| الإهداءات |
|
|||||||
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |

| الإهداءات |
|
|||||||
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
#41 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
-5 -
بعد الظهر، جاءني حسان محملاً بالمال. تماماً كما وعد السلماني. كنت في ساحة الدار الأمامية. قابعاً على الحصيرة، أراقب أمي وهي تنظف أحشاء دجاجة، بعد أن نتفت ريشها، مستعينة بالماء الساخن. دق الباب بعنف، رفسها بقدمه. وحين صاحت أمي عمن يكون، دخل دون استئذان! وانتصب أمامنا يزفر الغل والخنق. أدركت سبب مجيئه وخمنت محتويات الكيس، الذي ينام على صدره. فداخلني الفرح، لكن تصرفه الأرعن ألهبني ناراً. -ماذا تريد؟ سبقتني أمي بسؤاله، بكراهية وغضب. ولم أحتمل، زعقت بوجهه: -يا كلب! ارتبك وحاولت النهوض فارتد خائفاً: -ما بك يا كاكاحمه؟! ماذا حدث؟! تعلقت أمي بردني متوسلة: -اجلس.. اجلس. ثم التفتت إلى حسان موبخة: -ألا تستحي! كيف تدخل على هذه الصورة؟ ظهرت الدهشة في عينيه وهو يقسم: -واللّه العظيم.. طرقت الباب.. سكت لحظة استرد بها أنفاسه وخاطبني: -جلبت لك المبلغ الذي وعدك به أبي.. رف قلبي كعصفور طليق يسرح في غابة. تناسيت لسع النيران وأعلمته: -إنه حقي يا بن السلماني أحمد اللّه لأني لم أقدم شكوى. -كيف حال الآغا يا حسان؟ غيرت أمي لهجتها متظاهرة بالشفقة والعطف. ولم لا "والدينار يغري الضرير والمقمط بالسرير"! -بخير يا خالة.. بخير.. أخذناه إلى المستشفى.. والحمد لله.. الجرح طفيف.. ادعي بأنه جرح نفسه بموس الحلاقة.. اختصر بخبث. فزادت شفقة أمي قالت وبصرها معلق بالكيس: -اللّه يعطيه الصحة والعافية.. -شكراً لك يا خالة.. شكراً.. خذ يا كاكاحمه.. هذه ألف وخمسمائة دينار.. كما طلبت.. تناولت المبلغ من بين يديه. ضغطت عليه بأصابعي، بفرح غامر.. إنه أعلى بعشر مرات من أكبر مبلغ حضنته يدي.. طوال عمري.. فرحت به حقاً.. ثم لا أدري لم امتعضت فجأة. وطفرت دمعتي.. لم يسر قلبي لمنظره.. لم أبتهج به.. لقد جاء بعد فوات الوقت.. بعد.. رميته في حضن أمي. وأوضحت لحسان: -إنه ديني.. لا فضل لأبيك عليّ.. لا فضل.. شهد دمعتي فقال مراوغاً: -يمكنك عدّه.. أجهشت بالبكاء فارتعش وتوسل إليّ: -إذا أحببت سأعدّه أمامك.. -لا داعي.. لا داعي.. لن أتعب نفسي.. سيعده الملاّ. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#42 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
وما علاقة الملاّ بالأمر؟
