Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 639

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1041

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1046

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1518

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1523
العصفور والريح - الصفحة 3 - منتديات شباب فلسطين
نحن مع غزة


الإهداءات

العودة   منتديات شباب فلسطين > محطات عامـة > الــوآحــة الـعــآمّــة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-14-2009, 11:06 AM   #21
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

لم يصدق. تناول المبلغ من يد أمي، يكاد يطير فرحاً..‏

-ومن أين ستدبر نفقات العرس؟‏

-من أين؟! لا تشغلي بالك يا خجة... عدت لأسترداد كل حقوقنا.. ابتدأت بسعدو وسيأتي دور السلماني... كفى سكوتاً يا أمي... -هل أخذت المال من سعدو؟‏

أستوضح عمي بحيرة. فهزت أمي رأسها بالإيجاب:‏

-هذا هو المبلغ الذي استدانه من المرحوم لقضاء حاجة، ثم أنكره.‏

-أعرف ذلك.. أعرف... سألته مرات أن يرده، يعيده إلينا فلم يقبل.‏

-وكذلك لم يرضخ لتوسلاتي، ولم يأبه لمرارتنا وشظف حياتنا.. أكملت أمي بمرارة فتنهدت قائلاً:‏

-واليوم قبل ورضخ رغم أنفه! وسيرضخ السلماني أيضاً، سيدفع ما أريد ذعرت أمي، تحركت صوبي مستفسرة، وتبعها عمي مستغرباً:‏

-ماذا ستفعل؟‏

-كيف؟!‏

-إنها قصة طويلة.. قد لا تصدقانها.. وأنا أنتظر السلماني لأباغته بها.‏

-قصها علينا لنفهم..‏

-أبي لم يبع الأرض ولم يقبض فلساً واحداً... السلماني زوّر الورقة...‏

البصمات التي عليها ليست بصمات أبي... الجمولي زوج خالتي ساعد السلماني دله على الطريقة وشاركه في الجريمة. قال له: سعد اللّه مات، فمن يقرأ ويكتب ويتحقق... ولا أحد يعرف بصمات المرحوم.‏

لا تستغربا.. وأرجو أن تحفظا السر حتى عودة السلماني، لا أريد أن يعرفه أحد غيركما. تطلعا إليّ باندهاش فرجوتهما بعينيّ كي يصمتا. فهم عمي وغيرّ الموضوع:‏

-ربما يتورم جسمك كله.. دعنا نذهب إلى أربيل..‏

-لا تهتم يا عمي.. امض إلى بيتك.. سلّم على خالة هاجر وقبّل الصغير.. اشتر لهما ما يحتاجان. ولا تنسى الصوف.. لا تنس..‏

-وأنت؟ دعنا ننقلك إلى المستشفىن ربما لن تنفعك إبري.‏

-لا تهتم.. سم يأكل سم.. المستشفى، لن تنفعني وما بقي من سم ربما يطيل عمري.. وعليّ استغلال الوقت.‏

-لا أفهم.. ما بك؟! ماذا في رأسك؟‏

-يا عمي، تعلمت في الجيش أن ما يؤخذ بالسيف لن يرده إلاّ سيف أقوى. اذهب يا عمي. وإذا احتجت إليك فسأناديك حلق فرحاً وذهب. تذكرت عمتي " بتول" والاشاعات التي راجت حول إقدامه على ذبحها، تغطية لفضيحة هروبها مع الحبيب! كان عمي في الخمسين من عمره. شبيهاً إلى حد كبير بأبي، مربوع القامة عريض المنكبين، طويل الوجه بارز العينين، أصفر الشعر، يتولى إدارة المسجد وتنظيفه، إضافة إلى محله الصغير، فيتقاضى من الملاّ ما يكفيه لمسك رمقه. فقد أولاده الأربعة تباعاً في الحروب المستمرة والقتال العنيف، في السنوات السابقة، ولم يبق له إلاّ طفل في الخامسة..‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 11:07 AM   #22
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

أتدرين أنني لم أحس بنخزات شوك الصبار؟!‏

أخبرت أمي بعجب. وأضفت:‏

-لذلك سأنظف الأرض الشرقية.‏

-احذر يا بني احذر.. ماذا دهاك؟ إنها ليست أرضنا هتفت مذعورة، فزدت ذعرها:‏

-ستكون. سأزيل أشواكها وأقتلع صبارها وأرفع صخورها.‏

-يا بني، السم ما يزال في جسمك. ارتد ملابسك، الدنيا باردة.. وربما ستمطر بعد قليل..‏

لم انتبه لتغير الطقس من قبل. تطلعت إلى السماء. دهشت وأنا أراها تتلبد بالغيوم كأنما تريد أن تمطر حقاً كامرأة حبلى تهمّ بالوضع..‏

