| الإهداءات |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |

|
|
#21 | ||
|
قوة السمعة: 203
![]() ![]() ![]() |
أبو يوسف
في مدينة الكوفة ولد أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري سنة 113هـ، وتطلع إلى العلم والدراسة فلم يجد خيرًا من مجلس الفقيه الكبير (أبي حنيفة) فتتلمذ على يديه، ودرس عنده أصول الدين والحديث والفقه. ولصحبته لأبي حنيفة قصة يرويها لنا (أبو يوسف) فيقول: كنت أطلب الحديث والفقه عند أبي حنيفة، وأنا مقل (يعني قليل المال) رث الحال والهيئة، فجاءني أبي يومًا فانصرفت معه، فقال لي: يا بني، لا تمد رجلك مع أبي حنيفة (أي لا تذهب إليه) فإن أبا حنيفة خبزه مشوي (يقصد أنه غني وقادر على أن يعيش عيشة كريمة) وأنت تحتاج إلى معاش (عمل حتى تنفق على نفسك ولا تنقطع للعلم)، فقصرت عن كثير من الطلب (أي طلب العلم) وآثرت طاعة أبي، فتفقدني أبو حنيفة وسأل عني، فلما كان أول يوم أتيته بعد تأخري عنه؛ فقال لي: ما شغلك عنا ؟ قلت: الشغل بالناس وطاعة والدي، وجلست حتى انصرف الناس، ثم دفع لي صرة وقال: استمتع بها. فنظرت فإذا فيها مائة درهم وقال: الزم الحلقة وإذا أفرغت هذه (إذا أنفقتها) فأعلمني، فلزمت الحلقة، فلما قضيت مدة يسيرة، دفع إليَّ مائة أخرى، ثم كان يتعهدني (يرعاني) وما أعلمته بقلة قط، ولا أخبرته بنفاد شيء، وكأنه يخبر بنفادها وظل كذلك حتى استغنيت. ولم يكن لأبي حنيفة تلميذ في نجابة أبي يوسف وذكائه، فقد استمر في تلقي العلم حتى حفظ التفسير والحديث والمغازي وأيام العرب، وسار أبو يوسف على نهج أستاذه أبي حنيفة في الفقه، إلا أنه كانت له اجتهادات خاصة به، وألف كتبًا كثيرة أشهرها كتاب (الخراج) وهو رسالة في إدارة المال العام والقضاء، وقد قربه الخليفة (هارون الرشيد) إليه، وولاه القضاء، ومنحه لقب قاضي القضاة، وكان يستشيره في أمور الدين والدنيا. وفي عام (182هـ) مات أبو يوسف وهو يقول: اللهم إنك تعلم أنني لم أجر في حكم حكمت فيه بين اثنين من عبادك تعمدًا، وقد اجتهدت في الحكم بما وافق كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم، وكلما أشكل عليَّ أمر جعلت أبا حنيفة بيني وبينك، ومات الفقيه أبو يوسف، فحزن عليه الناس جميعًا؛ وقال صديقه أبو يعقوب الحريمي: (اليوم مات الفقيه).. فرحم الله أبا يوسف وأسكنه فسيح جناته. |
||
|
|||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#22 | ||
|
قوة السمعة: 203
![]() ![]() ![]() |
مالك بن أنس
بُشِّر أنس بن مالك بن أبي عامر ذات يوم ببشرى سعيدة، فقد رزقه الله بمولود أسماه (مالكًا) كان ذلك الحدث السعيد سنة ثلاث وتسعين من الهجرة على بقعة من أطهر بقاع الأرض وهي المدينة المنورة، البلد الذي هاجر إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، فاستنارت بهم وازدانت. فتح مالك عينيه على الحياة، فوجد التقدير والمهابة يعم المدينة وأهلها، وكيف لا وقد حوى ترابها جثمان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ودفن فيها، وضمت أرجاؤها حلقات العلم التي تنتشر في كل مكان. نشأ الطفل في أسرة تشتغل بالعلم، فجده (مالك بن أبي عامر) من كبار التابعين فشجعه ذلك على حفظ القرآن الكريم، فأتم حفظه وأتقن تلاوته، لكنه لم يكتفِ بذلك بل إنه أراد حفظ أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذهب إلى أمه وقال لها: يا أماه إني أحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأريد أن أحفظ أحاديثه، فكيف لي بذلك؟! ابتسمت أمه ابتسامة صافية، وضمته إليها، ثم ألبسته ثيابًا جميلة وعممته وقالت له: اذهب إلى (ربيعة الرأي) -وكان فقيهًا كبيرًا- وتعلم من أدبه قبل علمه. فجلس الطفل الصغير -مالك بن أنس- يستمع إلى شيخه وينهل من علمه، وبعد انتهاء الدرس يسرع بالجلوس تحت ظلال الأشجار ليحفظ ما سمعه من معلمه؛ حتى لا ينساه، وقد رأته أخته ذات مرة وهو على هذه الحال؛ فذهبت إلى أبيها وقصت عليه ما شاهدته، فقال لها: يا بنيتي إنه يحفظ أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان مالك بن أنس كغيره من الأطفال الصغار يحب اللعب؛ فشغله ذلك عن الدرس والعلم قليلاً إلى أن حدث له موقف كان له أثر كبير في حياته، فقد سأله أبوه يومًا في مسألة هو وأخوه النضر، فأصاب النضر، وأخطأ مالك في الرد على السؤال؛ فغضب منه والده، فكانت هذه الحادثة سببًا في عزمه على الجد والاجتهاد في العلم، فذهب من فوره إلى (ابن هرمز) وهو عالم كبير، فأخذ يتلقى العلم عليه سبع سنوات، وكان شديد الحرص على الاستفادة منه خلالها. قال (ابن هرمز) لجاريته في يوم من الأيام: انظري من بالباب، فلم تر إلا (مالكًا) فرجعت إلى الشيخ وقالت له: لا يوجد إلا ذلك الغلام الأشقر (تعني مالكًا) فقال لها: دعيه يدخل فذلك عالم الناس!! وتعلم منه مالك كيف يرد على أصحاب البدع والضلالات، وأراد مالك المزيد، فذهب إلى نافع (مولى عبد الله بن عمر) أحد الرواة العظام الذين رووا عن ابن عمر أحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- وكان ينتظره في شدة الحر يترقب خروجه من منزله، ثم يصطحبه إلى المسجد، حتى إذا ما انتهى (نافع) من أداء الصلاة ومكث برهة؛ انتهز الصبي الصغير الفرصة وسأله في الحديث والفقه، فنهل من علمه وأخذ عنه ما في رأسه من نور رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم لازم مالك بن أنس المحدث الكبير (ابن شهاب الزهري) ليتعلم على يديه، وحرص على ألا يفوته درس من دروس هذا الشيخ، حتى يوم العيد نفسه وهو اليوم الذي يلهو فيه الصبيان ويمرحون، روي عن مالك أنه قال: شهدت العيد، فقلت: هذا يوم يخلو فيه ابن شهاب، فانصرفت من المصلى حتى جلست على بابه، فسمعته يقول لجاريته: انظري من بالباب، فنظرت، فسمعتها تقول: مولاك الأشقر مالك.. قال: أدخليه، فدخلت، فقال: ما أراك انصرفت بعد إلى منزلك؟ قلت: لا، قال: هل أكلت شيئًا ؟ قلت: لا، قال: اطعم، قلت: لا حاجة لي فيه، قال: فما تريد؟ قلت: تحدثني.. قال لي: هات، فأخرجت ألواحي، فحدثني بأربعين حديثًا فقلت: زدني، قال: حسبك، إن كنت رويت هذه الأحاديث (أي يكفيك هذه الأحاديث إن كنت حفظتها) فأنت من الحفاظ، قلت: قد رويتها، فجذب الألواح من يدي، ثم قال حدث، فحدثته بها، فردها إليَّ.. أي الألواح. ولم يكن بالمدينة عالم من بعد التابعين يشبه مالكًا في العلم والفقه، والحفظ، والعزة ولم يجلس للفتوى حتى شهد له سبعون من جلة العلماء أنه أهل لذلك، يقول الإمام مالك: (ما أجبت في الفتوى حتى سألت من هو أعلم مني: هل تراني موضعًا لذلك؟ سألت ربيعة، وسألت يحيى بن سعيد، فأمراني بذلك، فقال له رجل: فلو أنهم نهوك؟ قال مالك: كنت أنتهي، لا ينبغي للرجل أن يبذل نفسه حتى يسأل من هو أعلم منه). اشتهر الإمام مالك بكتابه (الموطأ) وهو كتاب حديث وفقه معًا، جمع فيه ما قوي عنده من حديث أهل الحجاز وأضاف إليه أقوال الصحابة وفتاوى التابعين، ثم رتبه على أبواب الفقه كالطهارة والصلاة والزكاة، وقد عمل في هذا الكتاب نحو أربعين عامًا، وقد تلقاه الناس بالقبول، وسمى مالك كتابه بهذا الاسم لأنه مهد به للناس ما اشتمل عليه من الحديث والفقه، أو لأن العلماء المعاصرين له بالمدينة واطئوه ووافقوه عليه، وقد طُبِعَ الكتاب كثيرًا في مصر والهند. والإمام مالك هو مؤسس المذهب المالكي الذي انتشر في المغرب العربي وبلاد الأندلس وصعيد مصر، فهذا هو مالك بن أنس شيخ الأئمة، وإمام دار الهجرة، مات بالمدينة سنة 179هـ وهو ابن تسعين سنة |
||
|
|||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#23 | ||
|
قوة السمعة: 203
![]() ![]() ![]() |
الليث بن سعد
