| الإهداءات |
|
|||||||
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |

| الإهداءات |
|
|||||||
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
#31 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
أجمل جارية وقعت عليها عيناي!
وتورد وجهها قليلاً فأضاف: - يا ترى كم سيكون ثمنك في المزاد؟ - كم تدفع لو أخرجني النخَّاس للسوق؟ - ناقتين وثلاث نعاج. وصاحت فيه: - على! أهذا ما أساوي عندك؟! - من أجل صداقتنا سأضيف خروفاً للثمن. ما رأيك؟ والتقطت وسادة لترميهُ بها، فصاح: - غيرت رأيي.. غيرت رأيي.. - هل سترفع الثمن؟ - لا، بل عدلت عن الشراء! ورفعت الوسادة في وجهه فأمسك بها، وطوق خصرها محاولاً تفادي المخدة الطائرة. وسقطت الوسادة على أرض الخيمة، وبقيت تاج بين ذراعي الدكتور نادر، وهما يلهثان، وقد اقترب وجهه من وجهها واختلطت أنفاسهما...وأدرك موقفه فأطلقها وقد عادت علامات الجد إلى ملامحهما. لم يقترب الدكتور نادر من طالبته هذا القرب إلا في بعض حفلات الجامعة حين رقصا معاً، وبين حشد كبير من الطلبة والأساتذة. وطارد أفكاراً وخيالات خامرت ذهنه بقوله: - لا أكاد أصدق أننا في الصحراء. فردت تاج وهي تسوي غطاء على حشيتها: - لو أتيح لنا أن نختار، لاخترنا جزيرة "فيجي" الخضراء على الضياع في الصحراء. وتمددت على الحشية، فاحتذى نادر حذوها، وتمدد على أخرى مقابلة ونظر إلى سقف الخيمة في تأمل عميق، ثم قال وكأنه يفكر جهراً: - خُيِّلَ إليَّ هذا الصباح، وأنا أنظر من فوق ذلك التل الرملي إلى الآفاق المترامية، أن الصحراء سجن هائل... حدوده هي لا حدوده... حدوده في داخلنا، في ضعفنا على السيطرة عليها، على الخروج منها أحياء إذا نحن همنا على وجوهنا.ثم قال: - بالمناسبة، نحن محظوظان بشكل عجيب. نسقط في قلب الصحراء، وبعد ليلة واحدة تحت عاصفة هوجاء بدون طعام ولا ماء، تعثر علينا قافلة عابرة تأتي بنا إلى واحة خضراء. وسألت تاج: - هل ستعود إلى الموضوع أم ستنساه؟ - أي موضوع؟ - موضوع الصحراء والسجن. أعتقد أنها فكرة حية. - آه! عفواً يا عزيزتي.. ذلك أحد أعراض المرض العربي، الفوضى العقلية، الاستطراد. تلك الفوضى معششة في عقلي ورثتها عن الأجداد مؤلفي المصنفات والحواشي والشروح وشروح الشروح وهوامشها وطررها، إلخ، إلخ.. وتنهد وهو يستعرض صفوف الكتب الصفراء على رفوف مكتبة أبيه القديمة ونقوشها الذهبية وسطورها التي لا تقاطعها نقطة أو فاصلة أو أول سطر كأنها صفوف النمل. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#32 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
وسمع أنفاس تاج عميقة، فأدرك أنها نامت عنه وهو يتفلسف، فابتسم وتغطى وأغمض عينيه.