-أنت على حق يا خجة. امضي اجلبي لي شيئاً آكله..‏

جعت يا أمي.. جعت امضي واجلبي معك المنجل القديم.. إنه على سطح الدولاب..‏

-ألا ترافقني إلى البيت؟ تساءلت بحيرة وحين لم تسمع ردي مضت. راقبتها وهي تبتعد. لاحظت فرحتها. تبدل حالها وتغير مزاجها سريعاً، والمال لا يبدل الأنفس فحسب، بل ينعش الأرواح.‏

حاولت أن استنشق مدى الألم الذي عانته، منذ موت أبي، واستشهاد أخي.. فلم أقدر.‏

رأيتها تقف، تتحدث مع عدد من النسوة والصبايا، كن يتفرجن عليّ عن بعد. خمنت علام دهشتهن وعلام ضحكهن! تمددت شبه عار ورحت أفكر في الأرض الشرقية لقد أدرجتها في أول الجدول.. جدول "قراراتي المصيرية".. أثناء رقودي في المستشفى، وإثر خروجي.‏

جعت وساورني القلق. سيطر على مشاعري! بالأمس، قضيت إحدى عشرة ساعة في الطريق، سيراً على الأقدام أو طلباً للراحة. نمت ست ساعات بالتمام، وفكرت كثيراً كثيراً فدخت ومن الطبيعي أن أجوع.. لم أفطر اليوم ولم تدعني بشيرة أمس أشبع.. جعت فلم القلق؟!‏

رحت أفكر.. حتى عجزت.. لم أعد قادراً على تحديد سبب القلق الذي بدأ يلهب أعصابي.. لولا افتخار.‏

جاءت مع أولاد أختي. مازحتني حول التعري:‏

-ما فعلها أحد قبلك في القرية!‏

-هل أعجبك منظري؟‏

لكزتني بمرفقها وضحكت:‏

-بعدما "رأتك" كل بنات القرية، ما عدت راغبة فيك.. أضحكتني فأردفت بشماتة:‏

-إنها "حوبتي" أرأيت كيف أشوّر"! حتى تتأكد إنني لم ولن أسامحك إذا..‏

لم أسمع بقية كلامها. آنشغلت بأمي العائدة..‏

جلبت لي خبز شعير وقطعة جبن التهمتها بنهم..‏

وغفوت بجفوني المتثاقلة‏.


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 11:07 AM   #23
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

3 -‏

حين أفقت بعد ساعة وجدت أمي إلى جواري، جالسة تتملكها الرهبة. وعلى بعد خطوات كان عمي حسن يتبادل الحديث مع موسى ويحيى وبشيرة ما إن رفعت رأسي حتى أمطروني بأسئلتهم. وانهمكوا يتحسسون حرارتي ويجسون نبضي ويعرضون مساعدتهم..‏

-الآغا يطلبك.. جاء حمودة الذليل لآخذك.‏

قالت لي أمي ويدها تساعدني على ارتداء ملابسي فملكني الفرح وهتفت في داخلي "آن الآوان يا حضرة الآغا.. آن الآوان".‏

-متى عاد.. السلماني..؟‏

-قبل ساعة..‏

-يا اللّه!! كم أشتاق لرؤيته؟‏

-للسلماني؟!‏

-نعم يا أمي.. للسلماني دون غيره..‏

-منعت حمودة من إيقاظك..‏

أوضح عمي. ضحك يحيى وأخبرني:‏

-رأى جسدك المتورم ففزع!‏

-ماذا يريد السلماني منك؟‏

سأل عمي مبدياً دهشته. ولم أجد جواباً مقنعاً غير:‏

-اختصر لي الطريق.. عجل في نهايته.‏

لفظة الآغا وطلبه، أوقدا تحتي نار الحقد الكامن. وأججا التحدي والعنفوان في صدري. لا أدري ما الذي جرى له فيتجرأ الآن ويطلبني! فمنذ أن أمتلك الخوف قلبه بسببي، دأب على تحاشي الاصطدام بي.. هو يعرف كراهيتي له.. ففي أول لحظة وعيت بها على السلماني كرهته، كراهيتي للشيطان! ثم تحولت الكراهية إلى حقد فظيع حقدت عليه. وأضمرت له العداوة والبغض.. وحين اصطدمت معه استحكم النفور بيننا إلى درجة عالية. صحيح أن قسوته جففت الدمع في عيون الكثيرين منا، لكن براكين الغيظ ظلت تمور وتغلي.. وخلال السنين الماضية تراكم القهر. فوق قهر.. وآن الآوان لوضع الأمور في نصابها. ختم الحكاية واسدال الستار، فهو لم يتعظ كما يبدو من اعترافاتي. ولم يكتف بالأشهر الستة.‏

