| الإهداءات |
|
|||||||
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |

| الإهداءات |
|
|||||||
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
#51 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
ونادى:
- كاثي! ودخلت كاثي فأشار لها أن تجلس وراء مكتب على جانب السرير الآخر به مفاتيح كالتي على آلة الكتابة، فجلست مستعدة للضرب عليها. وأملى الدكتور هالن السؤال: - المكتبة. نادر علي. عصر الإنسان. وتحركت أصابع كاثي في صمت فإذا صور سريعة تشع على اللوح المعلق في مواجهة السرير في نهايتها يبدو مجلد العنوان: "عصر الإنسان، تأليف الدكتور علي نادر". والتفتت كاثي إلى الدكتور هالن الذي كان كان يحك جبينه بأصابعه كأنما يحاول أن يتذكر شيئاً، ثم قال: - صفحة 130. وانفتح الكتاب على الصفحة المطلوبة، والدكتور نادر فاغر فمه من الاستغراب والسرور. وقرأ هالن من الصفحة الفقرة الآتية: "نحن نشعر أن هناك شيئاً حقيقياً بداخلنا هو نواتنا التي نقوم حولها. أجسادنا وحواسنا ودوافعنا كلها قشور لها. وقد حير الفلاسفة مصدرها وكيانها حتى لكأنها منفصلة عنا كأجساد. وحتى ولو أغرقنا أنفسنا في ظلام حالك وصمت عميق، وركزنا كل ما نملك من قوى عقلية عليها، فلن يزال هناك غبار كثيف يحيط بذلك الشيء الحاد اللماع الذي هو جوهرنا، والذي غطته العصور بغلاف سميك من الحاجات والدوافع المادية والبدنية أصبحت قبراً متحركاً دفن فيه الجوهر حياً، وما يزال يصرخ في أعماقنا للخروج والتحرر والانطلاق، فلا تجد صعوبة كبيرة في كبت صراخه أو الصمم عنه. في فترات قليلة من حياة بعض الأفراد تطل تلك النواة، ذلك النور الوامض من وراء جدران جسده وجوارحه المثلمة البكماء، وذلك حين ينتصر عليه الإيمان. الإيمان بفكرة أو بقضية أو بموهبة. وعند ذلك تنتصر الروح وتنعتق من أسر البدن وتنطلق عارية تدفع بالجسد إلى الأخطار والهوايا لأنها أصبحت سيدته ولم يعد هو سيدها. "وهذا ما دعا كثيراً من الفلاسفة إلى الانتحار وإعتاق أرواحهم من سجونها وسلاسلها البدنية.". والتفت الدكتور هالن إلى نادر وقال بصوت حالم: - ما يزال هذا المقطع يثير في نفسي أحاسيس غريبة مختلطة، منذ قرأته لأول مرة يوم وصلتني نسخة الكتاب هدية منك. ربما لأنه كان صدىً لما كنت أحس به حينئذ. وربما لأنه كان تعبيراً حياً عن شعور غامض ما كنت أستطيع التعبير عنه بهذا الوضوح. وأشرق وجه الدكتور نادر بابتسامة وهو ينظر إلى الدكتور هالن، وقال: - ما تزال الرجلَ اللطيفَ، صاحب الروح الشفافة... فابتسم هالن، وفرك يديه وعاد إلى الحديث: - ماذا كنا نقول؟ آه! كنت أحكي لك عن "معاذ". العقل الإلكتروني. المثال الذي أعطيتك ليس إلا جانباً صغيراً من وظائف معاذ. ويمكنني أن أصفه بأنه أكمل آلة صنعها مخلوق ناقص هو الإنسان! ومعاذ هو اختصار الإسم المطول: "مُجمَّع العلاقات الإلكترونية الذاتية". ويوجد بجبل الجودي هذا أكثر من خمسة آلاف عالم وعالمة في جميع ميادين المعرفة الإنسانية العقلية منها والعملية.. وكل هؤلاء موكلون بإطعام معاذ جميع ما في ميادينهم من معلومات، وما يضاف إليها كل يوم من بحوث واكتشافات جديدة. ويسمى هؤلاء "مبرمجون" لاختصاصهم في تصفية البحوث وإرجاعها إلى أبسط أصولها. وقد أصبحت أحشاؤه الآن تحتوي على مجمل المعرفة البشرية منذ بدأ الإنسان يفكر ويسجل. أطعمَهُ المبرمجون تاريخ الإنسان من فجر ميلاده حتى الآن. وكذلك فلسفته وأديانه.. أحلك عصوره وأبهاها، وعلوم المال والاقتصاد وأسواق الأسهم والأوراق المالية، وبه بدأنا نعرف مسبقاً ما سيحدث في العالم الرأسمالي من التغيرات، وبذلك أصبحت للمنظمة ثروة هائلة من الاستثمارات التي ينصح بها "معاذ". وقد أطعمناه ترجمات حياتنا وأسرارنا الشخصية وأحوالنا الصحية، فتنبأ بأمراضنا قبل أن تصيبنا، ووصف لنا الوقاية قبل العلاج، وأحاط بما يشغل عواطفنا وعقولنا، ونبهنا إلى عيوننا ونقائصنا، وأصبح الحجة الأولى والعقل المسير الأعلى للمنظمة. وقد أصبح طبيب نفسه، يكتشف أمراضه ويصحح ما يصيب بعض أعضائه من عطب أو خلل. فيغير قطعه، وينتج الجديد منها، ويشحم دواليبه ويزيت أنابيبه... كان الدكتور نادر ينصب مبهور الأنفاس، وحين سكت هالن قال: - لا أصدق كل هذا..! - لم أتوقع منك ذلك.. أنا نفسي لم أصدقه حتى تأكدت بنفسي. معاذ الآن أصبح خارجاً عن كل سيطرة خاصة. سرعة آلياته الهائلة، وقدرته على مزج العلوم المتباعدة التي هضمها، والخروج من خليطها بنتائج مدهشة لا تَخْطُر على عقل عالم من أي ميدان، جعلته في مقدمة الجميع، وجعلت العلماء يلهثون خلفه، يحاولون اللحاق بالكشوف الجديدة التي ما يزال يلقي بها كل ثانية سواء في الطب أو الفضاء أو المعادن أو الكيمياء... - هذا معناه أنكم هنا تسبقون العالم الخارجي بمراحل.. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#52 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
أحياناً أفكر أنني سأستيقظ بعد لحظة لأجد نفسي أحلم أو أقرأ قصة خيالية...
