Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 639

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1041

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1046

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1518

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1523
الطوفان الأزرق - الصفحة 5 - منتديات شباب فلسطين
نحن مع غزة


الإهداءات

العودة   منتديات شباب فلسطين > محطات عامـة > الــوآحــة الـعــآمّــة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-13-2009, 06:54 PM   #41
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: الطوفان الأزرق

تماماً.

وتعاونا على رفع المظلة على قوائم من سعف النخيل وسيقانه، وشداها إلى الأرض بأوتاد من خيوطها الحريرية.

ووقف نادر ينظر إلى الخيمة بإعجاب لما صنعت يداه، ثم نظر إلى تاج، كانت تنظر إليه بوجه جهم وعينين فيهما قلق خفي. وأحس برغبة في ضمها إليه، ولكنه تراجع في نفس الثانية... وضع يده على يدها وقال:

- عزيزتي، لا حاجة إلى ذهابك معي. ابقي هنا، فأنت ما تزالين ضعيفة من الأمس. لقد حدث كل شيء بسرعة فاقت تفكيري، فلم أقف حتى لأسألك عن حالك.

فابتسمت وقالت:

- الخطر يفتح مخازن الطاقة الموفورة. حينما تنهض الروح يتبعها الجسد.

وضغط على يدها في حنان وقال:

- سأعود حالاً.

- سأعد شيئاً للفطور.

وعند الزوال عاد نادر مبهور الأنفاس عطشان، ومدت تاج إليه كوب ماء وهي تسأله:

- هل رأيت شيئاً؟

وحرك رأسه نافياً وهو يمسح شفتيه:

- لا شيء بالمرة. الواحة محاطة ببحر هائل من الرمال. ولا أثر للحياة على مد البصر. لا شيء يتحرك غير السراب المتراقص. كدت أظنه ماء يتماوج والواحة جزيرة في وسطه.

- تعال ادخل الخيمة لتبترد قليلاً، لابد أن الشمس أثرت على مخك ودخل الخيمة واستلقى على لحاف، وأغمض عينيه. ودخلت تاج فجلست إلى جانبه تنظر إليه وتتكلم.

- حاولت أن أسأل النساء عن موقعنا فلم أفلح. وقد فهمت منهم أننا على بعد أسبوع من أقرب مركز تجاري بالشمال على حدود المغرب الجنوبية، وشواطىء الصحراء.

- ماذا عن ناحية الغرب؟ ناحية البحر؟

- أظن أنهم لا يعرفون البحر. طريق قافلتهم هذه لم يغيروها منذ كانوا.

وفكر الدكتور نادر قليلاً ثم قال:

- لو أننا قط عرفنا الطريق إلى البحر.. هناك فرص أكثر للنجاة من هذه الواحة الملعونة.

وأجابت تاج مواسية:

- لا تقلق. الواحات بالنسبة للقوافل أهم من شواطىء البحر، وهذه يظهر أنها في طريقهم وإحدى مراحلهم المهمة للراحة والتزود بالماء.

ووقف يمسح وجهه المحتقن بيده فقالت:

- كيف تحس الآن؟

- رأسي يغلي من الحر.

- لماذا لا تستحم بالماء البارد؟

وحين عاد كان شعره يلمع من بلل الماء الذي تعلقت منه قطرات صافية على رؤوس الشعر الأسود الذي بدأ يغطي ذقنه. ووجد أن تاجاً قد أعدت بعض الطعام فقعد متربعاً قبالتها وعيناه تحملقان في الفراغ:

- ماذا يشغل بالك؟

وأفاق من شروده فحرك رأسه وقال:

- لا أفهم.

- ماذا؟

- قضينا بهذه الواحة ما يقرب من ثمان وأربعين ساعة دون أن نرى أحداً من ركاب طائرتنا الذين نزلوا بالمظلات. المفروض أنهم نزلوا في بقعة واحدة وعلى مسافات متقاربة.

وفكرت تاج قليلاً ثم قالت:

- فكرت أنا الأخرى في ذلك أثناء غيابك. قلت في نفسي يا ترى هل سيكفي الزاد الذي تركته لنا القافلة غيرنا إذا اتفق أن وجدوا الطريق للواحة.

وعاد الدكتور نادر يقول:

- ثم ليس هناك أثر لبعثة إنقاذ. لم نسمع أو نر طائرة واحدة تمر من هنا. وهذا يعني شيئاً واحداً، وهو أننا ابتعدنا كثيراً عن طريق سير الطائرات. ولاشك أنهم يمسحون مناطق أخرى دون أن يخطر ببالهم أننا هنا.


  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 06:55 PM   #42
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: الطوفان الأزرق

وسرت ارتعاشة خفيفة في جسد تاج، لاحظها الدكتور علي نادر، فمد يده ليربت على يدها مواسياً:

- لا تخافي يا عزيزتي. لابد أن تصل بعثة إنقاذ قريباً.

وأكلا ما وضعته تاج على منديل بينهما. وخرج الدكتور نادر من الخيمة فمسح بعينيه أركان الواحة بنخيلها الباسق، وظلالها الطويلة وكثبانها المخضرة. ثم أظل عينيه بكفه وجال بهما كثبان الصحراء التي كانت تبدو متأججة بيضاء كالسعير.

وعاد إلى داخل الخيمة ليجد تاجاً مستلقية تستريح، وعيناها مفتوحتان تنظر إلى سقف المظلة الكبيرة منتفخة بالهواء الساخن، ومن خلفها الشمس تبرز ألوانها الزاهية.