-هل جلبت المنجل؟‏

بدت أمي مستلبة، مدهوشة تجاه السلماني. بالرغم من كراهيتها الشديدة له.‏

-هذا هو، تحت قدميك.‏

أشارت بكف ترتعش. فأنحنيت لألتقاطه وإذا ببشيرة تعلن مخاوفها:‏

-ما الذي ستفعله؟‏

-سأحش به الرؤوس الزائدة.. العفنة..‏

-لا تتهور يا كاكاحمه.. كن عاقلاً.‏

نصحني يحيى وانهالت النصائح والإرشادات. لم أستمع لأحد.. مضيت ومكبر الصوت يصدح بآذان الظهر.‏

كان المنجل قديماً لكن أسنانه البارزة الحادة، شجعتني على المضي قدّماً لأجني ثمار حصاد يائس.. لم أخف، فالخوف بداية الهزيمة.. وكاكاحمه.. أنا.. لا يمكن أن أهزم...‏

في الطريق ألتقيت بمحمد بن سلطان السائق أوقفني وأخذني بالأحضان.‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 11:08 AM   #24
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

كيف حالك يا كاكاحمه؟ الحمد للّه على سلامتك.‏

-هل ولدت زوجتك؟‏

سألته أمي فأحرجته. ولم ير بداً من الرد:‏

-أكلت شهرها منذ يومين. تعسّرت ولادتها.. وأنا في حيرة.‏

-لا تهتم.. اذهب إلى الحاج صالح، وخذ منه صوف بعير. ضحك من وصفة أمي وأستفهم منها:‏

-صوف بعير!! ماذا أفعل به؟‏

-احرقه أمامها "ستلد حال أستنشاقها بخاره الحار. اذهب فوراً.. لتريحها..‏

-جئت لتوي يا خالة.. أوصيت أمي بنقلها إلى المستشفى إذا حصل طارئ.. جئت على عجل مع الآغا السلماني..‏

-إذن لم تترك أربيل وتجئ إلى هنا عبثاً! لا بدّ أن أمراً مهما أجبرك على القدوم؟‏

حدثته بلهجة الواثق فأجابني:‏

-هادي المخرف أرسل بطلبي... ليبيع أرضاً أو داراً..‏

-أما زلت موظفاً في البلدية..؟‏

-قسم عقارات الطابو..‏

-أعرف.. أعرف.. بعثك الله في الوقت المناسب.. قل لي.. أمعك أوراق بيع وشراء.. زائدة.‏

-لا.. ماذا تقصد؟‏

-إذن أجّل طلب المخرف إلى يوم آخر.‏

-لا أفهم.‏

-أنا في حاجة للأوراق.. أريدها اليوم بالذات.. اذهب إلى بيت المختار وانتظرني هناك.. سأرسل بطلبك بعد ساعة على الأكثر. فأنت متعلم وشورك في رأسك. وتعرف أن لا شيء في قريتنا اسمه الحكومة. لذا سينوب عنها هذا السيد تركته مذهولاً لرؤية المنجل المرفوع عالياً.‏

قصدت دار السلماني والنيران تشتعل في صدري، تضطرم كنيران يوم القيادمة. وصلت الباب بعد قليل، ولحقتني أمي. وقفت بجانبي ترتجف، تبسمل وتستعيذ من شر الشيطان الرجيم. سمعتها تقرأ صغار السور وتهتف بشفتيها:‏

-يا رب، يا من إذا نشدوك وجدوك.‏

طرقت المدقة النحاسية وانتظرت ثم عاودت الطرق بالمنجل، بشدة. مما أزعج حسان، فخرج غاضباً.. وزاد غضبه حين رأني.‏

كان حسان الابن الوحيد للسلماني، شبيهاً بأبيه من حيث التعالي والغطرسة واللؤم وهضم حقوق الآخرين. ولولا "إلهام" التي شاءت الانتقام مني، لما كسر أنفه وأنف أبيه، ومرغا بالتراب. لولاها لبقيا ينهشان لحومنا، ويتغذيان على دمائنا... منذ تلك الحادثة، التي زعزعت هيبة "الآغا" وقفت في عضده، وهدمت صروح ما بناه من ظلم وجور، وكشفت للناس حقيقته، وحسان لا يجرؤ على القيام بما تعود السلماني الطاغي "إذ لزم الوكالة التي استلمها بعد إتهام سعدو بالسرقة وطرده، معطياً لحمودة مسؤولية رعاية البقرات العشر وتربيتهن، إلاّ أنه لم يترك ثوره المميز "البكر"‏

-ألم تر الجرس الكهربائي؟‏

زعق بوجهي موبخاً. وعلى غير ما عرف عني "رضوخ وطاعة" لطمته على كتفه بقوة، فترنح كسكير. وكاد يفقد توازنه. أزحته جانباً وشهرت سلاحي الوحيد. منجلي القديم والحاد في وجهه. وفي وجه الخادم حمودة الأعور. وهو يصادفني في الممر ويعترضني! بهت لحظة وجمد شعرت وأنا أتابع سيري، بنظرات عينه الصحيحة تنغرس في ظهري كالسهام!‏

