفة و يغلقون الباب، ثم اختفت الأصوات و الحركات.. لقد غادر جميع الضيوف.. و في الشقة لم يبق إلا أنا.. و وليد.. و الأجنبية الدخيلة... دخلت في نوم عميق أشبه بالغيبوبة.. إلا أنني في لحظة ما..أحسست بدخول شخص ما إلى الغرفة.. و اقترابه مني.. ثم شعرت بيد تمتد إلى لحافي فتضبطه فوقي، ثم تمسح على رأسي من فوق حجابي الذي لم أنزعه، ثم توهمت سماع همس في أذني ... " أحلام سعيدة يا حبيبتي" و ابتعد المجهول.. و سمعت صوت انغلاق الباب.. فتحت عيني الآن فوجدت الغرفة غارقة في السكون و الظلام.. هل كان ذلك وهما؟؟ هل كان تهيؤا ؟؟ حلما؟؟ لست أكيدة.. و إن كان حقيقة ، فالشيء الذي سأكون أكيدة منه ، هو أن الشخص كان سامر... ~ ~ ~ ~ ~ ~ استخدمت غرفتي السابقة بينما جعلت أروى تستعمل غرفة العروس، للمبيت تلك الليلة... لقد كنت شديد القلق على صغيرتي .. و لم أنم كما يجب.. كنا قد قررنا البقاء ليومين قبل معاودة الرحيل، و كان هذان اليومان من أسوأ أيام حياتي ! رغد كانت مريضة جدا و ملازمة للفراش، و سامر كان يمنعني من الدخول إلى غرفتها أغلب المرات، و في المرات القليلة التي سمح لي بإلقاء نظرة، كنت أرى رغد شاحبة جدا و مكتئبة للغاية ، ترفض الحديث معي و تطلب منا تركها بمفردها ضاق صدري للحالة التي كانت عليها و سألت سامر: " ماذا حدث لها ؟ هل حدث شيء تخفونه عني؟ لم هي كئيبة هكذا؟؟ هل آذاها أحد بشيء ؟؟ " قال سامر : " إنها كئيبة لفراق دانة ، فكما تعرف كانت تلازمها كالظل... " " لكن ليس لهذا الحد.. أنا أشعر بأن في الأمر سر ما.. " نظر إلي شقيقي نظرة ارتياب و قال : " أي سر؟؟ " قلت : " ليتني أعرف... " كنا خلال هذين اليومين نتناول وجباتنا أنا و أروى في المطاعم، و في الليلة الأخيرة، عندما عدنا من المطعم ، وجدنا رغد و سامر في غرفة المائدة يتناولان العشاء... فرحت كثيرا، فهي علامة جيدة مشيرة إلى تحسّن الصغيرة.. قلت : " صغيرتي.. حمدا لله على سلامتك، أتشعرين بتحسّن ؟؟ " رغد نظرت نحوي بجمود ، ثم نحو أروى ، ثم وقفت ، و غادرت الغرفة ذاهبة إلى غرفة نومها... وقف سامر الآن و نظر إلي بعصبية : " أ هذا جيّد؟ ما كدت أصدق أنها قبلت أخيرا تناول وجبة.. " قلت ُ بانزعاج : " هذه حال لا يصبر عليها، لسوف آخذها إلى الطبيب.. " و سرت ُ مسرعا نحو غرفتها ، فأقبل شقيقي من بعدي مسرعا : " هيه أنت.. إلي أين ؟؟ " التفت ُ إليه و قلت : "سآخذ الفتاة للمستشفى " قال بغيظ : " من تظن نفسك؟ ألا تراني أمامك؟؟ خطيبتك هي تلك و ليست هذه " قلت مزمجرا : " قبل أن تكون خطيبتك هي ابنة عمّي ، و إن كنت نسيت فأذكرك بأنها ستنفصل عنك، و لتعلم إن كنت جاهلا بأن أمورها كلها تهمني و أنا مسؤول عنها كليا ، مثل والدي تماما " و هممت بمد يدي لطرق الباب و من ثم فتحه ، إلا أن سامر ثار... و أمسك بيدي و أبعدها بقوة.. تحررت من مسكته و هممت بفتح الباب ألا أنه صرخ : " ابتعد " و قرن الصرخة بانقضاض على ذراعي، و سحب لي بقوة... دفعت به بعيدا عني فارتطم بالجدار، ثم ارتد إلي و لكمني بقبضته في بطني لكمة عنيفة... اشتعلت المعركة فيما بيننا و دخلنا في دوامة جنونية من الضرب و الركل و اللطم و الرفس.. أتت في غير أوانها ! أروى واقفة تنظر إلينا بذهول.. و باب غرفة رغد انفتح .. و ظهرت منه رغد مفزوعة تنظر إلينا باستنكار و توتّر " سامر... وليد... يكفي ... " إلا أن أحدنا لم يتوقّف... في العراك السابق كان سامر يستسلم لضرباتي .. أما الآن ، فأجده شانا الهجوم علي و يضربني بغيظ و بغض.. كأن بداخله ثأرا يود اقتصاصه مني... بعد لحظات من العراك، و يد الغلبة لي، و أنا ممسك بذراع أخي ألويها للوراء و أؤلمه ، جاءت رغد تركض نحوي صارخة : " أترك خطيبي أيها المتوحّش " و رأيت يديها تمتدان إلي ، تحاولان تخليص سامر من بين يدي... أمسكت بذراعي و شدّتني بقوة، فحررت أخي من قبضتي و استدرت لأواجهها... صرخت بوجهي : " وحش.. مجرم.. قاتل.. أكرهك.. أكرهك.. أكرهك " و بقبضتيها كلتيهما راحت تضربني على صدري بانفعال ضربة بعد ضربة بعد ضربة... و أنا واقف كالجبل بلا حراك.. أشاهد.. و اسمع.. و أحس.. و أتألم.. و أحترق... و أتزلزل ... و أموت.... |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#62 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
الحلقة الثلاثون
******** ~ أنا اليتيمة ~ بعد سيل الضربات القوية التي وجهتها إلى صدر وليد ، بانفعال و ثورة.. بغضب و غيظ و قهر.. شعرت بألم في يدي ّ كان هو ما جعلني أوقف ذلك السيل... رفعت رأسي إليه، فرأيته ينظر إلي بجمود .. لم تهزه ضرباتي و لم توجعه! من أي نوع من الحجر أنت مخلوق؟؟ من أي نوع من المعادن صدرك مصنوع؟؟ ألا تحس بي؟؟ عيناي كانتا مغرورقتين بالعبرات الحارقة.. تمنيت لو يمسحها.. تمنيت لو يضمني إلى صدره.. تمنيت.. لو أصحو من النوم ، فأكتشف أن أروى هي مجرد حلم.. وهم .. لا وجود له.. و كم كانت أمان ٍ مستحيلة التحقق... كان وليد ينظر إلي بعمق، كانت نظراته تنم عن الحزن.. و الاستسلام... فهو لم يقاومني و لا يبعدني.. بل تركني في ثورة غضبي أفرغ على صدره دون إدراك.. كل ما كتمته من غيظ مذ علمت بنبأ ارتباطه... ابتعدت عنه، التفت إلى سامر، ثم إلى أروى، ثم إلى وليد مجددا... ثم ركضت داخلة غرفتي و صافعة الباب بقوة... لم أسمح لسامر بالدخول عندما أراد ذلك بعد قليل، و بقيت أبكي لساعات... في اليوم التالي، عندما خرجت من غرفتي قاصدة المطبخ، لمحت غرفة دانة سابقا ، الدخيلة حاليا مفتوحة الباب... اقتربت منها بحذر .. و ألقيت نظرة شاملة عليها كانت خالية من أي أحد .. أسرعت نحو غرفة وليد.. فوجدتها الأخرى مفتوحة و لا وجود لأي شيء يشير إلى أن وليد لم يرحل... ركضت بسرعة نحو الصالة، رأيت سامر يجلس هناك شاردا .. حين رآني ، ابتسم و وقف و ألقى علي تحية الصباح .. قلت بسرعة : " أين وليد ؟؟ " ألقى علي سامر نظرة متألمة ثم قال : " رحل " صعقت ... هتفت : " رحل ؟؟ متى ؟؟ " قال : " قبل قليل.. " مستحيل ! لا ... غير ممكن ... صرخت : " لماذا تركته يرحل ؟؟ " نظر إلي سامر بحيرة ..صرخت مجددا : " لماذا تركته يرحل ؟؟ " قال سامر مستاء ً : " و هل كنت تتوقعين مني أن أربطه إلى المقعد حتى لا يذهب ؟ أخذ خطيبته و أغراضهما و ولا خارجين دون سلام " صرخت : " كان يجب أن تمنعه ! الحق به.. دعه يعود .. أعده إلي حالا " سامر هتف بعصبية : " لا تثيري جنوني يا رغد.. ماذا تريدين به ؟ لقد تزوّج من أخرى و قضي الأمر " صرخت بقوة : " لا " " رغد ! " " لن أصدّق.. إنكم تكذبون ... كلكم تكذبون.. وليد لم يرتبط بأحد.. وليد لم يدخل السجن.. وليد لم يقتل أحدا.. وليد لن يتخلّى عني...لن يبتعد عني.. أعده إلي.. أعده إلي..أعده إلي.. " و انهرت باكية..حسرة على وليد قلبي و على هذه الحال بقيت أياما... اشتد علي المرض و السقم.. و تدهورت حالتي النفسية كثيرا..كما ساءت حالة سامر و أصبح عصبيا جدا..و صرنا نتشاجر كل يوم..و الحال بيننا لا تطاق.. ما زاد الأمر سوءا هو أننا كلما اتصلنا بوالدي ّ وجدنا الهاتف مغلقا، و عندما اتصلنا بالفندق الذي كانا ينزلان به أُبلغنا بأنهما قد غادراه... انقطعت أخبارهما عنا عدة أيام و حلّ التوتر الفظيع علينا و امتزجت المشاكل و المخاوف و المشاجرات مع بعضها البعض، و تحوّلت حياتنا أنا و سامر إلى جحيم... و جحيمنا صار يتفاقم و يتضاعف يوما بعد يوم، إلى أن طغى الطوفان المدمّر و حلّت الصاعقة الكبرى...أخيرا... ~ ~ ~ ~ ~ التحقت بمعهد إداري في مبنى قريب من المزرعة، و بتوفيق من الله أولا ، ثم بمساعدة من العم إلياس و السيدة ليندا، أصبحت طالبا رسميا في المعهد. الحياة بدت مختلفة، و كل شيء سار على خير ما يرام، حظيت أخيرا بشيء من الراحة و السعادة.. خطيبتي..كانت إنسان رائع جدا.. في الأخلاق و الطيبة و المشاعر و الجمال و كل شيء... نعمة من رب السماء .. حاولت جاهدا أن أصرف مشاعري نحوها... و أودع فيها ما يكنه قلبي من الحب و الحنان ، إلا أن رغد.. لم تسمح لي بذلك... فقد كانت محتلة القلب من أول وريد إلى آخر شريان...و بُعدها و صحتها المتدهورة ما زاداني إلا تعلقا بها و لهفة إليها... و كلما تسللت يداي إلى الهاتف، و أدارتا رقم الشقة، ذكرني عقلي بكلماتها الأخيرة القاتلة... فوضعت السماعة و ابتعدت ... لم أتصل للسؤال عن أي فرد من أسرتي، و أقنعت نفسي بأنني لم أعد أنتمي إليهم.. و أن عائلتي الحقيقية هي عائلة نديم رحمه الله... لذلك ، حين وردتني مكالمة من سامر بعد أيام حاولت اصرافها، إلا أن أروى ألحّت علي بالإجابة .. و هي تقول : " لو كان لدي أخ أو أخت لكنت فعلت أي شيء من أجلهما مهما تعاركا معي أو حتى قتلاني ! " تناولت السماعة من يدها و أنا أشعر بالخجل من هروبي هذا... قربتها من أذني و فمي و تحدّثت : " نعم يا سامر؟؟ " " كيف حالك؟ " " بخير.." و ساد صمت استمر عدة ثواني ... قلت : " أهناك شيء ؟؟ " فأنا لا أتوقع أن يتصل ليسأل عني فقط ، خصوصا بعد شجارنا الأخير... قال سامر : " يجب أن تحضر إلى هنا يا وليد " ذهلت من عبارته، قلت متوترا و قد انتابني القلق المفاجئ : " خير؟ هل حصل شيء ؟؟ " " نعم، و لابد من حضورك " هوى قلبي على الأرض..من القلق ، قلت و أنا بالكاد أحرك شفتي ّ : " رغد بخير ؟؟ أ أصابها مكروه ؟؟ " سامر صمت ، ما جعلني أوشك على الموت... قلت : " ما بها رغد أخبرني ؟؟ " قال : "على ما هي عليه، أريدك حضورك فورا " التقطت بعض أنفاسي و قلت : " لم سامر؟ أخبرني ماذا حصل ؟؟ " " لن أخبرك على الهاتف ، تعال بأسرع وقت يا وليد.. الأمر غاية في الأهمية " لم استطع بعد تلك المكالمة السكون برهة واحدة ، تحركت بعصبية كالمجنون .. و من فوري ذهبت لأبحث عن سيارة أجرة، إذ أنني لم أكن أملك واحدة كما تعلمون... أرادت أروى مرافقتي إلا أنني عارضت ذلك، و خلال ساعة، كنت أشق طريقي نحو شقة سامر.. و قلبي شديد الانقباض.. لابد أن مكروها قد حل ّ بصغيرتي و إن كان كذلك، فلن أسامح نفسي على البقاء بعيدا بينما هي مريضة... قطعت المسافة في زمن قياسي، و حين وصلت أخيرا إلى الشقة، قرعت الباب بشكل متواصل إلى أن فتحه أخي أخيرا... من النظرة الأولى إلى وجهه أدركت أن الموضوع أخطر مما تصوّرت.. كانت عيناه حمراوان و جفونه وارمة ، و وجهه شديد الكآبة... و السواد أيضا... منظره أوقع قلبي تحت قدمي ّ في الحال... و قبل أي كلمة أخرى هتفت مفزوعا : " أين رغد ؟؟ " و ركضت إلى الداخل مسرعا و أنا أنادي : |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#63 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
" رغد ... رغد ... "
و حين بلغت غرفتها طرقت الباب بقوة... و أنا أهتف بفزع... " رغد... أأنت هنا ؟ " فتح الباب و ظهرت رغد .. و ما أن وقعت أعيننا على بعضها البعض حتى كدت أخر صريعا.. " رغد ! " " وليد ... " " أنت ِ بخير صغيرتي ؟؟ أنت بخير ؟؟ " انفجرت رغد باكية بقوة ، التفت إلى الوراء فإذا بسامر يقف خلفي ، هتفت : " ماذا حصل ؟ " رغد ازداد بكاؤها .. قلت منفعلا : " أخبراني ماذا حدث ؟؟ " و نظرت إلى سامر في انتظار ما سيقول ... سامر حرّك شفتاه و قال أخيرا : " أصيب والدانا في الغارة على الحدود" صعقت ، شهقت : " ماذا ؟؟ " طأطأ سامر رأسه للأسفل ، فقلت بسرعة : " سامر ؟؟ " لم يرفع عينيه في البداية، إلا أنه حين رفعهما كانتا غارقتين في الدموع، و قال أخيرا : " قتلوهما.." شهر كامل قد مضى، و أنا مقيم مع أخي و رغد في هذه الشقة... نسبح في بحر الدموع و الألم... لا يقوى أحدنا حتى على النهوض من المقعد الذي يجلس عليه... أسوأ اللحظات.. كانت تلك اللحظات التي رأيت فيه رغد تلطم وجهها و تصرخ و تنوح و تصيح... " لماذا كتب علي أن أيتّم مرتين؟؟ من بقي لي بعدهما؟؟ أريد أن ألحق بهما.. أمي .. أبي .. أنا مدللتكما العزيزة.. كيف تفعلان هذا بي ؟؟ كيف تتركاني يتيمة من جديد؟ و أنا في أمس الحاجة إليكما.. ليتني متّ منذ صغري..ليتني احترقت مع المنزل و لم أعش هذا اليوم... وا حسرتاه" كانت تجول في الشقة و تصرخ و تنادي كالمجنونة.. و تصفع رأسها بأي شيء تصادفه في طريقها.. و كنت أمشي خلفها، محاولا تهدئتها و مواساتها ، بينما أنا الأكثر حاجة للمواساة.. أبعد حرماني منهما لثمان سنين.. ثمان سنين كان من الممكن أن أقضيها تحت رعايتهما و حبهما.. اللذين مهما كبرت سأبقى بحاجة إليهما، أفقدهما بهذا الشكل؟؟ حينما أتذكر يوم وداعهما... آه يا أمي.. و يا أبي.. لو كنت أعرف أنه اللقاء الأخير.. ما كنت تركتكما تخرجان... أتذكر وصايا أمي... (اعتني بشقيقتيك جيدا لحين عودتنا).. أماه.. هاأنا قد اعتنيت بهما و إن قصّرت.. فأين عودتك ؟؟ لو كنت أعلم أنه آخر العهد لي بكما... ما فارقتكما لحظة واحدة حتى أموت دونكما أو معكما.. لكنه قضاء الله.. و مشيئة الله.. يا رب.. فكما جاءاك ملبيين طائفين حول بيتك المشرّف، يا رب فأكرمهما بنعيم الجنة التي وعدت بها عبادك المؤمنين... و لا حول و لا قوّة إلا بالله... شهر كامل قد انقضى و لم تتحسن أحوالنا النفسية شيئا يذكر.. و هل يمكن أن يندمل جرح كهذا؟؟ لقد كانا في حافلة مع مجموعة من الحجيج عائدين إلى البلد، بعدما نفذ صبر الجميع و دفعهم الحنين لأهلهم للإقدام على السفر برا...و كانت مجازفة أودت بحياتهم جميعا ... نحن.. و يا من كنا غارقين في بحر الحزن و المآسي.. و يا من تشردنا..و تشتتنا..و تفرّقنا و انتكست أحوالنا و تنافرت قلوبنا..و كنا ننتظر عودة والدينا لعل ّ الله يصلح الحال.. يأتينا نبأ مصرعهما المفاجئ المفجع.. و ينسف ما بقي لنا من قوة أيما نسف... السلطات اتصلت بأخي سامر و أبلغته الخبر المفجع، ليذهب لاستلام الجثتين من إحدى المستشفيات، التي نقل إليها جميع راكبي الحافلة، و الذين قتلوا جميعا دون استثناء.. كنت أريد الذهب..فقط لألقي نظرة..فقط لأقبّل أي شيء منهما.. رأسيهما.. جبنيهما.. أيديهما..إقدامهما..أو حتى ملابسهما..أي شيء منهما و لهما.. لكني بقيت رغما عني ملازما رغد في المستشفى.. متوقعا أن أفقدها هي الأخرى.. بين لحظة و أخرى.. كانت أفظع أيام حياتي.. كانت نائمة معظم الوقت، و كلنا أفاقت سألتني : " أين أبي؟؟ أين أمي ؟؟ ألا أزال حية ؟؟ متى سأموت؟؟" و لا أجد شيئا أواسيها به غير آهات تنطلق من صدري ، و شلالات تتدفق من عيني.. ونيران تحرق جسدي و ترديني فتاتا.. رمادا..غبارا.. عندما عاد أخي.. كنت أنظر إلى عينيه بتمعن..أحدق بهما بجنون..علّ صورة والدي ّ قد انطبعت عليهما.. علّني أرى طيف ما رأتاه.. أخذت أضمه، و أشمه و أقبّله.. فقد كان معهما.. و ربما علق به شيء منهما..أي شيء... أي شيء... و حين سألني عن رغد.. قلت باكيا : " ستموت! إنني أراها تموت بين يدي.. ماذا أستطيع أن أفعل؟ ليتني متّ قبل هذا " و حين تحدث معها ، سألته بلهفة : " أين هما؟؟ هل عادا معك؟؟ هل عادا للمنزل؟ أعدني إليهما..فأنا أريد أن يشهدا عرسي..ليس مثل دانة !" أي عرس يا رغد..أي فرح..أي لقاء تتحدثين عنه ؟؟ لقد انتهى كل شيء.. و الحبيبان اللذان كانا يدللانك و يحيطاننا جميعا بالحب و الرعاية.. ذهبا في رعاية من لا يحمد على مكروه قضى به سواه... اللهم لا اعتراض على قضائك... و إنا لله .. و إنا إليه راجعون.... اليوم، و كما قررت أخيرا، سأذهب إلى المزرعة.. فلا بد لي من مواصلة العمل، و الدراسة في ذلك المعهد.. و العودة إلى أهلي بعدما حصل.. أصبحت ضربا من المحال.. فمن يريد العودة إلى جحيم الذكريات... ؟؟ سامر..كان قد أهداني سيارة قبل أيام، جاءت منقذة لي في وقت الحاجة الحقيقية.. شكرته كثيرا.. و أذكر أنه يومها ابتسم ابتسامة واهية و قال : " و لم كل هذا الشكر ! إنها مجرّد سيارة.. بلا روح و لا مشاعر !" استغربت من ردّه، إلا أنه غير الحديث مباشرة... زرت المزرعة مرتين اثنتين فقط مذ قدمت إلى هنا.. فقد كان بقائي قرب رغد هو مركز اهتمامي و بؤرته... أما أحوال العائلة هناك كانت مستقرة.. أجمع أشيائي في حقيبة أضعها على السرير، باب الغرفة مفتوح، يطل منه أخي سامر... و يتحدّث ... " أحقا سترحل وليد؟؟ " استدير إليه و أقول : " كما ترى " مشيرا إلى الحقيبة.. و أضيف : " سأعود إلى عملي، و دراستي" يظل واقفا عند الباب ، ثم يخطو خطوتين إلى الداخل و يقول بصوت خافت : " أنا أيضا سأعود إلى عملي... انتهت إجازاتي الممددّة " التفت إليه و أنا أدرك ما يعني، بل هو أكثر ما يشغل تفكيري على الإطلاق، لكنني أقول : " و إذا ؟؟ " يقول : " رغد... " نعم ، لا زلنا و منذ زمن..نقف عند هذه النقطة.. رغد... قال : " لا يمكن تركها وحيدة..، خذها معك " و فاجأني هذا الطلب، فهو آخر ما كنت أتوقع أن يطلبه أخي مني... لقد كنت أنا من سيطرح الفكرة، و خشيت أن أعقد الأمور أكثر في وقت نحن فيه في غنى تام عن أي تشويش يزيدنا ألما فوق ألم... قلت : " معي أنا ؟؟ " " نعم يا وليد.. فهناك حيث تقيم، لديك عائلة يمكن لرغد أن تظل تحت رعايتهم أثناء غيابك.. لكن هنا في هذه الشقة..." لم يتم كلامه.. لقد كان هذا الموضوع هو شغلي الشاغل منذ قررت العودة للمزرعة، ألا أنني لم أكن أعرف الطريق لفتحه أمام سامر، خطيب رغد... قلت : " ما كنتَ فاعلا لو أنكما تزوجتما إذن؟ " قال : " ربما ..أتركها في بيتنا مع والدي ّ " و الكلمة قرصت قلبينا... و عصرت شعورنا... تابع : " ألا أنه .. لا والدين لنا الآن .. و لا بيت.." " يكفي أرجوك.." قلت ذلك محاولا إبعاد غيمة الهم عني، فقد اكتفيت من كل ذلك.. اكتفيت من الهموم التي حملتها على صدري مذ ارتكبت جريمتي و حتى هذا اليوم... بددت أشباح الذكرى المؤلمة بعيدا عن رأسي.. و قلت : " أتظنها ترحب بذلك ؟؟ " ابتسم ابتسامة مائلة للسخرية و قال : " جرّب سؤالها بنفسك..." و رمقني بنظرة حادة، ثم غادر الغرفة... بعدما انتهيت من جمع أشيائي، ذهبت ُ إلى غرفة رغد... طوال الأيام الماضية لم تكن تغادرها .. حتى القليل من الطعام الذي كانت تعيش عليه، تتناوله على سريرها.. حالتها كانت سيئة جدا ولازمت المستشفى وقتا طويلا، و كنا نتناوب أنا و سامر على رعايتها...إلا أنها تحسّنت في الآونة الأخيرة.. و أحضرناها إلى هنا.. و الحمد لله فلو أصابها شيء..هي الأخرى، فسوف أموت فورا لا محالة...لن يقوى قلبي على تحمّل صدمة أخرى.. و خصوصا للحبيبة رغد..لا قدّر الله .. طرقت الباب و ذكرت اسمي، ثوان، ثم أذنت لي بالدخول... دخلت، فرأيتها جالسة على السرير، كالعادة، إلا أنها ترسم شيئا ما في كراستها... اقتربت لألقي نظرة على ما ترسم، كانت صورتين وهميتين لوالدي ّ رحمهما الله.. مرسومتين بالقلم الرصاصي، و بمعالم غامضة مبهمة... " كيف أنت صغيرتي؟ " لم ترفع عينيها عن الرسمة، قالت : " كما أنا " و هو جواب يقتلني...إن كنتم لا تعلمون... قلت : " أنت بخير، الحمد لله .." قالت : " نعم ، بخير.. يتيمة مرتين، وحيدة و بلا أهل.. و لا من يتولى رعايتي .. عالة على ابن عمّي ... " مزقتني كلماتها هذه، قلت : " عالة على خطيبك !؟ " قالت مصححة : " ابن عمّي.. فأنا لن أتزوّجه.. ما لم يحضر والداي و يباركا زواجنا.." كادت الدمعة تقفز من عيني... اقتربت منها أكثر.. و قلت محاولا المواساة : " حتى لو لم تتزوجيه، يبقى ابن عمّك و مسؤولا عنك.. فلا تأتي بذكر كلمة عالة هذه مرة أخرى " الآن، قامت بالخربشة على الصورتين بخطوط عشوائية حادة، ثم .. نزعت الورقة من الكراسة، ثم مزّقتها.. أخيرا نظرت إلي : " لم لا ترسلاني إلى دار لرعاية الأيتام ؟ " " رغد بالله عليك.. لم تقولين ذلك ؟؟ " " نعم فهو المكان الأنسب لي، سامر يريد العودة للعمل و أنا أعيقه " قلت بألم : " و أنا ؟ " رمقتني بنظرة مبهمة ، ثم قالت : " و أنت ستعود إلى عملك، و فتاتك..، و دانة تزوجت و استقرت مع زوجها في الخارج..، بلا بيت و لا والدين .. و لا أهل.. إما أن ترسلاني لبيت خالتي، أو لدار الأيتام " اغتظت، و قلت بعصبية : " كفّي عن ذلك يا رغد، بالله عليك... أتظنين أنني سأتخلى عنك بهذه السهولة ! " رغد حدقت بي، متشككة مرتابة... قلت : " أبدا يا رغد ! لا تظني .. أنه بوفاة والدي رحمه الله.. لم يعد لك ولي مسؤول.. إنك من الآن فصاعدا، لا .. بل من يوم وفاته فصاعدا... بل و من يوم وفاة والديك الحقيقيين فصاعدا.. تحت مسؤوليتي أنا.." لا تزال تحملق بي بريبة.. قلت : " و من هذه اللحظة، اعتبريني أمك و أباك و أخاك و كل شيء.. " شيء من التصديق ظهر على وجهها.. أرادت التحدث إلا أنها منعت نفسها .. قلت مؤكدا : " نعم صغيرتي، و لتكوني واثقة مائة بالمائة.. من أنك ستبقين ملازمة لي كعيني هاتين.. و لسوف أفقأهما قبل أن أبعدك عني مترا واحدا ! " الآن رغد راحت تنظر إلى المسافة التي تفصل بيننا، بضع خطوات تتجاوز المتر.. ثم تنظر إلي... نظرت أنا إلى حيث نظرت، ثم خطوت خطوتين للأمام، و قلت : " متر ! أليس كذلك ؟؟ " هنا .. انطلقت ضحكة غير متوقعة من حنجرة رغد.. ضحكة صغيرة كصغر حجمها و حجم حنجرتها.. و قصيرة كقصر المسافة التي بيننا هذه اللحظة... و مبهجة كبهجة العيد ! لم أستطع منع نفسي من الابتسام.. و هل هناك أجمل من ابتسامة أو ضحكة عفوية تشق طريقها بين الدموع و الهموم؟؟ لما رأيت منها هذا التجاوب، فرحت كثيرا.. فضحكة رغد ليست بالأمر السهل..إنها أعجوبة حصلت في زمن المرض و المآسي... قلت : " بما أن سامر سيبدأ العمل و سينشغل ثمان ساعات من النهار خارج الشقة، و أنا لابد لي من العودة لعملي، فأنا سآخذك معي.. فهل تقبلين ؟؟ " قالت : " و سامر؟ يبقى وحيدا ؟ " قلت : " سنأتي أسبوعيا لزيارته أو يأتينا هو.. ربما تتغير ظروفنا فيما بعد.. و نستقر جميعا في مكان واحد.. ما رأيك ؟ " نظرت إلى الأرض، ثم قالت : " حسنا " أثلج صدري، ارتخت عضلاتي و ارتاح قلبي من توتره.. قلت : " إذن اجمعي أشياءك الآن، سنذهب عصرا " وقفت رغد مباشرة، و بدأت بجمع قصاصات الورقة التي مزقتها قبل قليل.. أخذت تنظر إليها، و شردت... قلت مداعبا : " اطمئني يا رغد.. سترين..أي نوع من الآباء و الأمهات سأكون ! " ابتسمت رغد، و ألقت القصاصات في سلة المهملات... ~ ~ ~ ~ ~ لم يكن لدي الكثير من الأشياء، لذا لم احتج أكثر من حقيبة صغيرة جمعت حاجياتي فيها، و وضعتها قرب الباب.. وليد ذهب إلى الحلاق، و حينما يعود .. سنغادر.. سوف لن أتحدث عن فاجعة موت والدي ّ لأنني لا أريد لدموعي و دموعكم أن تنهمر.. فقد اكتفيت..تشبّعت للحد الذي لم تعد فيه الدموع تحمل أي معنى... لقد كنت أنا من أصرّ عليهما للحضور بأية وسيلة.. فقد كنت في حالة سيئة كما تعلمون.. و ربما هذا ما دفعهما لسلك الطريق البري الخطر.. أنا الآن فتاة يتيمة مرتين.. بلا ولي و لا أهل، غير خطيب لن أتزوجه يوما.. و ابن عم لن يتزوجني يوما.. لكنه لن يتخلى عني.. أجهل طبيعة الحياة التي سأعيشها من الآن فصاعدا.. إلا أنني لا أملك من الأمر شيئا و إذا ما كتبت لي العودة إلى المدينة الصناعية ذات يوم، فلسوف استقر في بيت خالتي.. حتى يومنا هذا، و الحظر الشديد مستمر على المدينة الصناعية و مجموعة من المدن التي تعرضت أو لا تزال تتعرض للقصف و التدمير من قبل العدو... أما هذه المدنية، و كذلك المدينة الزراعية، فهما بعيدتان عن دائرة الحرب... ارتديت عباءتي، مستعدة للخروج .. و لمحت سامر يقبل نحوي.. وقفت أنظر إليه و هو ينظر إلي.. و كانت النظرات أبلغ من الكلمات.. قال : " سأفتقدك" قلت : " و أنا كذلك.. سنأتي لزيارتك كل أسبوع" ابتسم ابتسامة واهنة و من ثم قال : " هل ستكونين على ما يرام هناك ؟؟" لم أرد.. فأنا لا أعلم ما الذي ينتظرني.. " أينما كنت يا رغد..أتمنى لك السعادة و الراحة " نظرت إليه نظرة امتنان.. أمسك يدي بحنان و قال : " سأكون هنا.. متى ما احتجتني.. دائما في انتظارك و رهن إشارتك.." لم أملك إلا أن طوّقته بيدي الأخرى.. و قلت : " يا عزيزي..." و تعانقنا عناقا هادئا صامتا.. طويلا.. بعد مدّة ، عاد وليد.. ودّعنا سامر.. و ركبنا السيارة، وليد في المقدمة و أنا خلفه.. وانطلقنا... لكي يقطع الوقت و يقتل الملل، أدار المذياع.. فأخذت أصغي إلى كل شيء و أي شيء.. كما كنت أراقب الطريق... و رغم الصمت الذي كان رفيق لسانينا، إلا أنني شعرت به يكلّمني... أكاد أسمع صوته، و أحس بأنفاسه.. و الحرارة المنبعثة من جسده الضخم... كان هو مركزا على الطريق.. بينما أنا أغلب الأحيان مركزة عليه هو... الآن، و بعد كل الأحداث التي مررت بها..أعترف بأنني لا أزال أحبه.. وصلنا إلى نقطة تفتيش.. ما أن لمحتها حتى أصبت بالهلع.. فبعد الذي عشته تلك الفترة.. صرت أرتجف خوفا من مثل هذه الأمور... الشرطي طلب من وليد البطاقة و رخصة القيادة.. ثم سأله عني.. " ابنة عمي " " أين بطاقتها ؟ " " إنها لا تحمل بطاقة خاصة، فهي صغيرة " " إذن بطاقة والدها " " والدها متوف، ووالدي الكافل كذلك، توفي مؤخرا..إلا أنها مضافة إلى بطاقة شقيقي، خطيبها حاليا " قال الشرطي متشككا : " هل هذا صحيح ؟؟ " قال وليد : " طبعا ! " الشرطي التفت إلي أنا و قال : " هل هذا ابن عمّك ؟ " قلت بوجل : " أجل " " أهو خطيبك ؟ " " لا ! شقيق خطيبي.." " و أين خطيبك أو ولي أمرك ؟ " " لم يأت ِ معنا، لكنه على علم بسفرنا " " صحيح ؟ " وليد قال بعصبية وضيق : " و هل تظنني اختطفتها مثلا ؟ بربّك إنها مثل ابنتي " ابتعد الشرطي مترددا ثم سمح لنا بالعبور... أنا كنت أنظر إلى وليد عبر المرآة.. مندهشة و مستنكرة جملته الأخيرة ! ابنته !؟ أنا مثل ابنته ؟؟ فارق السن بيننا لا يتجاوز التسع سنين ! وليد أبي ! بابا وليد ! و شعرت ُ برغبة مفاجئة في الضحك ! لكن هذه الرغبة تحوّلت إلى حرج شديد جدا..عندما أصدرت معدتي نداء الجوع ! مباشرة نظر وليد عبر المرآة فالتقت أنظارنا.. و أبعدت عيني بسرعة في خجل شديد... تكلم وليد قائلا : " لم تأكلي شيئا منذ الصباح..أليس كذلك؟ " تحرجت من الرد عليه..و علتني حمرة الخجل.. لم أكن في الآونة الأخيرة أتناول أكثر من وجبة واحدة في اليوم.. و كنت أجبر نفسي على أكلها فقط لأبقى حية.. أتذكر الآن.. الطبخات اللذيذة التي كانت أمي، و دانة تعدّانها.. آه أماه.. إنني مشتاقة لأي شيء من يديك.. حتى و لو كان السمك المشوي الذي تعدّينه، و اهرب أنا من المائدة كرها له... كنت سأدخل متاهة الذكرى المؤلمة، لكن صوت وليد أغلق أبواب المتاهة حين سمعته يقول : " سآخذك إلى مطعم جيد في المدينة الشمالية الزراعية .. سيعجبك طعامه " المشوار كان طويلا.. و الهدوء جعل النعاس يطغى علي.. فمنت لبعض الوقت.. صحوت من النوم على صوت وليد يهمس باسمي... " رغد.. رغد صغيرتي.." فتحت عيني.. فوجدته ملتفتا إلى الوراء يناديني.. و تلفت من حولي فرأيت السيارة واقفة .. قال وليد: " وصلنا " قلت : " المزرعة ؟ " و أنا أطالع ما حولي.. باستغراب.. قال : " المطعم " قلت : " ماذا ؟ " " المطعم صغيرتي.. نتناول عشاءنا ثم نذهب إلى المزرعة " و تذكرت أنني كنت جائعة ! كانت الوقت لا يزال باكرا.. وليد فتح بابه و خرج من السيارة، ثم فتح الباب لي.. هبطت و صافحتني أنسام الهواء الباردة.. فضممت ذراعي ّ إلى بعضهما البعض.. " أتشعرين بالبرد؟ " " قليلا" " المكان دافئ في الداخل.. هيا بنا " سرنا جنبا إلى جنب، أنا بقامتي الصغيرة و رأسي المنحني للأسفل، و هو بجسده العملاق.. و رأسه العالي فوق هامته الطويلة ! ثنائي عجيب متناقض ! دخلنا المطعم .. كان تصميم مدخله جميل.. و الكبائن متباعدة و متقنة الهندسة.. اختار وليد كبينة بعيدة، و جلسنا متقابلين، لكن ليس وجها لوجه! شغلنا نفسينا بتقليب صفحات الكتيب الصغير، الحاوي لقوائم الأطعمة و المشروبات... قال وليد : " ماذا تودين ؟ " في هذه اللحظة ، و أنا في توتري الشديد هذا، و الإحساس بقرب وليد يشويني.. قلت : " دورة المياه " " عفوا ! ؟ " تركت الكتيب من يدي، قام وليد و قال : " تفضلي.." كانت دورة المياه النسائية في الطرف الآخر..على مقربة من الباب توقّف وليد.. و تركني أمشي وحدي.. التفت إليه.. قال : " سأنتظر هنا " لم أشعر بالطمأنينة.. تراجعت .. قلت: " لنعد " قال : " هيا رغد ! سأبقى واقفا في مكاني.. " " لا.." وليد نظر إلى ما حولنا ثم قال : " حسنا، سأقترب أكثر" و مشى معي حتى بلغنا الباب... نظرت إليه بشيء من التردد، إلا أنه قال : " لا تتأخري رجاء ً " و أنا أفتح الباب قلت : " إياك أن تبتعد ! " قال مطمئنا : " لا تقلقي.. " |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#64 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
و عندما خرجت وجدته واقفا بالضبط عند نفس النقطة !