قال وهو ينظر إلى الخيمة دارساً:

- ينبغي أن ننتقل من هنا قبل نزول الليل.

- إلى أين؟

- إلى جنب صخرة للاحتماء من العواصف والحيوانات. هنا سنكون عرضة لكليهما.

ووافقت تاج دون أن تقول شيئاً. ثم أغمضت عينيها، وتمدد هو في طرف الخيمة المقابل،

وسرعان ما تعاقبت أنفاسه وغرق في نوم ثقيل. وعندما تأكدت تاج أنه نام خرجت من الخيمة

وتوجهت نحو أطراف الواحة الجنوبية، فأخرجت من حقيبتها منظاراً مكبراً صغيراً، وأخذت

تمسح الأفق الجنوبي من فوق تل عال.

وأفاق الدكتور نادر وهو يحس بتجدد في نشاطه وانتعاش في بدنه. ونظر إلى حيث كانت تاج

فلم يجدها فخرج يبحث عنها.

ومن ناحية البئر سمع صوتها الرقيق وهي تغني أغنية باكستانية لم يفهم كلماتها، ولكنه أحس

أنغامها قريبة من قلبه. ووقف ينصت في حذر تام ساعد على تعميقه صمت المساء وهدوء

الواحة الشامل.

وفي لحظة قصيرة عادت به الأغنية إلى صباه حين كان يقرأ ألف ليلة وليلة ويصحب السندباد

في أسفاره إلى بلاد الهند والسند. ومر في مخيلته شريط ملون عجيب.

ولكنه عاد إلى واقعه ليدرك أنه واقف في نصف الطريق من الخيمة والبئر، فخطا خطوات

أخرى ليفاجىء تاج... وعند اقترابه من زرب النخيل الكثيف المحيط بالبئر سمع صوت الماء

مع الغناء. و نظر من بين جذوع النخيل فإذا تاج عارية وشمس المساء تلمع على جلدها الخمري الناعم، وهي تصب دلو الماء على رأسها مستلذة برودته.

واحمر وجه الدكتور نادر، فأغمض عينيه، وعاد إلى الخيمة وفي خياله صورة تاج حية رائعة كحلم من بين صفحات ألف ليلة وليلة..وفي ذلك المساء نقلا الخيمة ونصباها على ثغرة كبيرة في صخرة، ثم تفرقا يجمعان الحطب ويتأملان الغروب الذي أصبغ على الصحراء جواً أسطورياً مخدراً.

ونزل الليل سريعاً، ولم يبق من آثار الشمس إلا شفق أحمر قرمزي كانشقاق كومة فحم هائلة على لهب جديد...واقتربت النجوم من أحقاف الرمل المترامية كدنانير فضية متراقصة في قبة زرقاء باردة..وأوقد الدكتور نادر أمام الخيمة ناراً متأججة، جلس يطعمها هو وتاج من كومة الحطب، ويتأملان اللهب المتراقص في غياب عن وجودهما، وقد خدَّر أحاسيسهما مفعول اللهب المغناطيسي.

وذاب الحطب على النار. وهبت ريح باردة شعرت تاج لها بقشعريرة فاقترحت دخول الخيمة ودفن المتبقي من النار حتى لا تجرفه الريح نحو الخيمة.

قال الدكتور نادر:

- يظهر أن عاصفة في طريقها نحو الواحة.

ودفنا النار إلا بعض الجمر الكبير الذي جمعه الدكتور نادر على حجر مجوف وأدخله الخيمة للتدفئة.

واتكأت تاج على باطن الصخرة، وسهمت بعينيها خارج باب الخيمة، ولم تلبث أن ثقل جفناها فراحت في نوم عميق.

وطال الليل..


  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 06:55 PM   #43
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: الطوفان الأزرق

ولم يغمض لنادر جفن حتى أنهكه السهر والتعب والتفكير في مصيرهما. وظل ينصب إلى أصوات الصحراء الغامضة، وينظر من فتحة الخيمة إلى تلالها البعيدة تقترب وتبتعد أو تعلو وتنخفض كصدور هائلة تنتهد... وجاءت الريح تعوي عواء الذئاب وتهرُّ هرير وحوش الليل... وحين أنهطه التوقع والتوتر استسلم لسبات عميق أشبه ما يكون بالإغماء.

وقبيل الفجر استيقظ على صوت أنثى تحركه وتنادي باسمه، ففتح عينيه ليرى شبح وجه تاج وسوالف من شعرها تتدلى على وجهها.

- علي... علي.. أفق..!

- ماذا؟

- أفق، اسمع...

وجلس هو في مكانه يفرك عينيه ويرهف سمعه، وهو ما يزال تحت تخدير النوم. فقالت تاج:

- هل سمعت؟

- ماذا؟

- صوت آلة ميكانيكية، لعلها طائرة أو مروحية، تأتي به الريح...

وزحف الدكتور نادر خارجاً من تحت المظلة، ورفع وجهه يُحملق في السماء ويرهف سمعه. وارتفع صوت المحرك آتياً من ناحية الجنوب، فالتفت بسرعة وركز بصره إلى الأفق. وفجأة ظهر شبح ملتف في زرقة الليل العميقة صاعداً من وراء التلال، فتبين من حركات مروحته الضخمة أنه طائرة عمودية تكاد بطنها تلمس رؤوس الكثبان الرملية...