- سمعتك تذكر "جبل الجودي"، أليس ذلك رمزاً إلى الجبل الذي رست عليه سفينة نوح؟ - بَلَى سمى العلماء الأولون هذا المكان بجبل الجودي للشبه الكبير بين قصتهم وقصة نوح.. هربوا من عالم أوشك على الغرق، هذه المرة في طوفان الإشعاع النووي! وأملهم أن يبقى هذا الجبل جزيرة آمنة داخل طوفان الموت القادم عند اندلاع الحرب الثالثة... جبل الجودي إذن رمز له دلالته! - سؤال آخر، من المسؤول عن اختطافنا، أواستقدامنا إلى هنا؟ - يمكن أن أقول معاذ. ولكن مواهبنا هي المسؤولة الأولى في الحقيقة. تخصصي أنا في مقاومة الإشعاع، والتزامك الفلسفي بإنهاء عصر التضامن الديني وإعداد البشرية للطفرة التطوريه الجديدة. ثم نظر إلى ساعته ووقف باسطاً كفه لنادر: - على أنا سعيد للغاية بوجودك بيننا .. سأعود إلى عملي وسوف أراك غداً، ينبغي أن ترتاح الآن. وصافحه وهم بالخروج، فاستوقفه نادر قائلاً: - إيريك. - نعم. - عندي سؤال أخير. أرجوك أن تجيبني عنه بكل صراحة. - ما هو؟ - تاج، أين هي؟ - تاج تحت الإشراف الطبي. كانت أصيبت هي الأخرى بلمسة إشعاع. - هل ستعيش؟ - الأطباء ساهرون عليها. - هل ستشفى؟ - لا أدري. ولكن لا ينبغي أن تيأس، فعندنا من وسائل مقاومة الإشعاع ما لا يتوافر في العالم الخارجي مجتمعاً..ثم ألقى عليه نظرة عطف وأضاف: - أرجوك، لا تقلق.. سأعملُ جهدي! وأقفل الباب خلفه وترك نادراً وقد انسدلت غيمة حامية من الدمع على عينيه، فأشاح بوجهه حتى لا تراه "كاثي". -25- استيقظ الدكتور نادر مبكراً في الصباح الموالي. فتح عينيه داخل الغرفة البلورية المضاءة بأشعة زرقاء ناعمة فوجد نفسه على حافة الفراش الواسع. والتفت يميناً ليجد "كاثي" نائمة على طرف السرير بجانبه. كان منظرها وهي مغطاة بشعرها الذهبي تجسيماً للسلام والطفولة البريئة. وكأنما أحست أن أحداً يراقبها، ففتحت عينيها الواسعتين، وابتسمت دون أن تتكلم، ومدت يدها نحوه فوضع عليها يده. قالت: - كيف أصبحت؟ - بخير. - أصابك كابوس مزعج، هل تتذكر شيئاً؟ - لا. - أضطررتُ إلى إعطائك مسكناً حتى تكف عن الاستغاثة والارتعاش. كنت تسبح في العرق.. - غريب، لم أتذكر شيئاً! ونهض من الفراش فوجد نفسه قادراً على الحركة دون ضعف. ودخل الحمام فاغتسل وحلق. وحين خرج كانت "كاثي" تنتظره بسلة في يديها. قالت: - سنفطر في الهواء الطلق.. - فكرة حسنة. وناولته قميصاً أبيض وبنطلوناً فارتداهما، وتبعها خارج الغرفة. انقفل الباب خلفهما آلياً فنظر الدكتور نادر حواليه ليرى ممراً طويلاً كأنبوب زجاجي لماع أضواؤه مدفونة في حيطانه كأنهار من سائل الفسفور. وأدهشه المنظر الرائع الذي وجد نفسه أمامه.. بحيرة واسعة زرقاء يحيط بها الأرز والسنديان، وحولها شواطىء رملية أنيقة وصخور بيضاء عالية تلقي على الرمال الذهبية ظلالها الكثيفة. ونزع حذاءه وانطلق نحو الرمل. ثم رفع قميصه وخاض الماء فأنعشته برودته. والتفت إلى كاثي: - هذه مفاجأة سارة! - هذه أرض المفاجآت.. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#53 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
أين يقع "الجودي" بالضبط؟ لاداعي للغموض الآن. فقد قال لي الدكتور هالن كل شيء..