استفسر عجباً. وتطلعت أمي ناحيتي، تنتظر توضيحاً. مسحت دموعي وطردته: -رح أنت.. رح الآن، وتذكر أني لم أبتزكم أخذت أقل من القليل. -حاضر.. السلام عليكم.. قبل خروجه أوقفته: -يا حسان، قل لأبيك عن لساني، ابتعد عن طريقي ولاتتحرش بي.. وتذكر أن الموت يطلبك.. سيأتيك حتماً، فكفر عن سيئاتك، رد للناس مظالمهم وأتق اللّه.. وأنت يا حسان لا تفكر بالغدر والطعن بي، وإلاّ.. -أنا!! لا وحق اللّه.. لست كما تظن.. بشهد اللّه أنني لم أتدخل بينك وبين أبي.. هل صدر مني ما يشين..؟ -ربما خشية من المنجل.. لو تدخلت أو تفكر بالتدخل لقطعت لسانك.. -يا كاكاحمه.. -خفف من غلوائك يا حسان.. ما عادت أساليب البطش تنفع في قريتنا.. تغير الزمان.. وما من أحد يهابكم اليوم كما كنتم.. البيوت ملأى بالسلاح.. ورصاصة واحدة تكفي. -السلام عليكم.. ودعنا وخرج يتعثر بقدميه.. ضحكت رغماً عني.. قرقرت ضاحكاً وأنا أشهد أمي تضع رزمة الدنانير في حضنها كطفل بكر، بينما ذراعاها يتقاطعان فوق بطنها حرصاً واعتزازاً..! -عيب هذا الذي تفعله.. عيب، إنه الآغا! حدجتها بمرح وذكرتها: -أنا لم أشتمه يا خجة. قدمت له النصيحة، فاستفاد. وها هو ابنه أمامك، تأدب في ظرف دقيقة! جاء محارباً فإذا به يرمي سلاحه قبل أن يصل حلبة الصراع! -يكفي إنه أعاد لنا.. -يا خجة، هذا المبلغ كبير في عيوننا لكنه لا يساوي عند السلماني شيئاً يذكر.. إنه يصرف أضعافه في جلسة سمر واحدة.. ثم ما هذا التغير! ما سبب هذه الشفقة المفاجئة! بالأمس أردت ذبحه أمام عينيك فلم تقولي عيب!! فما الذي حدث بين الأمس واليوم؟ -أتدري كم عدد الذين جاؤوا محذرين؟ إنه الآغا! أنسيت؟ -اسكتي يا خجة.. اسكتي.. إنه بشر مثلنا.. لا أكثر.. وهذه الدنانير كانت تقف حاجزاً بيننا.. والآن تساوينا.. -انت ستجنني .. سأقوم من هنا.. سأبتعد عنك.. سأطبخ.. ثم أنظف غرفتك.. -ولم ياخجة؟! -قد تأتي بعروسك اليوم أو غداً.. كما تريد.. -لا تتعبي نفسك.. هدهد لا ترى.. فلا حاجة.. منعتها ببلاهة وتهور، لم أفطن لهما إلاّ بعد غضبها. استاءت وهتفت مهددة: -حرام عليك يا بني.. إذا كنت تبغي معاملتها هكذا، فلن أسمح لك بتعذيبها.. لن أدعك تتزوجها.. لا لن أدعك شعرت بغلطتي فحاولت التوضيح: -لا أريد إتعابك.. سأنظفها بنفسي.. كشرت عن أسنانها ودافعت عن وجهة نظرها: -ستأتي أمها وخالاتها.. وضيوف آخرون... |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#43 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
لن يدخل أحد دارك غيرها..