عدنا إلى تلك الكابينة و طلب لي وليد وجبة كبيرة، مليئة بالبطاطا المقلية ! لا أعرف أي شهية تلك التي تفجرت في جوفي، و التهمتها تقريبا كاملة..! و لو كان طلب طبقا آخر بعد ، لربما التهمته أيضا عن آخره.. يكفي أن يكون وليد قريبا مني، حتى أشعر برغبة في التهام الدنيا كلها... بعد العشاء.. قام وليد بجولة في المنطقة، بين المزارع.. و أراني بعض معالم المدينة، و كذلك المعهد الذي يدرس فيه، و السوق الذي تباع فيه الخضراوات... منذ زمن.. و أنا حبيسة الشقة و المستشفى، لا أرى الشمس و لا أتنفس الهواء النقي.. لذلك فإن الجولة السريعة هذه روحت عن نفسي كثيرا... كان كلما تحدّث عن أو أشار إلى شيء، أصغيت له باهتمام.. ودققت بتمعن، و كأنه درس علي حفظه قبل الامتحان! قبيل وصولنا إلى المزرعة، سألني : " أتودين بعض البوضا..؟" و كان ينظر إلي عبر المرآة ... قلت منفعلة مباشرة : " ماذا !؟ البوضا مجددا ! كلا أرجوك ! أنا يتيمة بلا مأوى الآن !؟؟ " و ليد، حدق بي برهة ، ثم انفجر ضاحكا ! أنا كذلك، لم أقو على كبت الضحكة في صدري، فأطلقتها بعفوية... نعم ! فلن تغريني البوضا مرة أخرى و لن أنخدع بها! عندما وصلنا إلى المزرعة كانت الساعة تقريبا التاسعة مساءا... مباشرة توجهنا إلى المنزل، و قرع وليد الجرس، ففتح العجوز الباب... تهلل وجهه لدى رؤية وليد و صافحه و عانقه، ثم رحب بي ترحيبا كريما... قال وليد : " ابنة عمي .. تحت وصايتي الآن.. و إن لم يكن في ذلك أي إزعاج.. فهي ستبقى معي هنا حتى نجد حلا آخر.." شعرت أنا بالحرج، لكن ترحيب العجوز خفف علي ذلك، قال : " عظم الله أجرك يا بنيتي، على الرحب و السعة، و إن لم تتسع المزرعة لكما نحملكما على رؤوسنا.." ابتسمت للعجوز و شكرته.. قال العجوز مخاطبا وليد، الذي كان يجول ببصره فيما حوله : " في المطبخ.. تفضلا " لم يتغيّر في ذلك المنزل أي شيء... سرت تابعة لوليد الذي تقدّم نحو إحدى الغرف، و التي يبدو أنها المطبخ... و العجوز خلفنا هناك.. وجدنا أروى و أمها تجلسان على الأرض حول سفرة العشاء... و بادرتا بالنهوض بمجرد رؤيتنا... و حانت اللحظة التي كنت أخشى حينها... ما أن وقع نظري على أروى... حتى شعرت بشيء ما يتفجر في صدري... شيء حارق موجع.. كانت تجلس ببساطة على الأرض، مرتدية بنطالا ضيقا و بلوزة قصيرة الكمين واسعة الجيب، و شعرها الذهبي الأملس الطويل مربوط بخصلة منه، و ينساب على كتفيها و ظهرها كذيل الفرس ! رحبت الاثنتان بنا ، ثم توجهت أروى نحو المغسل، و غسلت يدها و نشفتها ، ثم أقبلت نحو وليد و مدّت يدها لتصافحه ! وليد ببساطة مدّ يده و صافحها ! " حمدا لله على سلامتكما ! كيف حالكما ؟ " قالت ذلك و هي تشد على يد وليد، و وليد يبتسم و يطمئنها، و أنا أسلط أنظاري على يديهما ، ثم عينيهما ، ثم أعود إلى يديهما، ثم أعض على شفتي السفلى بغيظ... إلى متى ستظل هذه ممسكة بيد ابن عمّي؟؟ هيا ابتعدي ! " مرحبا بك يا رغد، عظم الله أجرك " رفعت بصري عن يديهما و نظرت إليها ببغض، و مددت يدي لأصافحها.. أعني لأجبرها على ترك يد وليد... " أجرنا و أجركم، غفر الله لنا و لكم " قالت : " كيف صحتك الآن ؟ " " بخير و لله الحمد " عادت تنظر إلى وليد ، و تخاطبه : " هل كانت رحلتكما متعبة ؟ " قال : " لا ، كانت ممتعة " نظرت إلى وليد فرأيته ينظر إلي و يبتسم... قالت أروى : " تفضلا.. شاركانا العشاء " و كررت أمها الجملة ذاتها قال وليد : " بالهناء و العافية، تناولنا عشاءنا في أحد المطاعم.. أتموا أنتم طعامكم و نحن سنجلس في المجلس " و على هذا ذهبنا إلى المجلس، وبقي الثلاثة حول السفرة.. و يبدو أن وليد صار يتحرك في المنزل بحرية كيفما يشاء... جلس على أحد المقعدين الكبيرين المتقابلين الموجودين في المجلس، فجلست أنا إلى جواره.. و سكنا عن أي كلام أو حركة لبضع دقائق... ثم قال وليد : " رغد" نظرت إليه.. فرأيت ملامح الجدية و القلق على وجهه... قال : " أنا آسف و لكنني في الوقت الحالي لا أستطيع توفير سكن آخر.. كما و أن الظروف لن تمكننا من العيش في شقة مستقلة، لأن عملي هنا و أقضي كل ساعات النهار هنا.. " لم أعلّق ، فقال : " هل هذا يروق لك ؟ " قلت : " أخشى أن يسبب وجودي الضيق لهم .." قال : " لا ، إنهم أناس طيبون جدا.. و كرماء لأقصى حد..، لن يزعجهم وجودك، أريد أن أعرف .. هل يزعجك أنت ذلك؟؟ " قلت : " سأبقى حيث ما تبقى أنت..، ألست المسؤول عني الآن؟ " بدا الضيق جليا على وليد، مال بجدعه للأمام و قال : " رغد يا صغيرتي.. الأمر ليس متروكا لظروفي بل هو حسب رغبتك أنت.. إذا رغبت بأي شيء آخر فأبلغيني و سأنفذه حتما " قلت : " حقا وليد ؟؟ " قال : " طبعا، بدون شك.. تعرفين أنني من أجلك أفعل أي شيء..." شعرت بالصدق ينبع من عينيه.. و آه من عينيه .. لو تعرف يا وليد.. أنا لا أريد من هذه الدنيا غيرك أنت.. لقد فقدت كل شيء.. والداي ماتا. .و تيتّمت مرتين.. و أختي رحلت.. و سامر تركته جريحا متألما.. و خالتي و عائلتها ظلوا بعيدين عني.. لم يبق لي إلا أنت.. أنت الدنيا في عيني.. أنا أريد أن أبقى معك، قريبة منك و تحت رعايتك و حبك ما حييت.. أينما كنت.. هنا أو في أي مكان في المجرّة.. فقط أبقني قربك.. و أشعرني باهتمامك و حبك.. " وليد .." همست بصوت أجش... وليد أجابني مسرعا : " نعم صغيرتي ؟ " قلت : " أنا.. أنا..." و لم أتم، إذ أن أروى أقبلت الآن، تحمل أقداح الشاي... " تفضلا.." لم تكن لدي أدنى رغبة في احتساء الشاي لكنني فعلت من باب المجاملة.. أروى جلست على المقعد المجاور، قرب وليد... تبادلا حديثا قصيرا، ثم قالت مخاطبة إياي : " يمكنك استخدام غرفتي، و أنا سأنام مع أمي لحين ترتيب غرفة خاصة بك " نظرت إلى وليد و قلت : " و أنت ؟ " قال : " في غرفتي ذاتها " هززت رأسي اعتراضا.. وليد قال : " لا تخشي شيئا يا رغد.. المكان آمن هنا و موثوق كبيتنا تماما " " لا ! لن أبقى وحدي هنا " قال : " يمكن لأروى البقاء معك في الغرفة.. " قلت : " إذن خذني لمكان آخر " تبادل وليد و أروى النظرات، ثم نظر إلى المقعد الذي نجلس عليه، ثم قال : " حسنا.. سأبات أنا على هذا.. داخل المنزل" لم تعجبني الفكرة أيضا.. فنظرت إليه باعتراض و عدم اقتناع.. قال : " هذه الليلة على الأقل.. ثم نجد حلا آخر" فاستسلمت للأمر... ذهبت أروى بعد ذلك لإعداد فراش لي في غرفتها... عندها قلت لوليد : " وليد.. لا تبتعد عني أرجوك " وليد نظر إلي بعطف و قال : " لا تخشي شيئا صغيرتي.. أتظنين أنه، لو كان مكانا غير آمن، كنت تركتك تباتين فيه ؟ " قلت : " لكني أخاف.. أخاف كثيرا.. المكان غريب و الناس كذلك.. لا تبتعد عني " كنت أقول ذلك و أنا متوترة.. و لما لحظ وليد حركة أصابعي المضطربة.. قال : " اطمئني رغد.. و لسوف أبقي الباب مفتوحا " ذهبنا أنا و وليد و أروى للتعرف على أرجاء المنزل و انتهينا إلى غرفة أروى.. غرفة بسيطة كسائر المنزل، لا تحوي شيئا مميزا ... كان الفراش دافئا.. و جسدي متعبا لكن القلق لم يسمح لي بالنوم.. أروى نامت بسرعة.. أما أنا فتلاعبت بي الهواجس حتى بدأت أوصالي ترتعد خوفا.. ارتديت عباءتي.. و خرجت من الغرفة بحذر.. شققت طريقي بهدوء تام نحو المجلس.. كان الباب شبه مغلق، و وليد كان نائما على المقعد الكبير.. و بصيص خفيف من الضوء يتسلل إلى الغرفة عبر فتحة الباب.. و عبرها تسللت أنا أيضا إلى الداخل...و أوصدت الباب من بعدي ! لأنه طويل جدا، فإن قدميه الكبيرتين كانتا تبرزان من فوق ذراع المقعد.. أما ذراعاه فقد كانتا مرفوعتين فوق رأسه، إذ أن مساحة المقعد لا تكفي لضمهما على جانبيه ! مسكين وليد! لابد أن جسده غير مرتاح في نومته هذه البتة ! و مع ذلك كان يغط في نوم عميق... ! جلست أنا على المعقد الكبير الآخر... لبضع دقائق.. شاعرة بالأمان و الطمأنينة، و الدفء أيضا.. فبقرب وليد يطيب لقلبي البقاء و لعضلاتي الاسترخاء و لعيني الإغماض.. استلقيت على المعقد.. و سمحت للنوم بالسيطرة علي.. بكل سهولة ! ~ ~ ~ ~ ~ وضعت المنبه على المنضدة قرب المقعد، و نمت بعد أرق، لأنني كنت قلقا على رغد.. أفكر..هل ستتقبل الحياة هنا..؟ هل ستألف الأوضاع و ترضى بها؟ هل سيسرّها العيش في منزل متواضع، و حال متوسطة، و هي ابنة العز و الدلال و الغنى ..؟؟ إن علي ّ أن أجد أكثر من أجل تحسين وضعي المالي و العام..فرغد لم تعتد حياة الفقر و الحاجة... و لا تستحق حياة كهذه... استيقظت بسرعة على رنين المنبه المزعج... كنت قد ضبطته لإيقاظي وقت الفجر لأصلي... حينما جلست، لمحت شيئا يتحرك على المقعد الكبير الآخر و الموازي للمقعد الذي نمت عليه ..! و ذلك الشيء جلس أيضا دققت النظر فيه ..أظنه خيال رغد! أو ربما هوسي بها جعلني أتهيأ خيالها في كل مكان !؟ في اليقظة و المنام ! قلت متسائلا : " رغد ؟" ذلك الشيء تكلم مصدرا صوتا ناعسا ، يشبه صوت رغد ! " نعم " قلت : " رغد صغيرتي ! أهذه أنت ؟؟ " " نعم، أريد أن أنام " و استلقت على المقعد مجددا ! نهضت أنا عن مقعدي و وقفت أمدد أطرافي.. شاعرا بالإعياء ... إن هذا المقعد صغير و لا يتسع لجسد رجل مثلي ! تقدمت نحوها " رغد ! ما الذي تفعلينه هنا ؟ " قالت و هي شبه نائمة : " كنت خائفة " " مم ؟ " " من الأشباح " ماذا !؟ أهي نائمة أم تهذي ؟؟ " أي أشباح ؟؟ " جلست رغد فجأة و نظرت من حولها يمينا و شمالا... و هي تقول : " أشباح؟؟ أين ؟ أين ؟ " و يبدو أنها استفاقت أخيرا .. ثم نظرت إلي .. ثم قالت : " وليد .. " قلت : " نعم.. " قالت : " نحن في منزل أروى أليس كذلك ؟ " " نعم صغيرتي، هل كنت تحلمين ؟ " أخذت تفرك عينيها... قلت : " لم أنت هنا ؟ " قالت : " لم أشعر بالطمأنينة هناك.. " " لم صغيرتي؟ " قالت و هي تنظر إلي برجاء : " أريد أن أبقى معك .. المكان غريب علي.." " ستعتادينه.. لا تقلقي " " لكن يا وليد... " هنا طرق الباب و سمعت صوت العم يناديني... " وليد .. انهض بني ..الصلاة " و كاد يفتح الباب، إلا أنه كان موصدا ! إنها رغد ! صغيرتي المجنونة ! أجبت : " نعم عمي أنا مستيقظ " قال : " هيا إذن " قالت رغد : " إلى أين ؟ " " إلى المسجد " قالت معترضة : " و تتركني وحدي ؟؟ سآتي معك " كنت أعرف أنها ستقول ذلك ! ذهبت إلى الباب مسرعا و فتحته فرأيت العم إلياس يسير نحو المخرج... و كنا قد اعتدنا الذهاب للصلاة في المسجد المجاور سيرا على الأقدام... قلت : " عمّي .. اذهب أنت سأصلي هنا " تعجّب العم و قال : " لم يا ولدي ؟ " " أخبرك لا حقا.. تقبل الله منكم " جعلت الباب شبه مغلق و عدت إلى رغد التي بادرتني بالسؤال : " الحمام قرب الغرفة أليس كذلك ؟ " " بلى " و همّت بالخروج قاصدة إياه ... " انتظري رغد " نظرت إلي باستغراب... قلت : " حتى يخرج العم ... " و عدت أنظر من فتحة الباب حتى إذا ما غادر العم خارجا، فتحته و استدرت إلى رغد قائلا : " تفضلي ... " رغد سارت ببطء و هي تنظر إلى الأرض بخجل.. تنحيت أنا جانبا .. و لما صارت قربي .. رفعت رأسها إلي و قالت : " أنا آسفة " ... توترت، و لم يتجرأ لساني على النطق بشيء... فأخفيت نظري تحت الأرض.. منتظرا منها الخروج... إلا أنها بقيت واقفة قربي هكذا لوهلة... و أنا شديد الحرج، ثم قالت : " لكنك..أصبحت أبي الآن ! أليس كذلك ! " رفعت نظري إليها بسرعة مندهشا، و ارتفع حاجباي تعجبا ! كانت تنظر إلي، و الآن.. ابتسامة مرسومة على شفتيها أستطيع أن أرى عذوبتها رغم الظلام... قالت : " بابا وليد ! " و أسرعت خارجة من الغرفة ... تاركة إياي في ذهول و جنون ! إذا كانت ..هذه الفتاة.. اليتيمة المدللة.. الحبيبة الغالية.. ستعيش معي و تحت رعايتي أنا في بيت واحد.. فإنني و بدون أدنى شك.. سأفقد عقلي و أتحول خلال أيام، بل خلال ساعات.. إلى مجنون لم يخلق الله مثل جنونه جنونا... و أنتم الشاهدون ! |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#65 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
الحلقة الواحدة و الثلاثون
********* ~ ابتعدي عن حبيبي ~ رغم أنني كنت نعسى في البداية، إلا أن النوم خاصمني ذلك الصباح.. وليد جلس في الصالة يقرأ القرآن، و جلست أنا على مقربة أنصت إليه.. إلى أن عاد الرجل العجوز بعد طلوع الشمس.. فختم وليد قراءته و راح يتحدّث معه.. كانا يتحدثان بشأن المزرعة و ما سيفعلانه هذا اليوم.. و كنت أستمع إليهما ببلاهة ! فأنا لا أفقه كثيرا مما يذكرون ! وليد التفت إلي ّ الآن و قال : " سوف أخرج للمزرعة الآن، أتأتين معي ؟؟ " وقفت من فوري و تقدّمت ناحيته.. قال متما عبارته السابقة ببطء : " أم.. تفضلين العودة للنوم ؟ " " سآتي معك.." و خرجت معه إلى المزرعة.. الهواء كان باردا و كنت أرتدي العباءة فوق ملابس النوم، لذا شعرت بالبرودة تخترق عظامي قال وليد : " سنبدأ بجولة تفقدية " حذائي كان عالي الكعب و لا يصلح للسير على الرمال، لذلك طلب مني وليد ارتداء أحد الأحذية المطاطية الموجودة عند مدخل المنزل... سرنا في اتجاه شروق الشمس.. و كم كان منظرا جميلا لم أر مثله منذ زمن... الرياح كانت في مواجهتنا، تغزو أنفي رغما عني ، و تزيد من شعوري بالبرد.. أخذت أفرك يدي بتكرار.. أما وليد فكان يسير بثبات في وجه الريح ، و لا يبدو على جسمه أنه يتأثر بها ! كالجبل تماما ! قال لي: " الجو بارد.. أتفضلين العودة للمنزل ؟ " " ماذا عنك ؟ " قال : " سأبدأ حرث منطقة معينة هنا، سنقوم بزرع بذور حولية جديدة فيها.. " |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#66 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
و أشار إلى المنطقة المقصودة...
قلت : " أنت تحرثها ؟؟ " و يبدو أن سؤالي هذا ضايقه أو أحرجه.. نظر إلي برهة صامتا ثم قال و هو يحدّق في تلك المنطقة : " نعم أنا يا رغد.. فهذا هو عملي هنا.. و من هذا العمل أعيش و أعيل نفسي.. و صغيرتي .." ثم التفت إلي و قال : " فهل يصيبك هذا بخيبة أمل أو .. اشمئزاز ؟ " قلت بسرعة : " لا ! لم أٌقصد ذلك.. " " إذن ؟ " " تعرف يا وليد.. فخلال التسع سنين الماضية كنت أعتقد أنك... " و بترت جملتي.. فقد أحسست أن هذا يؤلمه.. و إذا تألم وليد قلبي فأنا أموت .. قلت : " لكن ، ألا يمكنك مواصلة الدراسة الآن ؟؟ " قال : " إنني أدرس الآن في معهد محلي، و إن تخرجت منه بشهادة معتبرة فستكون لدي فرص أفضل للعمل ، لكن إلى ذلك الوقت سأظل مزارعا " لم يعجبني ذلك، فأنا لا أريد لوليد أن يغمر يديه في التراب ..، بل أن يعلو السحاب، لكني لم أشأ إحراجه، فقلت : " أتمنى لك التوفيق " ابتسم وليد ابتسامة رضا، و تابعنا الطريق... بقيت أراقبه و هو يعمل، تارة شاعره بإعجاب به ، و تارة شاعرة بشفقة عليه ، و تارة بغضب من الأقدار التي أوصلت ابن عمّي إلى هذا المستوى.. ليتني أستطيع منحه ثمان سنين من عمري، تعويضا عما خسر.. بل ليتني أهديه عمري كله.. و كل ما أملك.. الحماس الذي تملكني أثناء مراقبة وليد ، و الحرارة التي تنبعث من جسده و هو يعمل بجهد، و من صدره و هو يتنفس بعمق، و من عينيه و هو ينظر إلي ، كل هذه تجمعت معا متحدة مع أشعة الشمس التي ترتفع في السماء، و أكسبتني دفئا و حيوية لا نظير لهما !... بعد فترة ، أقبلت أروى.. و الآن، لست فقط أشعر بالدفء ، بل و بالاشتعال ، و الاحتراق أيضا ... " صباح الخير رغد ! نهضت باكرة ! " باكرة جدا ! كم تبدين حيوية و نشطة بعد نوم هانىء ! أنا لم أنم كما ينبغي .. قلت : " صباح الخير" وليد كان موليا ظهره إلينا هذه اللحظة ، رفعت أروى صوتها ، و كذلك يدها و هتفت و هي تلوّح : " صباح الخير يا وليد " وليد استدار و نظر إليها و رد التحية... هتفت : " تعال ، فقد أعددنا الفطور " قال : " حسنا ، أمهليني دقيقتين اثنتين " و أتم ما كان يقوم به ... أروى التفت إلي و قالت : " أعددت فطورا مميزا من أجلك ! آمل أن يعجبك طهو يدي ! الجميع يصفني بالطاهية الماهرة ، و وليد يعشق أطباقي ! " وليد ماذا ؟ يعشق أطباقها ؟؟ يا للمغرورة ! قلت : " وليد يعشق أطباق والدتي فهي لا تقارن بشيء ! " أروى قالت : " رحمها الله " و تذكرت أنه لم يعد لدي والدة ! و لم يعد بإمكان وليد تذوّق تلك الطبخات اللذيذة التي يلتهمها عن آخرها... ضاق صدري لهذه الذكرى.. و أحنيت رأسي إلى الأسفل بحزن.. أورى لاحظت ذلك فقالت : " آسفة.. " لم أتجاوب معها... ، قالت : " كم كنت متشوقة للتعرف إليها فقد حدّثني وليد عنها كثيرا.. و كان ينتظر عودتها بفارغ الصبر .. " رفعت نظري الآن إليها، ليس الحزن هو البادي على وجهي بل الغيظ ! لماذا تتحدّث عن وليد أمامي ؟؟ و لماذا يتحدّث إليها وليد عن أمي ؟ أو عن أي شيء آخر في الدنيا ؟؟ هذه الدخيلة لا تمت إلينا بصلة و لا أريد لمواضيعنا أن تذكر على مسمع منها ... وليد كان يمشي مقبلا نحونا.. و حين وصل ، شبكت أروى ذراعها اليمنى بذراعه اليسرى و هي تبتسم بسرور ... وقفت أنا أنظر إليهما بغيظ و تحذير ! ما لم تفرقا ذراعيكما عن بعض فسأقطعهما ! لم يفهما تحذيري، بل سارا جنبا إلى جنب على هذا الوضع.. سرت أنا إلى الجانب الأيمن من وليد... و سرنا و نحن ندوس على ظلالنا.. و التي يظهر فيها جليا تشابك ذراعيهما .. حسنا ! من تظن هذه نفسها ؟ وليد ابن عمّي أنا و ولي أمري أنا! و بدون تفكير، رفعت أنا ذراعي و أمسكت بذراع وليد اليمني بنفس الطريقة ، و بكل تحدي ! وليد نظر إلي بسرعة و بنفس السرعة أضاع أنظاره في الرمال التي نسير فوقها... و بدا وجهه محمرا ! لكنه لم يسحب ذراعه مني .. تابعنا السير و أنا أراقب الظل أمامي... و لم أترك يده حتّى فعلت هي ذلك... ! صحيح أن الفطور كان شهيا إلا أنني أصبت بعسر هضم من مشاهدة العلاقة الحميمة بين وليد و أروى.. كانا يجلسان متقابلين، و تجلس أم أروى على رأس المائدة، و أنا إلى جانب وليد، أما العجوز فلم يكن معنا بطبيعة الحال... لا أريد منهما أن يجلسا متقابلين، و لا متجاورين، و لا في نفس المنزل، و لا حتى على نفس الكوكب.. فيما بعد، عاد وليد للعمل في المزرعة و أروى تشاركه ، و أنا أتفرّج عليهما بغضب.. و أحاول الإنصات جيدا لكل ما يقولان.. أراد وليد بعد ذلك الذهاب إلى مكان ما لإحضار بعض الأشياء، و سألني إن كنت أرغب في مرافقته، أجبت بسرعة : " طبعا سأذهب معك ! هل ستتركني وحدي ؟؟" أتذكرون سيارة الحوض الزرقاء التي ركبتها ذات يوم، للذهاب إلى المستوصف ؟ إنها هي.. نفس السيارة التي يحتاجها وليد في مشواره. فيما كنا نقترب منها أقبلت أروى مرتدية عباءتها و وشاحها الملون، قائلة : " أوصلني للسوق سأشتري بعض الحاجيات " و اقتربت من الباب و فتحته، فسار وليد نحو باب المقود.. و قبل أن ترفع أروى رجلها إلى العتبة، أسرعت أنا و ركبت السيارة لأجلس فاصلا بينهما! هذا ابن عمي أنا.. و أنا الأقرب إليه من كل بنات حواء ، و أبناء آدم أيضا ... أليس كذلك ؟؟ و من السوق اشتريت أنا أيضا بعض الأشياء، من ضمنها عدّة للرسم ، فالمزرعة و مناظرها البديعة أعجبتني كثيرا .. و لسوف أقضي صباح الغد في رسم مناظر خلابة منها ، عوضا عن مراقبة وليد و هو يعمل... عندما عدنا ، وجدنا ترتيب أثاث الصالة قد تغيّر، لقد قام العجوز و أخته بنقل المقاعد من المجلس إلى الصالة، و نقل سرير وليد من الغرفة الخارجية إلى المجلس ! استغرب.. أي قوّة يملك هذا العجوز ليحرك هذه الأثقال ! ما شاء الله ! قالت أم أروى : " ها قد أصبحت لديك غرفة داخلية يا وليد.. هل تحس بالاطمئنان على ابنة عمّك الآن ؟؟ " وليد ابتسم، و وجهه متورد .. و شكر الاثنين .. ثم التفت إلي و قال : " أيريحك هذا أكثر ؟ " كنت أقف إلى جواره .. رفعت رأسي و همست في أذنه : " لكن ابق الباب مفتوحا " وليد ابتسم، و قال : " حاضر " همست : " و اطلب منهم إعادة أحد المقعدين الكبيرين للداخل، أو قم أنت بذلك " وليد تعجّب و قال : " لم ؟ " قلت : " احتياط ! ربما تظهر الأشباح ثانية " ضحك وليد، و البقية أخذوا ينظرون إليه باستغراب ! قال : " حاضر ! " قلت هامسة : " قبل الليل " قال : " حاضر سيدتي ! كما تأمرين .." و حين يقول وليد قلبي ذلك.. فأنا أشعر بدغدغة ناعمة تسري في جسدي ابتداء من باطن قدمي ّ و حتى رموش عيني ّ ! و من أطراف تلك الرموش ألقيت بنظرة حادة على أروى و أنا أخاطبها في رأسي : " أرأيت ِ ؟ ستعرفين من تكون رغد بالنسبة لوليد.. و لن أكون رغد ما لم أزيحك عن طريقي ! " ~ ~ ~ ~ ~ ~ مضت الأيام هادئة و مستقرة ، و انشغالي بالعمل جعلني أتناسى وفاة والدي ّ و الحزن الذي خلّفه... بصعوبة تمكنت من إقناع رغد بالبقاء في المزرعة أثناء غيابي كل يوم في فترة الدراسة.. و لأنها كانت فترة صباحية، و لخمسة أيام في الأسبوع، فإننا لم نعد نلتقي إلا عند الظهيرة... و أثناء عملي في الحقل، تقوم هي بمراقبتي أو برسم بعض اللوحات.. بينما أروى تساعدني أو تساعد أمها في شؤون المنزل.. أنا كنت أقوم بعمل مضاعف و بأقصى ما أمكنني ، و لساعات أطول.. و رسمت بعض الخطط لتطوير المزرعة و الاستعانة ببعض العماّل الثابتين.. رغد بدأت تتأقلم مع العائلة و تشعر بالانتماء إليها بعد فترة من الزمن.. و صارت تساهم في بعض أعمال المنزل البسيطة، و التي لم أكن أنا أريد تحميلها عبئها، لولا أن الظروف قضت بذلك.. تعذّر علينا زيارة سامر نهاية الأسبوع الأول، إلا أننا زرناه في الأسبوع التالي، و في الواقع.. خرجت من تلك الزيارة متضايقا لما أثارته في قلبي من الذكرى الأليمة .. ذكرى والدي ّ.. سامر لم يبد أنه خرج من الأزمة بعد.. بل كان غارقا في الحزن.. و حتى زيارتنا له لم تحرز تقدما معه.. أما دانة ، فاتصلت بها مرات ثلاث خلال الأسبوعين، و أعطتني الانطباع بأنها امتصت الصدمة و في طور النقاهة.. عدا عن ذلك ، فهي سعيدة و مرتاحة مع زوجها و عائلته في تلك البلد.. أوضاع بلادنا لم تتحسن، بل بقيت بين كر و فر..مد و جزر.. أمدا طويلا.. الشيء الذي بدأ يقلقني هو الملاحظة التي أبدتها لي أروى إذ قالت : " يبدو أن رغد تعاني اضطرابا نفسيا يا وليد.. إنها لا تنام بسهولة.. بل تبقى لما لا يقل عن الساعة تتقلب في الفراش، و أحيانا تجلس.. و تنهض.. و تذرع الغرفة جيئة و ذهابا في توتر.. و في أحيان أخرى، أسمعها تتحدّث أثناء النوم.. أو تصحو و تبكي و تنادي أمها ! أعتقد أن وفاة والدتها قد أثرت عليها كثيرا .. " سألتها يومها : " هل يتكرر ذلك كثيرا ؟؟ " " تقريبا كل ليلة ! كما و أنها تصر على إبقاء مصباح النوم مضاء ً بينما أنزعج أنا من النوم مع وجود النور ! " هذه الأمور لاحظتها أروى التي تشارك رغد في الغرفة، و التي يبدو أنها تعاني منها منذ فترة دون أن يلحظها أحد... و هذه الأمور جعلتني أقلق بشأنها.. و أفكر في طريقة تجعلها تنام بطمأنينة و نوما هادئا.. و هداني الله إلى هذه الفكرة... عندما كانت صغيرة ، رغد كانت تعشق سماع القصص.. و تطالبني بها كل ليلة حتى تنام بهدوء و قرّة عين.. و لأنها كبرت الآن، فلم يعد هناك مجال لتك القصص! و لكن.. لدينا كتاب هو أجل و أعظم من أي كتاب، و بذكر ما فيه تطمئن القلوب.. إنه القرآن. في كل ليلة، قبيل نومهما أبقى مع رغد و أروى في غرفتهما و أتلو ما تيسر من آيات الذكر الحكيم .. و تظل رغد منصتة إلي، إلى أن يغلبها النعاس فتنام بهدوء و سكينة.. في إحدى الليالي، و بعدما نامت رغد، خرجنا أنا و أروى من الغرفة .. لم نكن نشعر بالنعاس وقتها، فطلبت مني أروى القيام بجولة قصيرة معها في المزرعة .. " لكن.. رغد تمانع خروجي و هي بالداخل، أو دخولي و هي بالخارج.. " " لكنها نائمة الآن " " نعم و لكن .. " " هيا يا وليد ! إننا لم نتحدّث مع بعضنا منذ حضورها ! لم تفارقك ساعة واحدة إلا للنوم ! " استأت من كلام أروى و قلت : " أرجو ألا يكون وجودها قد أزعجك بشيء ؟ " " لا لا ، لا تسىء فهمي، أقصد أنني أريد التحدث معك حديثا خاصا بنا أنا و أنت ! كأي خطيبين.. " و أمسكت بيدي و حثّتني على السير معها إلى الخارج... حديثنا كان في بعض شؤوننا الخاصة.. و كانت أروى تتكلم بسرور .. بل كانت في قمّة السعادة.. و أخذنا الحديث لساعة من الزمن.. فجأة ، سمعت صوت رغد يناديني ... " وليــــــــــد " سحبت يدي من يد أروى و ركضت مسرعا نحو المنزل ... رغد كانت تقف في الساحة الأمامية تتلفت يمنة و يسرة.. " أنا هنا رغد " و لوّحت بيدي، و أنا راكض باتجاهها... لما رأتني رغد... وضعت يدها على صدرها و تنهدّت بقوة... و حين صرت أمامها مباشرة، أمكنني رؤية علامات الفزع على وجهها و الذعر المنطلق من عينيها... " صغيرتي ماذا حصل ؟؟ " " إلى أين ذهبت ؟؟ " " هنا في المزرعة، أتمشى قليلا " و ظهرت الآن أروى فألقت عليها رغد نظرة .. ثم نظرت إلي .. و بدأت تعبيرات وجهها تتغير حتى صارت إلى الحزن و البكاء .. " صغيرتي ما بك ؟ " قالت رغد فجأة : " إذن هذا ما تفعله ؟ تتركني أنام وحدي و تخرج للتنزه مع خطيبتك ؟؟ " فوجئت بقولها ، أردت أن أوضّح لها أنها المرة الأولى التي نخرج فيها .. لم تعطني المجال، بل قال و هي مجهشة بكاء: " إذا لم تكن متفرغا لرعايتي فارسلني إلى خالتي.. إذا كنت ُ عبئا يعوق دون تنزّهك مع خطيبتك فخذني لبيت خالتي و تخلّص منّي " و انفجرت بكاء ً... لم استوعب كلامها أول الأمر.. قلت مذهولا : " رغد ! ما الذي تقولينه !؟ " قالت : " كنت أعرف أنها نهايتي.. ضعت ُ بعد والدي ّ .. لماذا ذهبا و تركاني؟ لمن تركتماني يا أمي و يا أبي ؟ يا لهواني على الناس أجمعين .. خذني يا رب إليهما.. خذني يا رب إليهما " لم أتحمّل سماعها تدعو على نفسها هكذا .. صرخت : " كفى يا رغد أرجوك.. ماذا حصل لكل هذا ؟؟ " " و تسأل ؟؟ " " فقط لأنني خرجت من المنزل و أنت بداخله ؟ " قالت أروى : " أنا من طلب منه ذلك، لم أكن أتوقع أن يضايقك الأمر لهذا الحد " رغد نظرت إلى أروى نظرة غضب و صرخت : " اسكتي أنت ِ " قالت أروى : " أنا آسفة " لكن رغد عادت تصرخ : " قلت اسكتي أنت.. ألا تسمعين ؟؟ " أروى شعرت بالحرج، فغادرت الساحة عائدة إلى المنزل... لم يكن تصرفا لائقا.. و أعرف أنه ليس بالوقت المناسب لأعاتب رغد عليه.. لكنني قلت : " إنها قلقة بشأنك " و يبدو أنها لم تكن الجملة المناسبة, لأن وجه رغد ازداد غضبا ، و قالت بحدّة : " هل تخشى على مشاعرها لهذا الحد ؟ إذن هيا اذهب و طيّب خاطرها .. و دعني أنا أناجي الميتين، فلربما سمعاني و أحسا بهواني و ضياعي بعدهما ، و خرجا من قبريهما و أتيا إلي.. و أخذاني معهما .. و أرحتك مني " و مرّة أخرى تدعو على نفسها بالموت أمامي .. قلت بحدّة : " كفى يا رغد كفى.. " رغد صرخت : " لا تصرخ بوجهي " " أنت تثيرين جنوني.. كيف تدعين على نفسك و أمامي ؟؟ " و عوضا عن التراجع ، رفعت بصرها و يديها إلى السماء و راحت تهتف بصوت عال : " يا رب خذني إليهما.. يا رب خذني إليهما .. يا رب خذني إليهما " ثم جثت على الأرض و صارت تبكي بقوة و مرارة... مخفية وجهها خلف يديها لم أعرف لم كل ذلك.. إلا أنني لم أحتمل.. هويت إلى جانبها، و ناديتها بلطف ، و لم تجبني... أبعدت ُ يديها عن وجهها و قلت بعطف : " كفى أرجوك.. " نظرت إلي ّ نظرة لم أفهم طلاسمها... مددت يدي و مسحت على رأسها من فوق الحجاب، و قلت : " أنا آسف يا صغيرتي.. أعدك بألا أخرج من المنزل ما دمت ِ فيه دون علمك و رضاك.. " لم يتوقف سيل الدموع.. قلت : " أرجوك رغد.. لا تجعلي المزيد من اللآليء تضيع هباء ً .. آسف و لن أكررها ثانية .. " تحدّثت أخيرا و قالت : " و إن طلبت منك الشقراء ذلك ؟ " قلت : " لا تهتمي.. " قالت : " وليد .. أنا أرى كوابيس مفزعة.. أمي.. أبي.. الحرب.. النار .. الحريق.. الجمر.. عمّار.. كلهم يعبثون بأحلامي.. لا أحد ليشعرني بالأمان.. سأموت من الخوف ذات ليلة.. سيتوقف قلبي و أموت فزعا.. و لا أحد قربي.. " جذبتها إلي بسرعة، و أمسكتها بقوّة.. كحصن منيع يعوق أي نسمة عابرة من أذيتها... " أعوذ بالله.. بعد ألف شر و شر يا عزيزتي.. لا تذكري الموت ثانية أرجوك يا رغد.. رأيت منه ما يكفي.. حاشاك أيتها الغالية " نعم، رأيت من الموت ما يكفي.. ابتداءً بعمّار.. و مرورا بنديم و رفقاء السجن.. و عبورا على المدينة المدمّرة .. و انتهاء ً بوالدي ّ الحبيبين... أبعدتها و قلت : " أنا آسف، سامحيني هذه المرّة .." رغد مسحت بقايا الدموع .. و قالت : " لقد قلت مترا ، ألم تقل ذلك ؟ " نظرت إليها بتعجّب.. و عدم فهم ! " أي متر ؟ " قالت : " هذا الذي ستفقأ عينيك إذا ما ازداد طوله فيما بيننا" و تذكّرت حينها الجملة التي قلتها قبل أسابيع ، في آخر يوم لنا في شقة سامر قبل الرحيل ! و الآن ماذا ؟؟ رغد تمد يدها اليمنى ، و قد أبرزت إصبعيها السبابة و الوسطى ، و ثنت الأصابع الأخرى، و تحرّكها بسرعة نحو وجهي و توقفها أمام عيني مباشرة ، و تقول : " أ أفقأهما لك الآن ؟؟ " قلت لكم.. ستصيبني هذه الفتاة.. بالجنون ! ~ ~ ~ ~ ~ هذه كانت البداية، أول شحنة متوترة بيني و بين الدخيلة الشقراء... لكن الأمور بدأت تضطرب شيئا فشيئا.. و دائرة المشاحنات فيما بيننا آخذة بالتوسع... حتى استرعت اهتمام الجميع... لم أكن أسمح لهما بالبقاء بمفرديهما إلا نادرا و لأوقات قصيرة.. فأنا جزء تابع من وليد و أذهب معه حيثما يذهب.. و خصوصا إذا كانت الشقراء معه.. وليد هو ابن عمي أنا... نعم أنا... في أحد الأيام، و كان يوم أربعاء، و كنا في الحقل، وليد و أروى يعملان، و أنا أراقبهما، و الوقت كان المغرب.. إذا بي أسمع من يناديني من خلفي، و ألتفت فإذا به سامر ! كنا نزور سامر مرة كل أسبوع أو أسبوعين، و كان يفترض أن نذهب إليه غدا إلا أنه فاجأني بحضوره ! " سامر ! " سامر فتح ذراعيه و هو يبتسم.. فابتسمت أنا و عانقته عناقا خفيفا...قصيرا باردا من ناحيتي.. " إنها مفاجأة ! كيف حالك ؟ " " بخير.. هكذا أكون عندما أراك " تجاهلت عبارته هذه ، و قلت : " لم تعلمنا بقدومك ! كنا سنوافيك غدا " " أحببت أن أزور المكان الذي فيه تعيشين و أرى أحوالك هنا " ابتسمت و قلت : " الحمد لله بخير " قال و قد علاه الجد و القلق : " هل أنت مرتاحة هنا ؟ " قلت : " نعم .. طبعا " و لا أدري إن كان ردي هذا أراحه أم أزعجه ، لأن التعبيرات التي كست وجهه كانت غريبة و غامضة ... سمعنا الآن صوت ضحكات قادمة من ناحية وليد و أروى، و اللذين كانا وسط الحقل، فالتفتنا إليهما.. شعرت أنا بالغيظ، و لا شعوريا قلت : " تبا " ثم انتبهت إلى أن سامر يقف قربي... خجلت من نفسي، و لأبدد الخجل رحت أنادي : " وليـــــــد، تعال... حضر سامر " التفت وليد إلينا، و لما رأى سامر تهلل وجهه و ترك المعول من يده و جاء مسرعا ، و صافحه و عانقه ... أروى أيضا جاءت ، و هي تضبط وشاحها الملوّن حول رأسها ... لم تكن أروى تخرج من المنزل إلا محجبة.. حتى أثناء العمل الشاق في المزرعة ! لكنها في الداخل، تتصرف بحرية و ترتدي ما تشاء و تتزين كيفما تشاء.. و يزداد حنقي كلما رأيتها تفعل ذلك، فيما أنا ملفوفة بالسواد من رأسي إلى قدمي كإصبع بسكويت مغطى بالشيكولا ! حالما صارت قربنا ألقت التحية على سامر، ثم ذهبنا نحن الأربعة إلى المقاعد الموجودة حول طاولة على مقربة ، و جلسنا سوية نتبادل الأحاديث... أنا عملت هذه الساعة كبرج مراقبة ، أراقب الجميع ابتداء من أروى الحسناء، و انتهاء بسامر المشوّه ! كل حركة، كل كلمة ، أو حتى كحة تصدر من أي من الثلاثة ألتقطها بعيني و أذني و قلبي أيضا... و أستطيع أن أخبركم، بأن أروى كانت مسرورة، و وليد فرح جدا، و سامر.. حزين و مكتئب ، رغم كل الضحكات و الابتسامات التي يتبادلونها... أروى، حسابي معها سأصفيه لاحقا، الآن .. سأصب جل اهتمامي على سامر إذ أن حدسي ينبئني بأنه يخفي شيئا.. شيئا يجعل صدره متكدرا كما هو واضح أمام عيني ... وجود سامر اعتبر مناسبة تستحق الاحتفال ! و لذا ، صنعت أروى و أمها أطعمة خاصة من أجله على العشاء، و لأنني لا أجيد الطهو، و لا أجيد أعمال المزرعة، كما لا أجيد أعمال المنزل، و واقعا لا أجيد شيئا غير الرسم، فقد ساعدت فقط في الأكل، و تنظيف بعض الصحون ! ألحت العائلة على سامر لقضاء الليلة معنا، رغم اعتراضه إلا أن إصرارنا أحرجه فقبل أخيرا... و تعرفون أين سينام ! طبعا في الغرفة الخارجية تلك ! بعد العشاء، اقترحت أروى أن نذهب جميعا للتنزه عند الكورنيش ... بالنسبة لي كانت فكرة جميلة، فأيدتها، إلا أنني ندمت على ذلك حينما وجدتها أروى فرصة ذهبية للاختلاء بوليد بعيدا عني، ذهبا يسيران معا، و تركاني و سامر وحدنا... الأمر في أعين الجميع يبدو طبيعيا.. إذ أنهما خطيبان، و نحن خطيبان، إلا أنني اشتططت غضبا و صرت أراقبهما بعين ملؤها الشرر ... سامر كان يتحدّث معي، لكنني لم أكن مركّزة معه، بل على ذينك اللئيمين.. و سوف ترى أروى ما سأفعل انتقاما لهذه اللحظات... " هل تسمعينني ؟؟ " التفت إلى سامر.. فوجدته يحدّق بي بحزن .. لم أكن قد انتبهت لآخر جملة قالها قلت : " عفوا.. ماذا قلت سامر ؟ " سامر رمقني بنظرة ذات معنى ، شديدة الكآبة ثم قال : " لا، لا شيء" " أرجوك سامر..أعد ما قلت فقد كنت..." أتم هو الجملة : |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#67 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
الحلقة الثانية و الثلاثون
