Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 639

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1041

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1046

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1518

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1523
رواية ][ ! أنت لي ! ][ كـــآملة - الصفحة 21 - منتديات شباب فلسطين
نحن مع غزة


الإهداءات

العودة   منتديات شباب فلسطين > محطات عامـة > الــوآحــة الـعــآمّــة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-10-2009, 04:15 PM   #1
.. ليآل ~

ღقـلــم ذهبـي مبدعღ
 
الصورة الرمزية .. ليآل ~
اشتَدَّي أزمَةُ تَنفَرِجي
قَد آذَنَ لَيلُكِ بِالبَلَجِ
ربــــآه من لأسرانآ سوآكـ ؟

قوة السمعة: 233 .. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of

افتراضي رد: رواية ][ ! أنت لي ! ][ كـــآملة


الحلقة السابعة والأربعون




تحت جنــاحك مهــما يكــــــــن




في طريق عودتنا من مكتب الشؤون المدنية القابع في المدينة الصناعية حيث استخرجنا بعض الوثائق اللازمة للعمل, مررنا على منزل خالة رغد وقال وليد إنه سيوصل إليها بعض الحاجيات. وبعدما إلى المزرعة لاحظت شرود وانشغال باله.
ولكي أكون دقيقة أكثر أقول إنني لاحظت ذلك منذ أن غلدر وليد منزل خالة رغد.
كان وليد قد عاد قبل يومين من المدينة الساحلة جالبا معه حقيبة عمله من الأوراق والوثائق المهمة التي يريد مني الاطلاع عليها وقبولها ورفضها.
حسابات... عقود... فواتير... مشاريع... وأشياء مزعجة اعتاد وليد على أن يقحمني فيها حينما كنا في المدينة الساحلية.
شؤون العمل هي كل ما دار نقاشنا حوله خلال الأيام القليلة التي قضاها هنا... ولم نتحدث عن أي شيء آخر... وكأننا لسنا خطيبين... فرقت بينهما عدة أسابيع والتقيا أخيرا...
وها هو الآن يستعد للمغادرة ويأخذ حقيبته من فوق المكتب ويخطو وسط الغرفة... باتجاه الباب.
كان يريد الذهاب إلى أخيه ليقضي الليلة معه وليصطحبه إلى المطار غدا.
كنت أراقبه بصمت وتأمل... ولاحظ هو تحديقي به فتوقف وسأل:
"أهناك شيء؟"
هناك أشياء كثيرة ولكن لا مجال لطرحها الآن.
أجبته بعد تردد:
"لا...لاشيء... فقط... لم لا تقضي الليلة هنا؟؟"
فنظر إلي نظرة ذات مغزى... فقلت:
"سأعد لك عشاء معتبرا...لا يبدو أنك تأكل شيئا منذ أسابيع".
وخشيت أن يستسخف الفكرة لكنه لم يشأ إحراجي فقال:
"لا بأس... لكن يجب أن يكون عشاء مبكرا... إذ سيتعين علي الخروج باكرا صباحا".
فابتسمت بسرور وانصرفت من فوري إلى المطبخ وعملت بنشاط...
وفيما أنا منشغلة مع طهوي أقبل خالي إلى المطبخ..
"هل تكلمتما؟"
مشيرا إلى موضوع زواجنا المعلق. فمنذ يوم طلبت منه أن ننفصل وحتى يومنا هذا وليد لم يفتح الموضوع ولم يخبرني عن قراراته ولا ما يجول بخاطره... ولم يجمع بيننا لقاء خاص أو حوار خاص... أو حتى سفرة طعام... وفاة والدتي رحمها الله شغلتنا عن التفكير بأنفسنا.
علاقتنا باردة كالثلج.. وهو وجد في العنل مهربا من التصادم معي... ولكن إلى متى؟؟
أجبت أخيرا على سؤال خالي:
"ليس بعد".
فحزن ونهد. كان قلقا علي. قلت له:
"إنه لم يقم هنا غير ثلاثة أيام... كان مشغولا مع الوثائق والأوراق... لم تسنح الفرصة".
فقال خالي:
"الشاب ينتظر منك أنت فتح الموضوع يا بنيتي فهو لن يجرؤ على هذا في ظل ظروفنا الحالية".
قلت بصراحة:
"لا أعرف من أين أبدأ ولا كيف... أنا مشوشة جدا يا خالي وفقد والدتي أربك حياتي".
وسكت برهة ثم واصلت:
"استطعت دعوته للبقاء هنا الليلة... وتناول العشاء معي... سأحاول أن ألمح للموضوع أثناء ذلك... وأرى إن... كان على استعداد للتطرق إليه الآن..."
شد خالي على يدي وقال:
"أصلح الله أمركما وبارك فيكما... تشجعي بنيتي..."
ثم غادر...
تركت الطعام ينضج على النار... وذهبت إلى حيث وليد... كان جالسا في غرفة المعيشة يطالع الصحيفة باهتمام... وقد ترك حقيبة سفره على المقعد بجانبه.. هممت بأن أقترب منه وأبعد الحقيبة وأجلس بجواره... ولكن خانتني شجاعتي... لما انتبه وليد لحضوري قال معلقا على خبر قرأ في الصحيفة:
"سيحظرون الرحلات الجوية من جديد... لا نعلم لكم من الزمن... سيزداد الأمر سوءا ومشقة".
وقطب حاجبيه استياء... وتابع القراءة...
أردت التفوه بأي تعليق غير أن هاتفه سبقني بالرنين فأجابه وليد, وسمعته يتحدث باهتمام إلى الطرف الآخر والذي أدركت من مضمون الكلام أنه شقيقه يسأله عن موعد حضوره ثم يطلب منه أمرا ملحا...
هتف وليد وهو يقف ملحا:
"رغد؟؟"
فأصغيت لحديثه باهتمام... وكانت آخر جملة قالها:
"حسنا أنا قادم".
وأنهى المكالمة. سألته بفضول:
"خيرا؟؟"
فنظر إلي نظرة سريعة ثم قال:
"يجب أن أغادر الآن... أنا أسف".
أصبت بخيبة كبيرة... وقلت معترضة:
"والعشاء؟؟"
فقال معتذرا:
"تناولاه بالصحة والعافية... لن أستطيع مشاركتكما".
غضبت وقلت:
"لقد أعددته من أجلك أنت يا وليد... ألا تقدر هذا؟؟"
أطرق وليد برأسه ثم قال نعتذرا:
"بلى يا أروى طبعا أقدر... لكن..."
فقاطعته منفعلة:
"لكن حبيبة القلب أولى بكل التقدير".
نظر إلي وليد والدماء أخذة في الصعود إلى وجنتيه. ولم يجرؤ على التفوه بكلمة. أما أنا فقد اختل ميزاني لحظتها وأطلقت لساني قائلة:
"لم سكت؟ قل شيئا... ألست ذاهبا إليها؟"
زفر وليد زفرة ضيق من صدره ثم قال:
"سأذهب إلى شقيقي... يطلب حضور حلا والأمر مقلق".
فقلت:
"لكنه أمر متعلق برغد... أليس كذلك؟؟"
ولم يجب فقلت:
"لن يمكنك الإنكار".
هنا قال:
"لا أعرف ماذا هناك يا أروى... سامر لم يوضح لكنه أقلقني... ربما حدث شيء لا قدر الله".
فقلت:
"أو ربما الصغيرة الغالية تتدلل على وصيها الحنون النبيل!"
نظر وليد إلي بانزعاج فقلت:
"إنها بالمرصاد لأي شيء يسعدني... ألا تلاحظ هذا؟؟"
زفر وليد الكلمات بضيق:
"هذا ليس وقته... أرجوك..."
وأولاني ظهره وتناول حقيبته هاما بالمغادرة...
لم أتمالك نفسي حينها وشعرت بالإهانة والخذلان والغيظ, فهتفت مجنونة:
"وليد... إذا خرجت الآن فلا تعد إلى هنا ثانية".
توقف وليد واستدار إلي... ورأيت في عينه دهشة ثم مرارة كبيرة... لكنني لم أستطع السيطرة على شعوري... في أحوج الأوقات إليه تركني وسافر... والآن مع أول خطوة للتصالح بيننا وفيما أنا أشغل تفكيري وجهدي فيه ولأجله... يتركني وينصرف إليها...
أشاح وليد وجهه دون تعليق وسار نحو الباب. فهتفت مجددا:
"قلت... إذا خرجت فلا تعد ثانية... أبدا... هل سمعت؟"
ولم يكترث بكلامي, فصرخت في غيظ:
"هل سمعتني يا وليد؟؟"
استدار آنذاك بعصبية ونظر إلي وهتف بغضب:
"نعم سمعت".
ثم أضاف:
"كم يؤسفني هذا منك... أولا أنا قلت سأذهب إلى شقيقي... يعني إلى المدينة التجارية وليست الصناعية والطريقان مختلفان ومتباعدان... وثانيا ليس بالوقت المناسب لتقليب المواجع... دعينا نفترق بسلام الآن".
كنت أشعر بأن جزءا من قلبي قد نزع بعنف قلت منهارة:
"لن يكون هناك مرة قادمة... إذا خرجت الآن فلا تعد... أنا لم أعد أحتمل... هذا كثير... أي نوع من الأزواج أنت؟؟"
وهرولت منصرفة عن غرفة المعيشة وعائدة إلى المطبخ وأسندت جبيني إلى الثلاجة وأخذت أبكي...
بعد قليل سمعت صوت وليد يناديني ولم أجبه... أحسست به يقف عند الباب ثم يقترب مني... ثم سمعته يقول لي:
"أروى.. أرجوك... لاتزيديني هما على هم".
واستمررت في ذرف عبرات الخذلان والأسف... إن الهم الأكبر هو هم امرأة تحب زوجها وتعرف أن قلبه مشغول بحب امرأة غيرها... هذا هو الهم الأدهى والأمر...
قلت:
"إذا كنت متعلقا بها لهذا الحد ولا تستطيع الاستغناء عنها فاذهب إليها... أنا لن أجبرك على البقاء معي ولا على حبي... ما حاجتي إلى رجل مشغول القلب بغيري...؟؟... اذهب... ولا تعد إلي ثانية".