بهتت، قطبت من جديد.. مدت بوزها مستفهمة: -لا أظنك جاداً.. -سنقيم الحفلة في بيت عم مصطفى.. وبعدئذ سأجلب هدهد وحدها.. ولا من شاف ولا من سمع. لم تصدق. ظهر ذلك في عينيها. قالت: -أمجنون أنت! ماذا بك؟ إنه عرسك وسأقيم الدنيا.. -لا أريد.. نظفي غرفتنا فقط.. وأفرشي لنا على الأرض.. ونامي أنت في.. رفعت يدي مشيراً بإصبعي نحو الخارج.. ولم أكمل ارتسمت على شفتيها ابتسامة عتاب: -أتريد طردي منذ الآن؟! أهذا جزاء تربيتي! -لا....لا يا خجة.. لا تظلميني.. أريد أخذ راحتي ليوم.. لليلة واحدة.. استمتع بوقتي.. أليس الدخول في النعيم.. والتنعيم في شهر العسل من حقي؟ ضحكت أمي من صميم قلبها ومازحتني: -هداية لا ترى ولكنها تشم.. -يعني.. ماذا تقصدين؟ -لا تدخل عليها برائحتك النتنة هذه.. -أتريدين أن أغتسل؟ وبالأمس لدغني ثعبان! -إذن كيف ستتزوج!! كل الذين سمعوا بنيتك.. استغربوا.. تساءلوا عن قدرتك ومدى تحمل جسمك.. -لا تخافي.. إنه ورم بسيط.. سيزول بعد يومين.. -إذن أجّل الزواج.. لا تظلم الفتاة المسكينة.. لا تذلها. إنها لا تستحق إلاّ كل خير.. -الحق معك يا أمي.. سأجلب لك ثلاث تنكات ماء، لتغسليني بيديك. بعد أن أمر على عمي حسن ليحلق رأسي ولحيتي. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#44 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
-6 -
بعد صلاة المغرب، التفت الملاّ نحوي، بينما كانت عيناي تسرحان في رحاب السماء، وسألني: -أأنت خائف؟ -أنا!! ممن؟ -من سقوط السقف؟ شعرت بلذاعة السخرية وبنبرة الاستهزاء الحادة فانزعجت. ودون تردد أو حياء صحت به: -أتسخر من أحلامي؟ هجس غضبي فشاء حفظ ماء وجهه. قال: -استغفر اللّه.. رأيتك ساهماً فأحببت المزاح.. ومزاح المؤمن عبادة يا كاكاحمه. تدخل عمي موضحاً ومهدئاً فأسكتني. وتدريجياً تلاشى غضبي واندمجت في الحديث مع يحيى، والرجال الجالسين قربي. حتى باغتني الملاّ باقتراحه: -هيّا.. توكلوا على اللّه.. لنذهب.. استغربت واستفهمت منه؟ -إلى أين ياحضرة الملاّ المحترم؟ -إلى بيت عمك مصطفى.. إنهم ينتظروننا.. كدت أستفسر منه عما يقصده لولا عمي حسن سارع يقول: -حضرت اللازم وسأتي مع يحيى كشاهدين.. أنذاك تذكرت هدهد ومشروع زواجي فزحفت نحو الملاّ متلهفاً لتقديم هديتي: -قبل ذهابنا، خذ استلم هذا المبلغ. إنه مساهمة بسيطة مني في تجديد المسجد.. مددت رزمة الدنانير إليه، أروم وضعها بيديه. فإذا به يرتد مذعوراً! ويلقيها أرضاً في حركة مستهجنة، تنم عن رفض وتوبيخ! ويدمدم بصوت مرتعش: -أعوذ باللّه.. إنه مال حرام.. مغتصب. إهانة بالغة غير متوقعة، صعقت لها. ارتعشت وساورني الجنون فصدرت عني كلمات سريعة، غاضبة. دلت على سخط وانزعاج.. وتحركت، كدت أطفر وأنشب أظافري في رقبة عطا اللّه، لولا أياد قوية شعرت بها تشدني، تحكم قبضاتها على كتفي وذراعي. وتعيدني إلى موضعي. وتمنعني من تحقيق غايتي.. ولو للحظات.. انفعلت ورحت أسبهم وابتعد الملاّ هلعاً. وصاح أكثر من شخص محذراً ومتوسلاً: وهدر في أذني صوت خشن يخالطه حزن: -كفى.. اجلس ولا تتهور.. إنها ليلة زفافك.. أدرت رأسي في غضب فألفيت المختار مبتسماً كثعلب عجوز. ورأيت عمي متشبثاً بكتفي.. ثم راح يربت على كتفي في طيبة وحنان. فتر انفعالي. وبما تبقى منه صرخت دون إرادة مني: -لو لم تكن في المسجد للطمتك يا ملاّ عطا اللّه على رأسك وكسرته. منذ ثلاثين سنة والسلماني يغتصبنا بعلمك، ولم تحرم أمواله! ضج المسجد. علا هرج ومرح بعد أن أنهيت كلامي.. فوجئ الملاّ فارتعش جسده. اكتسب وجهه الطويل اصفرار وهلع.وتلفت خجلاً إلى المصلين، حيث شخصت إليه الأنظار. وكأنه يستسمحهم ويطلب عونهم. رأيتهم، يهزون رؤوسهم استغراباً، ويمطون شفاههم استهجاناً، فازددت ارتعاشاً.. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#45 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
عيب، يا كاكاحمه، هذا الذي تفعله عيب..