وبدون تفكير وقف الاثنان يلوحان للطائرة، ويقفزان ويصيحان بأعلى صوتهما بحماس هستيري.

واقترب الشبح فحلق فوق النخيل وارتفع زئيره فأغرق أصواتهما في دويَّه الهائل... وانتفض سعف النخيل وجذوعه بقوة، وتبعثرت الرمال، وتماوج شعر تاج وعباءة الدكتور نادر تحت الزوبعة التي أثارتها مروحة العنقاء الحديدية.

ومرت الطائرة سريعة دون أن تلوي على شيء، واختفت في الأفق الشمالي بالسرعة التي ظهرت بها.

وارتجفت تاج، وهبط قلب الدكتور نادر من خيبة الأمل، وهو ينظر إلى الشبح يختفي في حلكة الليل ويسمع صوته يتلاشى شيئاً فشيئاً...

ولم تمض دقيقة على مرور الطائرة حتى سمع الاثنان صفيراً حاداً فوق رؤوس النخيل، ورأيا شهاباً نارياً أشبه ما يكون بسهم يحترق يمرق بارقاً في نفس اتجاه الطائرة العمودية... ولم تمض إلى لحظة قصيرة حتى لاح لعينيهما برق خاطف تلاه صوت انفجار هائل...والتفتا نحو الشمال فإذا ضوء وهاج ينير الأفق خلف التلال.

وظهر الفزع على وجه تاج، ففتحت فمها دون أن تنطق، وتساءل الدكتور نادر:

- أرأيت؟ لابد أن السهم الناري الذي مرق كان صاروخاً أسقط الطائرة. يا ترى ماذا يجري هنا في قلب الصحراء؟

ولم تجب تاج فقد كانت ترتعش في موقفها، فلم يدر الدكتور نادر هل من البرد أم من الخوف، فأحاطها بذراعه وضمها إلى جنبه لينزل على نفسها بعض الطمأنينة...

ثم قال:

- لابد أن حرباً سرية دائرة في هذا القفر السحيق ونحن في خط النار.

وارتجفت تاج فقادها نحو الخيمة.

- تعالي ندخل الخيمة. على الأقل نتستر من البرد.

واستلقى الاثنان دون أن يغمض لأيهما جفن. ومرت لحظات ظناها ساعات وهما يتسمعان إلى الأصوات الغريبة. كانت في نية الدكتور نارد أن يستوقف أي جندي يمر عبر الواحة ويطلب منه أن يدلهما على مكان هيأة الأركان.

ومرت ساعة وهو ينصت بتركيز كبير لعله يسمع صوت وقع أقدام على الرمال خارج الخيمة.. ومرت ساعة أخرى أفقده فيها النعاس والتعب القدرة على التركيز فأغمض عينيه ونام...


  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 06:58 PM   #44
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: الطوفان الأزرق

-19-‏

واستيقظ الدكتور نادر من حلم غريب رأى نفسه خلاله في ركن حمام بخاري ساخن، تتصاعد الأبخرة من أرضه الرخامية، وقد وقف عدد من الرجال عراة حليقي الرؤوس، رافعي الأيدي والأوجه إلى السماء بالدعاء والاستغفار. وتلاشت الجدران من حوله، وتكاثر عدد الرجال، واتسعت القاعة حتى لم تعد لها حدود.. ووقف هو في ركن مظلم يحاول اختراق الطوفان البشري للخروج منه دون جدوى.‏

وانحبست أنفاسه، وأحس بالضيق حتى كاد ينفجر.. وحينئذ فتح عينيه ليجد نفسه في الخيمة متكئاً إلى جوف الصخرة، وقد تصبب العرق من جميع مسام جلده.‏

وفتح عينيه لينظر حوله. وبعد لحظة من استرجاع الذاكرة تبين أنه في الواحة وأن الوقت ضحى والشمس حامية اللهب.‏

كانت تاج قد سبقته إلى البئر، فعلقت عباءتها على مدخله حتى يعرف أنها هناك، ووقفت تصب على جسدها الملتهب من دلو الماء بارد وتستلذ كل قطرة منه تقع على وجهها وعينيها ورأسها ونهديها، وتتنفس بعمق وانتعاش، ورداء الماء الشفاف يعانقها بشغف...‏

ووضعت الدول على حافة البئر، ووقفعت على الصخرة الملساء تنظر إلى قطرات الماء تترقرق على جلدها الخمري كالجواهر، لتستقر في البركة المتجمعة على الصخرة. وخطر لها أن تنظر إلى جسدها في صفحة الماء، فقد اشتاقت غريزتها الأنثوية إلى النظر في مرآة...‏

وبينما هي كذلك، إذ خامرها إحساس غريب بأن أحداً يراقبها، فتوتر بدنها ورفعت يدها بحركة غريزية لتغطى ثدييها...‏

ونظرت حواليها من خلال سعف النخيل، فإذا رجل صحراوي ذو عباءة وعمامة زرقاوين، لا تبدو من وجهه إلا عيناه الثاقبتان ينظر إليها دون حركة.‏

وأطلقت شهقة، وهمت بالفرار، فانقض الرجل عليها كالفهد، وطوق خصرها بيمناه وأقفل فمها بيسراه، وجذبها نحو زرب النخيل قائلاً:‏

- لا تخافي! لا حاجة بك إلى إيقاظه. هل تذكرينني؟ أنا الذي رأيتك حين جئت للقافلة، ومن ثم عشقتك. وقلت في نفسي لا يمكن أن أعيش بدونك! وقد انفصلت عن القافلة وعدت لآخذك.‏