********************************

"أجّل سفرك".
نظر شقيقي إلي باستغراب ثم سأل:
"عفوا؟؟ ماذا؟"
فكررت مؤكدا والجد يملأ عيني:
"أجل سفرك يا وليد ودعنا نسوي الأمور ونحل المشاكل أولا".
قال بانزعاج:
"أتجلبني من المزرعة إلى هنا مفزوعا على وجه السرعة... مسببا ما سببت هناك... لتقول لي أجل سفرك؟ يا سامر وضح ماذا لديك؟ وما بها رغد؟"
أجبت بكل جدية:
"أم تقل إنك لا تريد إخطارها عن حضورك؟ ألم أقل لك إن هذا سيحزنها؟؟ إذن لماذا ذهبت إلى بيت خالتها اليوم وقابلتها؟ وبطريقة جافة؟ ألا تعرف كم من الحزن سببت لها معاملتك هذه؟ إذا كنت قد ضقت ذرعا بها ولا تريد تحمل أعباء مسؤوليتها بعد الآن ولا تطيقها بسبب خلافك مع أهلها فانقل الوصاية الكاملة إلي أنا ونهائيا".
دوهم أخي وحملق في... وأنا أركز في عينيه بحدة وشدة...
ثم سألني:
"ماذا تعني؟؟"
فأجبت منفعلا:
"أعني أن تتنازل عن الوصاية عليها لي أنا... وأخلصك من هذا العناء تماما".
وإذا بالحمرة تلون وجه وليد وإذا به يقول مهددا:
"كيف تجرؤ؟؟"
فأجبت بحدة:
"على الأقل... أنا سأعاملها معاملة حسنة تليق بها كابنة عم وحيدة ويتيمة الأبوين".
وقف وليد فجأة وهتف بغضب:
"أتعني أنني لا أحسن معاملتها يا سامر؟"
فوقفت تباعا ورددت بصوت قوي:
"هل تسمي هذه القسوة والصرامة والخشونة... معاملة حسنة؟؟ وليد... لقد كنت أزورها قبل اتصالي بك... اتصلت بي الخالة وطلبت مني أن أذهب إليها... أخبرتني بأنك ذهبت إليهم ظهرا وقابلت رغد والله الأعلم ماذا قلت لها... وجعلتها تحبس نفسها في غرفتها منذ ذلك الحين ولا تفتح الباب لأحد... حاولت أن أكلمها لكنها طلبت مني الانصراف... أنا لا أعرف ما الذي قلته لها وجعلتها تحزن لهذا الحد... ثم تريد السفر بلامبالاة... وتتركني أنا أواجه الأمر وأرمم ما تهدمه أنت... أتسمي هذه معاملة حسنة؟؟"
وليد نظر إلى ساعة يده... وبدا متوترا... ثم قال:
"اتصل بها".
ولم أتحرك... فقال وليد:
"الآن".
فقلت:
"أقول لك إنني قدمت من عندها قبل ساعتين وهي منزية على نفسها... وهاتفها مغلق منذ النهار".
قال:
"إذن اتصل بهاتف المنزل واسأل عنها ودعني أكلمها".
بقيت واقفا في موضعي... أنظر إلى أخي بتشكك... ثم سألته:
"أخبرني أولا... ما الذي قلته لها؟؟ لماذا ذهبت إليها؟؟"
فأجاب مندفعا:
"أنا لم أذهب لزيارتها بل مررت لسبب آخر... ولم أقل شيئا".
فقلت:
"إذن لماذا هي محطمة هكذا؟ لا بد أنك قلت أو فعلت شيئا جارحا حتى لو لم تدركه".
وهذه الجملة استفزت أخي فهتف بغضب:
"وهل تراني وحشا ذا مخالب وأنياب؟؟"
قلت غاضبا:
"لا أراك تقدر شيئا أو تفهم شيئا... ألا تعرف ما تعني لها وما يعني رضاك أو غضبك؟؟ إما أن تكون أعمى أو بلا إحساس... وفي كلتا الحالتين لا تصلح لرعاية رغد... فدعني أتولى أمرها بنفسي من الآن فصاعدا".
سكت وليد مبهوتا وتبعثرت نظراته ثم استجمعها واسترد رباطة جأشه وقال:
"اتصل الآن".
ألقيت عليه نظرة مستهجنة ثم توجهت نحو الهاتف واتصلت بمنزل الخالة فأجابتني هي وعلمت منها أن رغد لا تزال حبيسة غرفتها وطلبت منها استدعاءها للتحدث معي فلم تستجب, وقلت لخالتي بأن تخبرها بأن وليد يريد التحدث معها ولكنها أيضا لم تستجب...
حين وضعت السماعة على الهاتف رأيت أخي ينظر إلى ساعة يده ثم يقول:
"إذن دعنا نذهب".
انطلقنا من فورنا بسيارتي إلى المدينة الصناعية. عندما وصلنا إلى منزل أبي حسام لم يخرج وليد من السيارة بل قال:
"تعال بها".
التفت إليه وقلت:
"لم لا تأتي معي ونسوي المشكلة مع العائلة الآن؟"
فرد:
"ليس هذا وقته".
وتركته في انتظاري في السيارة ودخلت إلى المنزل, لم تفتح رغد الباب إلا بعد أن أقسمت لها مرارا وتكرارا أن وليد قد حضر معي ويريد مقابلتها... وعندما فتحته ذهلنا للسواد الذي لون وجهها الكئيب حتى غدا مضاهيا لسواد وشاحها. نقلت بصرها بيننا ثم سألت:
"أين هو؟"
فأجبت:
"ينتظرنا في السيارة".
وبدا عليها عدم التصديق ونظرت إلى خالتها تبحث عن تأكيد فقالت أم حسام:
"لقد أحضره سامر ولكنه لا يريد دخول منزلنا كما تعرفين".
فأطرقت رغد برأسها وقالت:
"أنتم تكذبون علي".
وتراجعت خطوة بعكازها إلى الخلف فقلت بسرعة:
"ولماذا سنكذب عليك يا رغد تعالي وتأكدي بنفسك".
بعثرت رغد علينا نظرات التشكك ثم قالت:
"إذا اكتشفت أنكم تخدعونني..."
فقاطعتها الخالة:
"يهديك الله يا رغد... انظري إلى حالك وحالنا معك... اذهبي معه وارحمي نفسك وارحمينا".
ورافقتني رغد يدفعها الأمل خطوة ويوقفها الشك أخرى حتى صرنا أمام السيارة ورأت وليد بأم عينيها... نظرت إلي غير مصدقة فقلت مؤكدا:
"هل صدقتني الآن؟"
ثم فتحت لها الباب الخلفي فجلست خلف مقعدي ورأيت أخي يلتفت إليها وسمعته يلقي التحية.
جلست على مقعدي والتفت إلى أخي وسألت:
"إلى أين؟"
فأجاب:
"جولة قصيرة".
وسرنا يرافقنا الصمت الشديد.... وربما كانت أفئدتنا تتخاطب وأفكارنا تتصافح دون أن نشعر بها.
بمحاذاة الكورنيش طلب مني أخي أن أوقف السيارة وأشار بيده نحو المقاعد الإسمنتية العامة قائلا:
"دعونا نجلس هنا قليلا".
وسبقنا بالخروج من السيارة والتوجه نحو المقاعد. التفت إلى رغد فرأيتها قابعة في مكانها والتوتر جلي على وجهها ويدها ممسكة بطرف وشاحها بانفعال.
سألتها:
"ألن تنزلي؟"
فأجابت بصوت وجل:
"ماذا... يريد؟؟"
فقلت مطمئنا:
"مم أنت خائفة؟ ألست تريدين التحدث معه؟؟ هو هنا لن يسمعك.."
وإن كنت غير واثق مما سيقوله... وإذ بدا على رغد التردد, شجعتها قائلا:
"فرصتنا لنقول كل ما نريد ونضع الحروف على النقط... طلبت منه أن يؤجل سفره حتى نحل المشاكل العالقة أولا..."
وأخيرا خرجنا من السيارة وذهبنا نحو وليد... ترددت رغد في الجلوس فأخرجت منديلا ومسحت المقعد لأنظفه وقلت:
"تفضلي".
وعندما جلسنا جوارها ثم التفت إلى وليد وقلت:
"ندخل في الموضوع مباشرة... يجب أن تؤجل رحلة الغد وتعيد الحسابات".
قال وليد:
"لا مجال... سفري ضروري للغاية".
ثم التفت نحو رغد وقال:
"لا يمكنني أن آخذك معي الآن يا رغد".
وما كاد ينهي الجملة حتى انهارت رغد فجأة... وكأن جملة وليد كانت الدبوس الذي فجر البالون...
قالت وهي شديدة التهيج وتكاد تمزق طرف وشاحها المشدود بين يديها:
"أنا لست متواطئة مع خالتي... ولست راضية عما قالت... ولن أحدث أي مشاكل مع أروى بعد الآن... سأهتم بدراستي فقط... لن أسبب لك أي إزعاج... وأي شيء سأحتاجه سأطلبه من سامر... سأبقى منعزلة في غرفتي أدرس وأرسم... وسأنفذ كل ما تطلبه مني... لكن أرجوك... دعني أعود إلى بيتي وجامعتي... فأنا ليس لي غيرهما ولا أريد أن أتشرد ويضيع مستقبلي أكثر من هذا أرجوك..."
وانخرطت رغد في بكاء قوي مؤثر... كأنها كانت تربطه عنوة على طرف حنجرتها وأفلت منها بغتة دفعة واحدة... كان منظرها مؤلما جدا...