لله درك يا إمام.. لقد حزت أربع خصال لم يكملن لعالم: العلم، والعمل، والزهد والورع. في سنة 94هـ، وفي أحد أيامها المباركة ولد الليث بن سعد، في قرية (قرقشندة) من قرى مصر، ونشأ ذلك الطفل بين ربوع تلك القرية، فوجد الأطفال يتعلمون القراءة والكتابة ويحفظون القرآن الكريم، فأسرع الليث إلى منزله، وأحضر أوراقه وقلمه، وبدأ يحفظ القرآن الكريم، ثم درس الحديث والفقه والعلوم العربية، فسبق زملاءه، وساعده على ذلك نبوغه المبكر، وذكاؤه الفريد. واصل الليث الدراسة والتعلم والحفظ، فكان كلما قرأ شيئًا في الفقه أو الحديث عَلَقَ بذاكرته وحفظه فلا ينساه أبدًا، فقد كان قوي الذاكرة، جيد الحفظ، ولفت الفتى الليث الأنظار إليه بعلمه وورعه، وأصبحت له مكانة كبيرة بين أهله، يعرفون فضله، ويقدمونه على من سواه، ولكن الفتى لم يغترَّ بهذه الشهرة، ولم يخلد إليها ولا إلى التقدير الذي كان له وسط العلماء، بل استمر يتعلم ويتزود وينهل من غيره من العلماء، حتى صار أستاذًا يدرس للعلماء. واشتاقت نفس الليث يومًا لزيارة بيت الله الحرام وزيارة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- فشدَّ رحاله وأعد نفسه للسفر، وهناك في تلك الأراضي المقدسة كانت حلقات العلم منتشرة في كل مكان؛ والتقى هناك بـ(عطاء بن أبي رباح) و(ابن أبي مليكة) و(نافع مولى ابن عمر) و(ابن شهاب الزهري).. وغيرهم، فأخذ عنهم ونهل منهم رغم رسوخه في العلم، ومضت الأيام والسنون، وأصبح الليث شيخًا جاوز الخمسين من عمره، وهو لا يمل العلم والتعلم؛ حتى أصبح من كبار العلماء في عصره. وكان الإمام الفقيه الليث بن سعد غنيًّا، ينفق كل سنة على الفقراء والمساكين أكثر من خمسين ألف دينار ولا يدخر منها شيئًا لنفسه، ويتصدق في كل صلاة على ثلاثمائة مسكين، ويطعم الناس عسل النحل وسمن البقر في الشتاء، واللوز والسكر في الصيف. جاءته امرأة ذات يوم وقالت له: يا شيخنا، إن لي ابنًا مريضًا يشتهي أكل العسل، فقال الليث: يا غلام، أعطها مرطًا من عسل (والمرط: مائة وعشرون رطلاً) وكان مع المرأة إناء صغير الحجم، فلما رآه الغلام قال: يا شيخنا إنها تطلب قليلاً من العسل، فقال الليث: إنها طلبت على قَدْرِهَا ونحن نعطيها على قدرنا، وأمره أن يعطيها المرط. ولم يكن الليث بن سعد كريمًا على أهل بلده فحسب، بل كان سخيًّا كريم اليد على الآخرين، فيحكى عنه أنه لما جاء إلى المدينة المنورة بعث إليه الإمام مالك بن أنس بطبق من الرطب، فلم يشأ الليث أن يرد الطبق إلى الإمام مالك خاويًا، فوضع في الطبق ألف دينار ورده إليه. وقد شهد له كثير من علماء عصره بعلمه وفضله؛ سئل الإمام أحمد بن حنبل ذات مرة عن الليث، فقال: الليث بن سعد كثير العلم، صحيح الحديث، وقال عنه يحيى بن بكير: ما رأيت أحدًا أكمل من الليث بن سعد، كان فقيه البدن، عربي اللسان، يحسن القرآن والنحو، ويحفظ الحديث والشعر، حسن المذاكرة، لم أَرَ مثله. وقد عرض عليه الخليفة المهدي ذات يوم أن يتولى القضاء، ويعطيه من بيت المال مائة ألف درهم، فرفض وقال: إني عاهدت الله ألا ألي شيئًا، وأعيذ أمير المؤمنين بالله ألا أفي بعهدي، فقال له المهدي: الله.. قال الليث: الله.. قال المهدي: انطلق فقد أعفيتك، وكان الليث زاهدًا في حكام الدنيا، مشغولاً عن الجاه والسلطان بغرس الأخلاق العظيمة في نفوس الناس، وكان يصل النهار بالليل في العلم والعبادة ليرضي ربه. وفي سنة 175هـ توفي الإمام الكبير الليث بن سعد، فحزن الناس عليه حزنًا شديدًا، وكان الشافعي -رضي الله عنه- يحب لقاءه، فلم يمهله القدر فوقف يومًا على قبره وقال: لله درك يا إمام، لقد حزت أربع خصال لم يكملن لعالم: العلم، والعمل، والزهد، والورع. |
||
|
|||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#24 | ||
|
قوة السمعة: 203
![]() ![]() ![]() |
أبو حنيفة النعمان
كان كثير العبادة، لا ينام الليل إلا قليلا؛ حتى سموه (الوتد) لكثرة صلاته، يبكي حتى يسمع جيرانه بكاءه فيشفقون عليه مما هو فيه من خوف ووجل من الله!! وأبوه (ثابت) كان تاجرًا غنيًّا أسلم فحسن إسلامه، قيل: إنه التقى بالإمام على بن أبي طالب -رضي الله عنه- فدعا له الإمام ولذريته بالخير والبركة، واستجاب الله الدعاء، ورزق الله ثابتًا بطفل أسماه النعمان وكناه (أبا حنيفة النعمان بن ثابت) وكانت ولادته سنة ثمانين للهجرة بمدينة الكوفة. نشأ أبو حنيفة في مدينة الكوفة، فوجد الحلقات العلمية منتشرة في كل مكان، ورأى طلاب العلم يتعلمون ويجتهدون في الدراسة؛ فتلقى العلم على يد شيوخ وأساتذة كبار، منهم: فقيه الكوفة (حماد بن أبي سليمان) والإمام (جعفر الصادق) و(عطاء) و(الزهري) و(قتادة).. وغيرهم، وكان(حماد) من أكثر شيوخه الذين يحبهم؛ فكان أبو حنيفة يحفظ أقواله ويرددها، وأعجب حماد هو الآخر بتلميذه (أبي حنيفة) حتى قال لمن حوله: لا يجلس في صدر الحلقة بجواري غير أبي حنيفة. وبعد موت حماد تولى ابن له اسمه إسماعيل حلقة الدرس بدلا من أبيه، لكنه ترك مجلس الفقه وانتقل إلى النحو لحبه له، فجاء الناس إلى (أبي حنيفة) يطلبون منه أن يجلس إليهم ويعلمهم أمور دينهم؛ فقبل أبو حنيفة، وأخذ يدرس للناس حتى اشتهر فقهه بين البسطاء والأمراء، لكنه لم ينْسَ فضل شيخه وأستاذه (حماد) بل ظل يذكره بالخير، ويدعو له حتى قال أبو حنيفة: (ما صليتُ قط إلا ودعوتُ لشيخي (حماد) ولكل من تعلمتُ منه علمًا أو علمته). وكان أبو حنيفة يهتم بملبسه ومظهره، ويكثر التعطر، ويُرى وقورًا حليمًا، فهو الذي يقول: (اللهم من ضاق بنا صدره، فإن قلوبنا قد اتسعت له) ولقد سبه أحد الناس بقوله: يا مبتدع، يا زنديق، فردَّ عليه بقوله: غفر الله لك، الله يعلم مني خلاف ذلك، وأني ما عدلت به (أي ما أشركت به أحدًا) منذ عرفته، ولا أرجو إلا عفوه، ولا أخاف إلا عقابه. وكان أبو حنيفة كريمًا واسع الكرم، وتاجرًا أمينًا ماهرًا، ظل يعمل بالتجارة طوال حياته، وكان له دكان معروف في (الكوفة) كان أبو حنيفة -رضي الله عنه- يحب العمل حتى ينفق على نفسه، فكان يبيع الخز (وهو نسيج من الصوف). سمع أبو حنيفة رجلاً يقول لآخر: هذا أبو حنيفة لا ينام الليل؛ فقال: والله لا يتحدث عني بما لم أفعل؛ فكان يحيي الليل صلاة وتضرعًا، فكان ورعًا، ولا يحدث بالحديث الذي يحفظه، ولا يحدث بما لا يحفظ، وكان يتورع عن القسم خشية الهلاك، حتى إنه جعل على نفسه إن حلف بالله صادقًا أن يتصدق بدينار. وكان واسع الصدر هادئ الطبع في حديثه مع الناس، فلقد روي أن رجلاً قال له: اتق الله، فانتفض، وطأطأ رأسه، وأطرق.. وقال له: يا أخي جزاك الله خيرًا، ما أحوج الناس في كل وقت إلى من يذكرهم الله تعالى، وكان يخاف عاقبة الظلم؛ لذا رفض تولي القضاء للخليفة المنصور العباسي. ومات سنة 150هـ، وصلى عليه خمسون ألف رجل، ودفن في بغداد، ويقال إنه مات في نفس الليلة التي ولد فيها الإمام الشافعي. وأبو حنيفة هو مؤسس المذهب الحنفي أحد المذاهب الفقهية الأربعة، وقد انتشر مذهبه في العراق والهند وبلاد المشرق، يقول عنه الشافعي: (الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة) وقال عنه النضر بن شميل: كان الناس نيامًا في الفقه حتى أيقظهم أبو حنيفة، وقيل: لو وزن علم الإمام أبي حنيفة بعلم أهل زمانه لرجح علمه عليهم، وقال عنه ابن المبارك: (ما رأيت في الفقه مثل أبي حنيفة) وقال عنه يزيد بن هارون: (ما رأيت أحدًا أحلم من أبي حنيفة). |
||
|
|||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#25 | ||
|
قوة السمعة: 203
![]() ![]() ![]() |
لمحة عن حياة الإمام ابن تيمية