نهرني يوسف ابن المخرف. وكان يجلس على بعد خطوات فرفست الأرض وصحت به: -اخرس يا حقير.. وبحركة سريعة، حملت رزمة الدنانير وقذفتها في وجهه. فجأر وزمجر. وسمعت يحيى يوبخه ثم يزجره: -اسكت. وبينما التزم الجميع الصمت، وراحت العيون تتطلع إليّ، تحدق فيّ بذهول، تجمهر أكثر من عشرة رجال فوق رأسي، خشية " تهوري " .مما أشعرني بتعاظم الجو العدائي . فنهضت محاولاً الخروج، يتلبسني البغض . أفسح المتجمهرون الطريق لأمرّ، فأمسك الملاّ بساقي، ليسمع مني كلمة اعتذار ترد له هيبته . ولم أبخل . صحت بأعلى صوتي، لأعيد الاعتبار لنفسي : -اللّه مكنني من استرداد حقي . السلماني بعث أبنه ليسلمني المبلغ . وها هو بينكم فأسألوه .. وجئت أتبرع به لبناء المسجد ... ولم أهبه للملأ ليتزوج امرأة ثالثة . ارتفع اللغط والصخب، وتعالت عبارات السخط والاستنكار . احمر وجه الملا، وانتصبت لحيته الحمراء . وعاد يتوسل : -انتظر .. سأتي معك ... -لا ... ابق في محلك يا عطا اللّه ..مثلك لا يصح أن يكون إماماً .. أنت تتشكك حتى في نفسك .. وتوالي السلماني ورهطه دون حق .. سأذهب بمفردي ... وإياك أن تأتي بعدي .... إياك .. ولعلمك، ألغيتك من بالي تماماً . -لا .. يا بني .. لا .. أنت لم ... لم أسمع بقية كلامه . خرجت وفي صدري يتأرجح لهيب الغيظ، وفي رأسي يدور صداع . ابتعدت بضع خطى ثم استدرت والرعشة تسري في دمي . تذكرت أمراً بالغ الأهمية .. صوبت العيون أنظارها إليّ، وأنا أقف عند الباب وأصرخ : -اسمع يا عطا، قررت إلغاء مساهمتي . لن أتبرع بشيء، فالذي يعوزه البيت يحرم على المسجد . كما أني فطرت عندك اليوم، صحن فول وبيض . وسأرد لك ثمنه . قهقه المختار، وتعالى الصخب والضحك . لم أبال ... أسرعت خارجاً، فواجهني ظلام أول الليل الباهت ولفحني نسيم عليل، بارد ... اندفعت إلى بيت عم مصطفى، تعصف بي حمى الرغبة، للقاء هدهد ورؤيتها .. وفي ذهني تختمر الخطط ويتفاقم ولعي الشديد بها . ويزداد تصميمي على تنفيذ ما قررته، أثناء رقادي على سرير المستشفى أو أثناء سيري الطويل في طريق العودة، استقبلني شقيقها الصغير عرفان بالصياح : -كاكا حمه وصل ... وصل ... انحنيت لأقبّله فدفعني قائلاً : -رح " بوس " هدهد .. رح .. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#46 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
ضحكت .. وسمعت من يوبخه ..