منذ حادثة "نصار وهبة" فقد دار الآغا منعته، كما فقد سيده نفوذه الواسع وإن ظلّ يحلم بأوهام العودة إلى أيام مجده الضائع على يدي، وسطوته المسلوبة متناسياً أن ما فات قد مات.‏

اقتحمت المضيف. دخلت كالصاعقة صفقت الباب بحدة أفزعت السلماني وضيوفه. فهبّ من مقعده وتبعتني أمي مستلبة مدهوشة.‏

قرأت مقدار ذعره وارتباكه لاحظت بياض شاربيه ومكر الذئاب المنبعث من عينيه. وفي وجهه لاحت معالم الحقد والضغينة كان قابعاً على فراش وثير. وعلى جانبيه وسائد عريضة ملونة، مختلفة الأحجام. وجلس أمامه ثلاثة رجال كبار، كما يجلس الخدم! وأحدهم غريب وسمين!‏

ذهلوا لرؤيتي ولجسارتي، وكأن الطاعون اقتحم ديارهم فألتزموا الصمت وانتظروا كلامي.‏

إنها المرة الثانية التي أدخل فيها، في الأولى كنت معتقلاً ولم يتجاوز عمري الخامسة عشرة، وكان هو عميلاً للسلطة آنذاك اثنتا عشرة سنة مرت. وبات واضحاً أن محاولاته العقيمة لتشويه الحقائق لم تؤد إلى توفير ما طمح إليه من استقرار وغنى -بعد فشله الذريع في احتوائنا-بل أدت إلى نفور وكراهية متبادلة بينه وبيننا جميعاً. مما ولد التوتر والاضطراب في قلوب كل رجال القرية. وزاد الأمر سخونة عندما تبدلت الأحوال، وانعكس الوضع وذابت السطوة. إثر انطمار وزارة ودفن أخرى، وبقي هو في أتون الصراع!‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 11:08 AM   #25
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

لم أشأ الوقوع في شرك الحرج وشباك الارتباك ولن أمكنه من خداعي واحتواء الموقف.. لذا وجب التصرف بسرعة فانتزع حجراً من وسط الجدار الآيل إلى السقوط بين لحظة وأخرى كي أفلح. ألم يقل لي مجيد "باغت عدوك تنل مرامك" -ماذا تريد يا سلماني؟‏

صحت فأرتبك وعاد لموقعه. نظر إليّ بعجب. رفع حاجبيه وكتم غيظه. وذهل الرجال لسكوته، فتطوّع السمين لردعي:‏

-سلم أولاً أيها الشاب!‏

لم أنس بعد مساء السبت الأول من تموز 1963 حملتني سيارة شرطة قديمة. واهن الجسد، محطم النفس جروحي تنزّ دماً، وتتعرج في لحمي دروباً زرقاء من آثار التعذيب الوحشي أدخلوني مقيّد اليدين. فراح السلماني مع جماعة من الحرس يسخرون مني. يضحكون ويقهقهون بفظاظة، وينكتون مثلما بهرهم منظري فتعلقت عيونهم المستغربة بي.‏

تتطلع ولا تكاد تصدق! تراني منفوش الشعر، مفتوح الصدر يرتفع سروالي قليلاً ليكشف عن موضع اللدغة وأثر جرح السكين والورم الذي بدأ يتفشى في كامل جسدي.. تراني.. تتعجب! كذلك بهرتني روعة المضيف، والأبهة الملفتة للنظر. فعلى الأرض مدت السجادة القاشانية الحمراء، الفاخرة التي لاكت الألسن عنها الكثير، فغدت مثار الإعجاب بألوانها وثمنها الخيالي.. والستائر المخملية الزاهية، المدلاة بتناسق. والثريات الثلاث المتلألئة في عز النهار! والمكتبة الخشبية، الفخمة التي غطت كامل الواجهة العريضة!‏

-كيف تتجاسر وتدخل بمنجلك؟!‏

زعق السلماني بوجهي كمن يريد استعادة الموقف، وأخذ زمام الأمور. وقبل أن أرد وزيادة في الصلف وكعادته بازدراء الآخرين أطلق سخريته، وهو يسد منخريه بسبابته وإبهامه:‏

-ما هذه الرائحة؟‏

تحكمت بأعصابي ريثما تحين فرصة الانقضاض وتحركت أمي خطوة لتعلن انزعاجها:‏

-إنها رائحة الصبير يا آغا. دهنّا جسده بالصبير الدبق.‏

-لا يا أمي.. لا.. إنها رائحته هو، رائحة إبطيه.. وما من رائحة أكره من رائحة السلماني...‏