******** ~ كيد النون ~ لأن الظروف لم تسمح لنا قبل الآن بشراء خاتمي الخطوبة، و أقصد بذلك ظروف وليد ، فإنني فتحت الموضوع معه مؤخرا، بعدما مضت فترة على وفاة والديه، رحمهما الله. قررنا أن نذهب لشراء الخاتمين و الشبْكة غدا.. لن نقيم أي احتفال، إنما عشاء خاص بي معه... وليد، هو رجل رائع بكل المقاييس.. ربما كان التعويض الذي أرسله الله لي عوضا عما فقدت. في مظهره، وسم، جذاب ! طويل القامة، عريض المنكبين، ممتلىء الجسم و الوجه! في أخلاقه، كريم.. لطيف..نبيل.. متفان، مقدام ! في عمله، مخلص، صادق.. أمين.. مجتهد، نشيط جدا! في أول مرة التقينا، كان ذلك قبل عدة أشهر، حين دخل رجل غريب إلى المنزل و هو يستنجد! عندما أتذكر ذلك اليوم ، و رغم المرارة التي كانت فيه، أضحك ! لقد خرجت من المنزل راكضة .. بملابسي المجردة ! حينما عرض علي الزواج ، فرحت كثيرا.. أمي و خالي كانا يمدحانه أمامي باستمرار، و أنا كنت ألحظ إعجابهما بخلقه و طبعه، و أعجبت به مثلهما ... علاقتي بوليد كانت بالكاد قد بدأت تتطور، ألا أن تطوّرها أخذ منحى آخر حين حضرت رغد للعيش معنا... و هذه الرغد فتاة غريبة الأطوار ! أول الأمر كانت غارقة في الحزن، ثم بدأت تتفتح للحياة، و الآن بفرض وجودها في ساحة وليد ! إنه يهتم بها كثيرا جدا، و يعاملها و كأنها ملكة ! تصدر الأوامر و هو ينفّذ .. حتى أنه يفكر جديا في شراء طقم غرفة النوم الباهظ الذي أشارت إليه اليوم .. ! و يريد تحويل إحدى غرف المنزل إلى غرفة خاصة بها، بعدما طلبت هي مؤخرا أن تنام في غرفة مستقلة ! أنها فتاة مدللة جدا، و وجودها أبعد وليد عني ، و جعله يصرف جل الاهتمام لها هي .. و يهملني ... اليوم ذهبنا إلى الأسواق تنفيذا لرغبتها، حيث اختارت طقم غرفة النوم ذاك، و اشترت العديد من الأشياء .. بمبالغ كبيرة ! أنا أخشى أن أتحدّث معها أو مع وليد حول هذه النقطة، حتى لا أسبب مشكلة و يتهمني أحد بشيء، لكن... نحن في وضع مالي متواضع ! و هي، كانت من عائلة ثرية معتادة على نيل ما تريد بسهولة...و لا أعلم، متى سيمكنها أن تدرك تماما أن والديها قد توفيا... و أنها لم تعد تتربى في عزّهما و دلالهما! و رغم ما أنفقته رغد هذا اليوم، فأنا لم أتنازل عن رغبتي في شراء خاتمي الخطوبة و طقم الشبكة، فهي من حقّي، و قد وعدني وليد بالذهاب لأسواق المجوهرات و شرائها... ~ ~ ~ ~ ~ ~ العلاقة بين رغد و أروى تزداد اضطرابا مرة بعد أخرى، و هذا يقلقني كثيرا... رغد، في أحيان ليست بالقليلة تتصرف بغرابة، لا أعرف وصفا دقيقا أذكره لكم، لكن.. إنها .. تتدلل كثيرا ! و لأنها معتادة على الدلال، و تنفيذ جميع رغباتها دون استثناء، و لأنني الشخص الوحيد المتبقي أمامها من العائلة، فإنها .. باختصار تتدلل علي ! نعم حينما كانت صغيرة كنت أعشق تدليلها و أقبل على ذلك بشغف، ألا أن الأمر تغيّر الآن..إنها لم تعد طفلة كما أنني... إنني... ماذا أقول ؟؟ لست أباها، أو أخاها، أو زوجها أو حتى ابنها لأستطيع مجاراتها ببساطة في كل تصرفاتها... أنا حائر.. حائر جدا! البارحة، و بعدما عدنا من السوق، و قد اشترت هي العديد من الأشياء، فوجئت بها قادمة نحوي، و قد تغيّر لون عينيها إلى الأزرق ! و إذا بها تسألني : " كيف أبدو ؟ " كنت أجلس و أروى في الصالة، نتحدّث عن الخاتمين اللذين تصر أروى على شرائهما، و أظن هذا من حقّها فهي تود وضع خاتم للخطوبة مثل أي فتاة ! اعتقد أن الفتيات يهتممن بأمور تبدو في نظر الرجال، أو لنقل في نظري أنا كواحد من معشر الرجال ... لا تغضبن ! سخيفة أحيانا ! نظرت ُ إلى أروى ثم إلى رغد مندهشا.. و كانت لا تزال تنتظر رأيي في لون عينيها الجديد ! شعرت بالحرج الشديد .. فقلت : " هل صبغتيهما بالفرشاة ؟! " قاصدا أن تبدو دعابة خفيفة تلطّف الجو، ألا أن رغد نظرت إلى أروى و قالت : " و هل أنت ِ صبغتِ عينيك بالفرشاة ؟ " قالت أروى : " لا ، صبغهما الله لي هكذا ، لذا فهما تناسباني تماما " الجملة أزعجت رغد ، فقالت بغيظ : " تعنين أن لون عيني الآن لا يناسبني ؟ " صمتت أروى، و نظرت إلي، تقصد تحويل السؤال إلي .. ، و لذا نظرت رغد نحوي و أنا أرى الغضب يتطاير من عينيها هاتين.. و لم أجد جوابا مناسبا ألا أنني لم أشأ إحراجها فقلت : " و إن ناسباك ، فالأصل هو الأنسب دائما " و إجابتي الغبية هذه لم تزد الطين إلا بللا ! قالت غاضبة : " نعم الأصل هو الأنسب دائما، هذا ما يجب أن تدركه أنت ! " و لم أفهم ما ترمي إليه ! ثم أضافت : " لو كان سامر هنا، لصفّر إعجابا " ثم استدارت و غادرت الصالة... تضايقت أنا من هذا الموقف.. و التزمت الصمت مدّة ، ألا أن أروى قطعت الحديث قائلة : " ألم أقل لك !؟ إنها تغار مني " التفت إليها و قلت : " لا ، ليس الأمر كذلك ! لكنك لا تعرفين كم كانت مدللة تفعل ما تشاء في بيت أبي... كان رحمه الله يدللها كثيرا " قالت أروى : " و ها أنت ورثته ! " التفت إلى أروى، فأشاحت بوجهها عني.. و كأنها غاضبة مني .. قلت : " ما بك أروى ؟ ماذا يزعجك ؟ " التفتت إلي و أجابت : " ألست تدللها أنت أيضا ؟ " قلت : " أ لأنني سمحت لها بشراء كل ما أرادت ؟ تعلمين أن أغراضنا احترقت في بيتنا و هي بحاجة لأشياء عدّة ! " " أشياء عدّة كالملابس الباهظة التي اشترتها و الحلي أيضا ؟؟ بربّك ما هي فاعلة بها و هي باقية في هذا البيت بالحجاب و العباءة ! " سكتت قليلا و قالت : " لم لا ترسلها إلى خطيبها لبعض الوقت ؟ أظنها في حنين إليه " وقفت منزعجا و رميت أروى بنظرة ثاقبة ، جعلتها تعتذر " لم أقصد شيئا يا وليد إنما ..." قلت مقاطعا : " يجب أن تعرفي يا أروى.. أن رغد هي جزء من مسؤولياتي أنا، الجزء الأكبر.. و متى ما شعرت بالضيق من وجودها فأعلميني، و في الحال سآخذها و نرحل " ظهر الذهول على ملامح أروى ، فوقفت و قالت : " وليد ! " قلت : " نعم ، نرحل سوية.. لأنه لا يوجد سبب في هذا العالم يجعلني أتخلى عن ابنة عمي ساعة واحدة، مهما كان " و كان هذا بمثابة التحذير ... قالت أروى : " و .. حين نتزوّج ؟ " صمت فترة ، ثم قلت : " لن يكون زواجنا قبل زواجها هي ، بحال من الأحوال " " و .. متى ستتزوج هي و أخوك ؟ " قلت بسرعة و بغضب : " ليس الآن، لا أعرف ، ربما بعد عام أو عشرة .. أو حتى مئة ، لكن ما أعرفه هو أنني لن أتزّوج قبلها مطلقا " و تركت أورى، و انصرفت قاصدا رغد... نعم رغد، فهي من يشغل تفكيري هذه الساعة، و كل ساعة.. كنت أعرف أنني سأراها باكية.. و هكذا رأيتها بالفعل.. و قد نزعت العدستين الزرقاوين، و تحول بياض عينيها إلى احمرار شديد... " صغيرتي.. يكفي ! " طالعتني بنظرة غاضبة ، و قالت : " كنتما تسخران مني ، أليس كذلك ؟ " " لا أبدا ! لا يا رغد ! " قالت بانفعال : " لو كان سامر هنا ، لقال قولا لطيفا و لو من باب المجاملة.. " و ذكر اسم سامر يجعلني أتكهرب ! قلت بدون تفكير : " أنت ِ رائعة إن بهما أو بدونهما يا رغد " و ابتلعت لساني بسرعة ! رغد تأملت عيني، و ربّما سرّها ما قلت.. فمسحت الدمعتين الجاريتين على خديها ، و قالت : " حقا ؟ هل بدوت رائعة ؟ " اضطربت، حرت في أمري.. بم أجيب ..؟؟ يا رغد أنت تثيرين جنوني.. ماذا تتوقعين مني ؟ أنا.. و للأسف، و بكل أسف.. لست زوجك حتى يحل لي أعجب بك و أبدي إعجابي لك.. كيف لي أن أصرّح أمامك : أنت رائعة، و أنت لست ِ ملكي..؟ أنى لي أن أتأملك و أنت لست ِ زوجتي أنا ؟؟ يا رغد.. أنت لستِ امرأتي و أنا لا أستطيع تخطي الحدود التي يجب أن تبقى بيننا.. و إن لم أر روعتك، و لم أتأملها و لم أعلّق عليها، فلتعلمي بأنك في قلبي أروع مخلوقة أوجدها الله في حياتي.. مهما كان مظهرك .. لا تزال تنظر إلي منتظرة الإجابة.. كطفلة صغيرة بحاجة إلى كلمة طيبة من أحد.. قلت : " بالطبع ! أنت دائما رائعة منذ صغرك ! " رغد ابتسمت، أظن بفرح.. ثم قامت و اتجهت إلى أحد الأكياس التي تحوي ما اشترته من السوق، و أخرجت بعض الأشياء لتريني إياها ! أرتني أحد الفساتين، و هي تقول : " هذا سيدهشك ! انظر .. ما رأيك ؟؟ " الفستان كان أنيقا، و في الواقع أنا لست خبيرا بمثل هذه الأمور ، لكني أظن أنه من النوع الذي يعجب النساء ! قالت : " سيغدو أجمل حين أرتديه ! " و قربته من جسمها و ذهبت لتشاهد ذلك أمام المرآة.. كانت تبدو سعيدة .. قالت تخاطب المرآة : " متأكدة سيبهر دانة حين تراه ! و ستشعر بالغيظ ! " ثم اكفهر وجهها فجأة .. و شردت برهة ، و استدارت إلي .. و رمت بالفستان على السرير.. قلت : " ما الأمر ؟ " قالت : " أريد أن أرتديه " قلت : " إذن افعلي ! " قالت و بريق من الدموع لمع في عينيها : " أرتديه لأبقى حبيسة في هذه الغرفة ؟ " و صمتت قليلا ثم قالت : " لو كان والداي حيين.. لكنا الآن هناك، في بيتنا.. أريهما أشيائي هذه، و أسمع تعليقاتهما.. " " رغد .. " " و لكنت ارتديت ما أشاء.. و تزيّنت كيفما أريد .. بكل حرية.. " " رغد صغيرتي ... " " و لكنت اشتريت ما يحلو لي دون حساب.. و لطلبت من والدي تجديد طقم غرفة نومي .. لم يكن ليتضايق من طلباتي.. فقد كان يحبني كثيرا.. و يدللني كثيرا.. و يحرص على مشاعري كثيرا.. أكثر من أي أب آخر في الدنيا .. " و ارتمت فوق الفستان المرمي على السرير، و أخذت تبكي بحرقة... تمزّق قلبي أنا .. خلية خلية..لهذا الموقف الأليم المرير.. و رغما عنّي تمخّضت مقلتي عن دمعة كبيرة... اقتربت منها محاولا المواساة : " أرجوك يا رغد.. كفى عزيزتي .. " رغد استمرت في البكاء ، و لم تنظر إلي ، لكنها قالت وسط الآهات : " لن يشعر أحد بما أشعر به.. حبيسة و مقيّدة في هذا المكان.. ليتهما يعودان للحياة.. و يعيداني معهما إلى البيت.. و أنا سأتخلى عن كل شيء فقط لأعيش معهما ! " مسحت دمعتي ، و قلت بصوت ألطف و أحن : " بالله عليك يا رغد.. يكفي فقد تفطّر قلبي " رغد استدارت نحوي، و أخذت تنظر إلي مطولا.. ثم قالت : " هل تحس بما أحسّه يا وليد ؟؟ أتعرف معنى أن تفقد والديك، و مرتين، و بيتك و عائلتك، و مدينتك و جامعتك، و تبقى مشردا عالة متطفلا على غرباء ؟ في مكان لا يوفر لك أبسط حقوقك ؟ أن ترتدي ما تشاء ! " " رغد ! ماذا بيدي ؟ أخبريني ؟ ماذا أستطيع أن أفعل ؟ و حتى لو خرجنا من هذا المنزل و سكنا منزلا آخر... لا حل للمشلكة ! " " بلى ! " قالت رغد ذلك بسرعة ، فقلت أنا مسرعا : " ما هو ؟ " رغد الآن.. عقدت لسانها و هي تنظر إلي نظرات عميقة، كأنها تفكّر فيما تود قوله ثم قالت للقهر : " أرسلني إلى بيت خالتي " ذهلت لسماع هذه الجملة ، و ترنحت قليلا ، ثم سألت : " إلى بيت خالتك ؟؟ كيف ؟ و زوج خالتك ؟ و حسام ؟؟ " قالت : " أتزوّجه " هنا .. توقّف قلبي عن النبض، و توقفت عيناي عن الرؤية، و أذناي عن السمع، و كل حواسي عن العمل ، بل و الساعة عن الدوران... لم أسترد شيئا من حواسي المفقدوة إلا بعد فترة، و أنا في المزرعة .. و كان أول شيء استعدته هو الشم، إذ غزت رائحة السيجارة أنفي و أيقظت إحساسه عنوة ... قلبتني جملتها هذه رأسا على عقب... و بعد أن كنت شديد الحزن و التعاطف معها، أصبحت أرغب في خنقها.. حسام ؟ نعم حسام.. إنه الحبيب السري الذي يعيش في قلب رغد منذ الطفولة.. ليس في قلبها فقط، بل و في صندوق أمانيها الذي لم أنسه يوما... أهذا ما تريدين يا رغد ؟؟ لم تمض تلك الليلة بسلام.. ظل قلبي ينزف ..من الطعنة العميقة التي سددتها رغد إلى صدري... لذا فإنني عاملتها بشيء من الجفاء في اليوم التالي، و حين هممنا أنا و أروى بالذهاب إلى السوق لشراء الخاتمين و العقد، و سألتني إذا كنا نسمح بذهابها ، أجبت : " أروى تريد أن نشتريهما بمفردينا " " و تتركاني وحدي ؟؟ " " لا ، بل مع الخالة ليندا " و لم أسمح لها بإطالة الحديث، بل انصرفت مباشرة... ~ ~ ~ ~ ~ و ليته أحضرها عوضا عن كل هذا ! فبدلا من تأمل المجوهرات، يتأمل الساعة بين الفينة و الأخرى.. و اتصل مرتين لسؤال أمي عنها ! بصراحة، وليد يبالغ في اهتمامه بها و أنا منزعجة من هذا الأمر.. و أتمنى لو يأتي خطيبها و يعتني بها لبعض الوقت، حتى نتنفّس ! تجوّلنا كثيرا، بحثا عن طقم يناسبنا.. و وليد لم يكن مركزا معي جيدا، بل كان يقول عن أي كل عقد أسأله عن رأيه به : " جميل، دعينا نشتريه ! " اخترنا في النهاية طقما جميلا مناسبا، بالإضافة إلى خاتمي الخطوبة .. و أراد وليد أن نعود للمزرعة لكنني ألححت علي بالذهاب إلى مطعم و تناول العشاء هناك.. إنها فرصة ذهبية بالنسبة لي، لا وجود لرغد معنا! " فيم تفكّر ؟ " سألته و أنا أراه شاردا، قال : " أأ .. في المزرعة ، تعرفين أننا تركنا عمل اليوم غير منجز .. حالما أعود فسأنجزه " قلت : " أوه وليد ! أتفكّر بالعمل حتى و أنت معي هنا ؟ دع عنك المزرعة و شؤونها و لنتحدّث في أمور تخصّنا " لم تظهر عليه أمارة مشجعة ، تضايقت من شروده عني ، قلت : " وليد ! أنا معك ! هل تراني ؟ " الآن ابتسم و قال : " طبعا أروى ! أنا آسف..، فيم تودّين الحديث ؟ " قلت ببعض الخجل : " في أمور بيتننا و خطط مستقبلنا ! " قال وليد : " أخبرتك بأننا لن نتزوّج قبل رغد " رميت بالملعقة التي كانت بين أصابعي ، أتناول بها طبق المهلبية الباردة .. و قلت بانفعال : " رغد ثانية ! أوه .. رغد ، رغد ، رغد ! وليد ! هللا توقفت عن ذكرها أمامي كل ساعة ؟؟ " قال وليد و هو مرتبك : " أروى ! ما حلّ بك ؟؟ " قلت : " ما حلّ بك أنت ؟؟ ألا تشعر بأنك تهملني من أجلها ؟ إنني خطيبتك ! " قال : " أنا آسف يا أروى، لكنك .. لا تعلمين ما تعنيه رغد بالنسبة لي .. " قلت : " ماذا تعني ؟؟ " وليد غيّر الجملة و قلب السؤال ، إلى ما يعنيه هو بالنسبة لها ، إذ قال : " إنها فتاة يتيمة، و بلا بيت و لا عائلة و لا ولي غيري، إن أهملتك أنت، فباستطاعتك اللجوء إلى أمك أو خالك، أما إن قصّرت مع ابنة عمي اليتيمة الوحيدة ، فإلى من ستلجأ ؟؟ " أنا قلت مباشرة : " إلى خطيبها " و لا أدري لم انزعج وليد فجأة و قال : " لنغيّر الحديث، ماذا كنت تودين قوله بشأن المزرعة ؟؟ " قلت : " أي مزرعة ؟؟ " " المزرعة ! ألم تتحدثي عن المزرعة و مستقبلنا فيها ؟ " اشتططت غضبا و قلت : " بل عن عش الزوجية و خططنا المستقبلية فيه " احمرّ وجه وليد ، و تمتم بجمل الاعتذار... لكن ، أي اعتذار يا وليد؟ إنني أشعر بأنك لا تشعر بوجودي ... و كأنني لست خطيبتك.. و كأننا لن نتزوّج ذات يوم ! عندما عدنا إلى المزرعة ، و لم أكن أنا سعيدة بالقدر الذي تمنيت، دخلت إلى المنزل مباشرة ، أما وليد فذهب لينجز أعمال اليوم التي اضطر لتركها من أجل مرافقتي... في الصالة، وجدت رغد جالسة تقرأ أحد الكتب.. " تأخرتما " " نعم، فقد ذهبنا إلى المطعم.. و تنزهنا لبعض الوقت " و ظهر الاستياء على وجهها، و قالت : " و هل اشتريتما الخاتمين ؟ " " أجل " " هل أستطيع رؤيتهما ؟ " قلت بحنق : " نعم طبعا ، لكن غدا ، بعدما نلبسهما أنا و وليد لبعضنا البعض " قالت : " و أين وليد ؟ " " في المزرعة ، سيعمل لبعض الوقت " و استأذنت و ذهبت إلى غرفتي... ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ تركتني في غيظي ، اشتعل نارا كجهنم.. أكاد أحرق أوراق المجلة التي بين يدي و لكن لا لن أفوّت هذا بسهولة ! و لسوف أفسد عليهما سهرة الغد و أحرمهما من الهناء بخاتميهما ! نزعت الخاتم الذي ظل بنصري الأيمن محبوسا به لأربع سنين... لم أكن قد نزعته قبل الليلة، كما لم أكن قد أبلغت وليد عن انفصالي الشرعي عن سامر.. رغم أن فترة قد مضت على ذلك.. لم أكن أريده أن يشعرني بأنه مهتم بي فقط و فقط لأنه ليس لدي من يهتم بي غيره.. كنت أود أن أشعر.. بأنه يهتم بي و يحبني و يريد بقائي معه حتى لو كان والداي على قيد الحياة ، ليس فقط حتى مع وجود خطيب لي.. عندما سألني : " ماذا بيدي ؟ ما حل المشكلة " كدت أقول : " تزوّجني ! " و كم كنت سأبدو بلهاء غبية و أنا أعرض على ابن عمّي ، و المرتبط، و الذي نعيش في بيت خطيبته أن يتزوّجني ! أردت أن ألفت نظره إلى وجود حل اسمه الزواج ، فقلت : " أتزوج حسام " و انتظرت ردة فعله، انتظرت أن أرى مقدار اهتمامه بي .. و رغبته في بقائي معه..كم تمنيت لو يهتف : " مستحيل ! " إلا أنه التزم الصمت، ثم غادر... أحيانا.. أشعر بأنه يهتم بي و يحبني كثيرا.. لكن.. مثل حبه لدانة.. و أنا أريده أن يحبّني مثلما أحبه أنا.. و أن يعجب بي أنا.. و ألا ينظر إلى عيني امرأة غيري أنا ! و إن كان يريد رؤية عيون زرقاء، أو خضراء، أو حتى صفراء.. فأنا سأغير لون عيني و شعري و وجهي و كل شيء لإرضاء ذوقه ! لقد قال إنني رائعة منذ الطفولة ! كم أشعر بالسعادة كلما تذكرت هذه الجملة ! إنها كنزي الثمين الذي أفتحه و أنعش مشاعري به كلما أصابني اليأس .. وليد و أروى يخططان لقضاء سهرة خاصة بهما ليلة الغد، للبس الخاتمين.. و أنا .. أخطط لأن أمرض غدا، و أقلق وليد بشأني، و أصرف تفكيره عن السهرة الخاصة، و أحرم أروى مما تصبو نفسها إليه ! سترين يا أروى ! ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ لأنني لا أحب تأجيل عمل اليوم إلى الغد، و لأنني سأضطر لاختصار ساعات العمل غدا أيضا، من أجل السهرة التي تريدها أروى احتفالا بوضع الخاتمين ، فإنني قررت أن أقضي ساعات في العمل بالمزرعة الآن... كنت متعبا، فقد قمت بعدة أشياء منذ الصباح، و كان يوما حافلا بالمهام التي كان علي إنجازها.. عدا عن هذا ، فهناك فتاة صغيرة تلعب في دماغي منذ الأمس، و تسبب لي صداعا رهيبا ! انتصف الليل، و أنا لا أزال في المزرعة أبذل مجهودا بدنيا لا يتناسب و الظلام و التوقيت، ألا أنني لم أشأ المغادرة قبل إتمامه... كنت سأنقل بعض الأشياء إلى السيارة الحوض، إلا أنني حين وجدتها على مبعدة ، تقاعست عن تحريكها، فآخر شيء أفكر به هو قيادة سيارة الآن، اذا قمت بحمل بعض تلك الأشياء بجهد إلى الحوض، و تركت البقية لأنقلها في اليوم التالي، فقد أرهقت كثيرا جدا... كنت أتصبب عرقا، و أشعر بإعياء شديد، و بحاجة ماسة و فورية للاستحمام ، و النوم مباشرة... عدت إلى المنزل منهك القوى شديد التعب، متوقعا أن يكون الجميع نيام في مثل هذا الوقت ، لذا دهشت حين رأيت رغد جالسة في الصالة تقرأ كتابا ! " ألم تنامي بعد ؟ " رفعت رغد عينيها عن الكتاب ، و قالت : " ليس بعد " و كانت نظراتها حادة توحي برغبة منها في الشجار ! و هو شيء أفضل الغرق في المحيط عليه، خصوصا و أنا بهذا الحال و التعب ! " تصبحين على خير " قلت ذلك، و توجهت نحو غرفة نومي، لأنفذ بجلدي، و لكنني ما كدت أخطو بضع خطوات حتى سمعتها تناديني : " وليــــد " يا رب ! لست بمزاج جيّد لتلقي أي لوم و عتاب على تركك وحدك كل هذه الساعات ! أجّلي كل هذا للغد يا رغد ! و أعدك بأنني سأتلقى هجومك بأوسع صدر ! التفت إلى الوراء ، و لم أجب ... لكن لسان حالي أجاب : نعم ؟ أغلقت الكتاب الذي بين يديها، و وقفت .. إنه التأهّب للهجوم ! رغد أرجوك الرحمة ! هذه الليلة فقط ! " أنا جائعة " هل سمعتم شيئا كالذي سمعت ؟؟ تقول جائعة ! " ماذا ؟ " " أنا جائعة ! " تلفت يمينا و شمالا.. أبحث عن شخص يؤكد لي ما سمعت ! " ألم تتناولي عشاءا ؟ " " كلا " " حسنا ، لم لا تذهبين للمطبخ و تحضّرين وجبة لك ؟؟ " قالت : " أشتهي البيتزا " " البيتزا ؟ " " نعم ! البيتزا " قلت : " و لكن تحضيرها سيستغرق وقتا ! لم َ لم تعدّيها قبل الآن ؟ " " لا أعرف طريقة لتحضيرها، و لا أريد أن أعرف، كما و أنني شعرت بالجوع الآن فقط " و بالتالي ماذا ؟؟ قلت : " حسنا ، حضّري شيئا آخر .. " " أريد بيتزا " " رغد ! و هل تعتقدين أنني أستطيع تحضير بيتزا ؟؟ " " تستطيع شراءها من المطعم " نظرت إلى الساعة ، كانت الواحدة ليلا ! " مطعم ؟ الآن ؟؟ " " نعم ، لابد أنه يوجد مطعم واحد على الأقل مفتوح الآن " و هذا يعني أن علي ّ أنا الذهاب للبحث عن مطعم و جلب البيتزا ! آخر عمل أفكّر في القيام به على الإطلاق ! " حضّري لك أي وجبة من الطبخ ، الوقت متأخر و أنا متعب .. " " لا أشتهي غير البيتزا ! " " كلي أي شيء الآن ، و غدا آخذك إلى المطعم " قالت : " معكما أنت و أروى ؟ " و رمقتني بنظرة حادة .. ثم أضافت : " هل تقبل العروس ؟ " تنهّدت ، و قلت خاتما الموضوع : " أمامك المطبخ بما حوى ... تصبحين على خير " و استدرت و تابعت طريقي، و لما بلغت الباب و فتحته سمعتها تقول : " لو كان سامر هنا ، لما سمح بأن أنام و أنا جائعة ! و لكان لفّ العالم ليحضر لي ما أريد " أفلتت أعصابي، صفعت الباب بقوّة و أنا أستدير إليها ، و أراها تجلس على المقعد و تحني رأسها إليه |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#68 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
الحلقة الخامسة و الثلاثون