وقفت كما وقف أخي وسرنا مقتربين منها... وصرنا أمامها مباشرة...
قال وليد:
"ما الذي تقولينه؟!"
فقالت رغد بنفس الانفعال:
"سأفعل ما تطلبه مني لكن لا تتركني هنا أرجوك... أعدني إلى بيتي وجامعتي... سأطلب من أقاربي أن يعتذروا منك... الآن إذا شئت... وسأتصالح مع الشقراء وأنسى أنها من تسبب بإصابتي... قل لها أنني لن أزعجها أبدا ولن تشعر بوجودي في المنزل... أرجوك لا تذهب بدوني... أرجوك..."
كدت أبكي مع رغد... أخرجت مناديل وقدمتها لها تمسح دموعها وأنا أقول:
"كلا يا رغد أرجوك... تماسكي".
ونظرت إلى شقيقي فرأيته يحملق فيها مندهشا من سوء حالتها... ثم يجلس على المقعد بجوارها ويسند مرفقيه إلى ركبتيه وجبينه إلى كفيه ويجذب عدة أنفاس قوية ثم يلتفت إليها ويقول:
"رغد... أروى لن تأتي معي هذه المرة ولذلك لا أستطيع أخذك".
فالتفتت أيه رغد ومسحت دموعها...
تابع وليد:
"عندما تتحسن الأوضاع سنعود جميعا... لكن الآن... صعب".
فقالت رغد:
"لماذا؟"
فأجاب أخي:
"قلت لك.. لأن أروى لن ترافقنا وهي ما تزال غارقة في الحزن على فقد والدتها رحمها الله... لا نستطيع الذهاب أنا وأنت وسامر... لن يكون هذا مقبولا لن توافق خالتك".
فقالت رغد بسرعة:
"لا تأبه بكلام خالتي".
فرد وليد:
"ليست خالتك فحسب... إن كان هذا تفكيرها هي فكيف بتفكير الآخرين؟"
فردت رغد:
"أنا لا آبه بتفكير أحد... أنت في مقام أبي.. وسامر أخي.. أنتما عائلتي الحقيقية وليس لي ملجأ غيركما".
وليد نظر إلي ليرى وقع الكلام على نفسي... فأرسلت نظري بعيدا عنه... ثم سمعته يقول:
"حسنا يا رغد عندما آتي في المرة المقبلة..."
ولم يتم كلامه لأن رغد قاطعته منفعلة:
"كلا.. لن يكون هناك مرة مقبلة... سأذهب معك الآن... أرجوك لا تتركني".
فقال وليد:
"سأسافر باكرا يا رغد... لم نرتب لسفرك وسامر".
فقلت:
"أجل سفرك يوما أو يومين على الأكثر وسيكون كل شيئا مرتبا".
فالتفت أخي إلي وقال:
"لا يمكن. لدي اجتماع مهم للغاية صباحا.. أمر معد له بصعوبة منذ أسابيع".
فقالت رغد مصرة:
"سآتي معك".
فنظر وليد إليها وقد علاه الانزعاج وقال:
"يستحيل ذلك الآن. سنناقش الأمر في المرة التالية".
فقالت رغد وهي تنهار مجددا وتفقد تماسكها:
"أنت تكذب علي... لا تريد أخذي معك... تماطل إلى أن أمل وأكف عن ملاحقتك... قلها صراحة يا وليد إنك لم تعد تريد كفالتي... تريد أن تتخلص مني حتى تكسب خطيبتك ويصفو لها الجو معك وحدك".
أصابتنا الدهشة من كلام رغد... ووقف وليد غاضبا وهتف بخشونة:
"ما هذا الكلام المجنون يا رغد؟"
فهتفت رغد:
"هذه هي الحقيقة.. لقد اخترتها هي وتنازلت عني..."
هنا أطلق وليد زجرة قوية:
"رغد يكفي".
بصوت عال وفظ جدا لدرجة أن رغد انتفضت فزعا ثم بلعت صوتها وكتمت أنفاسها, ثم سار مبتعدا متجها إلى السيارة... ثم توقف واستدار نحونا وقال:
"هل هذا ظنك بي يا رغد؟ فيم ستختلفين عن أقاربك؟ كلكم تبخسونني قدري وتسيئون إلي".
وأولانا ظهره واقترب أكثر من السيارة حتى مد يد ليفتح الباب ووجده مقفلا... فركل السيارة برجله وهتف:
"تعال وافتحها".
وقفت رغد ونادت:
"وليد".
ثم التفتت إلي وأمسكت بذراعي وقالت متوسلة:
"لا تدعه يذهب أرجوك".
عضضت أسناني وقلت:
"لا تقلقي".
ثم خاطبت أخي:
"سأتصل بشركة الطيران وأرى ما إذا كان لديهم مقاعد شاغرة على رحلة الغد".
والتفت إلى رغد قائلا:
"فهي رحلات يومية ولا بد أن مقعدين على الأقل لا يزالان شاغرين".
وهذه فكرة طرأت على بالي للتو... أنتجها قلقي على رغد وتخوفي من ما قد يعتريها بعد هذا...
حثثتها على السير إلى أن صرنا عند وليد فخاطبته سائلا:
"ما قولك؟؟"
فلم يرد... فقلت:
"دعنا نمر الآن بمكتب الطيران ونرى ما يمكن فعله".
فقال:
"الوقت متأخر على فكرة كهذه".
فقلت:
"إما هذه... أو امنحني تصريحا بالسفر مع رغد وسنلحق بك عاجلا".
فزفر بضيق وقال:
"افتح الأبواب".
وركبنا السيارة وسرنا في الطريق وعندما اقتربنا من مفترق طرق أردت الانعطاف بالسيارة لأسلك الشارع المؤدي إلى مكتب الطيران فقال:
"اسلك اليمين".
وهو الطريق المؤدي إلى بيت أبي حسام,فقلت:
"دعنا نمر بالمكتب أولا".
فرد:
"إلى المنزل يا سامر وكفى".
هنا هتفت رغد:
"كلا... لا أريد العودة إلى منزل خالتي... لا أريد".
فالتفت وليد إليها وقال:
"افهمي يا رغد هذا صعب جدا الآن".
ولكنها ألحت:
"لا أريد العودة... لا تسافرعني... لا تفعل هذا بي".
أما أنا فقد انعطفت يسارا وانطلقت بأقصى سرعة ممكنة في الطريق إلى مكتب الطيران.
أثناء هذا وردتني مكالمة من أم حسام تطمئن فيها على رغد فطمأنتها وأخبرتها بأننا سنعود بعد قليل.
توقفت عند مكتب شركة الطيران وفتحت الباب وقلت:
"سأتحقق وأعود".
وحالفني الحظ واشتريت تذكرتين وعدت أزف البشرى إلى رغد.. غير آبه برأي وليد... فأنا لم أعد أقوى على تحمل كآبتها...
تهلل وجهها حينما أخبرتها ومع ذلك أخذت تنظر نحو وليد والذي كان ينظر عبر النافذة إلى الخارج وعلى وجهها القلق وكأنها تسأله عن رأيه وتطلب موافقته... لم يعلق أخي فاعتبرنا صمته بمثابة الضوء الأخضر... وتابعنا المسير...
أظنه خاف على رغد وأدرك إلى أي حد وصلت بها نفسيتها...
عدنا أدراجنا إلى منزل أبي حسام ولما فتحت الباب لها ترددت في الخروج...
وإذا بها تخاطب وليد قائلة:
"لا تفعلها وتسافر عنا".
فأجاب:
"وهل سأقود الطيارة وأسافر مثلا؟"
فقالت:
"لكن... إذا تعرقل سفري لأي سبب... فسوف... فسوف..."
فالتفت وليد إليها:
"فسوف ماذا؟"
ولم تكمل رغد وخرجت من السيارة ورافقتها إلى داخل المنزل وأخبرت العائلة بأننا اشترينا التذكرتين وسنسافر مع وليد.
فور أن أنهيت إعلام الخبر رأيت رغد تنظر إلى خالتها وتقول مهددة:
"لا تحاولي منعي يا خالتي وإلا فأنني سأحبس نفسي في الغرفة إلى أن أموت وألحق بأمي".
فلم تقل أم حسام شيئا... ورن هاتفي فإذا به أخي يستعجل خروجي ويوصيني:
"قل لرغد ألا تنام دون عشاء... وأن تتناول فطورا جيدا قبل المغادرة صباحا. أكد عليها هذه مرارا".
ونقلت وصيته إليها فردت والسرور يتجلى على وجهها:
"حاضر".
وعدت إلى السيارة ونظرة إلى أخي فرأيته شاردا... يفكر بعمق. قلت:
"صدقني وليد... هذا أفضل حل... وإلا فأن نفسية رغد ستتدهور".
التفت إلي أخي وتنهد وقال:
"لقد أحدثت مشكلة كبيرة لي مع أروى يا سامر..."
سألته بقلق:
"أي مشكلة؟"
قال:
"تصرفت وكأن الأمر يعني رغد فقط... وحين تعرف أروى بأن رغد عائدة معي فستقلب الدنيا رأسا على عقب".
فكرت قليلا... بعدها قلت:
"إذن قل لها أن رغد عائدة معي أنا وليس معك".
فرمقني أخي بنظرة غامضة وأوشك على قول شيء, لكنه حبس لسانه ولاذ بالصمت....