فاجأته لهجتي الجسورة. فنظر مستنطقاً عينيّ عن مصدر قوتي. وتبادر إلى ذهني أنه أرجع سبب ذلك إلى عضة الثعبان، وأيقن أنها منحتني قوة لا تقهر، فصمت مذهولاً.. وتابعت:‏

-لو أمتلكت بندقية لحملتها بدل المنجل. ولجئت أصطاد الفئران في أحضانكم.. وهذه رائحة الصبير وضعتها لإثارتها وإخراجها من جحورها..‏

أثارهم كلامي، فغروا أفواههم دهشة، تطلعوا إليّ وإلى المنجل المرفوع عالياً.‏

-لم أرسلت بطلبي؟‏

أعدت سؤالي بغضب فرف جفناه، دار بؤبؤ عينيه هلعاً. ولكي يغطي على حرجه رمقني بنظرة عابرة، مستخفة، على سبيل التهكم. وبدل أن يجيب أشعل لنفسه سيجارة ليتلهىّ بها. عبّ منها نفساً عميقاً وسألني متنمّراً:‏

-ألم تذهب للعلاج! فلم عدت بهذه السرعة؟‏

استفزني. كدت أصيح عارضاً عملية النصب، لكني فضلت الهدوء:‏

-ما عدت بحاجة للعلاج.. شفيت..‏

-عجيب!!‏

-علام عجبك يا سلماني.. "إذا مرضت فهو يشفين".‏

-ماذا فعلت بسعدو؟‏

سؤاله المفاجئ طعنني في الأعماق نبش في داخلي فثار بركاني:‏

-وما علاقتك أنت؟ ألأنه شهد على شرائك لأرض أبي؟‏

اتسعت دهشته، وزاد عجب الرجال. قطب أحدهم حاجبيه:‏

-عجيب أمرك يا كاكاحمه!! هل جننت؟‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 11:08 AM   #26
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

زفر الآغا. وذكرني حمودة وهو يلج المضيف مع ابن سيده:‏

-أنت تتكلم مع الآغا السلماني!‏

-أعرف يا أعور.. يا شاهد الزور.. أتراني مثلك لا أميز الحمار من الإنسان؟‏

تلعثم الذليل، انعقد لسانه. وصاح حسان بانكسار:‏

-ماذا تريد؟ لم جئت؟‏

-لأتفرج على قباحتكم وأفضحكم.‏

-تأدب، احفظ لسانك.. ماذا جرى لك؟‏

-ابني في غاية الأدب. فالتزم الصمت أيها الغريب خير لك.‏

ردت أمي الرجل السمين، الجالس على يمين السلماني، فخر. خصني السلماني بنظرات ذئب لعب الفأر في عبه من كلامي.. فنفض سيجارته، بسبابته اليمنى، وقال مبدلاً لهجته، مرتدياً مسوح الواعظ.‏

-جاء، سعدو يشكو منك، ويدعي..‏

لم أدعه يكمل فمتى ما بدأ الثعلب بالنصح فقدت دجاجاتك..‏

-لا يصدق الثعلب إلاّ الثعلب.. ثم إنني لم أبدأ معه بعد بشأن الأرض أرتبك، أهتز بصورة ملحوظة. التقط إشارتي فأرتعشت يده وفضحت قسمات وجهه عن مدى اضطرابه. وقبل أن يتكلم أحد استطردت.‏

-أسألكم جميعاً-وعمري سيصل الثلاثين-أسمعتم أحداً يشكو مني؟ هل تجاسرت أو اعتديت على أحد منكم؟ لم أسمع أحداً كلاماً سيئاً، جارحاً، طوال عمري.‏

عشت بينكم بعيداً عن المشاكل، لم أمد يدي لمال أحد، أو أرفع بصري في وجه نسائكم أو بناتكم.. لم أخدش شرفكم.. فماذا حصلت؟ ضاع حقي...‏

-ابني يشرّفكم.. أشرف منكم جميعاً..‏

-الآن عدت لأطالب بحقوقي الضائعة.. كل حقوقي.. كان بيني وبين سعدو حساب قديم، صفيناه بهدوء.. حسابٌ اعترف به أمام الخالة زهرة وانتهينا منه. فلم تحشر أنفك وتتدخل؟‏

ازدرد ريقه. راح يغالب أمره ليتمالك نفسه ويخفي اضطرابه.‏

وبينما ران السكون وتوتر الجو. أخذ ينظر عبر الصمت المريب يحاول أن يستجلي حقيقة ما تراه حدقتاه.‏