* * * * * * * ~ إلى موطن الذكريات ~ لم أكن أريد أن يدركنا الظلام ، سرت بأقصى سرعة ممكنة ، لكن الشمس سبقتني بالغياب ... حين وصلت إلى المدينة الساحلية ، مسقط رأسي ، كان الظلام قد غطى الأجواء ... تسارعت نبضات قلبي و أنا أسير في الطريق المؤدي إلى بيتنا... كلما وقفت عند إشارة مرور ، توقفت الذكريات عند حدث معيّن ... شوارع المدينة لم تتغير... الكثير من الحفريات و الإصلاحات مبعثرة على الشوارع... لا تزال بعض المباني منهارة كما خلّفتها يد الحرب... و لا تزال المناظر تثير الرهبة في قلوب الناظرين... " هنا مدينتنا " قلت ذلك ، مخاطبا أروى التي كانت تشاهد المناظر من حولها... و كأنه واقع مخيف مرير أخشى تلقيه بمفردي... " إنها آثار الحرب ! " عقّبت أروى ، فقلت : " و أي آثار ... ! تحمل هذه المدينة من ألم الذكرى و بصمات الماضي ما يجعل قلبي يتصدّع من مجرد ذكر اسمها ... " و أي ذكرى أقسى من ... ذلك اليوم المشؤوم... الذي غيّر مجرى حياتي نهائيا ... كأني به يعود للوراء... كأني بعمار اللعين ... ينبعث من قبره... كأني أراه يبتسم ابتسامته الشرسة القذرة... و يرمي بالحزام في الهواء... كأني ... برغد تصرخ... تركض إلي... تتشبث بي... تخترق صدري ، و خلايا جسدي ... تمزّق قلبي ... تحرق أعصابي عصبا عصبا ... و تفجّر في داخلي رغبة عارمة مزلزلة ... منطلقة بعنف و سرعة ... ككتلة نارية قذفها بركان ثائر هائج... آبية إلا أن تنتهي بضربة بشعة فتاكة على رأس عمّار... خاتمة بها آخر أعماله القذرة ... لم أتمالك نفسي ، دست بقدمي بقوة ... انطلقت السيارة بشكل جنوني... كنت ُ أراه أمامي... و كنت أريد أن أدوسه و أسحقه تحت العجلات ... مرة بعد مرة ... بعد مرة ... " وليد ! خفف رجاء ً ! " هذه المرة كانت أم أروى هي المتحدثة ، أعادتني إلى الواقع ، فوجدت نفسي أقود سيارة في شارع داخلي لا يخلو من النتوءات و الحفر ... خففت السرعة ، و ألقيت نظرة على رغد من خلال المرآة ... كانت هي الأخرى مشغولة بمراقبة الطريق ... أتراها تذكر ؟؟ الآن انتقل بصرها إلي ... أشارت إلى الخارج عبر النافذة و قالت : " إنها مدرستي ! " نعم إنها هي ! نعم إنها تذكر ... حاولت أن استشف من عينيها مدى تأثرها... و إلى أين وصلت بها الذكرى... حدّقت في مبنى المدرسة... ثم حدّقت بي... كيف تشعرين يا رغد ؟؟ هل يؤلمك شيء كما يؤلمني ؟؟ هل تطوف في مخيلتك ذكريات ذلك اليوم النحس، كما هي مسيطرة علي الآن ...؟؟ لو أملك يا رغد ... لمحوت ذلك الماضي من ذاكرتك نهائيا ... لو أملك يا رغد ... لاستئصلت ذلك اليوم من عمرك ... و اقتلعته من أصل جذوره ... لو أملك يا رغد ... لقتلت عمّار قبل أن تلده أمه ... و ما تركت له الفرصة ليؤذي أغلى مخلوقة لدي ... بأبشع طريقة .... المسافة تقصر... النهاية تقترب ... المباني تمر بنا و تنصرف ... واحدا تلو الآخر... إلى أن ظهر أخيرا ... مبنى كبير قديم ... مهجور و غارق في الظلام ... موصد الأبواب و النوافذ ... كئيب ميت و مرعب... تحف به أشجار جافة بلا أوراق و لا ثمر ... أشجار ماتت واقفة... و بعثرت الريح أوراقها على المجرّة منذ سنين ... و ظلّت واقفة ... و قامت الحرب... و قعدت الحرب ... و ظلت هي واقفة ... في انتظار عودة سيدي المنزل ... لتنحني أمامهما ... محيية مرحبة ... يا أشجار بيتي العزيز ... ستظلين واقفة ما امتد بك الدهر ... لأن السيدين ... اللذين تنتظرين عودتهما... لن يعودا أبدا ... عند الباب مباشرة ، أوقفت سيارتي أخيرا... بقيت قابعا في مكاني لا أجرؤ على الحراك ... مركزا بصري على البوابة... كأنني أستأذنها بالدخول ... كأنها تستغرب عودتي ... كأنها نسيتني ! مرت لحظات ليست كاللحظات، و أنا في سكون شارد ... تحدّثت أروى قائلة بعد أن طال بنا البقاء : " أليس هذا هو المنزل ؟ ألن ننزل ؟؟ " التفت إليها و منها إلى الوراء ، حيث تجلس صغيرتي بتعبيرات وجهها المضطربة و نظراتها المتوجسة ... قلت بصوت يكاد يختنق في حنجرتي : " منزلنا يا رغد ! " رأيت يدها تمتد من موضعها على صدرها إلى عنقها ... كأنها تمنع صرخة من الانبثاق قهرا من أعماق حنجرتها الصغيرة ... تحدّثت خالتي أم أروى الآن قائلة : " هل سننزل هنا ؟ هل تملك مفاتيح للمنزل ؟؟ " أجبتها بتحريك المفاتيح المتدلية من مقود السيارة ، و التي تضم مفاتيح المنزل المهجور ... عدت بنظراتي إلى رغد ... فهي أهم ما يعنيني في الأمر ... لطالما كانت هي الأهم ... قلت : " هيا بنا ... توكّلنا على الله " بدا على صغيرتي المزيد من التوتر و القلق ، كانا جليين لي ... أخيرا فتحنا الأبواب و هبطنا أرضا ... صغيرتي وقفت و سارت شبه ملتصقة بي ، و كأنها تخشى شيئا ... فتحت البوابة الرئيسية أخيرا ... و سمحت لطوفان الذكريات باجتياحنا .... الحديقة الخارجية ... التي لطالما كانت غناء خضراء زاهية ... هي الآن مجرد صحراء موحشة تعذّر حتى على الأشواك البرية العيش في رحابها ... لم أكن أشعر بقدمي و هي تسير خطوة بعد خطوة نحو الداخل ... اقتربنا من الساحة المرصوفة بقطع الرخام ...... في هذه الساحة ... كانت فيها رغد تقود دراجة سامر فيما مضى ... تجاوزنا الباب الخارجي للمنزل ، و سرنا متابعين طريقنا ... حتى بلغنا الساحة الخلفية للمنزل ... و من خلال بصيص خفيف للضوء ، وقعت أنظارنا على أدوات الشواء المركونة هناك في زاوية الساحة منذ سنين ... ما أن رأتها رغد ، حتى رفعت يدها اليمنى و أمسكت بذراعها الأيسر...كأنها شعرت بلسعة الجمر تحرق ذراعها ... مكان الندبة القديمة ... قلت بعطف : " رغد ! أأنت على ما يرام ؟؟ " و بالرغم من الظلام ، استطعت أن ألمح القلق المرسوم على وجهها الصغير ... قلت أخيرا : " دعونا ندخل إلى الداخل " و رأيت يد رغد اليمنى و هي تترك ذراعها الأيسر... و تقترب شيئا فشيئا من يدي ، و تلتحم بها ! أظنها كانت للشعور ببعض الأمان ، فقد كان المكان موحشا ، عدا عن الذكريات الأليمة التي يثيرها ... تركت يدي أسيرة يديها حتى بلغنا الباب الداخلي ، و أردت استخدام يدي في فتح الباب ، إلا أنها لم تطلق سراحها ... بيدي الأخرى فتحت القفل و الباب ، و خطوت الخطوة الأولى نحو الداخل ... وظلت يدي اليسرى مسحوبة إلى الوراء ، مربوطة بيد رغد ... كان المنزل غارقا في الظلام ... مددت يدي نحو الجدار متحسسا المكابس ، حتى أضأت المصباح ... و لحسن الحظ ، بل للعجب ، كان يعمل ... ! الإنارة سمحت لنا برؤية ذرات الغبار التي تغطي الأرضية الرخامية عند المدخل... شددت ُ يدي اليسرى و معها شددت ُ صغيرتي نحو الداخل و أنا أقول : " ادخلن ... " رغد خطت خطوة نحو الداخل و أخذت تدور برأسها في المكان ... و تشد ضغطها على يدي ، و على صدرها من فرط التأثر... إن قضيت الوقت في وصف المنزل فإنني لن أنتهي ... لكن ... و إن تجاهلت وصفي للمنزل و ذكرياته ، فهل أجسر على تجاهل وصف تعبيرات رغد ؟؟ إنها وقفت على مقربة من الدرج ... و هي لا تزال ممسكة بيدي ، و قالت : " يا إلهي ... إنه بيتنا ! لم يتغيّر يا وليد ! أنا أذكره ! " ثم قفزت الدموع من عينيها فجأة ... أتذكرين يا رغد ؟؟ أتذكرين هذا المنزل ، الذي تربينا فيه سوية ؟؟ أتذكرين حين كنت أحملك على كتفي و أجول بك أرجاء المنزل ، و أنت تضحكين بفرح ؟؟ كم و كم و كم من الذكريات أحمل في صدري ... ذكريات طفلتي الحبيبة المدللة التي تركتها نائمة على سريرها ذات يوم ، و عدت ُ بعد 8 سنين ، و لم أجدها ... ثمان سنين يا رغد ... كان يمكن أن أعيشها معك لحظة بلحظة يوما بيوم و سنة بسنة ... قضيتها هناك في السجن ... برفقة المجرمين المذنبين ، أُضرب و أهان و يُكسر أنفي ، و آكل الطعام الرديء الممزوج بالحشرات ، و أنام على سرير خشبي قاس و وسادة أشبه بالحجر ، بينما أنت في حضن شقيقي ... تنعمين بالحب و الرفاهية ! آه يا رغد ... آه ثم آه ثم آه ... قطع سيل الذكريات صوت أروى قائلة : " أين غرف النوم ؟ أود أن أستلقي فأنا مرهقة جدا " طبعا ، جميعنا مصابون بالإرهاق بعد سفر طويل و شاق ... قلت " " في الأعلى " وهممت بالصعود ... كلما صعدت ٌ خطوة تصاعدت الدماء إلى وجهي ، و تزايدت نبضات قلبي ، و كلما أنرت مصباحا تفجرت ذكريات أخرى في رأسي ... حتى إذا ما بلغت الردهة الرئيسية ... شعرت ُ بمفاصلي تتساقط أرضا من هول ما أنا فيه ... وجها لوجه ، أمام البابين المتجاورين ... لغرفتي أنا و غرفة رغد ... وجها لوجه ، و على بعد خطوات معدودة من بؤرة الذكريات ... لهذا الحد و توقفت كل شيء عن الحركة من حولي ... و تجمّد الكون ... و تصلّبت الأشياء ... وخز قوي شعرت به أخيرا في راحة يدي ، سببه ضغط أظافر رغد الشديد على يدي ... هنا ...التفت إليها ... رأيت نهرا من الدموع ينساب من بين رموشها ... و على شفتيها كلمة لا تكاد تنطلق ... " غرفتي ! غرفتي يا وليد ! " حاولت تحريك يدي ، و تقريب ميدالية المفاتيح من عيني لاختيار المفتاح المناسب ، ألا أن رعشة قوية سرت ببدني .. جعلت الميدالية تنزلق من بين أصابعي و تسقط أرضا ، محدثة رنينا تخلخل عظامي و زلزلها .... وقفت متسمرا في مكاني عاجزا عن الانثناء و التقاط المفاتيح رغد تحرّكت و التقطت المفاتيح بنفسها و مدّت يدها إلي ... تحشرج صوتي عن كلمة : " افتحيه " لا أعرف كيف ظهرت حروفها ! نظرت رغد إلي بتردد ، ثم التفتت نحو باب غرفتها ، و تقدّمت خطوة ... و بدأت تجرّب المفاتيح ... و أخيرا انفتح القفل ... و حركت رغد الباب للأمام قليلا ، بتردد كانت الغرفة غاطة في السبات العميق المظلم ، منذ تسع سنين ! لم تتحرك رغد ، بل توقفت في مكانها لا تملك من الشجاعة ما يكفي لأن تدخل أما أنا ، فقد أصاب ركبتي تصلب حاد عجزت معه تحريك أي منهما " أنا خائفة ! " قالت ذلك رغد و هي تلتفت نحوي ... " لا تقلقي ! لا يوجد أشباح ! " قلت ذلك ، و أنا أرتجف خوفا من أشباح الماضي ... و لما رأيت في عينيها التردد ... أجبرت قدمي على السير للأمام ... و وقفت إلى جانبها مباشرة ... أمام الباب دفعت ُ به بهدوء حتى فتحته ... و أنا مغمض العينين ! من سأرى في الداخل ؟؟ لابد أنها طفلتي الصغيرة الحبيبة ، نائمة على سريرها ... كالملاك ! فتحت عيني ... كانت الغرفة تسبح في الظلام ... مددت يدي و أضأت المصباح ... و أخيرا ... رأيت كل شيء ... و آه مما رأيت ... هناك ... إلى اليمين ، ترقد سرير رغد القديم ، تماما كما تركته منذ سنين ... لقد كنت أنا من وضع السرير في مكانه ، كما رتّبت أثاث الغرفة بنفسي ... شمعت شهقة ضعيفة انطلقت من صدر رغد ... الواقفة إلى جواري لكنني لم التفت إليها ... لقد كنت مأخوذا بسحر الذكرى الماضية ... تقدّمت نحو سرير رغد ... أجر قدمي ّ جرا ... حتى إذا ما بلغته انثنيت عليه و أخذت أتحسسه ... طافت بي الذكرى ... و تخيلت رؤية رغد نائمة هناك ... و هيء لي أنني لمست شعرها الناعم ... و أحسست بأنفاسها القصيرة ... شعرت بجسمها الضئيل يتحرك ! " رغد صغيرتي ! " انطلق الاسم من لساني عفويا ... كما انطلقت عبرة حارقة من مقلتي ... يا للأيام ! بعد كل هذه السنين ... أعود إليك ! داهمتني رغبة جنونية في أن أحتضن السرير برمته ... في أن أطوّقه بذراعي ... في أن أقبّل دعائمه ... " هل كانت هذه غرفتك يا رغد ؟ " كان هذا صوت أروى ، أيقظني من سبات الذكريات ، فهو صوت لم أعتد على سماعه في هذا البيت ! " نعم " أجابت رغد و هي تتقدم نحوي ... التفت إليها فإذا بي أراها تحدّق في شيء ما و هي تقول : " وليد ! " التفت إلى ذلك الشيء ، فإذا به ورقة صغيرة ... ملصقة بالجدار بشريط لاصق ، مرسوم عليها صورة لشخص ما ، و قد امتد خط طويل تحت أنفه ! إنها الصورة التي رسمتها لي رغد عندما كنا هنا ، قبل زمن ! و هذا الخط الطويل ... هو ( الشارب ) الذي تخيلته ينبت لي ، عندما أكبر ! مددت ُ يدي و انتزعت الورقة و نظرت إليها مليا ... رباه ! ألا تزال هذه الصورة حيّة حتى الآن ! نظرت إلى رغد ... أعساها تذكرها ؟؟ سمعتها تقول : " تشبهك ! أليس كذلك ؟ " و تبتسم ! رفعت يدي إلى شاربي أتحسسه ، ثم قلت : " إلى حد ما ! " ثم نظرت إليها ... و تعرفون ما حصل ؟؟ انفجرنا ضاحكين ... ذلك الضحك الذي أعاد الحياة فجأة إلى بيت ميّت منذ سنين .... بدت الأجواء الآن أكثر حيوية ، و جالت رغد في غرفتها بمرح تتحسس الأشياء من حولها و تنفض يديها من الغبار ! " لا شيء تغيّر وليد ! " " لا شيء ! " سوى أن تسع سنوات قد أضيفت إلى عمرك ِ و منعتني من أن أحملك ِ على ذراعي و أدور بك في الغرفة كما كنت أفعل سابقا ! " دعنا نرى غرفتك ! " قالت ذلك رغد فالتفت ّ إلى الباب ، و حينها فقط تذكرت أن أروى و أمها كانتا موجودتين معنا ! بعد ذلك ، فتحت ُ باب غرفتي الملاصقة لغرفة رغد و ما إن أضأت المصباح حتى وقعت عيني مباشرة على ذلك الشيء المجعّد الملقى هناك عند تلك الزاوية ! التفت إلى رغد ... أتراها رأته ؟ أتراها تذكّرته ؟؟ أتراها تذكر الأمنيات التي ... حبستها فيه قبل 11 عام أو يزيد ؟؟ لكن رغد لم يبد ُ عليها أنها انتبهت لوجوده ، و هو محشور عند تلك الزاوية ... تسللت رغد إلى الداخل و جالت ببصرها في أنحاء الغرفة جولة سريعة ثم وضعت يديها على وجهها و تنهّدت ... " يا إلهي !! " و عندما رفعت يديها ، كانت الدموع قد بللتهما مسحت دموعها و أعادت تأمل الغرفة ، ثم قالت : " لقد منعتني أمي من دخولها بعد رحيلك ! لا أصدق أنني دخلتها مجددا ! " ثم التفتت فجأة ناحية الباب و قالت : " لقد تركت ُ رسالة هاهنا ! " قلت : " نعم . لقد رأيتها ! لم أكن لأصل إليكم لولاها يا رغد ! شكرا لك ! " و كانت رغد قد كتبت رسالة وضعتها أسفل الباب ، تذكر فيها انتقالهم إلى المدينة الصناعية ، و اكتشفت أنا وجودها ليلة عودتي إلى المنزل ، بعد خروجي من السجن ، العام الماضي ! رغد عادت تتأمل الغرفة إلا أنها لم تلمح ذلك الصندوق ... و يبدو أنه لم يكن ليخطر لها على بال ... بل و ربما لم تعد تذكره ... و هذا ، جعلني أتألم كثيرا ... و كنت سأنبهها إليه لولا أن الخالة ليندا قالت لحظتها : " أضنانا التعب يا بني ، أرنا أين يمكننا المبيت ؟ " قالت رغد مباشرة : " أنا سأنام في غرفتي ! " و رُتّب الأمر بحيث أنام أنا في غرفتي ، و ورغد في غرفتها ، و أروى و الخالة في الصالة ... كان التعب قد نال منا ما نال ، للدرجة التي ، و رغم كل ما أثارته الذكريات من الآلام ، نمت ُ فيها بسرعة ... أظن أنني كنت أحلم بشيء ما ... و أظنه كان شيئا جميلا ... و أظن أن رغد كانت هي مضمون حلمي ... فجأة سمعت نقرا على الباب ... استويت جالسا و أخذت أحدق في الظلام من حولي ... تذكّرت أنني أنام على سريري في منزلي القديم ... لم أصّدق أنها الحقيقة ... النقر كان يصل أذني ... أستطيع أن أسمعه جيدا ... إنه ليس بالحلم ... و حين أنهض ... و أفتح الباب ... سوف لن أجد خيال رغد الطفلة الصغيرة ... و أسمعها تقول ... " وليد أنا خائفة ! دعني أنام معك ! " تقدّمت نحو الباب و دقات قلبي تتسارع ... أحقا ستظهر رغد ؟ أ أنت ِ خلف الباب يا رغد ؟ أعدت ِ للظهور كما في السابق ؟ هل رجع الزمن للوراء ... فقط تسع سنين ؟ ... أمسكت بمقبض الباب ... و أدرتها ... و أنا أنظر إلى الأسفل ... إلى حيث أتوقع أن أجد عيني صغيرتي الخائفة ... يا رب ... حقق حلمي و لو لحظة واحدة ... و لو لمرة أخيرة ... أرى فيها صغيرتي الحبيبة و آخذها إلي ... فتحت الباب ... فوقعت عيناي على اليد التي كانت تطرق الباب ... رفعتها للأعلى قليلا ... فإذا بي أرى وجها كالذي تمنيت رؤيته ... أغمضت عيني برهة و عدت أحدق بعينيها أأنا أحلم ؟ أم هذه حقيقة ؟؟ " رغد !!! " همست بصوت لم أكد أن أسمعه ... ارتفعت يد رغد قرب عنقها ، و تنهّد صدرها ثم سمعتها تقول : " وليد ... أنا خائفة ... ابقني قربك ! " |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#69 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