بسم الله الرحمن الرحيم لمحة عن حياة الإمام ابن تيمية 661 - 728 هو شيخ الإسلام ابن تيمية الإمام المحدث الحافظ الناقد والمفسر الغواص في معاني القرآن والمؤرخ المطلع على أحداث التاريخ المبرز في العلوم النقلية والعقلية على كبار المتخصصين فيها والآمر بالمعروف الناهي عن المنكر الزاهد العابد المجاهد المظفر في ميادين القتال وفي ميادين الدفاع عن حياض الإسلام بالحجة والبرهان. سيف الله المسلول على الفلاسفة والملحدين وعلى الغلاة المبتدعين، جندت كثير من الأقلام لترجمته وإبراز شخصيته الفذة وسطرت في هذا الشأن عشرات من المجلدات(1) وفي ذلك ما يغني القارئ عن أن أترجم له في هذه المقدمة، غير أني أرى أن أتحف القارئ بشذرات مما زكاه به كبار علماء عصره تتناول بعض الجوانب من حياته وأن أعطيه فكرة مجملة عن كثرة مصنفاته الدالة على تبحره في العلوم وامتلاك نواصيها. 1 - قال الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبدالهادي (ت744): "هو الشيخ الإمام الرباني إمام الأئمة، ومفتي الأمة، وبحر العلوم، سيد الحفاظ، وفارس المعاني والألفاظ، فريد العصر وقريع الدهر، شيخ الإسلام، وعلامة الزمان ترجمان القرآن، علم الزهاد، أوحد العباد وقامع المبتدعين وآخر المجتهدين، تقي الدين أبوالعباس، أحمد بن الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين أبي المحاسن، عبد الحليم بن الشيخ الإمام العلامة، شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات، عبد السلام بن أبي محمد عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله ابن تيمية الحراني، نزيل دمشق، صاحب التصانيف التي لم يسبق إلى مثلها"(2). 2 - وقال الإمام الحافظ الفقيه الأديب ابن سيد الناس فتح الدين أبوالفتح محمد بن محمد اليعمري المصري الشافعي: وهو يتحدث عن المزي: "وهو الذي حداني على رؤية الشيخ الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، فألفيته ممن أدرك من العلوم حظاً، وكاد أن يستوعب السنن والآثار حفظاً. إن تكلم في التفسير، فهو حامل رايته، أو أفتى في الفقه، فهو مدرك غايته، أو ذاكر في الحديث فهو صاحب علمه وذو روايته، أو حاضر بالملل والنحل، لم ير أوسع من نحلته في ذلك، ولا أرفع من درايته. برز في كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله ولا رأت عينه مثل نفسه(3). 3 - وقال الإمام الحافظ الناقد أبوالحجاج يوسف المزي (ت742): ما رأيت مثله، ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله وسنة رسوله ولا أتبع لهما منه". 4 - وقال العلامة كمال الدين ابن الزملكاني: "كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحدًا لا يعرفه مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف، إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا قد عرفوه قبل ذلك، ولا يعرف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه ولا تكلم في علم من العلوم سواء أكان من علوم الشرع أم غيرها إلا فاق فيه أهله والمنسوبين إليه، وكانت له اليد الطولى في حسن التصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين.. واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها"(4). وقال الإمام الحافظ أبوعبد الله شمس الدين الذهبي (ت 748) وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "كان آية في الذكاء وسرعة الإدراك رأساً في معرفة الكتاب والسنة، والاختلاف، بحراً في النقليات، هو في زمانه فريد عصره علماً وزهداً وشجاعة وسخاء وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر وكثرة التصانيف وقرأ وحصل وبرع في الحديث والفقه وتأهل للتدريس والفتوى وهو ابن سبع عشرة سنة وتقدم في علم الأصول وجميع علوم الإسلام: أصولها وفروعها، ودقها وجلها سوى علم القراءات فإن ذكر التفسير فهو حامل لوائه، وإن عد الفقهاء فهو مجتهدهم المطلق، وإن حضر الحفاظ نطق وخرسوا وسرد وأُبلسوا واستغنى وأفلسوا وإن سمي المتكلمون فهو فردهم، وإليه مرجعهم، وإن لاح ابن سيناء يقدم الفلاسفة فلَّهم وتيَّسهم وهتك أستارهم وكشف عوراهم وله يد طولى في معرفة العربية والصرف واللغة، وهو أعظم من أن يصفه كلمي أو ينبه على شأوه قلمي، فإن سيرته وعلومه ومعارفه ومحنه وتنقلاته تحتمل أن توضع في مجلدتين وهو بشر من البشر له ذنوب فالله يغفر له ويسكنه أعلى الجنة فإنه كان رباني الأمة فريد الزمان وحامل لواء الشريعة وصاحب معضلات المسلمين، وكان رأسا في العلم يبالغ في إطراء قيامه في الحق، والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبالغة ما رأيتها ولا شاهدتها من أحد، ولا لحظتها من فقيه. وقال في مكان آخر: قلت: وله خبرة تامة بالرجال وجرحهم وتعديلهم وطبقاتهم ومعرفة بفنون الحديث وبالعالي والنازل وبالصحيح وبالسقيم مع حفظه لمتونه الذي انفرد به، فلا يبلغ أحد في العصر رتبته، ولا يقاربه وهو عجب في استحضاره واستخراج الحجج منه وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتب الستة والمسند بحيث يصدق عليه أن يقال: "كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث" لكن الإحاطة لله غير أن يغترف من بحر، وغيره من الأئمة يغترفون من السواقي. وأما التفسير فمسلم إليه، وله في استحضار الآيات من القرآن - وقت إقامة الدليل بها على المسألة - قوة عجيبة، وإذا رآه المقرئ تحير فيه، ولفرط إمامته في التفسير وعظم إطلاعه يبين خطأ كثير من أقوال المفسرين ويوهي أقوالاً عديدة وينصر قولاً واحدًا موافقاً لما دل عليه القرآن والحديث. ويكتب في اليوم والليلة من التفسير أو من الفقه أو من الأصلين أو من الرد على الفلاسفة والأوائل نحوًا من أربعة كراريس أو أزيد، وما أبعد أن تصانيفه الآن تبلغ خمسمائة مجلدة، وله في غير مسألة مصنف مفرد في مجلد(5). شيوخه بلغ عدد شيوخه أكثر من مائتي شيخ، من أبرزهم والده عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية (ت 682)، والمحدث أبوالعباس أحمد ابن عبد الدائم (ت668)، وابن أبي اليسر، والشيخ شمس الدين عبد الرحمن المقدسي الحنبلي (ت689)، وابن الظاهري الحافظ أبوالعباس الحلبي الحنفي (ت690). تلاميذه أَمَّا تلاميذه فلا يحصون كثرة، فمن تلاميذه البارزين والمبرزين: 1 - شمس الدين أبوعبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي ابن قيم الجوزية المتوفى سنة (751). 2 - والحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي (ت 744). 3 - والحافظ أبوالحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن المزي المتوفى (742). 4 - والحافظ المؤرخ أبو عبد الله محمد بن عثمان الذهبي (ت748). 5 - وأبوالفتح ابن سيد الناس محمد بن محمد اليعمري المصري (ت734). 6 - والحافظ علم الدين القاسم بن محمد البرزالي (ت739). مؤلفاته: إن مؤلفات هذا الإمام كثيرة جداً بحيث عجز تلاميذه ومحبوه عن إحصائها، قال تلميذه النجيب شمس الدين أبوعبد الله محمد بن أبي بكر المشهور بابن القيم - رحمه الله -: "أما بعد: فإن جماعة من محبي السنة والعلم سألني أن أذكر له ما ألفه الشيخ الإمام العلامة الحافظ أوحد زمانه، تقي الدين أبوالعباس أحمد ابن تيمية - رضي الله عنه - فذكرت لهم أني عجزت عن حصرها وتعدادها لوجوه أبديتها لبعضهم وسأذكرها إن شاء الله فيما بعد...". ثم قال: 1 - "فمما رأيته في التفسير" فذكر اثنين وتسعين مؤلفا ما بين رسالة وقاعدة(6). 2 - قال: "ومما صنفه في الأصول مبتدئًا أو مجيباً لمعترض أو سائل" فذكر عشرين مؤلفاً ما بين كتاب ورسالة وقاعدة(7). 3 - ثم قال: "قواعد وفتاوى" فذكر خمسة وأربعين ومائة ما بين كتاب وقاعدة ورسالة(8). 4 - "الكتب الفقهية" وسرد خمسة وخمسين مؤلفاً ما بين كتاب ورسالة وقاعدة(9). 5 - "وصايا وإجازات ورسائل تتضمن علوماً" بلغت اثنتين وعشرين(10). وذكر الحافظ ابن عبد الهادي كثيرًا من مؤلفات شيخ الإسلام مع ذكر نماذج لبعض المؤلفات والتنويه بمكانتها في كتابه العقود الدرية(11) من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية. هذه لمحة خاطفة عن حياة هذا الإمام العظيم - رحمه الله - وأسكنه فسيح جناته. |