-ألا تعرف أن الظلم لا يدوم ومرتعه وخيم يا سلماني؟‏

-كفى.. عمّ.. تتكلم؟‏

قاطعني بنبرة جافة، زعق ثانية مهدداً، ملوحاً بقبضته.‏

-من تحسب نفسك يا مجنون؟ لقد تماديت كثيراً.. تعديت حدودك..‏

لم أسمع بقية الكلام، فالغليان اندفع في أعماقي كالمراجل استفحل جنوني، واختمر الذل في داخلي حتى اشتعل ثورة لا تطفئها حراب الآغا ورجاله.‏

ومن جديد أدركت ضرورة الإسراع. والتصرف دون تردد.. كي لا أدعه هو يتمادى.. فسكوتي يعني أستسلامي، وضياع الفرصة التي تمنيتها، وانتظرتها طويلاً.. وها هو السلماني يتيحها لي.. يفرشها أمامي كبساط.‏

-اشهدوا يا رجال، إن منير سبني أمامكم دون وجه حق. ويبدو أنه يريد أخذ ثأر الأشهر الستة... لكني لن أمكنه. لم أكمل.. تعمدت مباغتتهم جميعاً، واستغلال عامل الوقت قفزت صوبه بخفة. وفي خلال ثوان كنت أقف خلفه وقبضتي اليمنى التي تتحكم بالمنجل على رقبته، واليسرى تمسك خصلة من شعره الأسود الفاحم.‏

حاول الحركة والإفلات فضربته بقدمي، رفسته فخمد كخروف العيد. وتقافز الرجال الثلاثة مبتعدين، كأرانب مذعورة. وتحرك حسان مصعوقاً وهدد. وشهر حمودة بندقية فحذرتهم:‏

-أبقوا في أمكنتكم ولا تخافوا.. لن يمسكم مني أذى.. وأنت أيها الأعور الذليل، أحذر من أن تخطئ الهدف فتصيب سيدك قبل أن أحز رقبته.‏

ران الصمت مرة أخرى. ثم راح السلماني الذي أخذته المفاجأة يرتعش ويتوسل. كأنه فطن أخيراً لمقدار تهوره، وأردك أنه أشعل النار في بيته، فخاف من الإنفجار المدمر، بعيد المدى، فقال مراوغاً:‏

-ماذا تريد يا بني؟ وأنت يا حمودة ألق البندقية.. ألق.. كلماته "المهذبة" أعطتني أنطباعاً بتخاذله أعلمتني بانهياره السريع غير المتوقع:‏

-بكم باعك أبي أرضه؟ بكم اشتريتها؟‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 11:09 AM   #27
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

-اتركه.. اترك أبي واخرج.. وإلاّ..‏

هدد حسان بإنفعال وهو يخطو باتجاهنا فنهره:‏

-ارجع يا حسان.. ارجع ولا تتهور.‏

توقف الابن ومن ثم تراجع. وعاد السلماني يرواغني ورقبته بيدي:‏

-أبوك! اللّه يرحمه.. لا أفهم!! قل ماذا تريد؟‏

"ما أسهل فرض الشروط وإصدار الأوامر وأنت في موقع القوة والاقتدار!" هكذا حدثت نفسي ظناً مني بالنجاح.. لكني لمحت إشارة خفية من حاجبي السلماني، مرسلة إلى ابنه فعرضت مقدار غبائي، لأنني تأخرت كثيراً..‏

تطلعت إلى حمودة المرتعب، فخمنت دون عناء إنهم سيغدرون بي.. برزت صورة العميد أمامي على حين غرة! حلت ساخرة هازئة مستخفة، فتوترت أعصابي وتحركت أصابعي رغماً عني فحركت المنجل ليحز لحم الرقبة الغليظة!‏

انبثق الدم كشلال وجأر "الآغا" ككبش ذبيح، وصرخت أمي محذرة، وصرخ حسان متوسلاً:‏

كدت أجن. استسهلت حركة المنجل وهممت بذبحه لولا العقل! بقايا العقل أشارت عليّ بأن أقتلع الفكرة من نفسي المعذبة، وأستفيد من الفرصة المتاحة.‏

خرجت حشرجة من حلق السلماني. وتحلب فمه لعاباً وكأنه شم رائحة حليب أمه في فمه تحول صراخه الغاضب إلى همهمة الرضا والاستسلام التام.‏

تسابق الرجال بالفرار ووقف الابن مذهولاً حائراً.‏

وأخذ حمودة يتحرك كمن في دبره دودة، هلعاً لا يكاد يثق بماتراه عينه. وذعرت أمي لرؤية الدم المنساب شهقت، توسلت ألا أتهور وفرت هي الأخرى مرعوبة.‏

-لا تظنني ساذجاً.. أخبرتك بأني جئت لأخذ حقي فعليك الامتثال والخنوع لأمري، بدل الغمز لأبنك.. الحل الأمثل أمامك، الذي ينجيك من الذبح هو إعادة الحق إلى نصابه.‏