واستطاعت تاج أن تعض كفه وتصرخ:‏

- علي! علي!‏

ولكنه بادرها بإقفال فمها بإدخال حافة يده فيه بقوة بحيث لا تستطيع إقفاله وسمع الدكتور نادر صرختها فخرج من الخيمة مسرعاً ينادي:‏

- تاج! تاج! أين أنت!؟‏

ولما لم تجب، قصد البئر حيث خيل إليه أن الصوت جاء من تلك الناحية. وعلى باب البئر رأى عباءتها، فوقف يتسمع وينادي بصوت خفيض.‏

- تاج! تاج! أنت هنا؟‏

وحين لم تجب أزاح العباءة وهم بالدخول. وقبل أن يدرك الموقف، أطلق عليه البدوي نار مسدسه فاندفع بقوة هائلة إلى الوراء، ووقع على ظهره فوق حقف رمل، والدم يفور من ثقب رصاصة في صدره...‏

وأطلق الرجل سراح تاج فقفزت نحو العباءة بسرعة، ثم أسرعت نحو الدكتور نادر، فأمسكت بوجهه بين يديها وحركته وهي تصرخ فيه:‏

- علي! علي! لا تمت، أرجوك! لن أغفر لنفسي موتك ما حييت!‏

ثم أمسكت بكوعه وتحسست نبضه، وانحنت فوضعت أذنها اليمنى على صدره منصتة إلى دقات قلبه. ثم انهارت على جسده تبكي بدموع غزيرة.‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 06:58 PM   #45
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: الطوفان الأزرق

وأحست
بالرجل الملثم يقف وراءها، وقد ركز المسدس في حزامه، فالتفتت إليه وقد تحول حزنها إلى غضب، فصرخت في وجهه:‏

- أرأيت ما فعلت؟ قتلته أيها المجرم..! قتلت رجلاً لا يعوض بمليون من أمثالك أيها الحيوان!‏

ووقفت مواجهة له تلعنه وتدق علي صدره بكلتي يديها في هسترية عنيفة لم توقظها منها إلا صفعة قوية من يده الخشنة على خدها. فسكتت وقد اصفر وجهها ونزل عليها حزن ثقيل.‏

واقتادها الرجل من يدها نحو الكهف صامتاً....‏

وعلى بابه دفعها فألقاها على الأرض داخله، ووقف عند قدميها ينزع ملابسه مبتدئاً بعمامته وطيلسانه. وظهر وجهه كاملاً كأنه منحوت نحاسي أو برونزي إلا ما كان من النظرة الحادة البارقة في عينيه...‏

وحينئذ فقط أحست تاج بالخطر... فدق قلبها بعنف، وبدأت تردد بداخلها كلمة لم تكن رددتها منذ دخولها الجامعة.‏

- يا إلهي! يا إلهي!‏

وانحنى الرجل عليها، فأمسك بصدر العباءة وشقها حتى النهاية، وأخرجها منها كما تخرج الموزة من قشرها، وقد التهبت عيناه بشرر الشهوة الحيوانية في أعنف مظاهرها...‏

ومر شريط سريع في مخيلها لينذرها: "لا تقاومي.. استرخي تماماً... لا تتوتري حتى لا يمزق الوحش... استسلمي فتلك أفضل طريقة لمقاومة الاغتصاب!".‏

كان الاغتصاب أشنع شيء يمكن أن تتصوره العذراء... ولم يكن يُخفيها الموت بقدر ما كان يخفيها أن يمزق جسمها وحش بشري...‏

ورمى هو عباءته بركن الخيمة، وركز عينيه المتوقدتين عليها، فأحست بالضعف الشديد وأغمي عليها...‏

وحين أفاقت أحست بضيق كبير، وأن حملاً كبيراً يثقل جسدها. وفتحت عينيها لتجد وجه الرجل على وجهها ساكناً لا يتحرك، وعينيه مفتوحتين بدون بريق حياة.‏

وارتعدت فرائضها! وبدون أن تدري انسحبت من تحت الجثة الباردة، وتركتها تقع على الأرض. وزحفت على يديها وركبتيها خارجة من الخيمة وقد لامس الرعب قلبها بقبضة باردة.‏

وركضت نحو البئر حيث كان الدكتور نادر يتخبط في دمه. ولكنها أدركت أنها عارية فعادت إلى الخيمة، ووقفت ببابها تحجب بيدها صدرها وتنظر إلى جثة الصحراوي الهامدة غير مصدقة أن صاحبها ميت... وانحنت فسحبت عباءتها من تحته وخرجت تعدو وتلبسها. وإلى جانب نخلة حول البئر لمحت شيئاً لم تره من قبل... ووقفت تركز عليه، فإذا هو حقيبة أوراق جلدية من نوع مألوف عندها. ووضعت وجهها بين يديها وكأنها تجمع أفكارها أو تطرد حلماً.‏

واقتربت من الحقيبة لترى "شارة" تعرفها جيداً كانت عبارة عن سفينة قديمة فوق كرة أرضية ملفوفة في ضباب أزرق.‏

وفتحت فمها للمفاجأة، وكأن ذاكرتها عادت فجأة إليها...‏

وأسرعت نحو النخلة فجثت، وتناولت الحقيبة لتجدها مصابة بحروق سطحية، وفتحتها وأخرجت محتوياتها فإذا هي منامة حريرية وفرشة أسنان وأدوات حلاقة، وغيرها من حاجات السفر القصير.‏