***************************

من الصباح الباكر... اتصلت بسامر لأتأكد من أن كل شيء يسير بخير... وتناولت فطوري وبقيت جالسة في الحديقة مع أقاربي وحقائبي... في انتظار مجيء ابني عني.
وعندما أتى سامر... عمد إلى الحقائب يحملها... وخرج عمي أبو حسام لملاقاة وليد... الذي لم يدخل المنزل.
عانقتني نهلة بحرارة... أما خالتي قفد ذرفت الدموع وهي تضمني إلى صدرها... وأبقتني في حظنها طويلا... إلى أن سمعت صوت سامر يقول:
"هيا بنا".
ابتعدت عن خالتي... فمسحت على رأسي وقالت:
"انتبهي لنفسك جيدا يا رغد..."
أومأت بنعم.. فالتفتت نحو سامر وقالت:
"اعتني بها وصنها كعينك يا بني... ولا تدع أخاك يقسو عليها".
فقال سامر:
"توصينني أنا يا خالتي؟؟"
فقالت:
"أذكّر... عل الذكرى تنفع المؤمنين".
فأكد لها:
"اطمئني... رغد بعنقي".
ثم التفت إلي وقال:
"هيا وإلا تأخرنا".
جلت بنظري لألقي نظرة الوداع على أقاربي... وافتقدت حسام الذي كان نائما ولم ينهض لوداعي...
وأخيرا... غادرت المنزل... ورحلت عائدة إلى منزلي الحقيقي... في الجنوب...
وصلنا إلى المنزل الكبير ضحى...
وليد أسرع بالاستحمام ثم غادر المنزل على عجل وهو يقول:
"اهتم بكل شيء... سأعود عصرا... اتصل بي عند الحاجة".
واختفى بسرعة... أما سامر ففي البداية أخذ يتجول في أنحاء المنزل مستعيدا الذكريات الماضية... وشاعرا بالألم لتذكر والديّ... ولأنني لا أستطيع صعود الدرج فلم أرافقه عندما واصل جولته في الطابق العلوي... إنما ذهبت إلى غرفتي اسفلية واستلقيت على سريري باسترخاء وأغمضت عيني...
آه... أخيرا أنا هنا من جديد...
كأن ما حصل... حلم طويل... لقد مضت عدة أسابيع منذ غادرت هذه الغرفة... على أمل العودة بعد أيام... وبدون الشقراء...
يا للأيام... يا للأحلام...
ولم أشعر بنفسي وأنا أستسلم لنوم عميق... عميق جدا... عوضت فيه سهر الليالي المؤرقة التي قضيتها بعيدا عن وليد قلبي...

*****************************

عدت من عملي قبيل المغرب فوجدت شقيقي متمددا على الكنبة في غرفة المعيشة الرئيسية, غارقا في النوم, والتلفاز مشغلا والمصابيح مطفأة... وعلى الطاولة جواره علبة فواكه مشكلة فارغة وقارورة ماء... ما إن هتفت باسمه مرتين حتى استيقظ وراح ينظر إلى ما حوله ثم يتثاءب ويمدد ذراعيه ثم يقول:
"عدت أخيرا؟!... تأخرت".
فقلت:
"أخبرتك أنني سأعود متأخرا. كان أمامي الكثير لأنجزه اليوم".
ثم أضفت:
"وعلى فكرة يمكنك استلام وظيفتك رسميا ابتداءا من الغد.. وقد خصصت سيارة تابعة للمصنع لتستخدمها إلى أن نجلب سيارتك من الشمال".
قال:
"عظيم... ممتاز... وأين ستعينني؟"
قلت:
"معي يا سامر... نائب عني ومساعدي الأول".
وأضفت:
"مثل السيد أسامة.. وأريدك أن تتقن الوظيفة بسرعة لتحمل العبء معي.. خصوصا وأن المنذر يطالب بإجازة منذ زمن وأنا أرفضها".
سألني أخي:
"هل أسامة المنذر هذا موضع ثقة؟"
فأجبت:
"نعم.. وهو من كان يدير المصنع ويرعى ثروة أروى وأملاكها إلى أن تسلمتها.. إنه رجل أمينن.. وجدّي الثقة".
سأل:
"وماذا عن بقية الموظفين؟ الإداريين بالذات؟؟"
فقلت:
"لا أولي الثقة المطلقة في حياتي إلا خمسة رجال.. سيف وأبيه.. وعمي إلياس.. والسيد أسامة.. وأنت".
ثم مددت يدي وربت على كتف شقيقي وقلت:
"وأنت أولهم يا شقيقي... سأعتمد عليك كثيرا..."
ابتسم سامر وقال:
"بكل تأكيد.."
ثم أضاف مازحا:
"المهم أن تسبغ علي الرواتب والعطايا الكريمة! دعني أتذوق طعم الثراء من جديد".
وضحكنا بابتهاج...
ثم سألته:
"ماذا عن رغد؟"
فحك شعر رأسه وقال:
"ربما نائمة... لم أرها منذ ساعات".
استنكرت هذا وقلت جادا:
"منذ ساعات!"
قال:
"نعم فهي قد دخلت غرفتها المجاورة بعد انصرافك ولم تجب عندما ناديتها قبل أن أنام..."
أثارت الجملة قلقي فقلت:
"تعني أنك ام ترها منذ الصباح؟؟ وأنا من اعتمدت عليك؟"
وخرجت من غرفة المعيشة وذهبت إلى غرفة رغد وتبعني أخي.
طرقت الباب وناديتها بضع مرات فلم تجب. قال أخي:
"أظنها نائمة... قفد كانت متعبة من عناء السفر كما أنها لم تنم البارحة".
قلت:
"يجب أن نتأكد".
وطرقت الباب بقوة أكبر وهتفت مناديا إياها بصوت عال... ولم تجب... فما كان مني إلا أن أمسكت بقبضة الباب وفتحته... وأخي يهتف:
" ماذا تفعل!!؟"
لم أدخل الغرفة بل ناديت رغد بصوت يعلو مرة بعد مرة إلى أن سمعت صوتها أخيرا يرد...
"نعم؟؟"
"هذا أنا... هل أدخل؟؟"
"نعم... ماذا هناك؟؟"
أطللت برأسي داخل الغرفة فوجدتها جالسة على سريرها مادة رجليها وهي لا تزال ترتدي عباءتها... ويبدو عليها النعاس الشديد... تراجعت للوراء وقلت:
"أنا آسف ولكننا طرقنا الباب وناديناك مرارا فلم تردي".
ولم أسمع لها ردا... فقلت:
"هل كنت نائمة؟"
فلم نرد... فعدت وأطللت برأسي نحو الداخل ورأيتها تتثاءب وهي شبه واعية فسألت:
"هل شربت منوما أم ماذا؟؟"
ولم ترد... قلقت وسألت:
"هل أنت بخير؟"
فأجابت أخيرا وهي تفرك عينيها:
"أجل... أنا نعسى".
وأمالت رأسها إلى الوسادة وأغمضت عينيها... انسحبت من الغرفة وأغلقت الباب وأنا أكرر اعتذاري...
لاقاني أخي بنظرات استهجان فشرحت له:
"داهمها الإغماء من قبل وشارفت على الموت... لم يبدو نومها طبيعيا مع كل ذلك الطرق والنداء".
واتجهت إلى المطبخ وجلست على أحد المقعد أرخي أعصابي وعندما لحق بي أخي قلت:
"ستكون الخادمة هنا غدا... وسأعمل على توظيف طاهية أيضا".
قال سامر متجاوبا:
"على ذكر الطعام أنا أتضور جوعا".
واتصلنا بأحد المطاعم وطلبنا وجبة غنية تناولنا نصيبنا أنا وأخي منها فور وصولها.
"أين سأنام؟"
سأل خي ونحن على مائدة الطعام, فأجبت:
"في أي غرفة تشاء... لكن الغرف بحاجة إلى تنظيف أولا وغرفتك السابقة ظلت مقفلة... استخدم غرفتي الليلة".
قال:
"وأنت؟"
قلت:
"أنام في غرفة المعيشة على مقربة من رغد.. فهي تخشى المبيت بمفردها في الطابق الأرضي".
وفوجئت بأخي يرد:
"إذن لا بأس. سأنام في غرفة المعيشة وابق أنت في غرفتك".
وكتمت في صدري شيئا لم أشأ إخراجه ساعتها...
ومع مرور الأيام بدأت تصرفات أخي تزعجني... فهو نصب نفسه مسؤولا أولا عن رغد وحل مكاني في رعايتها... كنا نتناوب في الذهاب للعمل والبقاء في المنزل مع رغد... وكنت أسهر كل ليلة لمتابعة العمل أولا بأول... ومع مطلع الأسبوع المقبل ستعود رغد إلى جامعتها وسيتولى هو إقلالها ذهابا وعودة... أما أنا فسأضطر للذهاب إلى المزرعة نهاية ها الأسبوع لأعالج مشاكلي مع أروى... والتي ترفض الحديث معي منذ ليلة العشاء الذي أفسدته قبل سفري...