كلمته بحدة فلم ينبس بحرف، أخذ يبكي كرضيع تاه ثغره عن ثدي أمه.‏

-بكم اشتريت الأرض من أبي يا سلماني؟‏

-بألفين..‏

-هل سلمتها له حقاً؟ أم تقاسمتها مع شهود الزور؟‏

-.....‏

-من زور بصماته؟‏

سألته وكفي يتراقص أمام عينيه ملطخاً بدمه فلم يجب.‏

-ما عاد الإنكار مفيداً. أطلعني الجمولي على كل شيء، أعترف بتزوير ورقة البيع، وشهادة الأعور وسعدو الباطلة.‏

-الجمولي!!‏

-كافة الأوراق والمستمسكات أصبحت في حوزتي. سلمتها بيد محام شريف. نصحني بإقناعك أولاً قبل إثارة الموضوع ورفع الدعوى .‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 11:09 AM   #28
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

من هو؟!‏

-سأفضحك وحق الله.. إذا لعبت بذيلك..‏

-ماذا تريد يا بني؟ أنا طوع أمرك..‏

أبدى مرونة! تنازل عن جبروته ومسح دموعه.‏

-لا أريد سوى حقي.. تعيد لي الأرض فوراً.‏

استمر ببكائه. فلوحت بكفي الملطخ بالدم.‏

-إضافة إلى ما يترتب عليك جراء استغلالها طوال هذه السنين.. لو حسبنا كل سنة بألف مثلاً..‏

-أنت تعرف أنها أرض متروكة وأني..‏

-أتعتقد أنني أصدقك؟. وأنت الذي رأيت "هبة المدفونة" تفر من الحديقة بحقيبتها!‏

صعق. رفع رأسه ونظر إليّ بعينيه الباكيتين وأقسم:‏

-بشر في.. سأعيد الأرض لكم.. وسأدفع كل ما تطلبه..‏

-لا أريد ابترزازك.. لقد حرمتنا من أرضنا طوال هذه السنين.‏

-قل كم تريد؟‏

-أتراني أستحق ألفي دينار..‏

-تستحق.. سأدفعها لك الآن.. الآن..‏

-إضافة إلى هبة، لا تظنني غافلاً عن دار أربيل والعزيزة "كهرمانة" فقد انضباطه ووقاره تماماً. ارتعشت شفته العليا، وتراقصت شعيرات شاربه. بينما جمد الابن والخادم في مكانيهما،‏

-يا كاكاحمه.. قل ماذا تريد بعد؟‏

-لا شيء.. سوى الأرض الشرقية.. أرض أبي، وما عليها..‏

-خذها مجاناً.. وأغلق فمك..‏

-لا أريد هذه المكرمة.. سأشتري التجهيزات بفلوسي لا بسكوتي.‏

-بعتها لك بألف دينار.‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 11:09 AM   #29
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

وأنا اشتريتها بخمسمائة دينار.‏

-مبروك عليك يا كاكاحمه.. مبروك.. إنها لك بشرفي.. همس بصوت خائف. فانبرى حسان معترضاً.‏

-لا يا أبي.. لا..‏

-اسكت أنت.. اسكت.‏

صاح بابنه مما شجعني لمخاطبة حسان باحتقار:‏

-اتعترض بعد كل ما سمعته! أمامك السيد الوالد وشاهد الزور الأعور يمكنك التأكد منهما.. هيا أسألهما.. هيّا. سكت فازددت حماساً بينما صمت الأب وخادمه: أخبره بالحقيقة يا سلماني.. وأنت يا حمودة، أفي كلامي مبالغة أو افتراء؟ ألم تشهد زوراً مع سعدو في جريمة سيدك بالاشتراك مع الجمولي واصلاً الصمت، فاستطردت آمراً حسان:‏

-اذهب إلى بيت المختار. ليأت بسرعة ومعه محمد، كاتب البلدية. أبدى امتناعاً فحثه الأب المجروح، والدم يسيل من رقبته على قميصه.‏

-امض يا بني.. امض.. أنت يا حمودة أسرع فامض.. هيا امض.. بسرعة أمر خادمه حين لحظ تردد ابنه، وتدخلت بدوري مهدداً:‏

-قبل خروجك، ألق بندقيتك جانباً.. وإياك أن تتهور. رقبة سيدك ستدوسها قدمي قبل أن تقكر بشيء قذر.. وثق أنني سأفقأ عينك الثانية.. ثق، قبل تسليمك للشرطة بتهمة التزوير..‏

-نفذ ما يقوله لك كاكاحمه.. نفذ يا حموده..‏

زمجر السلماني ويده تتحسس رقبته. فانطلق الأعور راكضاً لا يلوي على شيء.‏

-أحسنت يا آغا.. أحسنت.. بدأت تحكم عقلك..‏

قلت له قبل أن يدخل سلطان متوسلاً:‏

-دخليلك يا كاكاحمه.. خذلي حقي من الآغا.. خذ لي حقي.. امتعضت، بصقت على الأرض. ورددت كلماته التي قالها لي ذات يوم:‏