||
|
|||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#26 | ||
|
قوة السمعة: 203
![]() ![]() ![]() |
الإمام البخاري رحمه الله تعالى
نسبه و مولده هو إمام الأمة أبو عبدالله محمد بن اسماعيل بن ابراهيم بن بَردِزبَة الجعفي البخاريأصله فارسي .. فقد كان جده المغيرة مولى لليمان البخاري والي بخارى .. فانتسب إليه بعد إسلامهولد ببخارى سنة 194 هـ ونشأ يتيما و أخذ يحفظ الحديث وهو دون العاشرة رحــلاتــه في طـلـب الـعلـم رحل شيخنا في طلب العلم إلى الشام و مصر و الجزيرة و العراق .. وأقام في الحجاز ستة أعوام يأخذ الحديث عن أربابه .. وتلقى عنه الناس الحديث ولم يبلغ الثامنة عشرة من عمره .. سمع من نحو ألف شيخ وأخذ الحديث عنهم .. لا يسمع بشيخ في الحديث إلا رحل إليه وسأل عنه وأخذ عنه علمه قال عن نفسه مبينا رحلاته إلى الأمصار الإسلامية (( دخلت الشام و مصر و الجزيرة مرتين وإلى البصرة أربع مرات و أقمت بالحجاز ستة أعوام ولا أحصي كم دخلت إلى الكوفة و بغداد مع المحدثين )) ... وجمع من الحديث أكثر من ستمائة ألف حديث . حـــيـــاتـــه كان رحمه الله تعالى شديد الورع و التقوى .. قليل الأكل لا ينام من الليل إلا أقله و كان مجدا في تحصيل العلم وتأليف الكتب فيه .. يقوم من الليل ثماني عشرة مرة أو أكثر يسرج المصباح ويتذكر الأحاديث فيكتبها و يدقق البعض الآخر فيعلم عليها لم يكن له هم سوى الحديث النبوي .. كان شغله الشاغل ليله و نهاره .. كثير الإحسان إلى الطلبة رفيقا بهم , مهذب العبارة حتى مع المخالفين له .. ولم يطلق لسانه في الساقطين متروكي الحديث .. فإذا أراد جرح راوٍ قال : فيه نظر أو سكتوا عنه وكان ينقل رأي النقاد في رواة الحديث .. كتب الله له القبول في قلوب العلماء .. قال محمود بن النضر سهل الشافعي (( دخلت البصرة و الشام و الحجاز و الكوفة و رأيت علمائها .. كلما جرى ذكر محمد بن اسماعيل البخاري فضلوه على أنفسهم )) كان آيــة في الحفظ والذكاء و الإتـقان .. كأن الله سبحانه قد اختاره لحراسة و حفظ الحديث النبوي ... وقد جرت له في بغداد حادثة مشهورة تشهد له بذلك .. تداولها علماء التاريخ و الحديث في كتبهم ... ذلك أن علماء بغداد أرادوا اختبار حفظه و ذكائه و إتقانه , فجاء أصحاب الحديث بمائة حديث فقلبوا متونها و أسانيدها .. ودفعوها إلى عشرة رجال .. إلى كل رجل عشرة أحاديث .. وأمروهم إذا حضروا الإجتماع يلقون هذه الأحاديث المقلوبة على البخاري فلما اجتمعوا كلهم مع حشد من الناس انتدب إليه رجل من العشرة فسأله عن حديث فقال لا أعرفه , فما زال يلقي عليه حديثا بعد آخر حتى فرغ من عشرته .. وهكذا حتى فرغوا من الأحاديث المائة المقلوبة .. والبخاري لا يزيدهم على (( لا أعرفه )) .. فاستغرب الناس كيف لا يعرف الأحاديث كلها .. فلما علم أنهم فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال : أما حديثك الأول فهو كذا .. وحديثك الثاني فهو كذا و هكذا إلى آخر الأحاديث المائة فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه .. فأقر له الناس بالحفظ و أذعنوا له بالفضل يقول الحافظ بن حجر رحمه الله عن هذه الحادثة : ليس العجب من رده الخطأ إلى الصواب فإنه كان حافظا .. بل العجب من حفظه الخطأ على ترتيب ماألقوه عليه من مرة واحدة شهد له العلماء بالفضل و العلم .. قال شيخ البخاري محمد بن بشار الحافظ (( حفاظ الدنيا أربعة : أبو زرعة بالري , ومسلم بن الحجاج بنيسابور , وعبدالله بن عبدالرحمن الدرامي بسمرقند , ومحمد بن اسماعيل ببخارى )) وقال عنه الإمام الترمذي (( لم أر بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل و التاريخ و معرفة الأسانيد أحدا أعلم من محمد بن اسماعيل )) أشــهـر كـتـبـه كان كتاب (( الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله وسننه وأيامه )) .. أشهر كتبه على الإطلاق .. وهو أصح كتاب بعد كتاب الله سبحانه وتعالى .. وهو أول من جمع الأحاديث الصحيحة مجردة عن غيرها .. ولكنه لم يستوعب كل الصحيح .. فقد ترك من الحديث الصحيح أكثر مما أثبته لئلا يطول الكتاب . ابتدأ تأليفه بالحرم النبوي الشريف ولبث في تصنيفه ست عشرة سنة و أتمه ببخارى .. وماكان يضع حديثا إلا بعد أن يغتسل و يصلي ركعتين ويستخير الله في وضعه .. فقد قال (( ماأدخلت في الصحيح حديثا إلا بعد أن استخرت الله و تيقنت صحته )) ومما ألف أيضا كتاب (( التاريخ الكبير )) جمع فيه أسامي من روى عنه الحديث من زمن الصحابة إلى زمنه .. وله أيضا (( التاريخ الأوسط )) و (( التاريخ الصغير )) و (( الأدب المفرد )) و (( الكنى )) و (( الوحدان )) و (( الضعفاء )) وفــــــاتــــه توفي ليلة السبت بعد صلاة العشاء , وكانت ليلة عيد الفطر , ودفن يوم الفطر .. بعد صلاة الظهر سنة ست وخمسين ومائتين 256 هـ بخَرتَنك وهي قرية بالقرب من بخارى وهي القرية التي ولد فيها رحمه الله تعالى فقد خدم السنة النبوية , ووقف حياته لها , وخلف تراث الأمة الإسلامية .. أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى : صحيح البخاري .. فجزاه الله عن الأمة خير الجزا مر البخاري رحمه الله بمحنتين محنته مع أهل نيسابور قال الحاكم في تاريخه: قدم الإمام البخاري نيسابور سنة 250 ، فأقام بها مدة يحدث على الدوام، قال فسمعت محمد بن حامد البزار يقول: سمعت الحسن بن محمد بن جابر يقول: سمعت محمد بن يحيى الذهلي يقول: اذهبوا الى هذا الرجل فاسمعوا منه، قال: فذهب الناس إليه فأقبلوا على السماع منه حتى ظهر الخلل في مجلس محمد بن يحيى، قال: فَتُكُلِّمَ فيه بعد ذلك قال أحمد بن عدي: ذكر لي جماعة من المشايخ، أن محمد بن اسماعيل لما ورد نيسابور واجتمع الناس عنده حسده بعض شيوخ الوقت، فقال لأصحاب الحديث: إن محمد بن اسماعيل يقول: لفظي بالقرآن مخلوق. فلما حضر المجلس قام إليه رجل فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في اللفظ بالقرآن مخلوق هو أو غير مخلوق؟ فأعرض عنه البخاري ولم يجبه ثلاثا، فألح عليه، فقال البخاري: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة، و الامتحان بدعة، فشغب الرجل و قال: قد قال: لفظي بالقرآن مخلوق و قال أبو حامد الشرقي: سمعت محمد بن يحيى الذهلي يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق و من زعم لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع، و لا يجالس و لا يكلم، ومن ذهب بعد هذا الى محمد بن اسماعيل البخاري فاتهموه فإنه لا يحضر الى مجلسه إلا من كان على مذهبه وقال الحاكم: ولما وقع بين البخاري وبين الذهلي في مسألة اللفظ، انقطع الناس عن البخاري إلا مسلم بن الحجاج و أحمد بن سلمة قال أبو عمر أحمد بن نصر النيسابوري يوما للبخاري: يا أبا عبد الله ههنا من يحكي عنك أنك تقول: لفظي بالقرآن مخلوق. فقال: يا أبا عمرو احفظ عني من زعم من أهل نيسابور، وسمى غيرها من البلدان بلادا كثيرة، أنني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب فإنني لم أقله إلا أني قلت أفعال العباد مخلوقة محنته مع أمير بخارى قال أحمد بن منصور الشيرازي: لما رجع عبد الله البخاري الى بخارى نصبت له قباب على فرسخ البلد، واستقبله عامة أهل البلد، حتى لم يبق مذكور، ونثر عليه الدراهم و الدنانير، فبقي مدة ثم وقع بينه وبين الأمير فأمره بالخروج من بخارى، فخرج الى بيكند و قال الحاكم: سمعت محمد بن العباس الضبي يقول: سمعت أبا بكر بن أبي عمرو يقول: كان سبب مفارقة أبي عبد الله البخاري البلد، أن خالد بن طاهر سأله أن يحضر منزله فيقرأ التاريخ و الجامع على أولاده، فامتنع من ذلك. وقال: لا يسعني أن أخص بالسماع قوما دون قوما آخرين فاستعان خالد بحريث ابن أبي الورقاء و غيره من أهل بخارى حتى تكلموا في مذهبه، فنفاه عن البلد |