"إلى المزرعة؟!"
شهقت مندهشة لما أعلمنا وليد عن نيته في الذهاب إلى المزرعة غدا... ورجحت أن يكون الهدف هو جلب الشقراء.
لم أستطع شيئا وكتمت اعتراضي في داخلي... لا يهم إن كانت الشقراء ستأتي.. لا يهم إن كانت قد انتصرت علي.. المهم أن أبقى تحت سقف واحد مع وليد وأحظى برؤيته كل يوم... إنني رأيت الموت من دونه... وسأقبل بأي شيء لقاء أن أظل على مقربة منه ويظل طيفه يجول من حولي...
ومنذ أن أخبرنا بالخبر وأنا واقفة على أعصاب مشدودة في انتظار ما ستسفر عنه سفرته هذه...
لم يكن وليد يجالسني أو يتحدث معي إلا بكلام عابر... وكان يقضي معظم الوقت في مكتبه يعمل.
كنت سأجن لو أنه لم يحضرني معه... لم تكن شمس النهار التالي لتطلع علي وبي عقل... بعد مقابلته البليدة عند بوابة منزل خالتي...
على فكرة... نظارته الشمسية أصبحت ملكي الآن!
اليوم ستزورني مرح وتجلب معها بعض المحاضرات الهامة لأطلع عليها... سأعود للجامعة قريبا وأشغل وقتي في الدراسة من جديد... وأبعد عن رأسي التفكير في الشقراء...
الساعة الآن الواحدة ظهرا ونحن -أنا وسامر- نتناول طعام الغداء في المطبخ... ووليد في عمله...
"ما بك يا رغد؟؟ فيم أنت شاردة؟؟"
سألني سامر وهو يرى يدي تقلب الحساء بالملعقة طويلا... دون أن أرشف منه شيئا...
قلت تلقائيا:
"هل تظن أنه سيحضرها معه؟؟"
فرد سامر:
"أظن ذلك, وهذا شأنهما".
فازداد توتري... فقال سامر:
"من الطبيعي أن يجلب زوجته معه يا رغد".
تناولت رشفة من الحساء بلعتها ولم أشعر بطعمها... ثم قلت:
"المهم.. أن تقبل بوجودي.. لأن وليد.. فيما لو رفضت.. سيعيدني إلى خالتي".
فاستغرب سامر وقال:
"وما علاقة هذا بك؟؟"
قلت:
"إنها لا تريد أن أعيش معهما".
"أهكذا؟"
نعم. لأن الانسجام بيني وبينها مستحيل.."
تجلى على سامر بعض التردد ثم تجرأ وسأل:
"هل تدرك هي أنك..."
طأطأت رأسي ونظرت إلى وعاء الحساء الموضوع أمامي حرجا... ففهم سامر إجابتي... سامر يفهمني جيدا... وهو دائما معي صريح ومباشر... ليس فيه الغموض ولا ينشر الحيرة والتساؤل والذهول أينما حل... كما هو وليد...
قال بعد صمت قصير:
"إذن وليد يعرف... الآن تأكدت".
فرفعت بصري إليه وسألت:
"يعرف ماذا؟؟"
فهوى ببصره إلى أطباق طعامه وتظاهر بالانشغال بتقطيع قطعة اللحم... وقال:
"أنك تحبينه".
شددت على يدي وفارت الدماء في وجهي وأبعدت نظري عن عيني سامر وقلت بصوت ضعيف:
"أأأأ... لا... ليس كذلك".
وأمسكت بطرف مفرش مائدة الطعام وأخذت أشد وأرخي فيه باضطراب...
سامر وضع قطعة اللحم في فمه وراح يمضغها ثم بلعها وقال:
"بل يعرف".
فرفعت بصري إليه باهتمام فوجدته يرفع كأس العصير ويشرب جرعة منه... متظاهرا بالبرود...
قلت:
"كيف؟"
قال وهو يتابع تناول طعامه:
"ليس بهذا الغباء".
وأحسست بقلبي يخفق بقوة... هل يمكن أن يكون وليد... قد اكتشف أنني أحبه.. أكثر من حب ابنة لأبيها؟؟
وفيما أنا شاردة في تفكيري سمعت سامر يقول بجدية:
"لكن ذلك لن يغير شيئا يا رغد... وليد رجل متزوج ويكبرك بعشر سنين.. ولا أظنه يعتبرك إلا ابنة أو أخت صغيرة يتيمة تكفل برعايتها".
فقدت شهيتي للطعام فجأة وتوجم وجهي حزنا... ولاحظ سامر التغيرات التي اعترتني فوضع شوكته جانبا وخاطبني بنبرة أكثر جدية وواقعية:
"يا رغد... ستستفيقين يوما وتدركين أين كنت تتخبطين... لكنني لا أريد أن تصابي بصدمة قاسية.. فكري مليا في وضعك... وقيمي الأشياء تقييما عقلانيا وليس عاطفيا... ماهي نهاية حب رجل مرتبط بفتاة أخرى لا يملك أي سبب ليتخلى عنها؟ ولا أي دافع ليفكر في غيرها".
أصبت بعسر هضم وتلوت معدتي... ورفعت عيني بانكسار وأبرزت يدي على المائدة وقلت:
"حتى لو تزوجها... سأبقى معه... تحت وصايته".
قال:
"ستكبرين يوما... ولن تحتجي وصيا... وهو سيتزوج ويكرس جهده لعائلته الجديدة.. هذا هو المسار الطبيعي للحياة".
قلت بشء من الاتفعال:
"وأنا؟؟"
فصمت سامر... ثم قال:
"أنت أيضا... ستتزوجين وتعيشين حياتك... مع من يستحقك ويقدرك".
وتبادلنا نظرات عميقة... ثم قال:
"القرار بيدك".
فأخذت أنظر إلى يدي... أتأمل راحتيهما... والخطوط التي تملأهما... وكأنني أفتش عن القرار بينهما... وأراهما خاليتين جوفاوين... لا تحملان شيئا...
مددتهما نحو سامر أريه باطنهما الأجوف وأنا أقول:
"يداي لا تملكان شيئا".
فمد سامر يده نحو يدي وقال:
"ما في يدي هو ملكك".
وكانت عيناه تحملقان بي تملؤهما المعاني العميقة...
شعرت بمرارة في حلقي... كأنني تجرعت دواء مركزا... وانهارت تعبيرات وجهي أمام نظرات سامر فإذا بي أقول دون تفكير:
"ألا زلت تحبني؟"
وكانت إجابته بأن شد قبضة يده وأغمض عينيه كمن يعتصر ألما...
نعم يحبني... أعرف ذلك... كان مهوسا بي... يغمرني بلطفه ويمطرني بهداياه ويغلفني بعواطفه...
لم يكن خطيبي فقط... كان أخي وصديقي المقرب... وكان يشاركني كل شيء... ولم أشعر يوما وهو معي بأنني بحاجة لأي شيء...
لماذا لا تزل تحبني يا سامر... بعد ما فعلته بك...؟؟
آه...كم يؤلمني قلبي... كم يقرصني ضميري... كم أنا أنانية... كم أنا حزينة من أجلك...
رفعت رأسي أريد أن أرمي به إلى الوراء لعل الأحزان تتساقط منه... فإذا بعيني تقعان فجأة على وليد...
جفلت وسحبت يدي نحو صدري أمسك نفسي الذي انحشر فجأة في شعيباتي الهوائية إثر ظهور وليد المباغت... و
أحس سامر بحركتي السريعة ففتح عينيه والتفت إلى الوراء... إلى الباب... فوجد وليد يقف هناك...
"أهلا وليد... كيف كان يومك؟"
بادر سامر بالسؤال فرد وليد:
"كان حافلا جدا".
قال سامر:
"قرصنا الجوع فشرعنا بالأكل قبلك".
رد وليد:
"بالهناء والعافية".
وتوجه نحو المغسل فغسل يديه وأقبل واتخذ مقعدا... على رأس المائدة...
قال:
"ماذا لدينا اليوم؟"
فأجاب سامر متظاهرا بالمرح:
"مشويات طلبناها من مطعم... وحساء أعدته رغد".
فطأطأت رأسي خجلا من الحساء المتواضع الذي أعددته...
وبدأ وليد يعد أطباقه وسكب لنفسه شيئا من الحساء... وأخذ يرتشفه... ولم ينطق بأي تعليق...
وسامر عاد يتناول طعامه ويطرح على وليد الأسئلة حول العمل... حيث إنه سيذهب بعد قليل... ويجيب وليد أجوبة مختصرة... إلى أن سمعته يقول:
"لم لا تأكلين؟"
انتبهت على سؤاله فرفعت رأسي ونظرت إليه نظرة سريعة ثم أخفضت رأسي وأجبت بصوت خافت:
"اكتفيت الحمدلله".
وأمسكت بعكازي الموضوع إلى جواري وقمت عن المائدة...
سامر قال:
"لم تأكلي شيئا رغد".
فقلت:
"الحمد لله".
وسرت متجهة إلى الباب... فاستوقفني صوت وليد يقول:
"على فكرة هل لديك استعداد لزيارة الطبيب اليوم".
فتذكرت صديقتي مرح وقلت وأنا لا أجرؤ على رفع بصري إليه:
"اليوم؟ أأأأ ستأتي مرح لزيارتي".
فقال:
"ماذا عن بعد الغد أو بعده؟"
فأجبت:
"بعد الغد..."
فقال:
"لا بأس".
ثم تابعت طريقي إلى غرفتي...
وقبل مجيء مرح ذهبت إلى المطبخ لأحضر بعض أطباق المكسرات والحلويات...
وشيئا من العصير... وفيما أنا أحمل الصينية بيدي اليمنى بينما تمسك يدي اليسرى بالعكاز... اختل توازن الصينية فوقعت أرضا وتحطم الكأسان الزجاجيان محدثين جلبة كبيرة... وتبعثرت الأطباق والمحتويات على مساحة كبيرة...
"أوه... هذا ما كان ينقصني!"
تذمرت بصوت غاضب... ثم جثوت على الأرض بحذر ألتقط شظايا الزجاج والطعام المبعثر...
"ماذا حصل؟"
التفت بسرعة نجو مصدر الصوت... وجدته واقفا عند الباب والقلق يخطو نتوءا على جبينه ويحفر مابين حاجبيه... ثم اقترب مني وسأل:
"هل انزلقت؟؟ هل أنت بخير؟"
سحبت نظراتي عنه وسلطتها بخنوع نحو الشظايا وأجبت هامسة:
"أوقعت هذا من يدي".
ورأيت ظله ينعكس على الأرضية الملساء... ثم رأيت يده تظهر من الفضاء وتهبط على الشظايا وتلملمها...
جمع قطع الزجاج الكبيرة والطعام في الصينية وانغمست أنا في التقاط الأشلاء الصغيرة وإذا به يرفع الصينية ويقول:
"دعيها عنك".
فنهضت مستندة على عكازي ورأيته يتجه نحو المكنسة الكهربائية فشعرت بالحرج وتقدمت خطوتين وأنا أقول:
"أنا سأنظفها".
فالتفت إلي وقال:
"لا عليك... احذري أن تدوسي عليها".
وقد كنت حافية القدم اليمنى, أما الآخرى فمجبرة كما تعلمون...
عكف وليد على تنظيف الأرضية بحذر من أي شظايا ممكنة... وعكفت عيناي على مراقبته بكل عناية... فهما قد حرمتا من رؤيته أسابيع طويلة ولم ترتويا بمرآه بعد...
لما فرغ من مهمته استدرت بسرعة نحو الدواليب وتظاهرت بأنني أستخرج كأسين آخرين وأطباق جديدة... وسمعته يقول:
""دعيني أساعدك"
وتولى بنفسه تحضير كل شيء ثم حمل الصينية إلى العربة ثم سأل:
"أين ستستقبلينها؟"
أجبت:
"في غرفة الضيوف الرئيسية".
فقاد العربة إلى هناك ثم عاد وسأل:
"شيء آخر؟؟"
فأخفضت رأسي وابتسمت وقلت:
"شكرا لك".
فرد:
"العفو... صغيرتي".
رفعت إليه بصري بسرعة... هل قال صغيرتي؟؟ هل ناداني بصغيرتي من جديد؟؟ أخيرا حن علي؟؟ هل صفح عني ورضا علي؟؟
حاولت أن أقرأ شيئا في عينيه لكنه استدار منصرفا وهو يقول:
"إذا احتجتني فناديني".
بعد ذلك ذهبت إلى غرفتي قريرة العين... ونظرت إلى وجهي في المرآة... فوجدته متوهجا...
نزعت وشاحي وأطلقت سراح شعري السجين... إن لدي ضيفة مقربة وأنا لا أريد أن أستقبلها كما في الزيارة السابقة! أتذكرون؟؟ الشقراء في قمة الأناقة وأزهى الألوان...
وأنا خلف السواد وتحت الجبائر!
وأردت التزين ولكنني لم أملك شيئا في هذه الغرفة! لا حلي ولا مساحيق ولا ملابس تليق باستقبال ضيوف مقربين!
"أوه... ما هذا الحظ العاثر! كيف سأصعد الآن إلى غرفتي... وكيف سأهبط!؟"
لا!
لا تذهبو بأفكاركم إلى الجحيم! هل تظنون أنني سأطلب هذا من وليد؟؟
في غرفة الضيوف استقبلت ضيفتي بعباءتي ووشاحي... وكأنني لست من أصحاب المنزل... وكان وليد هو الذي فتح لها الباب وقادها إلى الغرفة.
"واو! ما هذه الأناقة يارغد؟؟ تبدين مذهلة!"
قالت مرح مازحة وهي تتأملني, فأجبت وأنا أرفع رأسي وحاجباي وأغمض عيني مفتعلة المكابرة المازحة:
"لا تحاولي مضاهاتي! احترقي غيرة!"
وضحكنا مرحتين. وحقيقة اعتادت مرح وجميع الزميلات على رؤيتي بمظهر رسمي عادي... في الجامعة لم أكن أرتدي غير الملابس الرسمية ولم أكن أضع أي مساحيق أو حلي كما تفعل هي ومعظم الطالبات... بعضهن يحملن عدة التزين معهن عوضا عن الكتب!
أما أنا فلم أتزين منذ أن.... سافر والدي للحج... العام الماضي... ولم يعودا... وكما تعلمون بقيت في منزلنا في المدينة الصناعية تحت مرأى وليد إلى أن احترق المنزل... ثم عشت في شقة سامر إلى أن بلغنا مقتل الحبيبين رحمهما الله... وانتقلت بعدها إلى مزرعة الشقراء... ثم إلى هنا... ثم إلى منزل خالتي... كالمشردة الضائعة بلا مأوى...مغلفة بسواد عباءتي...
لاحظت مرح شرودي فقالت:
"ابتسمي وأريني جمالك الحقيقي".
فابتسمت بعفوية فقالت:
"رائعة جدا! ستبهرينه بالتأكيد!".
تقوس حاجباي استغرابا وسألت:
"أبهر من؟".
فضحكت مرح ثم قالت:
"الرجل الذي ستتزوجينه ذات يوم..."
آه! يا لأفكارك السخيفة!
أما هي فتابعت:
"فنانة.. جميلة... خلوقة ومن عائلة راقية.. وابنة مليونير كبير!... سينبهر حتما".
قرصت يدها قرصة خفيفة وقلت:
"دعك من هذا... أخبريني كيف هي الجامعة؟ والزميلات؟؟"
وأخبرتني بعدة أمور كان أكثر ما أثار اهتمامي هو المعرض الفني الذي يقام حاليا في إحدى القاعات, بإشراف شقيقها, والذي شاركت هي فيه ببعض لوحاتها. وأعلمتني بأنها ومجموعة من زميلاتنا قد اتفقن على حضوره يوم الغد, اليوم الأخير للمعرض.
وكانت مرح قد سبق وأن أخبرتني عن المعرض عندما كنت راقدة في المستشفى...
قلت:
"غدا آخر يوم؟"
فأجابت:
"نعم".
قلت:
"يا للخسارة! كم تمنيت الحضور".
فقالت وقد لمعت فكرة في عينيها:
"ولم لا رغد؟ تعالي معنا فكلنا سنذهب غدا ونقضي وقتا رائعا".
قلت وأنا أشير إلى عكازي:
"وهذا".
فقالت:
"وما المانع؟ ألست تستطيعين السير؟؟ لا تفوتي فرصة كهذه رغد".
وكبرت الفكرة في رأسي بسرعة.. وشجعتني مرح حتى آمنت بها وقررت الذهاب!