ولما أفاق سمع أصواتاً وغناء ودق دفوف آتية من بعيد، وبقي لحظة ينظر إلى عمود الخيمة ويتساءل أين هي. المغامرة كلها كانت كابوساً طويلاً بالنسبة إليه. ولكنه أفاق ليجد، لخيبة أمله، أن الحلم هو الحقيقة وأنه ليس في غرفة نومه بشقته بلندن، حيث يخرج يده من تحت الغطاء ليشعل الراديو ويستمع إلى آخر الأخبار، قبل أن يغادر الفراش. وتساءل يا ترى ماذا تقوله الصحف والإذاعات والتلفزيون عنه في لندن. إذا كانوا أخبروا أنه مات فلابد أن الخبر واصل إلى أهله بالمغرب، وأنهم سيعانون أحزاناً وآلام لا داعي لها. ومن جهة أخرى، حين يظهر هو بنفسه في لندن، سيحدث انفجاراً في الصحافة ووسائل الإعلام كلها. وسيعامل كشبح عاد من عالم الأموات. ولم يفته أن مثل هذه الشهرة ستجعل الناشرين يتهافتون على كتبه، حتى التافه منها! لذلك عليه أن يعود سريعاً. وسمع نحنحة على باب الخيمة ثم ندا رجل باسمه، فصاح: - نعم! - الشيخ يطلبك. صلاة المغرب قريبة. وخرج فتيمم على صخرة ملساء، ثم لبس حذاءه وتبع دليله إلى حيث أقبل على جميع غفير من رجال القافلة في دائرة كبيرة حول شيخهم وهو يتحدثون. وصافح الشيخ الدكتور الذي سلم مبتسماً على الجماعة، وجلس إلى جانب الشيخ. كانت الشمس تكاد تلمس الكثبان الممتدة غرباً وهي تنزل في بطء وجلال إلى مغربها. والتفت إليه الشيخ متفقداً: - لعلك ارتحت الآن قليلاً. - ذلك بفضلكم وحسن ضيافتكم يا مولانا. السيدة وأنا في أحسن حال، ولا يقلقنا إلا انزعاج أهالينا وربما يأسهم علينا. وحرك الشيخ رأسه وأشار بيديه معاً مصبراً له بحركة رشيقة. - لابد من الصبر الآن. أنتما في أمان، وحين تعودان إلى بلدكما سيفرح أهلكما. ولكننا هنا محدودون بقوانين الصحراء. لا يمكن أن نتحرك حتى نأخذ الإذن منها. وأنت ما تزال تذكر العاصفة الرملية التي أحرقت طائرتكم. إنها تنقل الجبال، وتغير وجه الأرض فتضلنا عن الطريق. - لاشك عندي أن خبرتكم يا مولانا بالصحراء وخباياها وتغير وجوهها لا يمكن أن تخدعها زوبعة أو إعصار. رجل الصحراء يشم الاتجاه ويحسه... ورفع الشيخ رأسه فجأة لينظر إلى ناحية الخيام، والتفت جميع من كان في الحلقة من رجال معممين ملثمين بعمائم زرق، ونظر الدكتور نادر فلم يجد شيئاً غير عادي، ولم تمض بضع ثوان حتى ظهر رجل يجري نحو خيمة الشيخ. - مولانا! مولانا! - ماذا؟ - ولدكم فارس! - ماذا أصابه؟ - لقد هرب! فكَّ القيد وهرب! |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#33 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
وبدا التذمر على وجه الشيخ، فصاح بالرجل:
- وماذا تنتظر؟ اتبعوه واقبضوا عليه. لن يذهب بعيداً. - لقد خرج حارسان للبحث عنه! وظهر على وجه الرجل القلق والألم. فقال الدكتور مستفسراً: - مولانا! أرجو أن يكون بخير. هل يمكن أن أساعد بشيء؟ وحرك الشيخ رأسه في حسرة، وقال: - فارس ولدي كان فتى نجيباً منذ صغره. بهرني ذكاؤه وسرعة حفظه للقرآن. حين كان سنه إحدى عشرة سنة كان يكتب القرآن بدون أخطاء، ويحفظ عدداً من المصنفات كالألفية والأجرومية وبعضا من الشيخ خليل. ونصحني بعض أصدقائي من سوس أن أبعث به إلى القرويين بفاس، فانتظرت حتى بلغ السادسة عشرة، وأرسلته إلى صديق لي هناك. وكنت أذهب كل صيف لزيارته أنا وأمه. وبعد أربع سنوات بدأ الولد يتغير. وشعرت بخطر ذلك التغير، فطلبت منه أن يعود معنا تلك السنة حتى لا ينسى عادات قومه وأصدقاءه الذين عاش بينهم. ولم تمض فترة على وجوده هنا حتى بات الآباء يشتكون من تسرب أفكاره إلى عقول أبنائهم وإفسادها. وانفردت به لأسأله هل ذلك حقيقة، فوجدت أنه ملحد ينكر تقاليد قومه، ويدعو علماءنا بالمشعوذين، وينعتُ شيخ طريقتنا بمضل المسلمين، ويقول إن الطرق بدع وضلالات مصيرها النار. وخفق قلب الدكتور نادر لرومانسية قصة الشاب الهارب.... وهمس لنفسه: "هذا ولي آخر يبعث في قلب الصحراء..." ثم التفت إلى الشيخ سائلاً: - ومنذ متى هو أسير عندكم؟ - منذ ستة أشهر وهذه ثالث مرة يحاول فيها الهروب. لقد أقسمت بأغلظ الأيمان أنني لن أفك قيده حتى يعود عن ضلاله وإلحاده، ويتراجع عن افتراءاته أمام الجماعة، فرفض الملعون وفضل القيد! لولا أمه.... لولا أمه لقتلته! - مولانا، أرجو أن يكون ما تسميه إلحاداً هو فقط تطرف في أفكار الشاب الذي يدخل المدارس والجامعات العصرية. والإلحاد تهمة كبيرة لا ينبغي أن تلقى جزافاً. لذلك أرجو أن تستعمل الرحمة في حقه. وبَدَا الأسى على الوجه الأسمر القوي الملامح، وخَبَا البريق الحاد في عينيه وهو يقول: - كدت أيأس، وكم دعوت الله أن يهديه، ولكن "إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء". ووضع الدكتور يدا ناعمة على كتف الرجل، وقال: - مولانا، إذا أعاده الرجال من مهربه هل تعدني أن تتركني معه ساعة لأرى دخيلة نفسه؟ أنا غريب، وأفهم عقلية الشباب القرويين. وربما فتح لي قلبه فأضع يدي على مرض نفسه. وأنتم تعلمون أن للنفس أمراضاً كالجسد تماماً. فهل تأذنون لي..؟ وحرك الرجل رأسه موافقاً، وقال: - إذا أفلحت معه، فستكون توبته أعظم هدية تقدمها إليَّ، وسوف أخرج عن طريقي لأُوصلك إلى مقصدك. وبعد لحظة كان الشيخ فيها يلعب بسبحته بعصبية ظاهرة سأله الدكتور نادر: - هل تعتقد أنهم سيلحقون به؟ |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#34 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
دائماً يلحقون به. حين عاد من فاس عاد أعمى البصر البصيرة. لم تعد غريزته الصحراوية ماضية كما كانت. لذلك لا يستطيع أن يذهب بعيداً دون أن يترك آثاراً تدل على اتجاهه كأية ناقة أو بعير.
وترامى إلى سمع الدكتور نادر صوت مؤذن يدعو لصلاة المغرب. كانت السماء ما تزال زرقاء، تزداد زرقتها عمقاً ناحية الشرق. وفي الأفق الغربي كانت آثار سحائب رقيقة برتقالية ترصع الشفق كأمواج الذهب. وفوق الكثيب وراء مضارب الخيام وقف المؤذن يدعو إلى الصلاة وقد ارتسمت صورته على الأفق. وأحس الدكتور نادر وهو ينظر إليه ويسمع أصوات الماشية والجمال، ويشم روائح الصحراء ممزوجة بدخان الكوانين، وسعف النخيل ورائحة اللبن الدافيء، أحس بعدم واقعية وجوده، وبدأ يتساءل هل يحلم أم هو هناك فعلاً. ووقف الجماعة للصلاة، وتقدم الشيخ للإمامة، وشعر الدكتور بالراحة لأنه لم عرض عليه الإمامة. كان فعلاً قد نسي كم ركعة في صلاة المغرب. وتصور الحرج الذي يمكن أن يقع فيه لو زاد أو نقص عن العدد المفروض أو تردد. وأحس للصلاة معنى جديداً في الصحراء. وفكر أن الصلاة لا ينبغي أن تكون مجرد روتين للهبوط والصعود وتلاوة الآيات والأدعية، ولكن للتفكير المستمر في الهدف من الحياة