||
|
|||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#27 | ||
|
قوة السمعة: 203
![]() ![]() ![]() |
الشيخ عبدالرحمن بن ناصر آل سعدي(رحمه الله)
هذه ترجمة مختصرة لسيرة الشيخ رحمه الله هو صاحب الفضيلة الشيخ العالم العلامة (عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله آل سعدي) المولود بمدينة "عنيزة" بالقصيم في إقليم نجد بالمملكة العربية السعودية، وكان أبواه قد توفيا في صغره، إلا أنه كان على قدر وفير من الذكاء والفطنة والرغبة في طلب العلم، وقد بدأ حفظ القرآن في سن مبكرة حتى أتمه وأتقنه في الثانية عشر من عمره وشرع في طلب العلوم وأخذ يتلقاها عن علماء بلده وغيرهم ممن قدم إليها وبذل جهده في سبيل ذلك حتى نال الحظ الأوفر والنصيب الأكبر من العلوم والمعارف. وفي سن الثالثة والعشرين ابتدأ الجمع بين طلب العلم وتدريسه واستفادته وإفادته وقضى في ذلك جميع وقته طول حياته وقد تلقى الكثيرون عنه وانتفعوا به. ومن شيوخه الشيخ إبراهيم بن حمد بن جاسر وكان أول من قرأ عليه. الشيخ صالح بن عثمان قاضي عنيزة أخذ عنه الأصول والفقه والتوحيد والتفسير والعربية، ولازمه إلى وفاته، وكان الشيخ ذا معرفة تامة بالفقه وأصوله وخبرة كاملة بالتوحيد ومسائله بسبب اشتغاله بالكتب المعتبرة واهتمامه بتصانيف ابن تيمية وابن القيم خاصة. كما كان ذا عناية فائقة بالتفسير وفنونه، فقرأه حتى برع فيه وأتقنه، وصارت له اليد الطولى فيه، وله من المؤلفات في التفسير: تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن في ثمانية أجزاء. تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن. القواعد الحسان لتفسير القرآن. ومن مؤلفاته التي ينصح باقتنائها والاستفادة منها سوى ما تقدم: الإرشاد إلى معرفة الأحكام. الرياض الناضرة. بهجة قلوب الأبرار. منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين. حكم شرب الدخان وبيعه وشرائه. الفتاوى السعدية. له ثلاثة دواوين خطب منبرية نافعة. الحق الواضح المبين بشرح توحيد الأنبياء والمرسلين. توضيح الكافية الشافية (نونية ابن القيم). وله مؤلفات كثيرة في الفقه والتوحيد والحديث والأصول والأبحاث الاجتماعية والفتاوى المختلفة. وفاتــه: وقد أصيب بمرض شديد مفاجئ أنذر بدنو منيته، حيث وافاه الأجل في ليلة الخميس الثالث والعشرين من جمادى الآخرة سنة 1376هـ بمدينة عنيزة، وقد ترك أثراً وحزناً عميقاً في نفس كل من عرفه أو سمع عنه أو قرأ له رحمه الله رحمة واسعة ونفعنا بعلمه ومؤلفاته. آمين. |
||
|
|||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#28 | ||
|
قوة السمعة: 203
![]() ![]() ![]() |
الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز(رحمه الله تعالى)
* مولده: ولد في ذي الحجة سنة 1330هـ بمدينة الرياض وكان بصيرا ثم أصابه مرض في عينه عام 1346هـ وضعف بصره ثم فقده عام 1350هـ. * طلبه للعلم: حفظ القرآن الكريم قبل سن البلوغ ثم جد في طلب العلم على العلماء الرياض، ولما برز في العلوم الشرعية واللغة، عين في القضاء عام 1357هـ ولم ينقطع عن طلب العلم حتى اليوم، حيث لازم البحث والتدريس ليل نهار، ولم تشغله المناصب عن ذلك مما جعله يزداد بصيرة ورسوخا في كثير من العلوم، وقد عُني عناية خاصة بالحديث وعلومه حتى أصبح حكمه على الحديث من حيث الصحة والضعف محل اعتبار وهي درجة قل أن يبلغها أحد خاصة في هذا العصر، وظهر أثر على كتاباته وفتواه حيث كان يتخير من الأقوال ما يسنده الدليل. * مشائخه: تلقى العلم على أيدي كثير من العلماء ومن أبرزهم: الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب. الشيخ صالح بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب. الشيخ سعد بن حمد بن عتيق قاضي الرياض. الشيخ حمد بن فارس وكيل بيت المال في الرياض. سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ مفتي المملكة العربية السعودية، وقد لازم حلقاته نحوا من عشر سنوات، وتلقى عنه جميع العلوم الشرعية ابتداء من سنة 1347هـ إلى سنة 1357هـ. الشيخ سعد وقاص البخاري من علماء مكة المكرمة، أخذ عنه علم التجويد في عام 1355هـ. * من مواقفه: احتاج أحد الطلاب من الجامعة إلى مساعدة (مائتي ريال) فكأن كاتب الشيخ قرأها ـ خطأـ ألفين ريال، فأمر الشيخ بصرف المبلغ له، وعند مراجعة الأوراق اتضح أن الطالب طلب مائتي ريال، فأراد الكاتب تصحيح الأمر، فنهاه الشيخ قائلا: لعله كان محتاجا للألفين واستحيا، فرزقه الله.. أعطه الألفين. * آثاره: منذ تولى القضاء في مدينة الخرج عام 1357هـ وهو ملازم التدريس في حلقات منتظمة إلى يومنا هذا، ففي الخرج كانت حلقاته مستمرة أيام الأسبوع، عدا يومي الثلاثاء والجمعة ولديه طلاب متفرغون لطلب العلم من أبرزهم: 1) الشيخ عبد الله الكنهل. 2) الشيخ عبد الله بن صالح الخنين. 3) الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك. 4) الشيخ عبد اللطيف بن شديد. 5) الشيخ عبد الله بن حسن بن قعود. 6) الشيخ عبد الرحمن بن جلال. 7) الشيخ صالح بن هليل وغيرهم. في عام 1372هـ انتقل إلى الرياض للتدريس في معهد الرياض للتدريس في معهد الرياض العلمي، ثم في كلية الشريعة بعد إنشائها سنة 1373هـ في علوم الفقه والحديث والتوحيد، إلى أن نقل نائبا لرئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام 1381هـ. وقد أسس حلقة للتدريس في الجامع الكبير بالرياض منذ انتقل إليها ولا زالت هذه الحلقة مستمرة إلى يومنا هذا، وإن كانت في السنوات الأخيرة اقتصرت على بعض أيام الأسبوع بسبب كثرة الأعمال. ولازمها كثير من طلبة العلم، وأثناء وجوده بالمدينة المنورة من عام 1381هـ نائبا لرئيس الجامعة ورئيسا لها من عام 1390هـ إلى 1395هـ عقد حلقة للتدريس في المسجد النبوي. ومن الملاحظ أنه إذا انتقل إلى غير مقر إقامته استمرت إقامة الحلقة في المكان الذي ينتقل إليه مثل الطائف أيام الصيف. وقد نفع الله بهذه الحلقات. * مؤلفاته: 1) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة صدر منه الآن ثلاثة أجزاء. 2) الفوائد الجلية في المباحث الفرضية. 3) التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة (توضيح المناسك). 4) التحذير من البدع ويشتمل على أربع مقالات مفيدة (حكم الاحتفال بالمولد النبوي، وليلة الإسراء والمعراج، وليلة النصف من شعبان، وتكذيب الرؤيا المزعومة من خادم الحجرة النبوية المسمى الشيخ أحمد). 5) رسالتان موجزتان في الزكاة والصيام. 6) العقيدة الصحيحة وما يضادها. 7) وجوب العمل بالسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وكفر من أنكرها. 8) الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة. 9) وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه. 10) حكم السفور والحجاب ونكاح الشغار. 11) نقد القومية العربية. 12) الجواب المفيد في حكم التصوير. 13) الشيخ محمد بن عبد الوهاب دعوته وسيرته. 14) ثلاث رسائل في الصلاة: (أ) كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم (ب) وجوب أداة الصلاة في جماعة. (ج) أين يضع المصلي يديه حين الرفع من الركوع. 15) حكم الإسلام فيمن طعن في القرآن أو في رسول الله صلى اله عليه وسلم. 16) حاشية مفيدة على فتح الباري وصل فيها إلى كتاب الحج. 17) رسالة الأدلة النقلية والحسية على جريان الشمس وسكون الأرض وإمكان الصعود إلى الكواكب. 18) إقامة البراهين على حكم من استغاث بغير الله أو صدق الكهنة والعرافين. 