**************************
عاد شقيقي مساء يحمل معه عشاء من أحد المطاعم وكيسا يحوي معتبرة من كرات البوظة المختلفة الأنواع قال عنها:
"وهذه لرغد! ستدهشها".
وذهب مباشرة ليريها إياها... ولأن المطبخ قريب من غرفة رغد فمن السهل سماع أي حوار يدور عند الباب...
كانت مسرورة.. وسمعت ضحكتها وضحكة سامر تنطلقان بمرح وتطرقان أذني بتحدي..
تجاهلت ذلك وخدرت أعصابي لتمر الليلة بسلام.
وقبل أن آوي إلى فراشي باكرا عاودت الاتصال بالمزرعة وتفقد أحوال أروى والعم إلياس.. وقد رفضت أروى التحدث معي وطلب عمي مني الحضور لحل المشكلة...
فأخبرته بأنني سأعود نههاية الأسبوع كما خططت.
أويت إلى فراشي وبعد منتصف الليل استيقضت بسبب ألم في معدتي.. ذهبت إلى المطبخ لأتناول دوائي وأشرب الماء وسمعت صوت التلفاز في غرفة المعيشة.. وتوقعت أن يكون أخي قد نام تاركا الجهاز مشغلا وذهبت بقصد إيقافه وفوجئت حين أطللت برأسي فرأيت أخي ورغد يشاهدان التلفاز معا... ويلتهمان البوظة...
قال سامر حين رآني:
"ألم تنم بعد؟"
والأجدر أن أطرح أنا هذا السؤال... قلت:
"بلى, نهضت لأشرب ماء.. ولكن لم أنتما ساهرين للآن؟"
فرد:
"نشاهد فيلما ممتعا... ثم إننا لن ننهض باكرا مثلك!"
ولم أجد أي تعليق أعقب به... فانسحبت وعدت إلى فراشي...
لكن معدتي شاءت تعذيبي ساعة من الزمن حتى هدأت... وسلمتني للأفكار والهواجس.. تلعب بي بقية الليل...
كان لدي عمل كثير ومهم جدا في اليوم التالي.. عدت ظهرا من الشركة فيما ذهب شقيقي إليها.
اعتكفت في مكتبي لإنجاز أمور ضرورية.. ودعوت أحد الموظفين المسؤولين لزيارتي في المنزل وإتمام العمل معي..
وفيما أنا في قمة الانشغال طرق الباب وأجبت الطارق.. فكان رغد..