ودخلت كاثي معه الماء وأمسكت بيده. ونظرت إليه: - أنت واقف فوقه! - وأين المدينة الصاخبة وآلاف العلماء الذين تحدث عنهم هالن؟ أشارت بعينها إلى البحيرة. - تحت تلك الصخرة يوجد عالم بأسره.. عالم في "كبسول" مصغر... يمكنك أن تسميه "جينا" حضارياً أو خليةً حية تحتوي على جميع خصائص الإنسان الذي يعمر الأرض الآن.. ولو مسحت حرب ذرية الوجود البشري بكامله اليوم، لاستطاع ما في قلب أن يعيد الحياة من جديد.. لنا وسائل مكافحة الإشعاع، وإرجاع الوظائف الطبيعية إلى النبات، والخصب للتربة، والنقاء للماء والهواء...ولنا القدرة على إعمار الأرض من جديد.. إلا أن الإنسانية القادمة ستكون أكثر انتظاماً، وأقدر على تركيز عبقريتها على الحياة بدل الخراب والموت. ونظر الدكتور نادر إلى عينيها المتوقدتين حماساً، ثم وضع ذراعه حول كتفيها، وضمها إليه برفق وإعجاب: - أرجو ألا يكون ما تقولينه من صنع الخيال.. - كل المشاريع العظيمة كانت من صنع الخيال... ولكن "جبل الجودي" حقيقة واقعه. وسوف ترين بنفسك... وهبت نسمة عليلة جعدت وجه البحيرة. وداعبت وجه نادر وعبثت بخصلات من شعر كاثي الحريري. واستنشق الاثنان ملء رئتيهما منه، قال نادر: - آه! هذه هي الحياة.. لو بقيت هنا شهراً واحداً فسأضمن نقاء رئتي من سخام لندن! وضحكت كاثي وقالت: - ولو بقيت هنا أكثر لضمنت نقاء عقلك من فوضى العالم الخارجي! وابتسم الدكتور نادر ثم قال: - أنا جائع... - لنفطر إذن. وخرجا من البحيرة إلى حيث كانت كاثي قد فرشت إزاراً ووضعت عليه أواني الفطور فجلسا متقابلين..وشرد ذهن الدكتور نادر، وقد عادت إليه ذكريات تاج، فتجهم وجهه وكف عن الحديث.. في لمحة بارقة عبرت خياله صورة تاج قاعدة أمامه تحت نخلة., ورأى في عينيها السوداوين نظرة عتاب على نسيانه لها، واستمتاعه بممرضته الجديدة... وقرأت كاثي ما يجول بخاطره، فأخرجته من غفوته الحزينة بقولها: - أرجو أن تتماثل تاج للشفاء قريباً... وأشاح عنها بوجهه وهو يحاول مقاومة شعوره، فأضافت: - كن على يقين أنها تحظى بعناية أمهر أطباء الإشعاع. الشيء الوحيد الذي لا يستطيعون القيام به هو تحويل الرماد إلى مادته الأصلية.. وبعد لحظة صمت قالت مغيرة الموضوع: - سيأتي رئيس مبرمجي القطاع الأنثروبولوجي للترحيب بك رسمياً على جبل الجودي وسيأخذك للفطور مع فرقته لتتعرف عليها، وتعرف مدى التقدم الذي حدث في ميدانك. - هل سيكون الدكتور إيريك هالن هناك؟ |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#54 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
لا، ستراه بعد الظهر.
واستمرت تسرد عليه جدول أعماله للأسبوع القادم، وهو يستمع دون إنصات.. وبعد نهاية الفطور، جمعت الأواني في سلتها، وفتحت باباً في صخرة وضعت السلة بداخله حيث ابتلعها الظلام، ونظرت إلى نادر وقالت: - والآن لنتجول حول البحيرة، إذا أردت. وتمشيا على حافة البحيرة، ثم طلب منها أن يطل على العالم الخارجي فمشت به في طريق مرصوف برخام أحمر حتى نهايته، حيث أشرف من فوق صخرة على جرف شديد الانحدار وكأنه حائط عملاق.. ووقف ينظر إلى الأرض التي كانت بعيدة تحته وقد قامت فوقها صخور ملساء، كأنما انْحَسَر عنها مد الرمال، فبقيت واقفة بالعراء كموميات ضاربة في القدم. وطافت حولها العقبان والرخم، وعشعشت فوقها جوارح الفضاء... ونظر إلى الأفق البعيد حيث تمتزج غبرة السماء بسراب الصحراء، فأحس كأنه في سفينة تجمد حولها محيط رملي هائج متوحش... ودار رأسه، فأحس بمنبه حاد يوقظه من شروده دون أن يعرف مصدره. ووضع يده على قفاه حيث أحس المنبه، فلمس جسماً مسطحاً أجنبياً مزروعاً تحت جلده عند أسفل جمجمته. ونظر إلى كاثي التي كانت تراقبه ببريق حاد في عينيها وقال: - أكاد أقسم أن قطعة معدنية توجد تحت جلدي هنا... - لا تقلق لذلك. نسيت أن أقول لك إنها طرف من علاجك. - هل ستبقى هناك؟ - جميع العلماء هنا يحملون مثلها كذلك. ونسميها الملاك "الحارس"! وهي عبارة عن جهاز إرسال في منتهى الدقة والتعقيد يربطك بمعاذ، حيث تسجل جميع وظائف بدنك وذهنك. فإذا كان هناك خلل أو حركة غير عادية يرسل دماغك أمواجاً عن طريق "الحارس" إلى "معاذ" حيث تحلل في جزء من الثانية، ويرسل التنبيه إلى الخطر، أو يوصف العلاج أو الوقاية حسب ما يحدث.. - تعنين أن هذا الشيء سيبقى تحت جلدي دائماً؟ - سوف تنساه تماماً، كما تنسى ضرساً أو سناً صناعياً في فمك! - ولماذا نبهني معاذ؟ - لابد أنك أصبت بالدوار من أثر الارتفاع، ويمكن ذلك أن يسبب سقوطك! وعاد إلى شاطىء البحيرة حيث كانت الشمس تستحم داخل المياه الزبرجدية وتتخذ من سطحها الساكن مرآة هائلة. ومرا بأفراد وجماعات من الشبان والشابات يسبحون أو يعرضون أجسامهم العارية للشمس، وكاثي تحييهم برأسها وتقدم بعضهم للدكتور نادر. وسأل هذا وهو ينظر إلى السماء. - إذا كانت هذه المنظمة لا يعرف عنها أحد شيئاً، ألا يمكن أن تُرى من الجو..؟ - أبداً! لقد استطعنا إخفاء الجبل بالأشعة السرابية اليت تجعل البحيرة والجبل يندمجان في الوادي العميق مثل أي كثيب من ملايين الكثبان الرملية في الصحراء.. ومر قريباً من الشاطىء مركب بخاري سريع يسحب وراءه فتاة تنزلق على الماء بمهارة عجيبة، فسأل نادر: - ألا يشتغل هؤلاء؟ - هؤلاء في عطلة أو استراحة أو انتظار. العمل هنا يعتمد كثيراً على الفكر. وقد تنغلق الأبواب مدة طويلة عندما يصل الواحد إلى نهاية درب عقلي لا مخرج منه، فيأخذ عطلة للاستجمام والمراجعة... ثم سرحت بعينيها نحو المركب المحلق حول طرف البحيرة البعيد، وقالت: - بعض هؤلاء ينتظرون الوقت المناسب لعمليات التلقيح. الوقت المناسب بدنياً ونفسياً. وستعرف عماذا أتكلم عندما ترى حقلنا البشري. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#55 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
ونظرا إليها دون أن يفهم:
- الحقل البشري؟ فحركت رأسها إيجاباً: - نحن نصنع سكاننا الآن... نتحكم في ظروف الحمل والولادة والتربية... - أتعنين أن كل ذلك يقع خارج رحم المرآة؟ - بالضبط! وشرد خياله... وتذكر صخب المظاهرات التي اجتاحت لندن احتجاجاً على تجارب التناسل المخبري، وإنذار علماء البيولوجيا باحتمال نشوء جراثيم جديدة وخطيرة... وجاءه صوت كاثي فأخرجه من تفكيره: - فيم تفكر؟ وحرك رأسه نافياً كسولاً عن الشرح: - لاشيء.. وأحس بضعف في بدنه، فعادت به كاثي إلى حيث كانا يجلسان. وفي طريقهما سمعا أنيناً صادراً عن دغل كثيف، وحشرجة عنيفة كأن أحداً يقاتل مارداً جباراً، فتوقف الدكتور نادر ليستطلع الأمر. وسحبته كاثي من ذراعه وعلامة القلق والذعر على وجهها، وهي تلح على أن يغادر المكان. وتحول الأنين والحشرجة إلى صراخ حاد كأن إنساناً يعاني آلاماً مبرحة... وحاول نادر الانفكاك من يد كاثي ولكنه أحس بضعف أكثر فتوقف. وخرج من وراء الدغل رجل لابس حلة رمادية ملتصقة ببدنه، وعلى صدره شارة رآها من قبل دون أن يذكر أين، وكانت عبارة عن مركب قديم فوق كرة أرضية. كان الرجل ممسكاً قفاه بكلتي يديه، وقد تشوه وجهه، وغابت عيناه من الألم، وهو يجري في اتجاه باب مصعد.. وحين دخله انقفل الباب خلفه، ونزل المصعد بسرعة إلى أسفل... ووقف الدكتور نادر ينظر مبهور الأنفاس إلى حيث كان الرجل، وقد زاد ضعفه للإرهاق العصبي الذي أصابه، وهو يراقب الرجل الغريب يتلوى كالحية المقطوعة الرأس! وكاد يسقط مغشياً عليه، فعانقته كاثي، وساعدته على البقاء واقفاً، ثم أخرجت عوداً صغيراً من جيب في صدرها، ومرت به تحت أنفه فعاد إلى وعيه. ونزلا إلى غرفته حيث خلعت كاثي ملابسه وأدخلته فراشه. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#56 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
26-