-امشي يا سلطان "حقك تأخذه بنفسك.. لست مسؤولاً عنك ... امش يا جبان..."‏

قبل أن يمتهن السياقة، كان سلطان تاجر الخضراوات والفواكه الوحيد، في القرية، والمتعهد الرئيسي لنقل البضائع بيننا وبين أربيل والقرى المجاورة. ولولا الطمع لغدا سيد القرية دون منازع دفعه الشيطان ليشارك السلماني بحجة تصدير محاصيلنا إلى الموصل وبغداد. لم تدم الشراكة سوى أشهر غدر به السلماني بلؤم.. سلخ جلده وطرده. وأعطى الوكالة لسعدو قبل أن ينفرد بها حسان ابنه..‏

ارتبك سلطان أحسّ بالخذلان وتذكر ذلك اليوم الذي التجأت إليه أطلب مساعدته ليكلم شريكه ويرد حقوقنا فنهرني.. وطردني..‏

أبعد السلماني يدي عن رقبته. ومضى بمراوغته.‏

-أحسنت يا كاكاحمه.... بارك الله بك... كل شيء حلال عليك. أضاف وهو يمسح الدم بذيل قميصه:‏

-أنت رجل..... أثبت رجولتك...‏

-المبلغ الباقي متى ستدفعه؟ ألف وخمسمائة ديناراً‏

-غداً... والله العظيم.. نقودي في البنك...‏

-أعرف.. سلمك الجمولي خمسة آلاف.. لذا سأمهلك حتى عصر الغد.. واحذر أنت والجمولي.. قل له ستسلم الأوراق للقضاء عند أول بادرة سوء منه.. وليبتعد عني ولا يريني وجهه ما دام حياً. قاطعني وهو يلقي بعنقه المدمى إلى الخلف. مريحاً رأسه على الجدار. وهرع حسان يخفف عنه، ويساعده.‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 11:09 AM   #30
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

أعطيتك كلمة.. ولن أتراجع عنها..‏

-يا كاكاحمه..‏

أراد سلطان أن يتملقني فنهرته دون أن أبرح مكاني:‏

-الأيام تعيد نفسها يا أبا محمد! قبل قليل قلت للسلماني: "الظلم مرتعه وخيم.." وأقول لك الآن: أن من أصلح سريرته أصلح الله علانيته.. فأخرس يا سلطان.. وأخرج.‏

رفض سلطان وتحرك محتجاً. فقفز حسان صوبه. يروم إفراغ حقده، ضربه بدلاً عني. فمنعه والده:‏

-قف يا حسان.. اهدأ واعقل.. اترك سلطان ليخرج.. استجاب الابن وتوقف. توقعت مثل سلطان أن يبادر السلماني إلى ما يفرحه لكنه أمر حسان:‏

-اذهب إلى البيت. اجلب لي من غرفتي، قنينة كولونيا. لأعقم الجرح.. قد يكون المنجل ملوثاً.. سامحك الله ياكاكاحمه.. سامحك الله..‏

استدار سلطان ليغادر المضيف متلوعاً من الفشل فناداه السلماني:‏

-مر عليّ غداً يا سلطان.. مر عليّ غداً.. غداً..‏

-حاضر.. سيدي الآغا.. حاضر..‏

هتف سلطان بتملق.. وحلق طائراً.. وتبعه حسان.‏

-لماذا فعلت بي هذا يا كاكاحمه؟ لماذا؟ أهنتني أمام أصحابي.. أما كان التفاهم أفضل!‏

الخوف والجبن حولا "الآغا الكبير" من وحش كاسر إلى قطّ مسالم فراح يسترضيني، ويهدئ من ثورتي. كأنه قرأ ما في أعماقي وأدرك جديتي..‏

أنت البادئ، والبادئ أظلم.‏

عاد حسان بعد دقيقة بقنينة الكولونيا، ومنشفة نظيفة.‏

تناولهما الأب وشرع يمسح الجرح النازف، ويرش المطهر.‏

وبعد دقائق جاء عبد اللّه المختار، يرافقه محمد حاملاً حقيبته الجلدية.‏

فزعا لرؤية الجرح، الدماء وزاد فزعاً لرؤية منجلي. ووضعية "الآغا".. المسالم!‏

-ماذا جرى يا بني؟ ماذا جرى؟‏

-سألني المختار فأجاب السلماني بدلاً عني:‏

-لا شيء يا حضرة المختار، لا شيء.. حصل سوء تفاهم، وانتهى بحمد اللّه..‏


  اقتباس المشاركة
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:59 PM.