وأفرغت الحقيبة كلها لعلها تعثر على رأس خط لتبديد غموض وجود تلك الحقيبة فلم تجد. وقلبتها بين يديها فسقطت قطعة من الجلد المحروق لتكشف عن ورقة مكتوبة في جيب سري داخلها... وبدأت تقشر الجلد المحروق حتى كشفت عن الورقة فإذا هي طرف من رزمة أوراق مكتوبة برموز غريبة...‏

وتصفحت الأوراق ثم أعادتها إلى مكانها، فلمست أصابعها شيئاً بداخل الجيب السري. وأخرجته فإذا هو غلاف مستطيل مقفل بداخله لوح مرن... ومزقت الغلاف فإذا به بطاقة مستطيلة من البلاستيك بها ثقوب مستطيلة صغيرة...‏

وعادت تتصفح الأوراق بعناية هذه المرة، وكأنها تقرأ ما جاء فيها بنية حفظه. وفي النهاية وضعت البطاقة المثقبة وسط مساحة رمل أملس ووضعت كفيها حول عينيها وركزت عليها ما يقرب من تسعين ثانية وكأنها تصور وثيقة تحت الظلام.‏

وفي النهاية رفعت وجهها، ونظرت إلى السماء، ثم أغمضت عينيها، وعادت فراجعت البطاقة على مهل، وقد ارتعشت يداها من الانفعال.‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 06:59 PM   #46
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: الطوفان الأزرق

وفجأة أحس بضعف شديد، ووقع على ركبتيه حين عجزت ساقاه عن حمله.‏

والتفتت هي لتنظر إليه، وقد ظهر على وجهها الجد والعزم، وقالت:‏

- علي، أعتقد أن الوقت قد حان لأشرح لك بعض الغموض الذي أحاط بحياتك منذ لقائنا. وأكشف لك عن أسرار رحلتك هذه والهدف الحقيقي منها.‏

ونظر الدكتو نادر إليها بعينين شبه مقفلتين، فرأى وجهها يتماوج ويلفه ضباب كثيف، وشفتيها تتحركان دون أن يصله منهما صوت، ثم غابت عنه بانسدال ستار إغماء عميق عليه.‏

-20-‏

وما إن أغمض عينيه حتى عاوده حلم قديم ظل يطارده ويلاحقه، ليفيق منه في كل مرة بقلب يثقله الإحباط والألم الممزق... أما هذه المرة فقد كان هناك فرق.‏

رأى الدكتور نادر نفسه على شاطىء نفس الجزيرة الغناء، الباسقة النخيل الذهبية الرمال، يطارد تاجاً وهما عاريان تماماً. هي كفرس عذراء يلاحقها حصانها الفحل.. كانا يطفوان معاً بحركات تماوجية بطيئة كأنما يعدوان على سطح القمر بدون جاذبية.. ويمد الدكتور نادر يده فيكاد يلمس شعر تاج الحريري... وبعد لحظات استطاع تطويق خصرها بذراعيه.. وهوى الاثنان معاً على أرض واد معشب كثيف الكلأ، شديد الخضرة.. ودارت تاج لتواجهه وعلى وجهها ضحكة ساحرة تكشف عن أسنانها اللؤلؤية، وتملأ عينيها سعادة وترحيباً.. وتلامس جسماها، فشعت من ظهره حرارة سرعان ما غلفت جسمه بأكمله... وعانقها فدافعته عنها بضعف الأنثى المستسلمة، وهي تغطى وجهها بستار شعرها الليلي في دلال فتان... وأحس أن جلده قد رهف وتجدد، وجوارحه كلها استيقظت وسرت فيها الحياة... فإذا به يحس ويرى ويلمس ويستنشق ويسبح بروحه وبدنه داخل روح تاج وبدنها... تاج العذراء الملائكية التي أحبها بكل قطرة من دمه، ونبضة من عروقه... وأحس أنه لم يكن في حياته أقرب إليها مما هو الآن، وأن الهوة التي كانت تفرقهما قد اختفت، وأن الجدار الفولاذي الذي كان يقف عنيداً بينهما قد تذاوب كالشمع على النار.‏

وأزاح بيده خصلات الشعر عن وجهها الحيي، وأداره نحوه، ففتحت عينيها في عينيه كنوافذ على روحها لتنفذ إليها روحه..واقترب بوجهه منها، وتلامست شفتاهما تلامساً خفيفاً، تلاحما بعده في عناق ملتهب وكأنهما يرقصان على أصوات جوقة من ملايين عصافير الفردوس...‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 07:00 PM   #47
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: الطوفان الأزرق

الكتاب الثالث‏

-21-‏

فتح الدكتور نادر عينيه على ضباب كثيف بدأ يرق مع سريان الانتعاش في إحساسه، فلاح له شبح وجه إنسان قريب منه للغاية... ولم يلبث أن بدأ الوجه يتماوج كأنه ينظر إليه في بركة ماء. وانقشع الضباب تماماً عن الوجه، فبرزت ملامحه قوية واضحة ترتسم عليها ابتسامة مشجعة... كان وجه أنثى شابة واسعة العينين زرقاءهما تكاد رانفةُ أنفها تلمس أنفه.‏