وأفاق تدريجياً، فأحس بصدر كاثي الناهد ملتصقاً بظهره، وبذراعها تطوق خصره. وحين تحرك استيقظت هي الأخرى فاستدار ليقابلها. وبادرته بالسؤال: - هل استرحت؟ وحرك رأسه دون أن ينطق، فأضافت: - ذهب الضعف؟ فقبل رانفة أنفها وشفتيها. قالت: - الدكتور هالن قادم لزيارتك قريباً. ينبغي ألا يجدنا نائمين. وقامت واختفت في الحمام، ثم عادت بصينية عليها فنجانان وإبريق. وانفتح الباب، فدخل الدكتور هالن تشع الابتسامة من وراء نظارته البيضاء. فاقترب من سرير نادر وأمسك بيده وضغط عليها بحنان ثم جلس. وجاءت كاثي فحيت الدكتور هالن بابتسامة، فقال هذا: - هل يتعبك مريضك؟ - أحياناً! ثم ابتسمت لنادر وقالت: - لا، كنت أمزح فقط. الدكتور نادر مريض مثالي. وجلست تصب القهوة. وضغطت زر الفراش فارتفع نصفه الأعلى وجلس الدكتور نادر، فناولته كاثي فنجانه. واحتسى منه رشفة، ثم وجه سؤالاً للدكتور هالن: - هل من خبر؟ - تعني عن تاج؟ ووضع هالن الفنجان من يده وهو يقول: - ذلك ما جئت من أجله. التقرير الطبي كان مشجعاً للغاية. تاج أصبحت خارج منطقة الخطر.. ودار رأس نادر وارتعشت يداه حتى كاد الفنجان ينذلق على اللحاف، فتداركته كاثي وأخذت منه الفنجان. واستأنف هالن: - ربما أمكنك زيارتها في ظرف أسبوع. ووضع نادر يده على يد هالن، ونظر إليه نظرة شكر مؤثرة أحس هالن عندها بالحرج، فنظر إلى ساعته وقام: - ينبغي أن أتركك تستريح. هل تعني بك كاثي جيداً؟ - أحياناً أتساءل هل ما تفعله كله داخل في تعليمات الأطباء! وضحك هالن وهو يقفل الباب وراءه. وجلست كاثي إلى حاسوبها تدخل تقريرها اليومي. وتناول الدكتور نادر مجلداً لم يكن رآه من قبل على مائدة السرير إلى جانبه، وبدأ يتصفحه، فإذا هو دليل لأرقام الاتصال وطرق الاستعلام عن جميع نشاط الجودي. والتفت إلى كاثي وهي تلمس بأصابعها الدقيقة مفاتيح الآلة، وتنظر إلى الشاشة البلورية أمامها. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#57 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
كاثي، هل يمكن أن أقاطعك؟
فحركت رأسها بالإيجاب وقال: - هل كان ذلك الرجل حقيقة أم حلماً؟ - أي رجل؟ - الذي كان يصرخ ويعوي كالحيوان وراء أدغال البحيرة.. - كان حقيقة. وظهر الجد على وجهها. فقال: - لماذا لم تساعديه، وأنت ممرضة محترفة؟ وترددت قليلاً ثم قالت: - أنت مسؤوليتي. وقد كنت ضعيفاً للغاية. - لم أكن أسوأ منه حالاً! - لا تقلق بالك يا عزيزي.. لعله من المصابين بانهيار عصبي لكثرة التركيز على عملية معقدة. يحدث ذلك كثيراً هنا. - كان يظهر لي أنه مسوق بقوة جبارة نحو المصعد. وكلما حاول التحرر دفعته يد خفية إلى الأمام.. ونظرت إليه بعينين فيهما معان عدة، ثم عادت إلى آلتها. وظهر على وجه الشاشة أمام نادر وجه طبيبه فتفحصه بعينين حادتين، ثم قال: - دكتور نادر. لا ينبغي أن ترهق نفسك كثيراً بالتفكير العاطفي. سوف يؤخر ذلك شفاءك. حاول تسلية نفسك ببعض البرامج الفكاهية على هذه الشاشة. ستجد لائحتها في المجلد إلى جانبك. كاثي ستعلمك كيف تستعمل مفاتيح الاستعلام. ينبغي أن تشفى سريعاً لتتقابل مع زملائك في قسم الأنثروبولوجيا. هناك مؤتمر حيوي متصل بعملك يجري هذه الأيام. ومن الأحسن أن تحضر على الأقل نهايته، وتعرف النتائج التي توصلوا إليها. ونظر الدكتور إلى كاثي التي كانت واقفة إلى جانب سرير نادر، ولوح تقارير حالته في يدها وهي مستعدة لكتابة التعليمات، ثم قال: - مزيداً من الراحة. لا تعرضيه لأية تجارب عاطفية. سيمكن أن يقابل زملاءه في ظرف يومين. وقبل أن يسأله الدكتور نادر عن حالة تاج تلاشت الصورة من فوق الشاشة. ووقفت كاثي تكتب التعليمات. أحس الدكتور نادر بنشاط وحيوية جديدين ذلك الصباح الأزرق البارد. ومن نافذة الحمام دخلت نسمة صحراوية دافئة مع انعكاس أشعة الشمس على أوراق النباتات المتسلقة حول إطار النافذة. كان ذلك يومه الكبير. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#58 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
سيلتقى بالمبرمج الأول، وسيحضر مؤتمر المبرمجين العام الذي يدرس فيه تقدم البحوث العلمية في الجودي، والعالم الخارجي، وتوضع فيه أو تناقش السياسة الجديدة قبل أن يجري بها العمل.