والمصير. وردد في نفسه الآية القرآنية "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"، وحرك رأسه رافضاً أن يكون الهدف من وجوده هو العبادة، إلا إذا كانت العبادة تعني التفكير والتأمل. وفكر إن الله لابد أن يكون "فكرة" نسبية تتفق وعصر الفرد ومستوى ثقافته وذكائه. وإله هذا العصر هو بدون شك أرقى وألطف من آلهة العصور القديمة، وأن إله الإنسان الواعي المفكر، أعلى وأوسع أفقاً وأبعد عن الفهم من إله رجل الشارع البسيط الذي لا يملأ الدين فراغاً مهماً من حياته.وسلم الإمام والتفت يميناً وشمالاً ثم استدار. وبعد لحظة من التسبيح الصامت، قرئت الفاتحة، وقام بعض الرجال لبعض أعمالهم، وبقت جماعة من حفظة القرآن اجتمعوا في حلقة يقرأون "الحزب". وأثناء القراءة جاء شاب وانحنى على الشيخ، وهمس في أذنُه، فحرك هذا رأسه، ونظر ناحية الدكتور نادر. وبعد نهاية الحزب انحنى الشيخ على الدكتور نادر، وهمس في أذنه شيئاً، فقام رأسه، ونظر ناحية الدكتور نادر. وبعد نهاية الحزب انحنى الشيخ على الدكتور نادر، وهمس في أذنه شيئاً، فقام هذا معه تاركاً الحلقة مستمرة في الذكر. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#35 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
وتوجه الاثنان إلى خيمة بين المضارب. والتفت الشيخ إلى الدكتور نادر وقال:
- هل تريد أن تنفرد به أم تريدني حاضراً؟ - الأحسن أن أنفرد به. سوف يشعر بحرية أكثر مع غريب مثلي فيفضي بذات نفسه. وعلى باب الخيمة نادى الشيخ باسم امرأة، فخرجت زوجته والدموع في عينيها، ونظرت إلى زوجها متوسلة إليه ألا يعذبه، فلم ينظر إليها، بل أشار للدكتور أن يدخل. ورفع هذا ستار الخيمة وسلم ودخل، فإذا بشاب في حوالي العشرين، طويل الشعر، نحيفٍ، حاد النظرات. وحين رأى الدكتور نادر سمر فيه عينيه ولم يُردَّ التحية. قال الدكتور: - "وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها." وقد قلت السلام عليكم! - من أنت؟ وماذا تريد؟ - اسمي نادر. علي نادر. - من أين جئت؟ وابتسم الدكتور وهو يقول: - سقطت من السماء! هل تصدق ذلك؟ - هل تريدني أن أضحك؟! - أريد أن أقول لك إنني جئت لأتحدث إليك، وأنك لا ينبغي أن تخاف مني. لقد أقنعت والدك بأن العنف والضغط لا يخلقان إلا الحنق والتمرد. وهو يعتقد أنك خرجت عن الجماعة، وأصبحت ملحداً منذ عودتك من فاس. هل هذا صحيح؟ وسكت الشاب. وتقدم الدكتور نادر منه، فلاحظ السلاسل، فعاد إلى خارج الخيمة ونادى الشيخ: - مولانا. هل تسمح لي بمفاتيح القيد؟ أعتقد أن فكه سيكون عربوناً على حسن النية والرغبة في التفهم. وأعطاه الشيخ المفتاح، فعاد إلى الخيمة، وفك القيد عن ساقي الشاب ويديه، ورمى به في جنب الخيمة قائلاً: - أرجو حين أخرج من هذه الخيمة أن آخذ ذلك القيد لأرمي به في زريبة البهائم! والآن أرجو أن تصدق أني هنا لأساعدك على فهم والدك، وأساعده على فهمك. فقد كنت مرة شاباً في مثل سنك، وكان لي أب مثل أبيك. أنا أعيش في القرن العشرين، وهو في العصر الجاهلي، وما أجده أنا من المسلمات التي لا تحتاج إلى مناقشة، يجدها هو كفراً وإلحاداً.وبدأ وجه الفتى يتغير، ويبدو عليه الاهتمام والاستجابة. واستأنف الدكتور: - أتعرف أن أبي ما يزال يعتقد أن الأرض مسطحة؟ ولو أخذته في طائرة ودرت به الأرض لحرك رأسه وقال: "والأرض بساط" و"الأرض دحاها" و"جعلنا الأرض مهادا" صدق الله العظيم! وحين كبرت بدأت أفهم أن عقلية الإنسان تتحجر حين يبلغ سناً معينة، ولا تبقى لينة تتقبل الأفكار الجديدة، كما كانت حين كانوا صغاراً في مثل سنك. وسوف تكبر أنت ويصعب عليك أن تتنازل عن أفكار كثيرة آمنت بها في شبابك! ونظر الفتى إلى الدكتور، وتكلم لأول مرة متأثراً: - حين أصبح مثل هؤلاء سأقتل نفسي! - بالعكس، تذكر ما قاله المتنبي: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#36 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
ونظر الفتى إلى الأرض، وقال: - أحياناً أتمنى لو لم يكن والدي بعث بي إلى فاس، لكنت هنا واحداً منهم، أُومنُ بما يؤمنون به، أقول بسطحية الأرض، وأرقص على الأذكار، وأنتظر المهدي المنتظر، وأمجد مولاي عبد القادر الجيلالي، لكنت أسعد مما أنا! قال الدكتور: هل من أجل خلافك معهم في هذا وضعك والدك في القيود؟ - قلت لهم أن يعودوا إلى الله، لا يمكن أن تصدق ما يملأ عقول هؤلاء الناس من وثنية وشعوذة. كلمة الله لم تعد شيئاً بالنسبة إليهم. إنهم لا يرونه. وقد ارتدوا في وثنية الجاهلية الأولى، فخلقوا الأضرحة والأولياء وعلقوا التمائم والعقارب حول أعناقهم. وتوجه النساء نحو الحجارة فطلوها بالجير وقدسوها، وإلى الأشجار فعلقوا عليها قطعاً من ملابسهم بدرجة مخجلة. حين قرأت عن المجتمع الجاهلي قبل الإسلام لم أجد فرقاً بينه وبين هذا. وشعرت بالرغبة في دعوة قومي إلى الإسلام والعودة إلى الله. وليتني لم أفعل. ليتني بقيت أعمى مثلهم! - أبداً، يا ولدي! لقد أنعم الله عليك بالبصيرة! ولن ترضى بها بديلاً. ونظر إليه لحظة وقال: - أتعرف أن وضعيتك هذه تذكرني بقصة مشهورة لكاتب إنجليزي، عنوانها "مدينة العميان" وموضوعها باختصار أن رجلاً هام على وجهه في منطقة عذراء لم يصل إليها مستكشف، فعثر على مدينة كل سكانها عميان. وحين دخل المدينة وأعلن لهم أنه مُبصرٌ، وأن هناك حاسة إبصار، وأن هناك سماء وشمساً وليلاً ونهاراً، وأن المدينة ليست مسقفة بسقف علوه ست قامات، كما يعتقدون، قبضوا عليه بتهمة مخالفة التقاليد والعقائد الموروثة، وخيروه بين أن يفقأوا عينيه حتى يصبح أعمى مثلهم، أو يغادر المدينة. ورغم أنه كان وقع في حب أجمل فتاة هناك وكان يريد الزواج بها، فقد فضل الخروج من دفء المدينة إلى برد الأصقاع الموحشة. فضل أن يموت مبصراً على أن يعيش أعمى. هل تجد مقارنة بين بطل القصة وبينك؟ وانشرح وجه الفتى، ونظر بإعجاب إلى الدكتور نادر، وقال: - إذن المسألة دورية، أعني أن الإنسانية كلها تقع على وجهها من حين لآخر، وتحتاج إلى أنبياء لإيقافها على رجليها! وحرك الدكتور رأسه موافقاً، وأضاف الفتى: - وماذا ينبغي أن يفعل البصراء؟ ماذا يكون مصير الإنسانية لو أن كل من أبصر غادر مدينة العميان دون أن يحاول فتح عيون أهلها؟ ورد الدكتور: - هناك اعتبارات تقلل من أهمية الإبصار. مثل ظروف قومك، أي تغيير في معتقداتهم وعاداتهم معناه تحلل مجتمعهم، وإذا تحلل مجتمعهم صارت حياتهم مستحيلة. لأن استمرارهم يعتمد على وحدة كيانهم.وصمت قليلاً ثم قال: - هناك أشياء أهم عند السياسيين والزعماء، مثل والدك، من المعرفة والإبصار، وهي السعادة الجماعية والرضا بطريقتهم في الحياة وأتباع ما جاء به الأولون دون تغيير كبير. وأحس الفتى بسرور عميق فقال: - لم أفكر في كل هذا. أنا الآخر كنت أعمى بطريقة أخرى. المعرفة لا معنى لها بدون حكمة. - أنا سعيدبحل قيودك. - ماذا تقترح أن أفعل؟ |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#37 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