-عرفان !! أدخل .. شاهدت الخالة أمينة وبجوارها عم مصطفى، يقفان عند الباب، وعلى وجهيهما لاح الذهول . أخذ الأب يدي بالرحاب . وأدخلني غرفة الضيوف الصغيرة . وتبعتنا زوجته .. جلسنا على الأرض . حيث مدت ثلاثة فرش قطنية، وعدة مقاعد ومساند،على بساط صوفي مزركش جميل، فوق حصيرة نايلون . ومن السقف تدلى المصباح الزيتي معلقاً بنهاية سلك معدني طويل . وشرّعت النافذة الوحيدة على مصراعيها رغم النسيم البارد . وأزيحت جانباً الستارة السميكة، المطرزة حوافها بدقة ! فبانت السماء صافية وظهرت النجوم لامعة بوضوح كبير . فأنشددت إليها فرحاً مدهوشاً . -أهلاً أبني ... أهلاً .. قالت أمينة وهي تتربع أمامي مباشرة . بينما جلس الأب على يميني ... رأيت الأحراج ينطبع على ملامحه وهو يسألني .... -أين الملاّ والجماعة ؟ كانت الرعشة ما تزال متحكمة في مفاصلي، لذا كان صعباً عليّ أن اضبط نفسي وأهدأ خاصة بعد سماعي اسم الملاّ . اكتفيت برد مقتضب : -لن يأتوا ... لفه الاستغراب وانقبض قلب الأم . اصفر وجهها بشكل مقيت . أدركت دون عناء، أنها فهمت من ردي شيئاً خاطئاً، لايطاق . مما استوجب تبديده دون تلكؤ : -هدهد ستصبح زوجتي الليلة، إن شاء اللّه . أشرقت ملامحها . بان على محياها الفرح . وهتفت بعينيها السوداوين المكحلتين . -خجة، أعلمتنا بذلك . ونحن ننتظر قدوم الملا والرجال ... تجاوزت أمينة الأربعين قبل خمس سنوات . لكن طولها لم يتجاوز المترين، وكتلتها اللحمية تخطت الثمانين كيلو غراماً . ومع ذلك لم تزل بنظر الجميع جميلة فاتنة، ساحرة . وربما أجمل نساء القرية على الاطلاق ..وعلى العكس منها كان مصطفى . نحيفاً كعود القصب . لا شعر له أمرد أملس، سوى لحية بيضاء تغطي ذقنه البارز . أظهرته بشعاً إلى حد مقبول في الرابعة والخمسين . وعلى هيئته استنسخ الملائكة بأمر اللّه ابنه غفران ! بينما أخذت هدهد صفات ومحاسن أمها . ولولا العمى الذي أصابها إثر جريمة الجنود لما سهل التمييز بينهما ... -لم يأت الملّلا معك ! عاد الأب إلى إلحاحه . فأضجرني : -قلت لك : إنه لن يأتي . ذهل، واتسعت عيناه دهشة وحياء . وازداد ذهولاً واستغراباً حين استرسل لساني : -رفضت أن يعقد قراني على هدهد شخصاً مثله . -لماذا ؟ ! نطقت أمينة بحيرة وهلع . وكرر مصطفى سؤالها . -رفضت الملا أمام الجميع ... في المسجد .. لاثقة لي به ... لاثقة .. -ولأنه يتعذر عليّ إيجاد البديل في هذه الليلة، جئت اقترح عليكما أن تساعداني .. -بماذا يابني ؟ خيم السكون انتظاراً لجوابي . بدا عم مصطفى أشبه بالخائف مني، وغير الواثق من تصرفاتي . فضحكت في سري .. مددت يدي إلى جيبي . تلمست الأوراق التي تخصه . داخلني الأمان لسلامة عقلي، ومتانة موقفي ... تطلعت إلى وجه أمينة . فهالني رعبها وتخوفها المنتظر مما سأقوله . نقلت بصري صوب المصباح الزيتي، وأخيراً نحو السماء . لمحت النجوم المنتشرة وكأنها قلادة لؤلؤ على صدر زنجية ! حدقت في نجمة مضيئة، حسبتها قمراً صناعياً . وبقربها رأيت نجمة أخرى أكثر ضياءً . في كل منهما رأيت وجهاً مختلفاً .. شاهدت " سناء " باسمة مغتبطة، وعمتي " بتول " ساهمة حزينة . |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#47 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