وناولته كاثي كسوة خاصة كانت عبارة عن عباءة عربية بيضاء أحس فيها براحة وحرية. قالت له كاثي وهي تساعده على لبسها: - هذه حلة المؤتمر الرسمية. يظهر أن لها أثراً خاصاً على مزاج لابسيها. فرد الدكتور نادر وهو ينظر إلى نفسه في المرآة العريضة أمامه: - بساطتها توحي ببساطة التفكير. المفكرون في المدنيات الكبرى بحاجة ماسة إلى جو خاص، يخرجهم من ضوضاء وفوضى العصر الحديث التي نزلت بالفلسفة إلى مستوى الطب النفسي الجماعي، بدل التركيز على المسائل الأكثر أهمية. وغادرا الغرفة وكاثي تقوده إلى حيث انفتح أمامهما باب مصعد مربع، جدرانه من البلور المقوى، تشف عن الحيطان المزخرفة برسوم رومانية وفارسية وصينية وعربية حسب الطبقات التي يجتازها المصعد. وانقفل خلفهما الباب، ونزل المصعد نزولاً ناعماً، ولاحظ نادر أن المصعد عبارة عن مكعب لا يرتبط بحبال من فوق أو تحت ورفع عينيه ليرى نفقاً أزرق داكناً فوقه، ينتهى بمربع ناصع البياض، أدرك أنه يواجه الشمس. ونظر إلى تحت فإذا بئر مربع عميق لم يستطع رؤية قعره. كله مضاء بألوان تتعدد بتعدد الأدوار. وخامره إحساس غريب أنه يحلق في فضاء طبقاته أقواس قزح وأطواق من نور... ووقف المصعد ثم تحرك إلى اليمين بنفس النعومة الانزلاقية التي نزل بها... وبحث نادر بعينيه عن مكان الأزرار فلم يجد، وقرأت كاثي أفكاره فقالت: - لا حاجة إلى لوح أرقام. ولا يمكن أي لوح أن يتسع للأماكن التي يمكن أن يصلها المصعد. وما عليك إلا أن تنطق باسم المكان في هذا "المسمع" ليذهب بك المصعد إليه. وانزلق المصعد على مهل ثم توقف. وظهر الدكتور إيريك هالن وراء الباب الزجاجي الذي انفتح بمجرد توقف المصعد. وتصافح الرجلان. كان هو الآخر يلبس العباءة الفضفاضة البيضاء التي أظهرته في شكل محبب. قال الدكتور هالن: - سيقابلك الدكتور "كرونن"، وهو أحد الرواد الأولين ومن بناة جبل "مدينة الجودي" هو رئيس المؤتمر، مع أربعة آخرين من الشيوخ الذين أسسوا المكان والفكرة. سيتدوم المقابلة حوالي خمسة دقائق، بعدها ندخل جميعاً قاعة الحوار حيث سيلخص هو أعمال المؤتمر، ويعطي النتيجة. كان الدكتور هالن يعطيه هذه المعلومات السريعة وهما في طريقهما إلى باب عال منحوت من قطعة خشب أسود واحدة، وعليها زخارف بارزة متداخلة. وانفتح الباب بوقوفهما أمامه. وبقيت كاثي إلى الوراء، فسألها نادر بنظرة هل ستدخل؟ فحركت رأسها نافية. وانقفل الباب خلفهما. ونظر الدكتور نادر أمامه فإذا قاعة مستديرة مضاءة بنوافذ مستطيلة ملونة بعضها مفتوح على ضوء النهار، وقد تدلت ثريا ضخمة من سقفها، حرك الهواء قطراتها البلورية فأحدثت أصواتاً موسيقية خفيفة زادت في هيبة القاعة ووقارها. ووقف خمسة شيوخ تقدم نحوهم الدكتور هالن وخلفه نادر. كانت على وجوههم ابتسامات خفيفة وهم يراقبون الدكتور نادر يتقدم على استحياء ليصافحهم واحداً واحداً، والدكتور هالن يقدمهم له بأسمائهم. وأومأ أكبرهم سناً، الدكتور كرونن، لنادر وهالن أن يقعدا في كرسيين في مواجهة الشيوخ فجلسا صامتين. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#59 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
وبدأ الدكتور كرونن:
- الدكتور على نادر، أرحب بكم هنا في جبل الجودي باسمي واسم زملائي القضاة الأربعة وباسم جميع من جعلوا جبل الجودي مشروعاً محسوساً لفكرة فلسفية مجردة. أعتقد أن الدكتور هالن كان له امتياز التعرف عليك قبل انضمامك إلينا. وأرجو أن يكون قد قال لك عن مشروعنا ما يكفي لإيقاظ حماسك، وإثارة رغبتك في البقاء والمشاركة معنا في هذا العمل. ونصيحتي في هذه الفترة هي أن تفتح عينيك وأذنيك لكل ما ترى وتسمع. وسوف ترى أشياء غريبة لن تفهمها في الحال، فلا تدعها تقلق راحتك. كل شيء سيتضح لك بعد حين، ومن حسن حظك أن تشفى من علتك في هذه الفترة لتحضر معنا نهاية المؤتمر، ففيه تقرر وترسم سياسة وأهداف جبل الجودي لمدة الأشهر الثلاثة القادمة. وسوف تقابل أعضاء "الأنثروغاّذ" الذين ستعمل معهم. لا تفاجأ إذا وجدتهم يعرفون عنك كل شيء! فليس بيننا أسرار... ثم توقف قليلاً، ونظر إلى ساعة بصدر القاعة، وقال: - حان وقت الاجتماع. ووقف مادا يديه إلى الدكتور