الحلقة السادسة و الثلاثون
* * * * * * ~ انفتح أيها الصندوق ! ~ وقفت غير مصدّق لما أرى... متوهما أنه الحلم الذي لطالما راودني منذ سنين... لكن... بالتأكيد فإن الشيء الذي يقف أمامي هذه اللحظة ... يضم ذراعيه إلى بعضهما البعض ... و يقشعر بدنه إن خوفا و بردا ... هذا الشيء الملفوف في السواد ... هو بالتأكيد كائن بشري ... و ليس أي كائن ... تحديدا هي رغد ! " وليد ... أنا خائفة ! أبقني معك " لا أعرف من الذي حرّك يدي ، نحو مكبس المصباح ، و أناره ... هل يمكن أن أكون قد فعلت ذلك بلا وعي ؟؟ الإنارة القوية المفاجئة أزعجت بؤبؤي عيني ، فأغمضت جفوني بسرعة و من ثم فتحتها ببطء... رأيت وجه رغد بعينيها المتورمتين الحمراوين ، و اللتين تدلان على طول البكاء و مرارته ... " رغد ... أأنت على ما يرام صغيرتي ؟؟ " " أنا أشعر بالخوف ... وليد ... المكان موحش و ... ويثير الذكريات ... المؤلمة ! " و سرعان ما انخرطت رغد في بكاء أجش بصوت مبحوح ... " حسنا... عزيزتي يكفي ... لا تبكي صغيرتي ... تعالي اجلسي هنا " و أشرت إلى مقعد بالجوار ، فجلست رغد عليه ... و بقيت واقفا برهة ... ثم جلست على طرف سريري ... كنت في منتهى التعب و الإرهاق و أشعر برغبة ملحة جدا في النوم... لابد أن رأسي سيهوي على السرير فجأة و أغط في النوم دون شعور ! نظرت إلى الفتاة الجالسة على مقربة جاهلا ما يتوجب علي فعله ! سألتها : " صغيرتي ... ألا تشعرين بالنعاس ؟ ألست ِ متعبة ؟ " " بلى ... لكن ... لا أشعر بالطمأنينة ! لا أستطيع النوم ... أنا خائفة ! " و رفعت يدها إلى صدرها كمن يريد تهدئة أنفاسه المرعوبة قلت : " لا تخشي شيئا صغيرتي ... ما دمت ُ معك " و لا أدري من أين و لا كيف خرجت هذه الجملة في مثل هذا الوقت و الحال ! و هل كنت أعنيها أم لا ... و هل كنت جديرا بها أم لا ! لكن فتاتي ابتسمت ! ثم تنهدت تنهيدة عميقة جدا ثم أسندت رأسها إلى المقعد و أرخت ذراعيها إلى جانبيها ...ا و أغمضت عينيها ! و أظن ... و الله الأعلم ... أنها نامت ! " رغد ! ... رغد ؟ " فتحت رغد عينيها ببطء و نظرت إلي ... " إنك بحاجة للنوم ! " ردت ، بشيء لا يتوافق و سؤالي البسيط : " غرفتك لم تتغير أبدا وليد ! كم أنا سعيدة بالعودة إليها ! " و أخذت تدور بعينيها في الغرفة ... كان الهدوء الشديد يسيطر على الأجواء ... فالوقت متأخر ... و العالم يغط في الظلام و السبات ... قالت و هي تشير إلى موضع في الغرفة : " كان سريري هنا سابقا ! هل تذكر يا وليد ؟ " ثم وقفت و سارت نحو الموضع الذي كان سرير رغد الصغير يستلقي فيه لسنين ... قبل زمن ... قالت : " و أنت كنت تقرأ القصص الجميلة لي ! كم كنت أحب قصصك كثيرا جدا يا وليد ! ليت الزمن يعود للوراء ... و لو لحظة ! " عندها وقفت أنا ... و قد استفقت فجأة من نعاسي الثقيل ... و قفزت إلى قمة اليقظة و الصحوة ... و كأن نهرا من الماء البارد قد صب فوق رأسي ... التفتت إلي ّ صغيرتي و قالت : " كنت ... كنت أحتفظ بالقصص التي اشتريتها لي في بيتنا الثاني ... لكن ... أحرقتها النيران ! " و آلمتني ... جملتها كثيرا ... رجعت بي الذكرى إلى البيت المحترق ... فإذا بالنار تشتعل في معدتي ... أضافت رغد بصوت أخف و أشجى : " تماما كما احترقت الصورة ... " " رغد ... " إنه ليس بالوقت المناسب لاسترجاع ذكريات كهذه ... أرجوك ... كفى ! نظرت من حولها ثم قالت : " لا تزال كتبك منثورة ! أتذكر ... ؟ كنت تستعد للذهاب إلى الجامعة لإجراء امتحان ما ! أليس كذلك ؟؟ أليس هذا ما أخبرتني به ؟؟ أتذكر ؟؟ " لا أريد أن أتذكّر ! أرجوك أيتها الذكرى .. توقفي عند هذا الحد .. أرجوك ... لا تعودي إلى ذلك اليوم المشؤوم ... لو كان باستطاعتي حذفه نهائيا ... لو كنت ُ ... ؟؟؟ كنت ُ أريد الهروب السريع من تلك الذكرى اللعينة ... لكنها كانت تقترب ... و تقترب أكثر فأكثر ... حتى صارت أمامي مباشرة ... عينان تحدّقان بعيني بقوة ... تقيّدان أنظاري رغم عني ... عينان أستطيع اختراقهما إلى ما بعدهما ... خلف تينك العينين ، تختبئ أمر الذكريات و أبشعها ... أرجوك يا رغد ... لا تنظري إلي هكذا ... لا ترمني بهذه السهام الموجعة ... لم لا تعودين للنوم ؟؟ " وليد ... " " إه ... نعم ... صـ ... غيرتي ؟؟ " " لماذا ... لم تخبرني بالحقيقة ؟ " قلت بصوت متهدرج : " أي ... أي حقيقة ؟ " " إنك ... قتلته ! " آه ... آه ... إنه فأس يقع على هامتي ... لقد فلقتها يا رغد ... ما عدت قادرا على الوقوف ... نصفاي سينهاران ... أرجوك كفى ... " وليد ... لماذا لم تخبرني ؟؟ أنا يا وليد ... أنا... لم أدرك شيئا ... كنت ُ صغيرة ... و خائفة حد الموت ... لا أذكر ما فعلتَ به ... و لا ... و لا أذكر ... ما فعله بي ! " عند هذه اللحظة ... و فجأة ... و دون شعور مني و لا إدراك ... مددت يدي بعنف نحو رغد و انقضضت على ذراعيها بقوّة ... بكل قوّة ... انتفضت فتاتي بين يدي هلعا ... و حملقت بي بفزع ... لابد أن قبضتي كانتا مؤلمتين جدا آنذاك ، و لابد أنها كانت خائفة ... خرجت هذه الجملة من لساني كالصاروخ في قوّة اندفاعها ... مخلفة خلفها سحابة غبار هائلة تسد الأنوف و تكتم الأنفاس ... و تخنق الأفئدة ... كررت ُ بجنون : " ماذا فعل بك يا رغد ؟؟ ... حتى... حتى لو كان قد ... لامس طرف حزامك فقط ... بأطراف أظافره القذرة ... كنت سأقتله بكل تأكيد ... بكل تأكيد ..." فجأة رفعت رغد يديها و غطّت وجهها ... و هي تطلق صيحة قصيرة ... كانت قبضتا يدي ّ لا تزالان تطبقان على ذراعيها بعنف ... و بنفس العنف انقضتا فجأة على يديها ... و أبعدتهما بسرعة عن وجهها ، فيما عيناي تحملقان بعينيها بقوة .... صرخت ُ : " ماذا فعل بك ؟؟ " كانت رغد تنظر إلي ّ بذعر ... نعم إنه الذعر ... أشبه بالذعر الذي قرأته في عينيها ذلك اليوم ... تملّصت رغد من بين يدي و ابتعدت بسرعة ، و اتجهت نحو المقعد الذي كانت تجلس عليه قبل قليل ... و ارتمت عليه ... و هتفت : " لا أريد أن أذكر ذلك ... لا أريد ... لا أريد " و عادت لإخفاء وجهها خلف كفيّها . دارت بي الدنيا آنذاك و شعرت برغبة شديدة في تمزيق أي شيء ... أي أي شيء ! التفت يمنة و يسرة في اضطراب باحثا عن ضحية تمزيقي ... و بعض زخات العرق تنحدر من جبيني بينما أشعر باختناق ... و كأن تجويف حنجرتي لم يعد يكفي لتلقي كمية الهواء المهولة و الممزوجة بذلك الغبار و التي يرغمها صدري الشاهق على الاندفاع إليه ... تحركت خطوة في كل اتجاه ... و بلا اتجاه ... بعثرت نظراتي في كل صوب ... و بلا هدف ... و أخيرا وقع بصري على شيء مختبئ عند إحدى زوايا الغرفة ... يصلح للتمزيق ! توجهت إلى ذلك الشيء ، و التقطته عن الأرض ... تأمّلته برهة ... و استدرت نحو رغد ... إنه صندوق الأماني القديم ... الذي جمع أمنيات صغرنا منذ 13 عاما ! ها قد آن أخيرا ... أوان استخراج الأماني ... و لم علينا الاحتفاظ بها مخبأة أطول ما دامت الأقدار ... أبت تحقيقها ؟ على الأقل ... أمنياتي أنا ... يجب أن يتمزّق أخيرا .... و الآن يا رغد ... جاء دورك ! " رغد " ناديتها فلم تستجب مباشرة . اقتربت منها أكثر فأكثر حتى صرت ُ أمامها مباشرة هي جالسة على المقعد مطأطئة الرأس ... تداري الدموع و أنا واقف كشجرة بلا جذور في انتظار اللحظة التي تهب فيها الرياح ، فتقلعها ... " رغد ... أتذكرين هذا ؟ " و ازدردت ريقي ... إنها اللحظة التي لطالما انتظرتها ... سنين و سنين و سنين ، و أنا أتوق شوقا و أحترق لهفة لمعرفة أمنيتك يا رغد ... رفعت رغد رأسها و أخذت تنظر إلى الشيء المحمول بين يدي ... نظرت إليه نظرة مطوّلة ... ثم اتسعت حدقتا عينيها و انفغر فاها و شهقت شهقة مذهولة ! إذن ، فأنت تذكرينه ؟؟ إنه صندوق أمانيك يا رغد ... أيتها الطفلة العزيزة ... أنا صنعته لك منذ 13 عاما ... في ذلك اليوم الجميل ... حين قدمت ِ إلي ّ منفعلة و أنت ِ تحملين كتابك الصغير و تهتفين : " وليد ... وليد اصنع لي صندوقا " تحركت عينا رغد من على الصندوق إلى عيني ّ ... كانت آخر دمعة لا تزال معلقة على رموشها ، في حيرة .... أ تنحدر أم تتراجع ؟؟ شفتاها الآن تحركتا و رسمتا ما يشبه الابتسامة المترددة ... و أخيرا نطق لسانها : " صندوقي !! " ثم هتفت متفاجئة : " صندوقي ! أوه ... إنه صندوقي ! " و هبّت واقفة و التقطته من بين يدي ! " يا إلهي ! " قلت : " أتذكرينه ؟ " رفعت عينيها عن الصندوق مجددا و قالت بانفعال : " نعم ! أذكره ! إنه صندوق الأماني " قالت ذلك و هي تؤشر بإصبعها على كلمة (( صندوق الأماني )) المكتوبة على الصندوق الورقي ... ثم أخذت تقلّبه ، و من ثم عبس وجهها فجأة و نظرت إلي ّ بحدّة و وجس : " هل ... فتحته ؟؟ " " ماذا ؟ " " فتحتَه ؟؟ " إنه سؤال بسيط ! و عادي جدا ! أليس كذلك ؟؟ و لكن ... لم لم أستوعبه ؟؟ و لم تطلّب مني الأمر كل هذا التركيز و الجهد البليغين حتى أفهمه ؟؟ هل فتحته ؟؟ أوتسألين ؟؟ رغد ! ألم أقطع لك العهد بألا أفتحه دون علمك ؟؟ أتشكين في أنني ... قد أخون عهدي معك ذات يوم ؟ ألا تعرفين ما سببه لي و ما زال يسببه لي صندوق أمانيك هذا مذ صنعته و حتى اليوم ؟؟ هل تعتقدين إنه اختفى من حياتي بمجرّد أن علّقته هناك فوق رف المكتبة ؟؟ إنه لم يكن في الحياة ... صندوق أهم من صندوقك ! قلت : " لا ... مستحيل ! " أخذت تقلّبه في يدها ثم نظرت إلي بتساؤل : " ماذا حدث له إذن ؟ " إن كنتم قد نسيتم فأذكركم بأنني ذات مرّة و من فرط يأسي و حزني جعّدت الصندوق في قبضتي ... قلت : " إنه الزمن ! " من الصندوق ، إلى عيني ّ إلى أنفي ، ثم إلى عيني ، انتقلت نظرات الصغيرة قبل أن تقول : " إذن الزمن ... لا يحب أن تبقى الأشياء مستقيمة ! " " عفوا ؟؟ " ابتسمت رغد و قالت : " أليس الزمن هو أيضا من عقف أنفك ؟ " رفعتُ سبابتي اليمنى و لامست أنفي المعقوف ... و عندها تذكّرت ُ أنني عندما التقيت برغد أول مرّة بعد خروجي من السجن ، سألتني عما حدث لأنفي فأجبتها : ( إنه الزمن ! ) " نعم ! إنه الزمن ... " و صمتّ قليلا ثم واصلت : " ألن تفتحيه ؟ " و كنت في قمة الشوق لأن أستخرج سر رغد الدفين و أعرف ... من هو ذلك ( الصبي ) الذي كانت تتمنى الزواج منه عندما تكبر ؟؟ نظرت إليها بنفاذ صبر ... هيا يا رغد ! افتحيه أرجوك ! أو اسمحي لي و أنا سأمزقه فورا ... و افضح مكنونه ! لكن رغد أومأت برأسها سلبا ... كررت ُ السؤال : " ألن تفتحيه ؟ " " لا ! " " لم ؟ ألا تتوقين لمعرفة ما بالداخل ؟ بعد كل هذه السنين ؟؟ " " لا ! " و طأطأت برأسها ... و قد علت خديها حمرة مفاجئة ... ما زادني فضولا فوق فضول لمعرفة ما تحويه ! قلت : " هل ... تذكرين ... أمنيتك ؟ " لم ترفع رأسها بل أجابت بإيماءة بسيطة موجبة . " مادام الأمر كذلك ... فما الجدوى في إبقائها داخل الصندوق ؟ " رفعت رغد أخيرا نظرها إلي و قالت : " لأنها لم تتحقق بعد " شعرت بنبضات قلبي تتوقف برهة ، ثم تندفع بسرعة جنونية ...و تخترق قدمي ّ و تصطدم بالأرض ! و استطردت ْ، و قد بدا الجد و الإصرار على ملامح وجهها فجأة : " و سأعمل على تحقيقها من كل بد ... و بأي وسيلة ... و مهما كان الثمن " و أضافت و هي تلوح بسبابتها نحوي و تحد من صوتها أكثر : " ... و لن أسمح لأي شيء باعتراض طريقي " الكلمات التي خرجت بحدّة من لسان رغد ، مقرونة بالنظرة القوية و اللهجة الجدية ، و المليئة بمعاني التحدّي ، جعلت تلك النبضات تقفز من باطن الأرض ، و تعود أدراجها متخللة قدمي ّ المرتجفتين ، و تضرب قلبي بعنف ... محدثة تصدّع خطير ... اعتقد ... أنني أنا ( الشيء ) الذي لن تسمح له باعتراض طريقها ... و أعتقد أن اسم ( حسام ) مكتوب على قصاصة قديمة مختبئة داخل هذا الصندوق ... و اعتقد أنني أتلقى الآن تهديدا من حبيبة قلبي ... بألا أعترض طريق زواجها من الرجل الذي تمنت الارتباط به منذ الصغر ... غضبي ثار ... نعم ثار ... لازالت تنظر إلي ّ بتحد ... حسنا يا رغد ... قبلت ُ التحدي ... قلت : " و أنا أيضا لم أحقق أمنيتي بعد " و بحدّة أضفت : " و سأعمل على تحقيقها مهما كلّفني ذلك ... و أي شيء يعترض طريقي ... " و صمت ّ برهة ، ثم أضفت : " سأقتله ! " و سحبت الصندوق من يدها بغتة ، و أكّدت : " إنه حلمي ... و الموت وحده ما قد يحول دون نيله ... عدا عن هذا يا رغد ... عدا عن الموت ... فإنني لن أسمح لأي شيء بأن يبعده عنّي ... لن أتخلى عن حلمي أبدا ... إنه دائما أمامي ... و قريبا ... سيصبح بين يدي ... و لي وحدي ... " لم أشعر بمدى قوة الضغط الذي كنت أمارسه على ذلك الصندوق الورقي المخنوق في قبضتي ، حتى أطلقت رغد صيحة اعتراض كانت تنظر إلى الصندوق برثاء ... و مدّت يدها لتخلّصه منّي ... إلا أنني سحبت يدي بعيدا عنها ... ثم سرت ُ مبتعدا ... و اتجهت إلى مكتبتي و وضعت الصندوق المخنوق في نفس الموضع الذي كان يقف فيه قبل سنين ... و حين استدرت ُ إلى رغد رأيتها تراقبني بنظرات اعتراض غاضبة . قلت بتحدٍَ أكبر : " سنرى من منّا سيحقق أمنيته ! " ~ ~ ~ ~ ~ ~ لم أفهم معنى تلك النظرة القوية التي رمقني بها وليد ! كانت أشبه بنظرة تحد و إصرار ... و كانت مرعبة ! و ... في الحقيقة ... جذّابة ! أكاد أجن من هذا الـ وليد ! إن به مغناطيسا قويا جدا يجعل أي شيء يصدر منه ... نظرة ، إشارة ، إيماءة ، حركة ... ضحكة أو حتى صرخة ، أو ربما ركلة ، أي شيء يصدر منه يجذبني ! لا تسخروا منّي ! إنه وسط الليل و أنا شديدة التعب أكثر مما تعتقدون ، لكن الخوف جعلني أطرق باب وليد... كان واقفا قرب المكتبة ، استدار إلي : " بعد إذنك " و ذهب إلى دورة المياه جلست ُ أنا على المقعد الذي كنت أقف أمامه ، و أسندت رأسي إليه و شعرت بموجة قوية من النعاس تجتاحني ... انتظرت وليد ... لكن تأخر ... في المرة التالية التي فتحت فيها عيني ّ ... كانت أشعة الشمس تتسلل عبر النافذة و الستار و جفوني ! شعرت بانزعاج شديد فأنا لازلت راغبة في النوم ... لكنني تذكرت فجأة أنني في غرفة وليد في بيتنا القديم ... فتحت عيني ّ أوسعهما سامحة للضوء باختراق بؤبؤي و استثارة دماغي و إيقاظه بعنف ! مباشرة جلست و نظرت من حولي ... وليد كان نائما في فراشه ! باب الغرفة كان مفتوحا كما تركته ليلة الأمس ... نهضت عن مقعدي و شعرت بإعياء في مفاصلي ... ألقيت نظرة على وليد ، و كان يغلف جسده الضخم بالشرشف و بالكاد تظهر إحدى يديه ! عندما خرجت من الغرفة ، توجهت لإلقاء نظرة سريعة على الصالة ، حيث كانت الشقراء و أمها تنامان ... ما إن ظهرت ُ في الصورة حتى رأين أعين أربع تحدّق بي ! لقد كانتا هناك تجلسان قرب بعضهما البعض ... و تنظران إلي ! " ص... صباح الخير ! " قلت ذلك ثم ألقيت نظرة على ساعة يدي ، و عدّلت الجملة : " أو ... مساء الخير " لم تجب أي منهما مباشرة ... لكن الخالة قالت بعدها : " مساء الخير . نوم الهناء " لم أرتح للطريقة التي ردّت بها علي ، و شعرت أن في الأمر شيء ... قالت أروى : " مساء الخير. هل نهض ابن عمّك ؟؟ " تعجّبت من الطريقة التي كلّمتني بها ، و من كلمة ( ابن عمّك ) هذه ! و لم تبد لي نظرتها طبيعية ... قلت : " لا ! إنه ... لا يزال نائما ! " تبادلت الاثنتان النظرات ... وعادتا للصمت... ذهبت بعدها إلى غرفتي الملاصقة لغرفة وليد ... و عندما خرجت للصالة بعد قرابة النصف ساعة أو يزيد ، رأيت الثلاثة ، وليد و الشقراء و أمها يجلسون سوية في الصالة ... لا أعرف في أي شيء كانوا يتحدثون ... و بمجرّد أن لمحوني لاذوا بالصمت ! ألا يشعركم ذلك بأنني أنا موضوع حديثهم ؟؟؟ إلى وليد وجهت نظراتي و كلماتي ، بل و حتى خطواتي : " مساء الخير " " مساء النور ... " و جلست ُ على مقربة . نظرت ُ إلى الأشياء من حولي ، فأنا لم أتأملها البارحة ... الصالة كما تركناها قبل 9 سنين ... حسبما أذكر ، و الغبار يغطي أجزاءها ! قلت : " سنحتاج وقتا طويلا و جهدا مكثفا لتنظيف كل هذا ! " أروى قالت معترضة : " و هل سيكون علينا تنظيف هذا ؟ إننا لن نسكن هنا على أية حال " استغربت ، و نظرت إلى وليد متسائلة ... و هذا الأخير لم يعقّب ! قلت : " وليد ... ألن نسكن هنا ؟ " أجاب : " سنبقى هنا في الوقت الراهن . لا نعرف كم من الوقت ستستغرق مسألة استلام الإرث . سأستعين بوالد صديقي سيف . آمل أن تسير الأمور بسرعة" قلت : " أتعني ... أننا بعد إتمام هذه المهمّة سنعود إلى المزرعة ؟؟ " تولت الشقراء الرد بسرعة : " بالطبع ! ماذا تعتقدين إذن ؟؟ سنعود للمزرعة و نجري بعض التعديلات في المنزل ... ثم ... " و نظرت إلى وليد و قالت مبتسمة : " نتزوّج ! " تخيلوا كيف يكون شعور فتاة تسمع أي امرأة أخرى تقول لها : ( سأتزوج حبيبك ) ؟؟ رميت سهام نظراتي الحارقة نحو الشقراء البغيضة ، ثم نحو وليد ... و اجتاحتني رغبة عارمة في تمزيقهما سوية ! أهذا ما يخططان له ؟؟ يستلمان الإرث الضخم ، و يذهبان للمزرعة ليعدا عشهما و يتزوجان ! ماذا عنّي أنا ؟؟ مجرّد هامش زائد لا أهمية له و لا معنى لوجوده ؟ كنت أريد أن أسمع من وليد أي تعليق ، لكنه ظل صامتا شاردا ... ما أثار جنوني ... مازالت الابتسامة معلقة على شفتي الحسناء الدخيلة ، و هاهي تحرّكهما من جديد و تقول بصوت شديد النعومة : " فيم شردت ... عزيزي ؟ " مخاطبة بذلك الرجل الوحيد معنا في الصالة ، و الذي يجلس على مقربة منّي ، و الذي يجري حبّه في عروقي تماما كما تجري دماء قرابتنا ... وليد قال : " كنت أفكّر في أن ذهب إلى أحد المطاعم ! لابد أننا جائعون الآن ! " ~ ~ ~ ~ ~ ~ في الحقيقة كان الطعام هو آخر ما أفكر به ، و لكنه أول ما قفز إلى ذهني عندما تلقيت سؤال أروى و أنا شارد ذلك الوقت ... و ما حدث هو أننا ذهبنا إلى المطعم ثم إلى السوق و اشترينا بعض الحاجيات و من ثم عدنا إلى المنزل ... كما و اتصلنا بالعم إلياس و كذلك بأم حسام – تحت إصرار من رغد – و طمأنا الجميع على وصولنا سالمين . بعدها اتصلت بصديقي القديم و رفيق دراستي و محنتي ... سيف و اتفقت معه على أن يحضر إلى منزلي ليلا . تعاونا نحن الأربعة في تنظيف غرفة الضيوف قدر الإمكان من أجل استقبال سيف . حاولت جاهدا أن أتجاهل أي ذكرى تحاول التسلل إلى مخيلتي من جراء رؤيتي لأجزاء المنزل من حولي ... إلا إن هذه الذكرى الأليمة اخترقتني بكل إصرار ! كان ذلك عندما قمنا بنقل بعض قطع السجاد إلى الخارج ... إلى مؤخرة المنزل ، حيث تقع الحديقة الميتة و التي أصبحت مقبرة للحشائش الجافة و مأوى للرمال الصفراء ... عند إحدى الزوايا ... كانت عدّة الشواء القديمة تجلس بكل صمود ... متحدية الزمن ! لا أعرف لماذا يقشعر بدني كلما رأيت هذه بالذات ! و لم أكن أعرف أن لها نفس التأثير على أي مخلوق إلى أن رأيت رغد ... و التي كانت تحمل السجادة معي تقف فجأة ، و تسند طرف السجادة إلى الأرض ... و تمد يدها اليمنى لتلامس ذراعها الأيسر ! صحيح أنها كانت صغيرة آنذاك ، و لكن حادثة السقوط على الجمر المتقد هي حادثة أقسى على قلب الطفل من أن ينسى آثارها ... إن أثر الحرق ظل محفورا في ذراعها الأيسر ... و كنت أراه كل يوم فيما مضى ! ترى ... ألا يزال كما هو ؟؟ وضعنا السجادة الملفوفة قرب أدوات الشواء تلك ، ثم جلسنا فوقها نلتقط أنفاسنا ! " ثقيلة جدا ! أراهن أنهما لن تتمكنا من حمل الأخرى ! " قالت رغد ذلك ... و كانت أروى الخالة تحملان سجادة ملفوفة أصغر حجما و في طريقهما إلينا قلت : " بل ستفعلان ! لا تعرفين كم هما قويتان ! " و أنا أعرف كيف كانتا تعملان الأعمال الشاقة في المزرعة ! قالت : " إنهما متشابهتان جدا " " نعم ... صحيح " " و جميلتان جدا ! " استغربت ... لكنني قلت : " نعم ! صحيح ! " واصلت رغد : " و أنت محظوظ جدا ! " صمت ، و علتني الريبة ! ما الذي تعنيه صغيرتي ؟؟ رمقتها بنظرة استفسار فتطوّعت هي بالإيضاح مباشرة : " لديك خطيبة جميلة جدا ... و ثرية جدا ! ... سوف تعيشان سعيدين جدا " و صمتت ثوان ثم استطردت : " أما أنا ... " ظهرت أروى و الخالة في مرآنا فالتفتنا إليهما ... كانتا تجران السجادة بتثاقل ... و سرعان ما هببت ُ أنا لمساعدتهما . و في الليل حضر صديقي العزيز سيف و كان لقاؤنا حميما جدا ... تبادلنا الأخبار ... فعلمت منه أنه رزق طفلا صغيرا ! " دورك يا رجل ! و بما أن أمورك قد استقرت ... فهيا عجّل بالزواج ! " ابتسمت ُ لدى تعليقه المتفائل ... إن أموري لم تستقر و لم تحل ... بل هي آخذة في التعقد مرة لعد أخرى ... و الآن أنا في حيرة شديدة ... ماذا علي َ أن أفعل ؟؟ شرحت له تفاصيل إرث أبي عمّار ... عم أروى التي هي خطيبتي ، و ابنة صاحبي الذي تعرفت علي في السجن ، بعد قتلي لعمّار ... فبدا الأمر أشبه بخرافة من خرافات الجدات العجائز ! " سبحان الله ! أي قدرة إلهية عجيبة أودت بك إلى هذا الوادي يا وليد ! " " إنها الأقدار يا صديقي ! " " إذن ... ستصبح زوج سيدة من أثرى سيدات المنطقة ! سبحان الله ! ها قد ابتسمت ، بل ضحكت لك الدنيا أخيرا يا وليد ! " و لأن أي من علامات السرور لم تظهر علي ، فإن سيف لاذ بالصمت المفاجئ المتعجّب ... كانت في صدري عشرات الهموم إلا أنني لم أشأ أن أنفثها في وجه صديقي مذ أول لقاء يجمعنا بعد طول فراق ... بعد ذلك ، اتفقت مع سيف على ترتيب زيارة رسمية لمكتب المحاماة الذي يملكه والده غدا باكرا ، و اتخاذه محاميا قانونيا لتولي الإجراءات اللازمة بشأن الإرث. بعد انصرافه ، ذهبت إلى الصالة العلوية حيث يفترض أن يكون الجميع ، فوجدت أروى تتصفح مجلة كانت قد اشترتها عصر اليوم أثناء تسوقنا ، و قد نفشت شعرها الذهبي الطويل على كتفيها بحرية ... بينما الخالة ليندا نائمة على المقعد ، و رغد غير موجودة ... بادرتني أروى بالسؤال : " كيف كان اللقاء ؟ " " حميما و مثمرا ! سأذهب غدا مع سيف إلى مكتب أبيه و هو محام معروف و ماهر ، و سننطلق من هناك ! " " آمل ألا يطول الأمر ... " " إنها أمور تطول في العادة يا أروى ! علينا بالصبر " قالت و هي تضع يدها على صدرها : " أشعر بالحنين إلى المزرعة ... و إلى خالي ! الجو هنا مغبر و كاتم ... و كئيب جدا يا وليد " تحركت الخالة ليندا قليلا ... فالتفتنا إليها ثم قالت أروى : " دعنا نذهب إلى غرفتك كي لا نزعجها " و هناك ، في غرفتي واصلنا الحديث ... أخبرتها بتفاصيل لقائي بسيف و ما خططنا له . و تشعبت أحاديثنا إلى أمور كثيرة و مر الوقت سريعا دون أن نشعر به ! فجأة ، سمعت طرقا على الباب ... استنتاجكم صحيح ! العينان الواسعتان ذاتا النظرات الشجية ، حلقتا بعيدا عن عيني ّ و حطّتا على الفتاة الجالسة على السرير داخل الغرفة تعبث بخصلات شعرها الذهبية ... ابتسمت ُ لصغيرتي ... و قلت : " مرحبا رغد ! " رغد لم تنظر إلي ّ، كما لم ترد علي ّ... و رأيت ُ وجهها يحمر ! قلت : " تفضَلي " رفعت بصرها إلي و رمتني بسهم ثاقب ! قلت : " أهناك شيء ؟؟ " ردّت رغد بجملة مضطربة : " كنت ... أريد ... أريد الهاتف ! " و كررت بنبرة أكثر ثقة : " أريد هاتفك لبعض الوقت ! هل تعيرني إياه ؟ " كنت متشككا ، لكنني قلت : " بكل تأكيد ! " و أحضرت لها هاتفي المحمول ... و هو وسيلتنا الوحيدة للاتصال ... تناولته رغد و شكرتني و انصرفت بسرعة ... عندما استدرت ُ للخلف ، و جدت ُ أروى و قد مدّت رجليها على السرير و استندت على إحدى ذراعيها بينما استخدمت الأخرى في العبث بخصلات شعرها الطويل الأملس ! " حان وقت النوم ! سأنهض غدا باكرا و أريد أن آخذ قسطا كافيا من الراحة " قلت ذلك معلنا نهاية الجلسة ... فاسحا المجال لأروى للذهاب من حيث أتت. ساعتان و نصف من التقلب على السرير ... دون أن يجد النوم طريقه إلى إي من جفوني الأربعة ... ليس ما يقلقني هو إجراءات الإرث تلك ... و لا خططي المستقبلية ... و لا المفاجآت التي يمكن أن تخبئها القدر لي ... بل هو مخلوق بشري عزيز على نفسي ... يحتل حجرات قلبي الأربعة ... و يتدفق منها مع تدفق الدم ... و يسري في عروقي مع سريانها و ينتشر في خلايا جسدي أجمع ... ثم يعود ليقطن الحجرات الأربع من جديد ... كائن صغير جدا ... و ضعيف جدا ... و خواف جدا ! و هو لا يشعر بالطمأنينة إذا ما ابتعد عني ... و جاء طلبا لبعض الأمان بقربي ... لكنه اكتفى بأخذ هاتفي المحمول ... و اختفى خلف هذا الجدار المشترك بين غرفتي و غرفته ... إنني لو اخترقت الجدار ... سأجده نائما على السرير ... بأمان أو ربما باكيا خلف الجدار ... في خوف ... أو جاثيا على الأرض ... في حزن ... أو ربما ذارعا الغرفة جيئة و ذهابا ... في ألم ... إنني لا أستطيع أن أنام دون أن أطمئن عليها ! و ستبوء كل محاولاتي بالفشل حتما ! استسلم ! لا تكابر يا وليد ! تسللت من غرفتي بهدوء و أنا أتلفت ذات اليمين و ذات الشمال ... مخافة أن يشعر بي أحد ... و وقفت عند باب غرفة صغيرتي و أمسكت بالمقبض ! كنت على وشك أن أفتحه لو أن عقلي لم يستيقظ و يزجرني بعنف ! أي جنون هذا ؟؟ من تظن نفسك يا وليد ؟؟ كيف تجرؤ ؟؟ عدت مسرعا ...أجر أذيال الخيبة ... و رميت بجسدي المثقل على مرارة الواقع ... و استسلمت لحدود الله.... لم يكن الأمر بالصعوبة التي توقعتها لكنه لم يكن سهلا ! الكثير من الأوراق و الوثائق و التواقيع استغرقت منا ساعات طويلة . و كان يتوجب علي أخذ أروى إلى المحكمة ... منتصف الظهيرة ، هو الوقت الذي عدت ُ فيه إلى المنزل بعد جهودي السابقة و أنا أحمل وثائق في غاية الأهمية في يد ، و طعام الغذاء في اليد الأخرى ! كيف وجدت أروى و الخالة ؟ وجدتهما منهمكتين في تنظيف المطبخ ! " أوه ! لم تتعبان نفسيكما ! إنه مليء بالغبار ! " ردّت الخالة : " و نحن لا نحتمل الغبار و لا نحبه يا ولدي . اعتدنا الجو النقي في المزرعة . على الأقل هكذا سيغدو أفضل " وضعت كيس الطعام على المائدة المحتلة قلب المطبخ . و نظرت من حولي كل شيء نظيف و مرتب ! كما كانت والدتي رحمها الله تفعل . شعرت بامتنان شديد لأروى و الخالة و قلت : " جزاكما الله خيرا . أحسنتما . أنتما بارعيتن ! " أقبلت أروى نحوي و هي تبتسم و تقول : " هذا لتعرف أي نوع من النساء قد تزوّجت ! " فضحكت الخالة و ضحكنا معها ... في هذه اللحظة دخلت رغد إلى المطبخ . كان وجهها مكفهرا حزينا ... و بعض الشرر يتطاير من بؤبؤيها ! وجهت حديثها إلي ، و كان صوتها حانقا حادا : " هل عدت أخيرا ؟ تفضّل . نسيت أن تأخذ هذا " و دفعت إلي بهاتفي المحمول و الذي كنت قد أعطيتها إياه ليلة الأمس ... و تركته معها فيما رافقت سيف إلى حيث ذهبنا صباحا . و من ثم غادرت مسرعة و غاضبة ... أنا و السيدتان الأخريان تبادلنا النظرات ... ثم سألت : " ما بها ؟ " فردت أروى بلا مبالاة : " كالعادة ! غضبت حين علمت أنك خرجت و لم تخبرها ! كانت تنتظر أن توقظها من النوم لتستأذنها قبل الخروج ! " و لم تعجبني لا الطريقة التي تحدّثت أروى بها ، و لا الحديث الذي قالته . استدرت قاصدا الخروج و اللحاق برغد ... فنادتني أروى : " إلى أين ؟ " التفت إليها مجيبا : " سأتحدث معها " بدا استياء غريب و غير معهود على ملامح أروى ... ثم قالت : " حسنا ... أسرع إلى مدللتك ! لابد أنها واقفة في انتظارك الآن " ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ عندما أتى إلي ... كنت أشتعل غضبا ... كنت واقفة في الصالة العلوية أضرب أخماسا بأسداس ... وليد بدأ الحديث بـ : " كيف أنت ِ ؟ " رددت بعنف : " كيف تراني ؟ " صمت وليد قليلا ثم قال : " أراك ... بخير ! " قلت بعصبية : " و هل يهمّك ذلك ؟ " " بالطبع رغد ! أي سؤال هذا ؟؟ " لم أتمالك نفسي و هتفت بقوّة : " كذّاب " تفاجأ وليد من كلمتي القاسية ... و امتقع وجهه ... ثم إنه قال : " رغد ! ... هل لا أخبرتني ... ما بك ؟؟ " اندفعت قائلة : " لو كان يهمك أمري ... ما خرجت و تركتني وحيدة في مكان موحش ! " " وحيدة ؟ بالله عليك ! لقد كانت أروى و الخالة معك ! " " لا شأن لي بأي منهما . كيف تجرؤ على الخروج دون إعلامي ! كيف تتركني وحيدة هنا ؟ " " و أين يمكنني تركك يا رغد إذن ؟؟ " اشتططت غضبا و قلت : " إن كان عليك تركي في مكان ما ، فكان أجدر بك تركي في بيت خالتي . مع من أحبهم و يحبونني و يهتمون لأمري ... لماذا أحضرتني معك إلى هنا ؟؟ ما دمت غير قادر على رعايتي كما يجب ؟؟ " تنهّد وليد بنفاذ صبر ... ثم قال : " حسنا.. أنا آسف... لم أشأ أن أوقظك لأخبرك بأني سأخرج . لكن يا رغد ... هذا سيتكرر كثيرا ... ففي كل يوم سأذهب لمتابعة إجراءات استلام إرث أروى ... " أروى ... أروى ... أروى ... إنني بت أكره حتى حروف اسمها ... حينما رأيتها البارحة في غرفة وليد ... و جالسة بذلك الوضع الحر ... على سريره ... و نافشة شعرها بكل أحقية ... و ربما كان وليد يجلس قربها مباشرة قبل أن أفسد عليهما خلوتهما ... حينما أتذكر ذلك ... أتعرفون كيف أشعر ؟؟؟ نفس شعور الليمونة الصغيرة حينما تعصر قهرا بين الأصابع ! أشحت بوجهي عن وليد ... و أوليته ظهري ... أردته أن ينصرف ... فأنا حانقة عليه جدا و سأنفجر فيما لو بقي معي دقيقة أخرى بعد ... وليد للأسف لم ينصرف ... بل اقترب أكثر و قال مغيرا الحديث : " لقد أحضرت طعام الغداء من أحد المطاعم . هلمّي بنا لنتناوله " قلت بعصبية : " لا أريد ! اذهب و استمتع بوجبتك مع خطيبتك الغالية و أمها " " رغد ! " التفت ّ إلى وليد الآن و صرخت : " حل عنّي يا وليد الآن ... أرجوك " و هنا شاهدت أروى مقبلة نحونا... عندما لمح وليد نظراتي تبتعد إلى ما ورائه ، استدار فشاهد أروى مقبلة .... و أروى ، طبعا بكل بساطة تتجول في المنزل بحرية و بلا قيود ... أو حجاب مثلي ! قالت : " رتبنا المائدة ! هيا للغداء " التفت إلي وليد و قال : " هيا صغيرتي ... أعدك بألا يتكرر ذلك ثانية " صرخت بغضب : " كذّاب " حقيقة ... كنت منزعجة حد الجنون ... ! على غير توقّع ، فوجئنا بأروى تقول : " كيف تجرؤين ! ألا تحترمين ولي أمرك ؟ كيف تصرخين بوجهه و تشتمينه هكذا ؟ أنت ِ فتاة سيئة الأخلاق " صعقت للجملة التي تفوهت بها أروى ، بل إن وليد نفسه كان مصعوقا ... قال بدهشة : " أروى !! ما الذي تقولينه ؟؟ " أروى نظرت إلى وليد بانزعاج و ضيق صدر و قالت : " نعم يا وليد ألا ترى كيف تخاطبك ؟ إنها لا تحترمك رغم كل ما تفعل لأجلها ! و لا تحترم أحدا ... و لا أنا لا أسمح لأحد بأن يهين خطيبي العزيز مهما كان " قالت هذا ... ثم التفتت إلي ّ أنا و تابعت : " يجب أن تقفي عند حدّك يا رغد ... و تتخلي عن أفعالك المراهقة السخيفة هذه ... و تعرفي كيف تعاملين رجلا مسؤولا يكرّس جهوده ليكون أبا حنونا لفتاة متدللة لا تقدّر جهود الآخرين ! " " أروى ! " هتف وليد بانفعال ... و هو يحدّق بها ... فرّدت : " الحقيقة يا عزيزي ... كما ندركها جميعا ... " التفت وليد نحوي ... ربما ليقرأ ملامح وجهي بعد هذه الصدمة ... أو ربّما ... ليظهر أمام عيني هاتفه المحمول في يده ... و أنقض عليه بدون شعور ... و أرفعه في يدي لأقصى حد ... و أرميه بكل قوّتي و عنفي ... نحو ذلك الوجه الجميل الأشقر .... ! |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#70 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
الحلقة السابعة و الثلاثون
* * * * * * ~ ثروة السماء ~ لم يكن للضربة التي تلقيتها بيدي في آخر لحظة أي أثر على وجهي أو يدي... لكن أثرها كان غزيرا غائرا في قلبي و مشاعري... ليس فقط لأنني اكتشفت مدى الكره الذي تكنّه رغد لي، بل و لأنني اكتشفت أن وليد متساهل معها لأقصى حد ... بل و بلا حدود ... و فوق كونها فتاة مراهقة شديدة التدلل و الغنج، و قليلة التفكير في مشاعر الآخرين و ظروفهم، و فوق فرضها لوجودها و احتلالها مساحة كبيرة جدا من اهتمام وليد و مسؤوليته، و فوق كرهها لي و غيرتها الواضحة مني، فوق كل هذا و هذا، رغد تحب خطيبي ! إنني و مذ سمعتها تلك الليلة... تهمس له – و هو نائم في السيارة – ( وليد قلبي ) و أنا في حالة عصيبة و رغما عني بدأت أراقب كل تصرفاتها و أترجم كل أفعالها على أنها ولع بوليد ! فكيف أصحو ذات صباح، و أذهب إلى غرفة خطيبي فأراها نائمة على المقعد في غرفته ؟؟ يومها أخبرت أمي بكل ما جد... و أطلعتها على اكتشافي... و بكيت بمرارة إنها و منذ أن ظهرت في حياتي ... قبل عدّة أشهر... منذ تلك الليلة التي حضرت مع وليد و دانة هاربين من القصف ... و هي تشغل اهتمام وليد و تفكيره ! و بالرغم من أنني تعاطفت معها كثيرا ... للظروف المفجعة التي مرّت بها خلال أشهر ... و بالرغم من أنني أحسنت معاملتها و آويتها و أسرتي إلى منزلنا ... و أسكنتها غرفتي كذلك ... و عاملتها و أهلي كفرد منا و حاولنا توفير كل ما احتاجت إليه ... بالرغم من كل ذلك، ها أنا أشعر الآن برغبة قوية في إخراجها من حياتي أنا و وليد ... وليد خذلني في الموقف الأخير ... فعوضا عن زجرها أو تأنيبها و ردعها... ما إن هربت إلى غرفتها بعد رميي بهاتفه المحمول حتى حثّ الخطى سيرا خلفها هي ! هتف : " رغد " و لم تكترث له فتوقف في منتصف الطرق و ضرب راحته اليسرى بقبضته اليمنى غضبا ... التفت إلى ّ أخيرا و قال : " لماذا فعلت ِ ذلك ؟؟ أروى ! ماذا أصابك ؟؟ " تفاجأت من سؤاله، فعوضا عن أن يقف إلى جانبي و يواسيني أراه غاضبا منّي أنا ! إنني أنا من تلقيت تلك الضربة من رغد ... ألم تر َ ذلك جليا يا وليد ؟؟ قلت : " ماذا فعلت ُ أنا ؟؟ وليد هل رأيت كيف ضربتني ابنة عمّك ؟؟ أليس لديك شيء تقوله من أجلي ؟؟ " بدا على وليد العصبية أكثر من ذهول المفاجأة... و ظهر كالمستاء من كلامي أكثر من استيائه من فعلة رغد ... قلت : " وليد ... تحدّث ! " التقط وليد نفسا أو اثنين عميقين ، ثم قال و هو يعود أدراجه نحو قلب الصالة : " كلماتك كانت قاسية و جارحة " و أذهلني موقفه أكثر و أكثر . .. قلت بانزعاج : " أليست هذه هي الحقيقة يا وليد؟؟ ألست تبالغ جدا في تدليل ابنة عمّك و كأنها اليتيمة الوحيدة على وجه الأرض ؟؟ أنا أيضا يتيمة يا وليد ... ولو كان ابن عمّي عمّار حيا و يرعاني كما ترعى أنت ابنة عمّك، لألصقت جبيني في الأرض سجودا و شكرا لله مدى الحياة ! " و لا أدري لم استفزّت هذه الجملة وليد بشكل مبالغ به فصرخ بوجهي : " اسكتي " اعترتني رغبة مباغتة في البكاء لحظتها فآثرت ُ الانسحاب و هرعت إلى المطبخ ، حيث كانت أمي ترتب الملاعق على مائدة الغذاء خاصمت ُ وليد للساعات التالية و رفضت الذهاب معه إلى المحكمة كما كان يخطط.. يحق لي أن أغضب حين أرى الموقف البارد من خطيبي ... و يحق لي أن أطالب رغد باعتذار علني أمام وليد... و سوف لن أتخلى عن هذين الحقين هذه المرّة... و سأجعل رغد تفهم أنني المرأة الأولى في حياة وليد... رغما عن قرابتهما و ذكرياتهما السابقة... و رغما عن أي شعور تحمله هي تجاه خطيبي ... و أيا كان ! ~ ~ ~ ~ ~ ~ |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|