وفجأة برزت بينهما " إلهام " بقامتها الرشيقة .. حركت ذراعي لأمسكها فمنعني " مجيد " ( وضع يده على رأسي وهمس : لا تتسرع .. تصرف بعقل ..دون تهور قلت له :
ألم تنصحني بعدم التردد ؟ ألم تقل لي : إذا أردت فعل شيء يا كاكا حمه فلا تتردد .. وإذا عزمت فتوكل، إن اللّه يحب المتوكلين .. فضحك وقال : صحيح، لكن لا تنس بقية الكلام .. لا تتردد عن فعل شيء جيد غضبت وصحت موبخاً : كل أعمالي جيدة .. وما عاد أمامي خيار ... ما عدت أميز بين الصواب والخطأ ... فكلما مرت الأيام، كبرت آلامي، وكبرت معها المرارة التي أحسها في قلبي .. ) -أريد أن أتزوج الليلة . وغداً نكتب الكتاب . -تتزوج الليلة !! دمدمت أمينة ووضعت كفها الأيمن على فمها، دلالة الارتباك والحياء . وانتفض عم مصطفى . وعيناه تبرزان كعينيّ نسر . وتساءل بغيظ : -بدون عقد أو شهود !! هززت رأسي بالإيجاب . فتابع بشيء من الحدة : -أأجننت !! أأنت في كامل قواك العقلية ؟ -نعم .. وهذا دليلي ... أخرجت ما جلبته من الأوراق . وضعتها في كفيه، فبوغت .... تمعن فيها بعجب وهمهم : -من أين حصلت عليها ؟ كيف ؟! -ما هذه ؟ سألته أمينة فحار . تطلع إلينا مبهوراً . وأجبتها : -إنه دليل على حسن تصرفي وسلامة نيتي ... جلبتها لك يا عم مصطفى لتمزقها ... وتنهي تحكم الجمولي فيك ... |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#48 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
هل دفعت له ... ؟
لم أكن في حالة تسمح لي بالخضوع لتحقيق مطول . سحبتهامن بين أصابعه المرتعشة، ومزقتها أمام عينيه المبهورتين : -أنت برئ الذمة ..حر من أي دين ... وتوقعت أن يلين فإذا به يصيح : -هذا لا يغير من الأمر شيئاً ... سنتكلم عنها فيما بعد .. -هل توافق ؟ -لقد جننت حقاً ! واللّه سأذبحك وأذبح ابنتي قبل أن أدعكما تفعلان هذا العمل المنكر .... عجبت، واعتراني الخجل والاضطراب . ثم الإحباط والانكسار وأخيراً الفزع لغضبه العارم . تحركت مستديراً بجسمي كله صوبه، لأواجهه وأطلب منه توضيحاً، سبباً مقبولاً لرد فعله المتشنج . فسمعت الخالة أمينة تترجاني برقة متناهية : -يا بني، لا تشمت بنا الناس، ولا تكسر خاطر المسكينة . أجهشت بالبكاء فتمزق فؤادي . أحسست بالخذلان واجتاحني شعور عارم من التعاطف والمودة، والألم . وجعلت أنظر إليها بعين الرثاء والأسى . وناء قلبي بالحزن. -هل أخطأت يا خالة ؟ هل ارتكبت عملاً مشيناً ...منكراً ؟ نبهيني من فضلك .. فما قصدت إلاّ الخير ... واللّه شاهدي . -كل الخطأ ... صرخ مصطفى وأكمل بحسرة : -يا أسفي عليك .... أتدري ماذا يعني ؟ قدح شكه القاتل في رأسي فقاطعته باستياء : -اسمع يا عم مصطفى .. أنا لا أعني ما فهمته .. ولا أقصده ..قلت لك بأن نيتي شريفة ... وأنت خير من يعرفني فلا تسيء بي الظن ... جئت خاطباً ... فلا تزد همومي ... فطن لحقيقة الوضع فهدأ واستفزني : - أتستطيع طلب ذلك من شخص آخر غيري ؟ عرفت مرامه فاستنكرته وانبته : -لِمَ تقلل من شأنك ؟ تهين نفسك وتهينني معك ! في المعسكر، سمعت بجماعة تتزوج أولاً ثم تعقد القران ... وسألت مجيداً فأكد لي ذلك .. قال : إن البربر وأغلب سكان شمال أفريقيا يفعلون ذلك أيضاً. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#49 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