نادر، وأمسك بيديه معاً وهو ينظر إلى عينيه بعينين رماديتين فيهما أبوة وحب ويقول: - بعد نهاية المؤتمر سيكون لنا وقت للاجتماع والحديث المسهب. "الجودي" كله معجب بعقلك. فاحكم علينا بعد المعرفة. وثم التفت إلى الدكتور هالن وقال: - ستقدمه الآن إلى جماعة "الأنثروعاذ" وسيجلس معهم. وحرك الدكتور هالن رأسه بنعم، وخرج الرجال الأربعة خلف الدكتور كرونين. وانفتح باب آخر دخل منه الشيوخ الخمسة بعباءاتهم الحريرية البيضاء، وشعورهم الشيباء وحولهم هالة من الوقار والهيبة. وتوجه هالن مع الدكتور نادر نحو باب جانبي حيث خرجا إلى ممر مبلط برخام أخضر فاتح، ومنه دخلا بابا عليه رواق مخمل أسود ثقيل إلى قاعة فسيحة كملعب مصارعة الثيران، تتدرج منه الكراسي إلى تحت. ورفع عينيه ليرى قبة عالية ينفذ منها ضوء النهار دون أشعة الشمس. كانت الكراسي كلها مأخوذة، وأمام كل كرسي شارة الاختصاص واسم القسم. وقرأ الدكتور نادر على ظهر الكرسي الأخير الذي قابله عند دخوله الرواق "أنثروغاذ". كان ينتظره بجانبه رجل في حوالي الخمسين، مصفف الشعر بطريقة حسنة، وقد تلوحت بشرته واسودت عيناه في عمق. بادر هذا الدكتور نادر، قبل أن يقدم له، باللغة العربية: - الدكتور نادر، أهلاً وسهلاً... أنا الدكتور أديب إسكندر. من مصر. الإسكندرية. وتصافحا، فودعهما هالين قائلاً: - أراك بعد نهاية الجلسة. الدكتور إسكندر صديق عزيز، ويعرف عنك الكثير. هو الآن رئيس "الأنثروعاذ" بالنيابة. وذهب نحو مقعده من قسم "الأشعَّاذ". وجلس نادر يتبادل التحيات مع زملائه الجدد. وفي نفس اللحظة وقفت القاعة بمن فيها تحية للقضاة الخمسة الذين دخلوا واحداً بعد الآخر إلى صدر القاعة، حيث وقفوا صفاً واحداً في مواجهة المؤتمرين. وبقوا واقفين لحظة، ثم أومأ الدكتور كرونين برأسه بالتحية، وقعد الجميع. وجال الدكتور نادر بعينيه داخل القاعة، ولاحظ الوجوه العديدة الذكية التي كات تتراوح أعمار أصحابها بين الثلاثين وما فوق السبعين، وهي تركز على شاشات صغيرة على مكاتبهم عليها رسوم وأرقام ورموز غريبة. وفي وسط القاعة كان أنبوب زجاجي يملأه سائل أحمر إلى النصف، ويتحرك صاعداً ونازلاً بطريقة ارتعارشية دائمة... والتفت الدكتور نادر إلى الدكتور أديب إسكندر، وأشار بعينيه إلى الأنبوب فهمس له هذا: - ذلك هو "المسياس". معناه المقياس السياسي في العالم الخارجي. السائل الأحمر يدل على ارتفاع أو انخفاض درجة الخطر الذري في العالم. - وما معنى الحلقة الحمراء بأعلاه؟ - علامة الخطر. - كيف يعمل هذا "المسياس"؟ - بطريقة آلية. هناك جهاز استقبال بأعلى الجودي يلتقط جميع الأخبار المذاعة في جميع أركان الأرض، وجميع الرسائل البرقية السرية من جميع المعسكرات، ويحل شفرتها إليكترونيا، ويحلل محتواها الخ، وبذلك يعطي درجة الحرارة السياسية في كل ثانية من الليل أو النهار. وسمع طرق على المائدة، فسكت الجميع وارتفعت الأعين إلى حيث منصة الرئاسة. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#60 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
وتنحنح الدكتور كرونين ثم بدأ بصوت ذهبي ناعم:
"بالأمس ختمنا الحوار، واليوم سنقدم ملخصاً للاتجاهات الثلاثة التي أسفر عنها المؤتمر. وسوف يقدم الدكتور فرايهان عرضاً عن وضع الاتجاه الأول". والتفت إلى الرجل على يساره، فبدأ هذا يتصفح رزمة أوراق أمامه ثم تكلم. "الاتجاه الأول، وهو رأى الأغلبية حتى الآن، رغم النقص البين بين أغلبية المؤتمر الفارط التي كانت تتجاوز السبعين في المائة، وأغلبية هذا المؤتمر التي نزلت إلى سبعة وستين في المائة. هذا الاتجاه هو الذي يحبذ "نظرية الإبقاء والانتظار". ويطبعه التفاؤل من أن الإنسانية في طريقها إلى النضج التدريجي الذي سينتشلها من اتجاهها السريع نحو البوار. والأدلة التي يرونها جديرة بالتقديم في هذا الحوار هي انتشار المواصلات العقلية التي ستعجل بوحدة الإنسان من أجل الصالح المشترك، وكذلك تردد "المسبرياس" في حلقته الحالية زمناً طويلاً مما يدل على أن هناك تقارباً بين المعسكرات المتضاربة في الشعور بخطر الحرب الشاملة. وهذا الاتجاه، أعني "الإبقاء على الإنسان الحالي وانتظار