فقال الدكتور نادر مازحاً:
- لنتظاهر بأننا لا نرى شمساً ولا قمراً، وأن على المدينة سقفاً يبعد ست قامات، وأن الإبصار جنون ما سمع به الأولون ولا الآخرون. ورفع الفتى عينيه، وهو يضحك فاختفت الابتسامة من وجهه. ورفع نادر عينيه فرأى الشيخ واقفاً على باب الخيمة، ينظر إليهما بوجه بارد كشفرة سيف! -16- وقبل أن يفتح الدكتور نادر فمه بادره الشيخ: - أرجو ألا يزعجك ما سأقول لك. السيدة زوجتك تحس بتعب خفيف. ووقف نادر بسرعة، فقال الشيخ: - لا تقلق، إنها الآن بخير، أعتقد أن طعامنا لم يوافق معدتها. وقد أعطيناها عصير بعض الأعشاب لتسهيل وتنظيف جوفها. وهي الآن في خيمة الضيافة تسأل عنك. وخرج نادر بخطوات واسعة نحو خيمته. وحين دخل على تاج، كانت عيناها مغمضتين، وإلى جانبها امرأة عجوز، قامت عند دخوله وخرجت. وركع هو إلى جانب فراشها، وأمسك بيدها ففتحت عينيها. - عزيزتي، كيف تحسين؟ وابتسمت ابتسامة ذابلة وقالت: - زال الألم. - فزعت جداً من أن يكون شيء يحتاج إلى طبيب. وأين تجد الطبيب هنا؟ - الشربة التي أعطتني العجوز كان لها مفعول مدهش. لابد أنهم عرفوا سبب الألم. - القوافل عوالم قائمة بذاتها. لا تحتاج إلى أطباء ولا أدوية كل شيء تنتجه بنفسها. لابد لها من الاكتفاء الذاتي للبقاء! وبعد صمت قصير قالت تاج: أليس سخيفاً أن أمرض في مثل هذه الظروف؟ قال مطمئناً: لا تقلقي. كل شيء سيكون على ما يرام. ثم تذكر الشاب وأضاف: - لقد اكتسبت صديقاً جديداً...فنظرت تاج مستغربة: - من يكون؟ - ابن الشيخ المختار. - هل وجدوه؟ كان هرب من سجنه. - لحقّوا به وأعادوه، فليست هذه أول مرة يهرب فيها. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#38 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
لماذا يهرب من أهله؟ وإلى أين؟ إلى الصحراء؟ لابد أن يكون يطوي أحشاءه على جرح دام. .
- ذلك ما ظننت. وقد طلبت من أبيه الشيخ أن يسمح لي برؤيته والحديث إليه ففعل. - هل تحدثت إليه؟ - حديثاً قصيراً. قاطعني الشيخ في نهايته ليقول لي عن إصابتك. ولكن أعتقد أنني نفذت إليه. قالت: ما مشكلته؟ وشَرَدَ الدكتور نادر مفكراً، ثم قال ببطء وهو يبحث عن الكلمات: -مشكلته. هل سأقول البحث عن الطريق؟ أي طريق؟ كل الطرق توصل إلى نفس الجدار الجبار الذي تصطدم به عقولنا الواهنة، وتسقط تتخبط في أوحال الخيبة.. ولكن الولد ما يزال في مرحلة المجد. مرحلة الإيمان. قال لي إنه يريد أن يعود بقومه إلى الله! قالت، وهي تضغط على يده لتوقظه من سرحته: - وماذا قلت له؟ - قلت له إن وحدة قومه أهم من رجعتهم إلى الله. - وهل اقتنع؟ - أعتقد. ولكن لا أضمن أن آثار حديثي إليه ستدوم طويلاً. ضمير الولد يحترق. وعقله يركض بسرعة الضوء. لابد أن سيجد في منطقتي ثقوباً كثيرة، ويثور مرة أخرى ليوضع في القيود من جديد لكني أعتقد أنني كسبت صديقاً وخسرت آخر. قالت: ماذا تعني؟ قال: بينما أنا أتحدث إليه دخل علينا والده الشيخ. لا أدري كم سمع من حديثنا، ولكن وجه كان جامداً كالصخرة حين التفتُّ إليه. قالت: ربما كان مهتماً بما حدث لي، وكان يفكر في الأسلوب الذي ينبغي أن يعلن به الخبر إليك... قال: أرجو أن تكون تلك هي الحقيقة. ولكن ما يهم الآن هو أنت. كيف تشعرين؟ قالت: أحسن، أحسن كثيراً... وترامى إليهما من خارج الخيمة صوت الطبول مصحوباً بالتهليل والتكبير وقراءة ورد الطريقة. ثم بدأت الحضرة، ووقف الرجال صفاً واحداً، وبدأوا يتحركون على مهل يميناً ويساراً مع الألحان...ورفعت تاج رأسها تريد أن ترى ما يحدث من فتحة باب الخيمة، فقام الدكتور نادر ورفع الستار كله، ثم عاد إلى تاج فوضع بعض الوسائد وراء ظهرها لترى أحسن |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#39 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
قالت: ماذا يفعلون؟ يرقصون؟
قال: ليس تماماً. إنهم "يتحيرون"! قالت: يتحيرون؟ وما معنى ذلك؟ قال: الحيرة نتجت عن جلسات مفكري الصوفية وحلقات مناقشتهم. كانوا يجتمعون كل مساء لدراسة التوحيد والجدل والتفلسف في وجود الله، خلوده، ووحدانيته، القضاء والاختيار، النبوة، بقية الأديان، كل شيء يتعلق بمكافحة الشك الذي كان يستشري بين طبقات المثقفين حينئذٍ. وإرجاع الطمأنينة إلى الضمائر والإيمان إلى القلوب. قالت: ولكن كيف نتجت "الحيرة" عن جلسات معقدة المواضيع، وهي مجرد حركات تعبدية وطقوس بدائية؟ قال: الحيرة معناها فيها... هي الذهول الناتج عن اصطدام العقل البشري الضعيف بالحائط الجبار. وفي لغتنا الدارجة مثل هذا المعنى أعتقد أنه نزل إلينا من أيام الصوفية، وهو "اللي حقق يحمق ويغيب عن عقله!" لابد أن هذا ما كان يحدث عندما تنغلق الأبواب، ويتيه العقل في المجهول. يبدأ الجميع بالتوسل إلى اللهوطلب الهداية، وتتحول الحلقة إلى ندوة أشعار وغناء، وكلها تعبير عن حب الله والفناء في ذاته، ويتحول المجلس إلى مرقص صاخب ظاهره تمجيد الله، وحقيقته احتجاج على العجز الفطري المورث في الكيان البشري. قالت فاتحة فمها وهي تشير بأصبعها إلى حلقة الذكر والحضرة وعيناها تتألقان: - أتعني أن هذا كله نتيجة لذلك؟! وحرك رأسه موافقاً، فقالت: - هذا يفسر كثيراً من طقوس المجتمعات المتخلفة. لابد أن لرقصاتهم وحركاتهم المعقدة أصلاً في الحضارت الأولى قبل فسادها وعودتها إلى الخمود. لابد أن كثيراً من العقول اصطدمت بنفس ما تسميه بالحائط الجبار قبل آلاف السنين. حتى قبل أن تجىء الأديان لتنقذ الإنسان من إحراق عقله! وربت نادر يدها الرخصة قائلاً: - من يدري؟! وبعد صلاة العشاء التفت الشيخ إلى نادر وقال: - أعتقد أنه من الأليق أن تتعشى مع السيدة حرمك. فقد أمرت لكما العشاء في الخيمة. وشكره الدكتور نادر وودعه وعاد إلى الخيمة حيث كانت تاج تنتظرهُ بالعشاء.