احتد وصاح :
-لا علاقة لنا بهم .. لا علاقة ... -رغبت في الزواج من هدهد وسأتزوجها .. وثق إنني لو رغبت في امرأة أخرى .. في أية فتاة من قريتنا ... لما ترددت أبداً في الزواج منها ... وفي خطفها وكسر رأس أبيها إذا رفض، فزع مصطفى ... أحرجه كلامي . عض شفتيه كي لا ينجرف بتياري . تبادل مع أمينة نظرات قلقة قبل أن تتمتم : -نحن لم نرفض ... -أعرف ذلك ..أعرف يا خالة .. اعتقد أنني تسرعت في طلبي ... أخطأت فسامحوني .. اعذروني .. اقترحوا عليّ ما يجب أن أفعله ...نبهوني .. وانصحوني ... تبسم عم مصطفى استرد عافيته وأعلن : -غداً نستدعي الشيخ علي من أربيل ... -على بركة اللّه ... اتفقنا .. سآتي صباحاً . اعتذرت مرة أخرى عما قلته . ونهضت، فتوسلا لإبقائي على العشاء فرفضت .... لحق بي عم مصطفى إلى خارج البيت يطلب إيضاحاً،عن الصكوك وسندات الدين والفائدة : -من أين حصلت عليها ؟ كيف وصلت إليك ؟ الجمولي ، ماذا سأقول له ؟ هل أعطيته حقه ؟ هل ... -اسمع يا عم مصطفى، الأوراق مزقت والجمولي المرابي ماعاد يخيفك أو يهددك .. فلا تذكرها ثانية .. لا تأت على سيرتها لأحد مهما كان .. حتى لخالتي أمينة ... إياك ...إياك .. وإذا سألك .. قل له أنك سددت ما بذمتك كاملاً تسمر واقفا في منتصف الطريق . ومضيت إلى البيت مستاءً مقهوراً . حدثت أمي -المنهمكة في رص الحاجات التي اشترتها على رفوف المطبخ -بما جرى، فوبختني على سوء تصرفي، ورعونتي التي لا تقل عن رعونة مجنون ..! لم أناقشها . لم أكن في حالة تسمح لي بذلك . تركتها وتوجهت إلى غرفتي وضعت رأسي على الوسادة .. حاولت أن أنام فإذا بي أنهض على حين غرة ... ! ( برز لي مجيد . بوجهه العريض الضاحك وعينيه السوداوين قال لي : -لا تنسى وصيتي .. " النورة " ستعطيك مظهراً جذاباً وتريحك . قلت : -ولكن هدهد بلا عينين ! قال : -لا تكن غبياً إلى هذه الدرجة يا كاكا حمه . أصابع الأعمى هي عيونه . بنانها تتحسس أفضل منك . ستشمئز وتنفر منك إذا بقيت بصوفك. غضبت وقلت : -أنا لست خروفاً ! ضحك وقال : -استغفر اللّه يا كاكا حمه ... من قال ذلك ؟ أتظنني أبله لا أميز الخروف عن الطلي ... ! تغاضيت عن سخرتيه وقلت : -أتريد أن تكرر ألاعيبك معي ؟ بسببك كاد عريفي إسماعيل يثكل نفسه من الغيظ .. قهقه حتى دمعت عيناه ثم أقسم قائلاً : -أتظنني أعاملك مثلما أعامل العريف مونرو ؟ لا .. يا كاكاحمة .. لا .. ثق باللّه العلي العظيم أنني أعزك ... فأنت أخي الطيب وصديقي المفضل .. ثم أنني لم أغدر به ولم أقصد أذيته .. وعندما نصحته بوضع البودرة لم أكن أهدف إلا الخير ... لكنه " جحش " لم يستمع للنصيحة جيداً ... لذا احترق جلده .. وضيع فرصة العمر ولقاء حبيبته مارلين مونرو ..) |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#50 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