**********************

بعد أن اتصلت بي مرح تؤكد علي الذهاب للمعرض لم أستطع مقاومة رغبتي في ذلك فاستجمعت جرأتي وأتيت إلى وليد وأخبرته بذلك..
كان يجلس خلف المكتب وأمامه الكثير من الأوراق والملفات إضافة إلى حاسوبه الخاص والهاتف.. بدا مشغولا جدا وربما لن يوافق..
نظر إلي وليد باستغراب وقال:
"كيف يا رغد! وإصابتك؟"
قلت:
"سأسير بعكازي".
قال:
"ألن يكون هذا شاقا؟"
قلت مبررة:
"لن أضطر للمشي كثيرا... ستساعدني مرح إن احتجت..."
ولم يظهر عليه الاقتناع فقلت بنبرة رجاء:
"لا أود تفويت الفرصة... مجموعة من صديقاتي وزميلاتي اتفقن على الذهاب اليوم وسيمضين وقتا ممتعا. أريد مشاركتهن.. والتفرج على اللوحات الرائعة... سأمر ولو لنصف ساعة..."
نظرت إليه مستشفية رأيه... كان الاعتراض جليا على وجهه... وسمعته يقول:
"إذا كان ولا بد, فأجلي الفكرة إلى الغد. إن ضيفا سيزورني هذا اليوم ولا يمكنني الخروج معك".
قلت:
"لكنه آخر الأيام".
فقال وهو يعود للتحديق في شاشة حاسوبه:
"إذن انسي الأمر".
شعرت بالحزن والحنق... ووقفت في مكاني منكسرة.. ثم قلت مستدرة موافقته:
"أنا لم أخرج من البيت منذ زمن... منذ إصابتي... أريد أن أغير الجو قليلا".
فالتفت وليد نحوي... وقال:
"أنا مشغول جدا اليوم يا رغد".
قلت مباشرة:
"سأذهب مع مرح".وسكت وليد فتابعت:
"أخبرتني بأنها تستطيع اصطحابي. سترافقها إحدى شقيقاتها والأستاذ عارف ذاته هو الذي سيقلنا بسيارته".
وكما يظهر لم يستسغ وليد الفكرة... أطرق برأسه قليلا ثم قال أخيرا:
"لا أرها فكرة حسنة من البداية. لم لا تصرفين النظر عنها وتستغلين وقتك في الدراسة؟؟"
وبهذا أنهى الحوار وعاد لحاسوبه.
أحسست بالحسرة!... وخرجت من كتبه أجر أذيال الخيبة.