وبعد الأكل أحس الدكتور برأسه يثقل وبأجفانه تقفل وحدها، ولم يشعر حين أخذه النوم. وجاء الصباح مبكراً. أرسلت الشمس من خلف التلال والكثبان أشعتها في سماء واسعة الآفاق. وإلى الغرب كانت النجوم ما تزال بيضاء تلمع كدنانير البلاتين. فتح الدكتور نادر عينيه ونظر من تحت غطائه إلى السماء. كانت رجلاه باردتين، فانكمش ليدفئهما. وفجأة أحس إحساساً قوياً بالوحشة. كان الصمت مطبقاً حواليه، وبدأت القشعريرة تسرى إلى بدنه. فأزاح الغطاء عن وجهه ليجد أن الخيمة ذهبت، وأن الواحة مقفرة موحشة لا أثر فيها لإنسان... ووقف ليمسح ببصره الأفق لعله يرى أثراً للقافلة. لاشيء يتحرك على مد البصر. وأحس بالرعب يمسك قلبه بيد نحاسية باردة! وكاد يقفز حين مست كتفه يد تاج، فالتفت محاولاً تفادي عينيها. ودار في مكانه، ثم ضرب برجله الأرض قائلاً بمرارة: - أنا ومواعظي! وواجهته تاج بأعصاب هادئة وقالت: - لا تلم نفسك! - لو لم أتطوع أن أعمل كطبيب نفسي لابن الشيخ لما كنت أنزلت غضبه علي وعليك أنت البريئة! - الشيخ كان خائفاً من مسؤولية وجودنا في القافلة على كل حال. كان يعتقد أننا جواسيس مغاربة على موريطانيا. وربما بتركه لنا هنا قدم لنا خدمة. من يدري ماذا كان في نيته؟ - لقد وعدني بتوصيلي إلى السينغال، إذا أقنعت ابنه بالعودة إليه وعدم محاولة الهروب. وأنا متأكد أنه سمع حديثي إلى ابنه، فقرر أن يتركنا هنا تحت رحمة الصحراء ووحوشها وجهلنا بموقعنا فيها. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#40 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
لا فائدة من الندم على ما فات. ماذا الآن؟
وحرك نادر رأسه: - سؤال وجيه. ومشى نحو الكانون ووقفت تاج تنظر حواليها. كان هدوء الصباح وبرودة الجو وخلو الواحة توحيان بشعور غريب. كان الندى يثقل جذوع النخيل المتشابكة حول البئر وفي غرب الواحة. وتمشى الدكتور نادر على حافة الأرض المعشبة ينظر إلى آثار الأقدام وحوافر البهائم. وحين عاد إلى تاج كانت هذه تقفل حقيبتها بسرعة وتجمع الأغطية والألحفة وتطويها. قال نادر وهو يقف وراءها: - هل تعتقدين أن هناك خطراً في اللحاق بالقافلة؟ ووقفت تاج والتفتت إليه: - لاأدري. ولو كان للرجل رغبة في مساعدتنا لما تركنا خلفه هنا. ومعنى اللحاق به هو الارتماء عليه، وربما اضطراره إلى البحث عن طريقة أخرى للتخلص منا. قد لا تكون أسلم لنا من هذه! قال مقتنعاً: - فكرت في ذلك. وأشار إلى الجنوب: ذهبت القافلة من هناك. كل آثار الأقدام والحوافر تشير إلى تلك الناحية، لا يمكن أن يكونوا بعيداً وراء الكثبان. ونظر حوله وسأل: - ما ذلك؟ - بعض الطعام. قديد ودقيق محمص بالسمن وتمر وعسل. لابد أن السيارات أشفقن من حالنا وتركن ذلك. - على الأقل لن نموت جوعاً. قالت تاج: لا تُفكِّرْ في الموت الآن. بعد أن نجونا من حادث الطائرة، ووجدنا الواحة والقافلة لا أعتقد أن أجلنا قد وصل. كانت هناك مناسبات أهم لهلاكنا من الوجود على واحة خضراء. ثم لا شك في أن البحث عنا قائم على قدم وساق. وربما لن نبقى هنا يوماً أو يومين حتى تصل مروحية أو طائرة استكشاف. علينا فقط أن نترك علامة على وجودنا هنا. - ماذا تقترحين؟ - لنشعل ناراً دائمة. - النار لليل فقط. بالنهار لن يروها، خصوصاً إذا لم تترك دخاناً، وحتى لو تركته هناك دائماً حرائق بالواحات. - المظلات إذن! - ماذا نفعل بها؟ - ننشرها على أعلى كثيب. وسوف تجلب انتباه أي طيار من أي ارتفاع بألوانها الصارخة. - عندي فكرة أحسن. - ما هي؟ - نصنع بها خيمة في وسط هذه القاعة حيث يمكن أن ترى من الجو بسهولة، وحيث نقيم. - وظيفة مزدوجة. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
![]() |
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|