وتحركت شفتاها فسمع أصواتاً متداخلة مع أصداء عالية بعيدة... وابتعد عنه وجه الأنثى قليلاً فاستطاع أن يراه بأكمله.ورآها تخرج من تحت الغطاء فأدرك أنها كانت نائمة معه في فراشه، وأن جسدها العاري كان ملتصقاً بجسده.‏

وغابت في ركن ثم عادت تحمل صينية عليها كأس به عصير برتقال. وجلست على طرف السرير، ووضعت الصينية على طاولة جنب الفراش، وضغطت زراً إلى جانب رأس نادر فارتفع نصف الفراش الأعلى، ومعه رأس نادر وصدره فناولته الكأس، وساعدته على شرب ما فيه. وأحس بالمشروب بارداً عذباً يداعب حنجرته الجافة.‏

وسرى مفعول العصير السحري في عروقه في الحال، فأحس باليقظة والتجدد في نشاطه... ونظر حواليه ليجد نفسه في غرفة مستديرة في منتهى الأناقة والغرابة كأنها إحدى غرف عصر الفضاء. الحيطان من زجاج مزخرف بأشكال متداخلة متشابكة كأحلام المخدرين، والسقف قبة زجاجية زرقاء، تصفي أشعة الشمس اللاهبة بالخارج لتُدخل ضوء بارداً فيه راحة للبصر والأعصاب.‏

ونظر إلى الفتاة التي كانت ما تزال عارية، دون ارتباك أو خجل، ودون أن يكون في جسدها الشاب ما يدعو إلى الخجل أو الاستحياء.. كان شعرها الرملي اللون يتدلى وراءها قوياً كذيل فرس أشقر في تناسق مع بشرتها الذهبية.‏

وأحس بفقدان حاسة الزمن، وأنه في تلك اللحظة بدون ذاكرة ولا ماض...‏

ورفع عينيه فوقعتا في زرقة عينيها الواسعتين المليئتين صراحة وقوة، وسأل:‏

- أين أنا؟‏

- ستعرف قريباً..‏

قالتها بلكنة ويلز الجميلة، فسأل:‏

- من أنت؟‏

- أنا ممرضتك ومرافقتك. كيف تحس الآن؟‏

- تائه.!.‏

فابتسمت لتنفرج شفتاها عن أعذب ثغر رآه، ثم قالت، وهي تنزع عن جسده الغطاء وتشعل نوراً مستطيلاً معلقاً فوق فراشه:‏

- سوف تجد نفسك سريعاً. هذه حالة عارضة.‏

ثم أشارت إلى الضوء قائلة:‏

- حمامك الشمسي. بعد قليل سيأتي الطبيب لفحصك.‏

ثم غابت بغرفة جانبية وعادت لابسة قميصاً أبيض قصير الأكمام يعانق صدرها وخصرها، وبنطلوناً في نفس اللون واسع الفتحتين، فأمسكت بيده وطلبت منه أن ينبطح على وجهه ليأخذ ظهره نصيبه من الشعاع.‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 07:00 PM   #48
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: الطوفان الأزرق

وعند نهاية الحمام عاد إلى وضعه السابق، وغيرت الممرضة الأزُر تحته، ثم جاءت بأدوات الحلاقة، واقتربت بوجهها من وجهه:‏

- ساعة الحلاقة!‏

واستسلم هو ليديها الناعمتين وهي تحلق لحيته، وأنفاسها العطرة تمتزج بأنفاسه، وهو ينظر إلى عينيها الواسعتين، ويسأل:‏

- ما معنى كل هذا الغموض؟‏

- غموض مؤقت!‏

- إذا لم يكن مسموحاً لي بمعرفة أين أنا، فهل يمكن أن أعرف من أنت؟‏

- أنا كاثي، كاثي استيوارت.‏

- ذلك لا يكفي. لماذا نمت معي في فراشي؟‏

فتوقفت عن الحلاقة، وابتعدت قليلاً لتنظر إليه:‏

- نومي معك عارية لم يكن لأي سبب غرامي. الحقيقة أنه أحد طرق العلاج لمن هم في مثل حالتك.‏

- علاج؟‏

- نعم، لقد كنت في حالة نوم معلق، إذا أمكن استعمال هذا التعبير. كان جسدك منوماً. كل خلاياك كانت حية، ولكنها واقفة عن الحركة الحيوية. بمعنى أنه لا تسن، هل تفهمني؟‏

وحرك نادر رأسه طالباً الاستزادة:‏

- استمري، لماذا كل هذا؟‏

- لأنك تعرضت للمسة إشعاع خفيفة أحرقت بعض خلاياك الداخلية، فاضطررا إلى تبريد جسدك إلى درجة الجمود، وإجراء عملية إفسال خلايا بديلة عن تلك التي احترقت.‏

- هل نجحت العملية؟‏

- مائة في المائة.. اليوم آخر كشف لإطلاق سراحك.‏

- لي سؤال قد يكون محرجاً بالنسبة لك..‏

- لا شيء يحرجني... اسأل!‏

- قبل أن أستيقظ لأجد نفسي وجهاً لوجه معك، كنت أرى حلماً شديد الواقعية، حلمت أني أضاجع فتاة أحبها. هذا شيء في غاية الأهمية بالنسبة لي... هل كان بيننا أي اتصال؟‏

فقاطعته:‏

- اتصال بدني كامل... وإذا كان في بالك أنك خنت أحداً فلا تقلق.. فقد كان فكرك كله معها..وعادت إلى إلى تمام حلاقته، فأغمض عينيه منتشياً لما قالته، وكأن عبئاً هائلاً نزل عن كاهله.‏