نضجه"، يرى أن البشرية الحالية، رغم اختلافها وتطاحنها، تؤدي وظيفاً حيوياً بالنسبة "للجودي"، وهو تغذيته بالمواهب الطبيعية في جميع الميادين، الشيء الذي ما كان "البيوعاذ" ليزودنا به بالسرعة الكافية. إلى جانب أن هناك تقدماً محسوساً في ميادين علمية كثيرة في الدول المتقدمة تقنياً، وإن كان يقف في طريقها الاتجاه العسكري، والخوف من جنون معسكر وتخريبه للمعسكر الآخر. ثم إنه ليس هناك تأكيد علمي لنجاح النظريتين الأُخريين..". وسكت الدكتور "فرايهان" وجمع أوراقه ثم اتكأ إلى الوراء. فأشار الدكتور "كرونين" إلى زميله على يمينه قائلاً: -"الاتجاه الثاني: "الاستيلاء والإصلاح" يلخصه الدكتور إيكويوتو". وتحرك في مكانه رجل شرقي السحنة وقال: "يرى أنصار نظرية "الاستيلاء والإصلاح" التي يؤيدها عشرون في المائة من أصوات المؤتمر، أن الإنسانية كما هي الآن منقسمة على نفسها موزعة الاتجاهات والمبادىء، تتحكم في أغلبيتها الدكتاتوريات الفردية والجماعية والنزعات الدينية والعنصرية، وتغسل دماغها أدوات الإعلام التي تخدم أغراض أقلية تستفيد من جهل البقية وغَبَاوتها، وتسوقها ضد صالحها، حيث تسكب منها أكثر ما يمكن. هذه الإنسانية ينبغي أن يقوم جبل الجودي بالاستيلاء عليها بإسكات جميع مصادر الطاقة، وتجريد جميع الأسلحة من خطرها سواء كانت كبيرة أم صغيرة، وتنويم الإنسانية كلها واقتراح اتحادها واشتراكها في عمل خالد واحد تعيش بعده في رغد وأمن، وبهذا ينتهي الضياع والخوف واستيلاء الشر. وحينئذ يمكن "لمعاذ" أن يوجه طاقة هذه الأرض كلها إلى غزو الأفلاك العليا يساعده في ذلك كل مخلوق بما يستطيع". والتفت الدكتور كرونين لزميله الثالث فقدمه: - "الدكتور إدريس عثمان يلخص اتجاه "الطوفان الأزرق" الذي تؤيده خمسة عشر في المائة من أصوات المؤتمر". وبدأ الدكتور عثمان، وكان سودانياً حاد العينين: "اتجاه الطوفان الأزرق هو أجرأ اتجاه حتى الآن. وخلاصته هي أن جبل الجودي أصبح خلية متكاملة متوازنة، تحمل في كيانها جميع الخصائص الإنسانية بحضارتها وتاريخها وفلسفتها وتقنيتها، وتختزن جميع ما حققته من تقدم علمي وفكري بشري وغيره، وفي قدرتها إعادة إنتاج كل هذا بطريقة أنظف وأكثر نظاماً واستقراراً وقوة من الإنسانية الموجودة الآن على الأرض، هذه الإنسانية التي تكاثرت بشكل مزعج للغاية، وانغرست فيها الخلافات الدينية التي نتج عنها ما نراه الآن من خلافات سياسية، وجنسية ومذهبية، وحواجز ثقافية تجعل تقدمها يدور في حلقات مقفلة لا يستطيع التحرر منها والمُضيَّ إلى الأمام... وإذا كان "معاذ" قد بشر بطوفان جديد كالذي أصاب الحضارات القديمة حين أسنَتْ وتوقفت عن النمو والتطور من عهد نوح، فليس من الضروري انتظار هذا الطوفان الذي ربما فاجأنا في وقت غير مناسب، بل يجب أن نخلق نحن ذلك الطوفان بما لنا من وسائل علمية، تضمن نجاح العملية ونجاة نواة الإنسان الجديد في قلب هذا الجبل الذي سميناه بحق "الجودي" لذلك يكون الاقتراح أن يطلق الجودي على الكرة الأرضية شعاعه الأزرق السري الذي سيُفني البشرية كلها بطريقة رحيمة لا ألم فيها ولا خوف، ثم يقوم بعملية تنظيف الأرض من آثار الإشعاع، وبذلك يكون وظيف البشرية الفوضوية قد انتهى، ويبدأ دور البشرية الثانية التي أوشكت على اختراق حاجز تطور جديد لتقوم على أنقاضها، وتعمر الأرض من البداية". وسكت الدكتور عثمان، وضغط على زر الميكروفون حتى لا تسمع عطسة كان يقاومها. وتكلم الدكتور كرونين مقدماً زميله الرابع: "الدكتور إيفانز له تعليق على الاتجاهات المذكورة". وأومأ له فبدأ: "يظهر من تعدد الاتجاهات أن خليتنا لم تنضج بعد، وأننا ما نزال نعاني من مخلفات وتناقضات ورواسب علمنا القديم الذي حاولنا التحرر منه منذ ربع قرن. وبيننا من ما تزال له عواطف وزوايا دافئة في قلبه للأماكن والأشخاص من أهل وأصدقاء في العالم القديم". وسرح نادر متذكراً أهله وأصدقاءه في المغرب ولندن والولايات المتحدة، فارتعش قلبه شوقاً وحنيناً. وأحس بخطورة جبل الجودي كما لم يحس بها من قبل... |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
![]() |
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|