19) الجهاد في سبيل الله. 20) الدروس المهمة لعامة الأمة. 21) فتاوى تتعلق بأحكام الحج والعمرة والزيارة. 22) وجوب لزوم السنة والحذر من البدعة. 23) هذا ما تم طبعه ويوجد له تعليقات على بعض الكتب مثل: بلوغ المرام، تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر (لم تطبع)، تحفة الأخيار ببيان جملة نافعة مما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة من الأدعية والأذكار (طبع)، التحفة الكريمة في بيان كثير من الأحاديث الموضوعة والسقيمة، تحفة أهل العلم والإيمان بمختارات من الأحاديث الصحيحة والحسان، إلى غير ذلك. الأعمال التي يزاولها غير ما ذكر: 1) صدر الأمر الملكي بتعيينه رئيسا لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد إلى جانب ذلك: 2) عضوا لهيئة كبار العلماء. 3) رئيسا للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء التي أصدرت هذه الفتاوى. 4) رئيسا وعضوا للمجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي. 5) رئيسا للمجلس الأعلى العالمي للمساجد. 6) رئيسا للمجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة التابع لرابطة العالم الإسلامي. 7) عضوا للمجلس الأعلى للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة. 8) عضوا في الهيئة العليا للدعوة الإسلامية. ولم يقتصر نشاطه على ما ذكر، فقد كان يلقي المحاضرات، ويحضر الندوات العلمية، ويعلق عليها ويعمر المجالس الخاصة والعامة التي يحضرها بالقراءة والتعليق بالإضافة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أصبح صفة ملازمة له. * كيف كان يقضي وقته: يبدأ البرنامج بصلاة الفجر في المسجد، ثم يبدأ بذكر الله تعالى وقتا معينا، ثم يلتفت إلى طلابه إعلانا ببدء الدروس اليومية وهي بعد صلاة الفجر وهي عبارة عن دراسة ستة علوم إسلامية: الفقه والحديث والتفسير والعقيدة والرقائق (ولما كنت حاضرا في تلك الفترة كان يقرأ عليه حادي الأرواح لابن القيم، وتستغرق الدروس عادة ساعة والنصف ثم بعد ذلك يختم المجلس بصلاة الشروق ثم يتجه الشيخ إلى بيته قليلا ثم يذهب إلى عمله وهو المفتي العام للمملكة. وفي مقر عمله يباشر الشيخ رحمه الله من الفتوى ومقابلة الوفود الإسلامية من كل مكان وخدمة المسلمين والواسطات وحل النزاعات بين الجماعات وطلبة العلم ومساعدة المسلمين بكل ما يملك من وقت ومال وجهد وهو في الثمانين من عمره. حدثنا الشيخ سلمان العودة قال: لقد عرف عن الشيخ ابن باز رحمه الله خدمته للإسلام والمسلمين ما يعجز عنه الأشداء حتى قيل: لو أن رجلا من أهل الرياض انقطعت عنه الكهرباء للجأ للشيخ ابن باز في حلها. وقد علم الناس أن الشيخ ابن باز لا يكفيه راتبه الذي يستلمه من الدولة إلا أياما ثم يتسلف من إخوانه وقد ذكر ذلك العالم الجليل عبد الرزاق عفيفي رحمه الله.. أنه كان يتسلف منه حتى يسد دينا أو يعين محتاجا. ولا أنسى هنا أن أذكر أن الرد على فتاوى المستفتين يأخذ من الشيخ الوقت والجهد العظيم وقد شهدت أنا شيئا منه ولو كنت مكان الشيخ - وأستغفر الله من هذا - لأغلقت السماعة في وجه المتصلين! لكن الشيخ بصبره وحلمه يساعد هذا ويعين هذا، ومن الغرائب أن الشيخ لا يكتفي بالإجابة بل أنه يسعى بحلها تماما كما سأله أحدهم عن دية القتل غير المتعمد فقال له الشيخ: عتق رقبة فقال السائل عبر الهاتف ما فيه رقبة هذه الأيام فقال الشيخ: بلى يوجد تعال عندي وأنا أشتري لك من... وذكر أحد البلدان التي فيها هذا الأمر. ثم بعد الدوام يذهب الشيخ للبيت وهناك ينتظره الغداء الجماعي اليومي لكل من حضر بدعوة أو غير دعوة من كبار الناس وفقرائهم عربهم وعجمهم.. وبعد الغداء فتاوى على الهاتف ثم راحة ثم صلاة العصر وبعد العصر درس وفتوى ولقاء حتى المغرب تدرس حتى العشاء.. نفعنا الله بعلمه وأسكنه بفسيح جناته اللهم آمين. * وفاته: انتقل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز إلى جوار ربه في فجر يوم الخميس 27/1/1420 هـ في مدينة الطائف إثر نوبة قلبية. وقد أقيمت صلاة الميت على جثمانه - رحمه الله - في المسجد الحرام بعد صلاة الجمعة، وقد أدى الصلاة عليه خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود وسمو ولي العهد الأمير عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود وسمو النائب الثاني الأمير سلطان بن عبدالعزيز آل سعود وعدد كبير من الأمراء والوزراء والمسئولين وجمع غفير من المسلمين، كما أديت عليه صلاة الغائب في جميع مساجد المملكة وعدد كبير من الدول الإسلامية والعربية، غفر الله لشيخنا وأسكنه فسيح جناته. |
||
|
|||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#29 | ||
|
قوة السمعة: 203
![]() ![]() ![]() |
الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله
اسمه ونسبه هو أبو عبد الله محمد بن صالح بن محمد بن عثيمين المقبل الوهيبي التميمي. مولده ونشأته ولد الشيخ أبو عبد الله في مدينة عنيزة إحدى مدن القصيم عام 1347هـ في السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك في عائلة معروفة بالدين والاستقامة. تتلمذ الشيخ على بعض أفراد عائلته أمثال جده لأمه الشيخ عبد الرحمن بن سليمان آل دامغ، رحمه الله، فقد قرأ عليه القران فحفظه ثم اتجه لطلب العلم فتعلم الخط والحساب وبعض فنون الآداب. وكان الشيخ قد رزق ذكاء وهمة عالية وحرصا على التحصيل العلمي في مزاحمة الركب لمجالس العلماء وفي مقدمتهم الشيخ العلامة المفسر الفقيه عبد الرحمن بن ناصر السعدي، رحمه الله. ولم يرحل الشيخ لطلب العلم إلا إلى الرياض حين فتحت المعاهد العلمية عام 1372 فألتحق بها. وبعد وفاة شيخه عبد الرحمن السعدي رشح الشيخ محمد بن صالح العثيمين لإمامة الجامع الكبير عندها تصدى للتدريس مكان شيخه. ولم يتصدى للتأليف إلا عام 1382 حين ألف أول كتاب له وهو فتح رب البريه بتلخيص الحموية وهو تلخيص لكتاب شيخ الإسلام ابن تيمية، الحموية في العقيدة. واستغل الشيخ وجوده في الرياض بالدراسة على الشيخ عبد العزيز بن باز فقرأ عليه صحيح البخاري وبعض رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية وبعض الكتب الفقهية. مشايخه الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله الشيخ علي بن حمد الصالحي حفظه الله الشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع رحمه الله الشيخ عبد الرحمن بن علي بن عودان رحمه الله الشيخ عبد الرحمن بن سليمان آل دامغ رحمه الله منهجه العلمي لقد أوضح الشيخ حفظه الله منهجه وصرح به مرات عديدة أنه يسير على الطريقة التي انتهجها شيخه العلامة عبد الرحمن الناصر السعدي وهو منهج خرج به عن المنهج الذي يسير عليه علماء الجريرة عامتهم أو غالبتهم، حيث اعتماد المذهب الحنبلي في الفروع من مسائل الأحكام الفقهية والاعتماد على كتاب زاد المستقنع في فقه الأمام أحمد بن حنبل، فكان الشيخ عبد الرحمن السعدي معروفا بخروجه عن المذهب الحنبلي وعد التقيد به في مسائل كثيرة. ومنهج الشيخ السعدي هو كثيرا ما يتبنى آراء شيخ الإسلام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم ويرجحهما على المذهب الحنبلي فلم يكن عنده جمود تجاه مذهب معين بل كان متجردا للحق وقد انطبعت فيه هذه الصفة وانتقلت إلى تلميذه محمد الصالح العثيمين. وللشيخ رحمه الله آثار علمية عديدة تجاوزت الخمسين مؤلفا. نسأل الله العلي القدير أن يرحمه ويدخله فسيح جناته والحمد لله رب العالمين.. |
||
|
|||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#30 | ||
|
قوة السمعة: 203
![]() ![]() ![]() |
وقفات في حياة الإمام العلامة محمد ناصر الألباني - رحمه الله