وتذكر تاجاً، قفزت إلى وعيه فجأة كأنها لم تكن هناك من قبل... واغرورقتْ عيناه فابتعدت الممرضة عنه لتنظر إلى وجهه. وفتح عينيه فترقرقت دمعتان ساخنتان على خديه، ووقفت في حلقه غصة حامية.‏

ولامست أنامل كاثي الرقيقة خديهِ بمنديل رهيف، تمسح بح الخطوط الملتهبة وعلى وجهها نظرة إشفاق.‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 07:00 PM   #49
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: الطوفان الأزرق

واعتدل في مكانه قائلاً:‏

- سامحيني.. ليس من عادتي الانتحاب بمحضر السيدات.‏

- لابأس عليك من ذلك... الدموع علامة على الصحة العاطفية.‏

ومدت يدها لتجمع أدوات الحلاقة، فأمسك بها.‏

- أتعرفين تاجاً؟‏

- تاج؟‏

- نعم... رفيقتي التي وجدتموني معها في الواحة. أين هي؟‏

- لا أدري. ولكن إذا انتظرت فسوف يأتي الدكتور مورينو ليكشف عنك. وربما كانت عنده بعض الأخبار.‏

وغابت ثم عادت لتقول:‏

- لابد أن تاجاً هذه تعني كثيراً بالنسبة إليك... فقد دأبت على تكرار اسمها منذ بدأت تعود إلى الوعي. كانت تملأ مشاعرك حتى وأنت بين ذراعي...‏



-22-‏

ولاح وجه رجل في ملابس طبية بيضاء على لوح زجاجي معلق أمام سرير الدكتور نادر. ونظر الرجل إلى نادر نظرة فاحصة ثم قال:‏

- كاثي.‏

- نعم يا دكتور.‏

- كيف مريضك؟‏

- في حالة حسنة.‏

- أنا قادم الآن.‏

واختفى الوجه من الشاشة الزجاجية. وبعد بعض لحظات انفتح باب في جانب الغرفة المستديرة، ودخل نفس الرجل. كانت في وجههى الأسمر الوسيم ابتسامة مشجعة. وسعى نحو الدكتور نادر بخطوات واسعة، ويده مبسوطة بالتحية، وصافحة وهو يضغط على أحد أزرار بلوح السرير، ليرفع نصفه الأعلى. وبادره الدكتور نادر:‏

- أين أنا يا دكتور؟‏

- ستعرف قريباً. لا تدع ذلك يقلقك، مهمتي هي إرجاعك إلى الصحة التامة.‏

ونظر إلى ساعته وهو يجسُّ نبضه، ثم وضع السماعة على صدره وظهره، وضرب بأصابعه هنا وهناك، وضغط على زر آخر ونظر إلى الشاشة الناصعة التي ارتسمت عليها خطوط متعددة الألوان. ثم أعاد نظارته إلى جيبه، وقال:‏

- لقد أصبح شفاؤك كاملاً! عليك الآن أن تستريح لتسترجع وزنك العادي ونشاطك وسوف تقوم كاثي بالإشراف المباشر عليك طوال فترة النقاهة.‏



-23-‏

وفي عصر ذلك اليوم استيقظ الدكتور نادر من قيلولته، فأحس بنشاط كبير وصحة متجددة. وجاءته كاثي بقهوة وبعض الحلويات، وجلست تشاركه أكلته المسائية.‏

ورن جرس موسيقي خافت، فضغطت كاثي على احد الأزرار إلى جانب السرير، وقالت شيئاً ثم عادت إلى ضغطه مرة أخرى، ثم التفتت إلى نادر قائلة:‏

- المفاجأة التي وعدك بها الدكتورمورينو، هل أنت مستعد؟‏

وخفق قلبه معتقداً أنها تاج...‏

وانفتح الباب، فدخل رجل طويل على عينيه نظارة ذهبية الإطار وابتسامة مألوفة لدى الدكتور نادر. ولم يكد هذا يصدق عينيه، فاعتدل في جلسته، ومد كلتي يديه للترحيب بزائره.‏

- الدكتور هالن... إيريك هالن!‏

ووضع الرجل يديه في يدي الدكتور نادر، وضغطهما بحرارة، وهو يقعد على كرسي إلى جانب السرير.‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 07:01 PM   #50
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: الطوفان الأزرق

علي، كيف أنت الآن؟‏

- أنا بخير... هذا الصباح قال الطبيب أنني شفيت تماماً... ولكن من أي مرض؟ لا أدري! قالت لي الممرضة أنني أصبت بالإشعاع كيف؟ لا أحد يريد الإجابة عن أسئلتي. وأنت؟ متى عدت إلى الظهور؟ لقد أثار اختفاؤك ضجة عالمية!‏

وأجاب الدكتور هالن:‏

- ستعرف كل شيء في حينه. أعرف أن برأسك ألف سؤال تريد الجواب عليها... وعندما تعرف أين أنت ستتوالد الأسئلة لتصبح ملايين.‏

- لقد أيقظت فضولي بغموضك.. وإذا كنت تخاف أن تفاجئني أو تصدمني بما سوف تقوله فلا تقلق.. لقد مررت خلال الأيام القلائل الماضية بتجربة عمر كامل... ولم يعد هناك ما يفاجئني..ومسح الدكتور هالن نظارته، ووضعها على عينيه، ونظر إلى نادر بتأمل صامت. ثم لَعَقَ شفتيه بلسانه، وقال ساهماً بعينيه في الفراغ:‏