-7 -
على مائدة الفطور الزاخرة، الغنية بالبيض والزبدة والمربى والجبن والحليب، قالت أمي دون مقدمات : -أوصيت على عشرين دجاجة .... سأملأ بها الأقفاص، بناء على رغبتك -حسناً تفعلين ..وسأشتري لك ثلاث معزات . دهشت، وعبرت عن ذلك بلسان خائف : -من سيتولى رعايتها وحلبها ؟ -سيرعاها موسى وتحلبها هدهد .. اطمأنت وتحمست : -سيفيدنا حليبها .. سيغنينا عن شرائه .. وما سيفيض عندنا نبيعه .. -لا .. سنهبه إلى بيت عمي مصطفى، إلى حين عودة بقراته . لم تجادل . أبدت موافقتها واقتناعها : -كما تريد يا بني .. إنها فكرة جيدة .. -هيّا بنا إليهم ... علينا تهيئة كافة المستلزمات ... اعترضت بإشارة من يدها؛ واحتجت : -دعني أكمل فطوري .. الوقت مازال مبكراً ... -أنت تثأرين من جوع قديم يا خجة ! تأكلين منذ ساعة ولم تشبعي ! مازحتها فأبدت مخاوفها : -وأنت لم تمد يدك بعد ! -أنا أكلت وشعبت .. والحمد للّه ... -أتظنني غافلة عنك .. راقبتك منذ يومين .. وأنت لست على ما يرام .. على غير عاداتك وطباعك ... ولا تنكر .. فقلبي دليلي .... ربع ما كنت تأكله سابقاً لا يدخل معدتك ! وبشيرة أخبرتني بأنها رأتك تتقيأ ما أكلته عندهم ! -أكلت البيض البارحة .. -عند الملا ! أخبرتني رباب إنك أكلت نصف البيضة ! ولم تذق الفول ... مسني الندم على ذهابي ومشاركتهما في الفطور استكرهت دناءه نفسي واحتقرت رباب -ما أدق أخبارها ! وما أذلها ! مراقبة الضّيف والتدقيق فيما أكل وشرب، عيب . ... عيب .. وعار .. -لا يا بني .. لا .. رباب بنت ناس . وطيبة النفس . -سأدفع لهما ثمن ما أكلت .. وعدت الملا بذلك ... ثم أني آخذ كفايتي من الأكل ... أوضحت لها ودخلت غرفتي .. وقفت أمام المرآة . ألقيت نظرة شاملة على جسدي تطلعت إلى وجهي . وعاينت موضع العضة . كان الورم يخف تدريجياً .. جلست على السرير أراجع ما نفذته، وما يتحتم عليّ تنفيذه . فوجدت أمامي قائمة طويلة من المشاريع . وطرحت أفكاراً عديدة جديرة بالاهتمام .. سألت اللّه أن يعينني على إنجازها، وأنا اتجه إلى الحديقة . قلبت الأرض تمهيداً لشتلها بالورود . وغسلت الحظيرة غسلاً . ثم نظفت الأقفاص وجددت شباكها المعدنية .. وحين انتهيت كان النهار قد انتصف، وارتفع آذان الظهر ... أعدت رغبتي في الذهاب لكن أمي راوغت وماطلت، حتى العصر .. فما أن حانت الرابعة حتى أبدت حماساً ... ! قدتها إلى بيت عم مصطفى . فبوغتّ بأن هناك من سبقني بالقدوم ! وجدت الملاّ عطا اللّه، وعبد اللّه المختار وعمي حسن وزوج عمتي الحاج صالح، ويحيى مع إخويه يوسف وموسى، ونصار ينتظرونني ! في الحال ربطت بين مماطلة أمي وتعمدها التأخير، وبين حضور هؤلاء وشممت رائحة اتفاق مسبق،جرى خلف ظهري ! لم أبال وراحت عينياي تفتشان عبثاً عن عيسى .. بأمل رؤيته بينهم .. علّه عاد وحضر معهم .. ! رحبوا بي، سألوني عن صحتي وأقنعوني بإتمام العقد على يد الملّا . بعد اعتذاره لي عما بدر منه في الليلة الفائتة . |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
![]() |
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|