ما أن كادت دموعنا تجف ، وقلوبنا عن اضطرابها تخف ؛ حتى فُجعنا بعد عصر 22 / جمادى الأولى / 1420 هـ ، الموافق 2 / 10 / 1999 مـ بوفاة إمام السنَّة ، وعلم الحديث ، الإمام المحدث شيخنا الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله . وكان لزاماً علينا أن نعرِّف الأمة بشيءٍ من حياته ، وترجمة مختصرة عن أعماله ، لعله أن يكتسب بسببها دعوة مِن محبٍٍّ ، أو عدل من منصف . اسمه ومولده هو ناصر الدين بن نوح بن نجاتي الألباني ، وقد أضاف إلى اسمه اسم محمد لما في اسمه الذي سمي به من تزكية ، فكان أحق الناس أن يكون ناصر الدين هو نبينا محمد . وقد ولد في مدينة (( أشقودرة )) في ألبانيا ، سنة 1355 هـ ، الموافق 1914 م ، وقد توفي بعد عمر في هذه الفانية بلغ حوالي 85 سنة . هجرته واستقراره هاجر هو وأهله من ألبانيا ، وكان عمره آنذاك تسع سنوات ، حفاظاً من والده على دين أهله ، واستقر به المقام في دمشق عاصمة سوريا ، ثم تنقل بين بيروت والإمارات حتى استقر به المقام في عمَّان الأردن ، حيث توفي فيها . طلبه للعلم كانت بدايته في طلبه للعلم – رجمه الله – مع كتاب الحافظ العراقي (( المغني عن حمل الأسفار )) ، وهو كتاب خرَّج فيه الحافظ العراقي كتاب "إحياء علوم الدين" لأبي حامد الغزالي ، فقام الشيخ الألباني بنقل كتاب العراقي ، وأتم أحاديثه ، وشرح غريبه ، وقد انتفع بهذا الكتاب كثيراً كما قال هو رحمه الله . وقد كان لمجلة المنار ، وبالأخص مقالات صاحبها محمد رشيد رضا أعظم الأثر في حياة الشيخ رحمه الله وتوجهه للعلم . جلده في طلب العلم ونذكر في ذلك حادثتين : الأولى : أنه أصيب في عينه أيامه الأولى في الشام ، وطلب منه الطبيب أن يمكث شهراً لا يعمل بمهنة الساعات ، و لا يقرأ شيئاً ! فمكث أياماً ، ثم أصابه الملل ، فطلب من بعض إخوانه أن ينسخ له من المكتبة الظاهرية في دمشق كتاب "ذم الملاهي " لابن أبي الدنيا . فنسخ الناسخ حتى وصل إلى مكان فيه ورقة ضائعة ، قطعت اتصال الكلام ، فلما أخبر الشيخ بذلك طلب إليه الشيخ أن يستمر بالنسخ . فلما فرغ الناسخ وانتهت مدة العلاج ؛ ذهب الشيخ يبحث عن تلك الورقة الضائعة في المكتبة الظاهرية ، فظل الشيخ ينقب عن تلك الورقة ، فلم يجدها ، وفي تلك الأثناء كان يدون الأحاديث التي يقف عليها في المخطوطات ، حتى دوَّن أكثر من أربعين مجلداً من الأحاديث بخط يده !! وكان عدد المخطوطات آنذلك حوالي عشرة آلاف مخطوطة !! الثانية : وقد بلغت الهمة والجلَد عند الشيخ رحمه الله أنه كان ينسى معهما الطعام والشراب ، فكان يأتي إلى مكتبة الظاهرية قبل موظفيها ، ويخرج بعدهم !! ويأتيه أهله بطعام الإفطار ، فيظل على ما هو عليه إلى موعد الغداء ، فيؤخذ طعام الإفطار ويوضع طعام الغداء ! وهكذا مع العَشاء . وقد ظل الشيخ الإمام رحمه الله على هذه الهمة إلى أن توفاه الله ، فإذا كان يعجز عن البحث قرأ ، فإذا عجز عن القراءة قُرِأ عليه . ومن رأى همة الشيخ ونشاطه قبل مرضه الأخير لم يفرق بين أول حياته وبين هذه الأيام . وإذا قيل للشيخ في رحلاته أن يرتاح ، قال : إن راحتي في الكلام والبيان !! لا في السكوت . رجوعه إلى الحق والشيخ رحمه الله عرف عنه رجوعه إلى الحق ، حتى أصبح متميزاً به ، فكم من حديث صححه وانتشر في الآفاق بسببه ، ولما تبين له ضعفه من بعد الطلبة تراجع عنه بقوة وإنصاف ، ومثال ذلك حديث دخول المنزل (( اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج )) فهو حديث صححه الشيخ ثم تراجع عنه . وقل الأمر نفسه في المسائل الفقهية العملية ، كما هو الحال في مسألة جماع الزوجة بعد طهرها من الحيض ، حيث كان الشيخ يرى أنه يكتفى بانقطاع الدم دون الغسل ، ثم تراجع عنه إلى قول الجمهور ، وهو عدم جواز الجماع إلا بعد الغسل . وهذا الأمر – أعني تراجعه إذا تبين له الحق – استغله بعض الجهلة والحساد لبيان أن ذلك من تناقضه ولم يدر هؤلاء أن هذا من أعظم أخلاق الدين ، وقد قل أهله في هذا الزمان ، فكم من إنسان جادل بالباطل من بعد ما تبين له الحق فأصر مستكبراً كأن لم يسمع الحق ؟!! والشيخ برأه الله من ذلك وكتبه طافحة برجوعه عن أقواله التي تبين فيها خطؤه ملياً ، ولم ينقصه ذلك بل رفعه الله به ، ولكن عند المنصفين العقلاء ، وهذا هو المهم، والأهم أنه كان يراقب ربه ولا يهمه ما يقال بعد لك . تعظيمه لاعتقاد السلف ومنهجهم وقد كان الشيخ رحمه الله من أعظم المدافعين والمنافحين عن دين الله عز وجل في هذا القرن ، حتى عدَّه بعض الأفاضل – وهو الشيخ مقبل الوادعي - من المجدِّدين لهذا الدين ، وقد سلك سبلاً كثيرة في توضيح اعتقاد السلف الصالح والدفاع والذب عنه ، فكان أن أخرج للناس مختصر العلو للذهبي وضمنه تلك المقدمة الماتعة في بيان اعتقاد سلف هذه الأمة ، وبيان زيغ أعدائها وضلالهم . وكذلك أخرج للناس كتابه (( تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد )) وقد حذر فيه كثيراً من عمل المشركين الذي سرى إلى المسلمين في بناء الأضرحة والمقامات ودعاء الأولياء الأموات ، والذبح والنذر عندها . وأما منهج السلف وفهمهم للكتاب والسنة ، فقد كان رحمه الله من أعظم المتمسكين به في نفسه ، الداعين له من خلال كتبه وأشرطته ، وقد كان قوله تعالى : (( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً )) شعاراً له رحمه الله . كتبه ومؤلفاته وهي بحمد الله كثيرة نافعة ، ولا يُعلم له رسالة مكررة أو أنه يمكن للباحث أن يستغني عن العلم الذي فيها ، وقد بلغ المطبوع منها حوالي 40 ما بين تحقيق وتأليف ، وله من المؤلفات المخطوطة في خزانته ما لعله أن يبلغ ضعف هذا العدد . وقد نفع الله بكتبه كثيراً من الناس ، فنهلوا من علمها واستفادوا من التحقيق الذي فيها ، وإن كان بعضهم سطا عليها سرقة منها دون أن يشير ولو بأدنى إشارة أنها لغيره، ويصدق على هذا قوله تعالى : (( ولا تحسبن الدين يفرحون بما أوتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ..)) وينطبق عليهم قوله: (( المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور )) . ثناء العلماء عليه وقد أثنى عليه أهل العلم ثناء عطراً ، وهو يستحق أكثر منه ، فقد قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله : (( ما علمت تحت أديم السماء أعلم بالحديث من الشيخ الألباني )) ، وللشيخ محمد بن صالح العثيمين ثناء عليه وقد وصفه بالعلامة المحدث ، وقد أثنى عليه غيرهما ، وقيلت فيه أشعار لطيفة يمكن للقارئ أن ينظرها في كتاب (( حياة الألباني )) لأخينا محمد بن إبراهيم الشيباني . عداءُ أهل البدعة له لا يحب الألباني إلا صاحب سنَّة ، أو فطرة سليمة ، ولا يبغضه إلا صاحب بدعة ، أو جاهل بقدره ، وقديماً قال السلف : (( من علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر )) . وقد تكالب على الشيخ رحمه الله أهل البدع والضلال من جميع الطوائف والفرق ، فكان رحمه الله كالطود الشامخ يرد على هذا ، ويفند شبهة هذا ، حتى أتى على بنيانهم من قواعده فخر عليهم السقف من فوقهم . فتوى الهجرة من فلسطين وقد شنع على شيخنا بعض المشاغبين من أهل الجهل ؛ فراح يُلبس الشيخ رداءً ليس له ، ويحمِِّل كلامه ما لم يحتمله ، أو يزوِّر الحقائق التي أتى بها الناس . وملخص هذه المسألة أن الشيخ رحمه الله سئل عن أناس يعيشون في بلادٍ لا يستطيعون إظهار شعائر دينهم فيها ، فقال لهم الشيخ بوجوب الهجرة إلى بلاد يستطيعون فيها ذلك استدلالاً بقول الله تعالى : (( قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها )) وهذا تبكيت من الملائكة لمن ظلَّ بين الكفار أو العصاة فأثر ذلك في دينه فاحتج على فعله بغيره . ولما سئل الشيخ : هل هذا ينطبق على فلسطين ؟ قال : على كل بلاد الدنيا ، ما الفرق بين فلسطين وغيرها ؟! كما أن مكة أعظم عند الله من فلسطين ، ومع هذا هاجر منها المسلمون وعلى رأسهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن الصحابة من هاجر إلى الحبشة وهي بلاد كفر ، لما لم يكن يستطيع إظهار دينه . فقام وطبل وزمر لهذه الفتوى أهل التطبيل والتزمير من أهل الجهل والضلال وكان ذلك قرب موعد الانتخابات النيابية ، ظنَّاً منه أنه يستطيع استعطاف الناس للحصول على الأصوات !! أما أن تكون القضية قضية دين فلا ، فهو غارقٌ في تصوف بالٍ ، وسادر في جهل فاضح . والعجب من أولئك المشايخ - وأغلبهم دكاترة في الشريعة - اجتماعهم على تخطئة الشيخ رحمه الله ، ولم نرَ اجتماعهم هذا على تضليل الحبشي مثلاً ، أو على التحذير من فسقٍ أو فجور أو ضلال ، وبعض من وقَّع على ذلك يعتبر من غلاة الأشاعرة ، وبعضهم لا يدرى منهجه أو اعتقاده !! وبعضهم على خير لكن استجر على التوقيع . والقضية علمية شرعية تكلم فيها الشيخ بعلم وأدلة ، ومن خالف لم يحسن من ذلك شيئاً ، وبعضهم – لغباء أو جهل أو شرود ذهن – ظن أن أهل فلسطين يقفون على الحدود رافعين جوازاتهم ينتظرون فتوى الألباني ليغادروا فلسطين !! والأكثر لا يهمهم دين من بقي بين اليهود ، فتخلق بأخلاقهم وتعودوا على عاداتهم ، فمنهم من زوج ابنته ليهودي !! ومنهم من شكك في كفرهم !!. والمهم عند هؤلاء ألا يخرج من فلسطين ولو ضيع دينه أي أن المهم ألا تضيع الأرض !! نشاطه في الدعوات والزيارات العلمية والشيخ رحمه الله من النشيطين في الدعوة إلى الله ، فلم يكن ليكتفي بالتأليف حتى أضاف إليه الخروج إلى الناس وزياراتهم في بلدانهم وقراهم . فمنذ أن كان بالشام وهو يسافر إلى حلب وحماة وإدلب و غيرها ، وحدثني بعض من كان هناك أن الشيخ كان يأتيهم كل أسبوع على دراجة هوائية ، وكانت المسافة من دمشق إليهم حوالي 45 كيلو متراً !! وقد سافر الشيخ رحمه الله إلى أسبانيا والكويت والإمارات وقطر وطاف في مناطق المملكة العربية السعودية جميعها تقريباً !! وكذا أمره عندنا في الأردن ، فما من أحدٍ يدعو الشيخ إلا ويلبي دعوته ويزوره ويلقي عندهم ما يسر الله من العلم النافع ، وكان الشيخ قد شرفني بزيارة إلى بيتي في إربد ، وسجل اللقاء تحت عنوان " مسائل فقهية " ، ولم تكن هذه الزيارة هي الأولى له إلى الشمال ، فقد سبقها أخوات لها . نماذج من أخلاق الشيخ رحمه الله كراهيته للمدح لم يكن الشيخ رحمه الله يحب أن يمدحه أحد ، وخاصة في وجهه ، وكتبه كلها ليس فيها لفظ (( الشيخ )) قبل اسمه !! وقد مدحه مرة الشيخ محمد إبراهيم شقرة في وجهه فبكى ، ومدحه آخر فبكى وأنكر على من مدحه . خوفه من الرياء وجاءه مرة بعض إخواننا من بنغلادش – من أهل الحديث – وقالوا للشيخ : إن عددهم حوالي أربعة ملايين وأنهم يودون زيارة الشيخ لهم هناك ، وقد جهزوا ملعباً يتسع لأعداد كبيرة للقائه والاستماع إليه ، فرفض الشيخ الدعوة . فقال الداعي : إنها أسبوع يا شيخ !! فرفض الشيخ : فأنزل المدة إلى ثلاثة أيام !! فرفض الشيخ فأنزلها إلى يوم واحد !! فرفض الشيخ وبشدة ، فقال الداعي في النهاية : نريد محاضرة وتغادر على نفس الطائرة !! فرفض الشيخ وبشدة أيضاً فتعجب الرجل من رفض الشيخ وكذلك الذين معه ، وانصرف الرجل حزيناً ، فسأل الأخُ أبو ليلى - وهو الذي حدثني بهذه القصة – الشيخَ : لم رفضت يا شيخ ؟ فرد عليه رحمه الله : ألم تسمع ماذا قال ؟ فقال أبو ليلى : وماذا قال يا شيخ ؟ فقال : ألم تسمع قوله إنهم أربعة ملايين !! فتصور أني أحاضر بمثل هذا العدد ، فهل آمن على نفسي من الرياء ؟!! وكان درساً عظيماً من الشيخ لتلاميذه وللناس جميعاً بالبعد عن المواضع المهلكة للداعية . تفقده لإخوانه - كنا مرة في رحلة معه ، فانتهينا منها في الواحدة ليلاً وكنا في خمس سيارات ، وأنا أقود واحدة منها ، فسبقنا الشيخ ، ففوجئت بأن إطار سيارتي قد ذهب هواؤه ، فأصلحته وقد ذهبتْ السيارات جميعاً ، فما هي إلا لحظات حتى رجع إلينا الشيخ مع السيارات ، وسأل عن سبب التأخر ، فلما رأى السبب علم بالحال ، وكان رحمه الله قد افتقدنا في الطريق ورأى أن سيارة قد نقصت ، فسأل عنها ، فلما لم يُعطَ جواباً فرجع من طريقه فرآنا على تلك الحال ، فطلبنا من الشيخ أن يذهب إلى أهله وبيته ونحن نصلح الإطار ، ونلحق بهم ،فأبى رحمه الله إلا أن ينتظرنا لننتهي مما نحن فيه ، وكان ذلك وغادرنا سوياً . - وحدثني بعض تلامذته أنه كان يتصل بالشيخ كل يوم ، وفي يومٍ من الأيام لم يفعل ذلك، فما هو إلا أن يدق جرس الهاتف ، ويتبين للأخ أنه الشيخ الإمام الألباني !! وأنه افتقد هذا الأخ لعدم اتصاله ، فسارع للسؤال عنه . - ودخل هذا الأخ نفسه المستشفى لحادث وقع له ، وإذ بالشيخ الإمام يأتي لزيارته في المستشفى !! قال : فأثرت هذه الزيارة فيَّ وفي أهلي الشيء الكثير . مقابلته الإحسان بالإحسان وكان بعض تجار عمان على علاقة بالشيخ رحمه الله ، قال : ففاجأني الشيخ يوماً بزيارة إلى محلي !! وجاء معه بمجموعة قيمة من الكتب وقدَّمها هدية لي !! بكاؤه والشيخ رحمه الله – على خلاف ما يظن الكثيرون – رقيق القلب ، غزير الدمع ، فهو لا يُحدَّث بشيء فيه ما يبكي إلا وأجهش في البكاء ، ومن ذلك : أ. حدثته امرأة جزائرية أنها رأته يسأل عن الطريق الذي سلكه النبي صلى الله عليه وسلم ، فدُلَّ عليه فسار على خطواته لا يخطئها ، فلم يحتمل كلامها ، وأجهش بالبكاء . ب. وفي آخر لقاء لي به رحمه الله ، حدثته عن رؤيا رآها بعض إخواننا ، وهي أنه رأى هذا الأخ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فسأله : إذا أشكل عليَّ شيء في الحديث مَن أسأل ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : سل محمد ناصر الدين الألباني . فما أن انتهيت من حديثي حتى بكى بكاءً عظيماً ، وهو يردد " اللهم اجعلني خيراً مما يظنون ، واغفر لي ما لا يعلمون " . ج. وحدثه بعض إخواننا عن سب والده للرب والدين – والعياذ بالله – فبكى الشيخ لما سمع من جرأة من ينتسب للدين على بعض هذه القبائح و العظائم في حق الله ، وحكم على والده بأنه مرتد كافر . د. وأخبره بعض إخواننا عن مشكلة حصلت معه، وأنه في ورطة ، فقال الأخ : فما هو إلا أن رأيت الشيخ وقد دمعت عيناه ودعا لي بأن يفرج الله كربي ، فكان ذلك . هـ . وهذا غير ما سبق من بكائه عند مدحه في وجهه . زوجاته وأولاده تزوج الشيخ الإمام رحمه الله من أربع نسوة : أ . فأنجب من الأولى : عبد الرحمن ، و عبد اللطيف ، و عبد الرزاق . ب . ومن الثانية : عبد المصور ، و عبد المهيمن ، ومحمد ، وعبد الأعلى ، و أنيسة ، و آسية ، و سلامة ، و حسَّانة ، و سكينة . ت . ومن الثالثة : هبة الله . ث . ولم ينجب من الرابعة ، وهي " أم الفضل " ، وهي التي ظلت معه إلى آخر أيامه . مرضه ووفاته. وقد أصابت الشيخ أواخر حياته أمراض مؤلمة ، نزل وزنه بسببها إلى أن وصل يوم وفاته إلى أقل من 30 كيلو . وقد أكرمه الله بصفاء ذهنه وعدم تخليط عقله ، وكان يعرف زواره ؛ بعضهم بأسمائهم ، وبعضهم بصورهم وأشكالهم . وقد كان يبذل جهداً كبيراً في الكلام وكان أغلب وقته في الفراش . وكان رحمه الله لا يهدأ في أوقات القدرة عن البحث والمطالعة وإذا لم يستطع ذلك أمر بعض أبنائه أو من عنده بأن يحضر له كتاباً معيناً ويقرأ منه . وهكذا قضى رحمه الله أكثر من ستين سنة بين كتب أهل العلم دراسة وتدريساً ، علماً وتعليماً ، إلى آخر أيام حياته . فما أحلاها من حياة وما أكرمها من أيام ، وما أجملها من سنوات ، وما أغلاها من لحظات تلك التي قضاها إمامنا وشيخنا غفر الله له ، وألحقنا به على خير . والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. |
||
|
|||
| اقتباس المشاركة |
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|