- من أين سأبدأ؟ أعتقد أن البداية أحسن نقطة... وينبغي أن أنبهك إلى أن ما سأقوله شيء غير عادي... ولكنه حقيقة لا خيال فيها، وإن كانت أشبه ما تكون بالخيال...‏

وفتحت هذه المقدمة شهية الدكتور نادر، فأمسك بطرفي اللحاف في توقع متوتر. واستأنف الدكتور هالن:‏

- سألتني متى عدت للظهور، في الحقيقة أنا لم أظهر، بل أنت الذي اختفيت. اختفيت بنفس الطريقة التي اختفيت بها أنا من الطائرة بين نيويورك والمغرب...‏

وفتح الدكتور نادر فمه ليسأل، فاستوقفه الدكتور هالن بحركة من يده.‏

- تم الاختفاء بالتعاون مع الطيار والملاح المنتميين للهيأة التي أنت ضيف عليها الآن. تنزل الطائرة إلى ارتفاع مناسب يقل معه الضغط الجوي، ويلقى بك منها بمظلة ليلتقطك أعوان الهيأة في نقطة معينة بالبحر أو الصحراءfأبدأ. وتتم العملية تحت تخدير شامل لبقية الركاب.‏

- كان ينبغي أن تسمع الضجة التي قامت حول اختفائك بلندن! كان لها نفع مباشر لناشر كتبك، فقد اختفت كلها من السوق، والمطابع تحسك ضلوعها لتجيب رغبة الجمهور الجائع لأخبارك وأفكارك.‏

- وما هي هذه الهيأة التي لها كل هذه القوة؟ وما هو قصدك من اختطافي أنا؟‏

فلست خبيراً في الإشعاع ولا أي علم مربح تجارياً.‏

- سأشرح لك. منذ بعض وعشرين سنة، أي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، قررت هيأة من العلماء الفرار بمواهبهم وبحوثهم من أوربا إلى مكان مجهول يدفنون فيه كنزر نتاج العقل البشري وتراث الإنسان منذ بدأ يقلب وجهه في السماء.. كان خوفهم حقيقياً من قيام حرب ثالثة ذرية تمسح البشرية من الأرض وتقضي على خمسة آلاف سنة من الكدح العقلي.. فوقع اختيارهم على جبل في جوف واد شاسع بقلب الصحراء بعيد عن كل طريق، أطلقوا عيه اسم جبل الجودي.وبقي اتصالهم بالعالم الخارجي دائماً بطرق معقدة للحصول على المجلدات المهمة والسجلات القيمة والأشرطة الموسيقية والسينمائية التي تسجل حياة الإنسان وذخائر مواهبه. وبالتقدم السريع الذي حدث في العشرين سنة الأخيرة أمكن فيها إلى حد بعيد. وكبر المشروع ومعه الهيأة. وتم استقدام عدد كبير من العلماء الرواد في ميادينهم، والفنانين والأدباء والصناع المهرة في جميع المهن. وينبغي أن أعترف أن استقدام بعض أولئك لم يكن بالطرق التقليدية...‏

وابتسم وهو يشير للدكتور نادر ولنفسه ويقول:‏

- مثل استقدامنا نحن! ولكن بعد الاطلاع على ما يحدث في جبل الجودي يقرر الجميع البقاء، وينسون العالم الخارجي في خضم ما يحدث هنا من خوارق واكتشافات تجعل حياتهم السابقة شبحاً ضحلاً ميتاً.. وأنت رشحتك أبحاثك الطليعية في علم الإنسان لعضوية الهيأة. وبترشيحك هذا أصبحت شريكاً في أعظم مشروع! مشروع الإشراف على تشكيل مستقبل الإنسان.. بل على كتابة "سفر تكوين" جديد، لايَدَ للصدفة أو العشوائية فيه.‏

وسكت قليلاً ليجمع أفكاره، ويترك لكلامه فرصة لأخذ مفعوله، ثم استأنف:‏

- الإنسان كما تعرف أصبح الآن على مفترق الطرق بين طفرة تطور جديدة كالتي أخرجته من عصر الحلقة المفقودة إلى عصره البشري. القرائن كلها تدل على أن عقله قد نضج لقفز المرحلة. وقد استطاع علماء البيولوجيا هنا عن طريق بعض المواد الكيماوية الجديدة، وخاصة "النيروسين" أن ينشطوا بقية أجزاء المخ التي ظلت كسولة منذ تطور الإنسان الأول. وقد فتح هذا الكشف طاقات جديدة وعوالم وآفاق ضاربة في المجهول... ويمكن أن أقول إنه في عقل الإنسان من التقدم ما يوازي تقدمه المادي ألف سنة من الآن. هذا أصعب للشرح بدون تمثيل، وسوف ترى بنفسك حين تبدأ العمل، وتتعلم استعمال "معاذ".‏

وقاطع الدكتور نادر مستفسراً:‏

- "معاذ؟"‏

-نعم. "معاذ" ليس اسم شخص، بل اسم عقل اليكتروني بناه العلماء لخزن الكنوز البشرية في أصغر مساحة ممكنة، وبالتالي الإطلاع عليها في أسرع مدة ممكنة، وسوف أمثل لك على ذلك.‏


  اقتباس المشاركة
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:50 PM.