إنني سجينة المنزل منذ أن وقعت من أعلى السلم... وآخر مرة رأيت فيها العالم كانت ليلة نزهتنا أنا وهو قبيل الحادث.
ذهبت إلى المطبخ وأنا مكسورة الخاطر واتصلت بصديقتي مرح وأخبرتها بعدم تمكني من الذهاب, وأنا أعتصر حسرة!
مضت فترة ووليد مشغول في مكتبه وعند الرابعة عصرا وفيما أنا جالسة عند المائدة أتصفح بعض المجلات وألتهم البوظة, سمعته يتنحنح.
التفت إلى ناحية الباب ووجدته يقف هناك ويهم بالدخول...
دخل وليد ولمح المجلات بين يدي فقال:
"أليس أجدر بك تصفح كتبك؟! لقد فاتك الكثير يا رغد! شدي همتك".
انزعجت من نصيحته رغم كونها قيمة, فقط لأنني مستاءة من رفضه لطلبي. وقلت:
"حاضر. سلأفعل ذلك".
وربما فهم التذمر في ردي لكنه تجاهله, واتجه إلى الموقد وأخذ يعد الشاي...
فرغت من التهام كرة البوظة ورغبت في المزيد.. فاتجهت إلى الثلاجة واستخرجت كرة أخرى فإذا بي أسمع وليد يقول:
"لا تكثري من تناول البوظة... ستمرضين".
فشعرت بالحرج وأعدت البوظة إلى مكانها... ثم حملت مجلاتي وغادرت المطبخ متجهة إلى غرفة المعيشة.. وشغلت التلفاز وجعلت أقلب القنوات بملل... لحظات وإذا بوليد يقف عند الباب ويقول:
"دعك من التلفاز يا رغد.. ستعودين الأسبوع المقبل إلى الجامعة.. لم لا تراجعين دروسك؟"
أحسست بالضيق.. فأغلقت التلفاز ونهضت أريد العودة إلى غرفتي.. وعندما اقتربت من الباب قال:
"ولا تسهري في الليل وتفسدي نومك وصحتك... لا زلت صغيرة على ذلك".
ما به وليد؟؟ لماذا يعاملني هكذا اليوم؟؟
التفت إليه منزعجة وقلت:
"حاضر... أي أوامر أخرى؟؟؟"
ولم يتنحى عن طريقي فرفعت بصري إليه ورأيته يحملق بي...
قال:
"أنا لا آمرك يا رغد... أنا أنصحك".
وهل تراني طفلة ضالة أو غبية؟؟ قلت:
"حاضر.. كما تأمر.. أو كما تنصح.. أنت الوصي وأنت السيد هنا.. هل تأذن لي بالانصراف الآن؟"
وليد صفق راحة يسراه بقبضته اليمنى... تعبيرا من استيائه من ردي... ثم خطا خطوة باتجاهي وقد أظهر اهتمامه بتذمري أخيرا وقال:
"ما الأمر يا رغد؟"
فلم أرد.
"لم كل هذا الحنق؟ ألا ترحبين بنصيحة ممن يفوقك سنا وحكمة؟"
احمر وجهي ونظرت إليه وقلت:
"بلى... أقدر لك اهتمامك وشكرا".
انتقل الاحمرار إلى وجه وليد الذي قال:
"لماذا تخاطبينني هكذا؟".
فصمت برهة ثم قلت:
"بأي طرقة تريدني أن أخاطبك؟ وجهني فأنا لم أعد أفهمك".
رماني بنظرة قوية وسأل:
"ماذا تعنين؟؟"
قلت متخلية عن حذري:
"أنت تغيرت علي.. وضح لي الطريقة التي تريد أن أتعامل بها معك من الآن فصاعدا.. فأنا أخشى أن أقدم على تصرف لا يعجبك فتغضب وتعاقبني بإرسالي إلى خالتي وحرماني من الدراسة".
وإذا بوجه وليد يتحول من الاحمرار إلى السواد... وكأنه احترق.. وإذا بأوداجه تنتفخ حتى خشيت أن تتمزق...
شعرت بالفزع وتراجعت للوراء... وهممت بأن أستدير وأولج الغرفة مبتعدة عنه...
فإذا به يمد يده ويقبض على ذراعي ويقول:
"إلى أين؟"
فنظرت إليه نظرات خوف ممزوج برجاء... فقال:
"كل هذا لأنني رفضت اصطحابك إلى المعرض؟"
باغتني سؤاله وأربكني... ولم يعطني فرصة للإجابة بل واصل:
"قلت لك إن لدي عمل مهم جدا أقوم به الآن".
فنطقت بخوف:
"انس الأمر... غيرت رأيي..."
ولا بد أنه رأى الخوف في عيني... سحب يده ومرر أصابعه في شعره ثم إذا به يقول:
"لتجدي الفرصة لإخبارهم بأن وليد... وصي صارم وفظ وجاف... لا يحسن معاملتك... ألست من أراد السفر معي؟؟"
ذهلت من قوله أردت التكلم غير أنه قاطعني:
"اذهبي حيثما تريدين... حتى لا تنعتوني بما هو أبشع... هيا يمكنك الذهاب الآن".
واستدار خارجا من الغرفة... وأنا لا أزال في حالة الذهول... وعندما اختفى عن مآي... سرت بسرعة وأنا لأتبعه وأنا أقول:
"لم أعد أرغب في ذلك".
توقف وليد برهة موليا ظهره إلي... ثم استدار ونظر إلي بحدة ثم قال:
"بل اذهبي... الصداع ونشب... والجدال حصل... فلا تزيدي الأمر إضراما على صفر النتيجة".
واستدار وولى...

*************************

عدت إلى مكتبي وانخرطت في عملي بأقصى تركيز ممكن, محاولا طرد رغد من رأسي تلك الساعة... وبعد قليل سمعتها تقبل إلى الغرفة وهي تقول:
"أنا جاهزة".
وكان وجهها مسترخيا... غير الوجه الذي فارقتني عليه قبل قليل... أرخيت عضلات وجهي وقلت بهدوء:
"حسنا. انتبهي لنفسك".
وانكببت على حاسوبي وأوراقي أواصل العمل, وأحسست بها لا تزال واقفة عند الباب...
رفعت إليها رأسي فرأيتها تنظر إلي...
قلت:
"خيرا؟"
قالت بتردد:
"هل سترافقني؟؟"
استغربت وحدقت فيها متعجبا...! ألم تقل إنها ستذهب مع صديقتها؟؟
قلت:
"أرافقك..؟"
وردت بإيماءة من رأسها...
لكن...!
آه فهمت... لا بد أنها تقصد أن أرافقها إلى البوابة, لأفتح الأبواب في طريقها... وأساعدها في الصعود وهبوط العتبات...
وقفت وأشرت إليها بيدي:
"تفضلي".
غير أنها لم تتزحزح عن موضعها... أطرقت برأسي تعجبا... فقالت متمة سؤالها:
"أعني إلى المعرض؟"
أصابتني الدهشة ووقفت أنظر إليها ثم قلت بحيرة:
"إلى المعرض!؟"
فأخفضت بصرها... فسألتها مستغربا:
"هل قلت إنني سآخذك بنفسي إلى المعرض؟؟"
أجابت وهي لا تزال مطأطئة برأسها نحو الأرض وعيناها بين صعود وهبوط:
"ولكن... أنا... لا أريد الذهاب وحدي".
مرت لحظة صامتة جدا... تلتها لحظة تبادل النظرات... تلتها لحظة تبادل الكلمات.
قلت:
"أليست صديقتك معك؟"
قالت:
"بلى... إنما..."
قلت:
"ماذا؟"
أجابت وصوتها يتحول إلى الهمس الحزين:
"لا أستطيع الذهاب... بدونك".
تنفست الصعداء بعمق شديد... متفهما موقف رغد... وخوفها غير الطبيعي من زيارة الأماكن الغريبة بدون أهلها... وهذه عقدة نفسية خاجة عن سيطرتها...
ورغد أحست بأنني أقرأ ما بداخلها فبقيت صامتة لحظة... ثم نظرت إلي وطلبت برجاء:
"هل ترافقني؟"
رجاؤها صفع قلبي... ولكن ما باليد حيلة... وخروجي صعب جدا ولدي أعمال ملحة وضيف مرتقب...
قلت بصوت جعلته حنونا قدر الإمكان:
"لا أستطيع. أنا آسف... أخبرتك بأنني أنتظر ضيفا... سيأتي بعد قليل".
ثم قلت مشجعا:
"صديقاتك هناك... لن تشعري بالغربة... اذهبي في رعاية الله".
التردد تفاقم بسرعة على وجه رغد... يصحبه الحزن والخيبة... ورن هاتفها المحمول... فألقت نظرة على الشاشة ثم نظرت إلي وقالت:
"مرح وصلت".
وظلت تنتظر مني ردا لبضع ثوان, ثم اتخذت قرارها فجأة:
"سأعتذر لها... لن أذهب".
فوجئت... قلت بسرعة قبل أن تجيب:
"انتظري!"
أنا أستسلم...
إنني لا أستطيع أن يكون لي موقف غير هذا.. رغد أنت دائما تنتصرين..
"سأرافقك... لكن لنص ساعة فقط... لا أكثر".

****************************

وذهبنا إلى المعرض... بالطبع أقلني وليد بسيارته... وسرنا خلف سيارة شقيق مرح.
في القاعة التقيت بمجموعة من زميلاتي اللواتي رحبن بي بحرارة وعبرن عن شوقهن إلي وتمنين لي الشفاء العاجل...
قضيت برفقتهن ورفقت مرح وقتا أقل ما يمكن وصفي له بأنه مذهل... وإن كان قصير جدا!
اللوحات التي كانت تحمل توقيع الأستاذ سامر, شقيق مرح... الفنان المعروف... كانت مبهرة جدا... وقفت عند إحداها مأسورة بروعتها...
الفتيات سبقنني إلى اللوحات التالية وبقيت مرح إلى جواري...
"أعجبتك كثيرا أليس كذلك؟؟"
سألتني فأجبت وعيناي محملقتان في تناسق الألوان البديع في اللوحة:
"ولا أجمل! تحفة!"
سمعت مرح تقول:
"أسمعتَ؟؟ تحفة!"
والتفت إليها فإذا بي أراها توجه الخطاب إلى أحدهم, فيرد:
"شهادة أعتز بها".
نظرت إلى الشخص المتحدث في استغراب... ثم إلى مرح... فابتسمت الأخيرة وقالت:
"المبدع الفنان الأستاذ عارف... شقيقي بكل فخر!"
شعرت بالخجل... وطأطأت برأسي فأنا صغيرة جدا لأبدي شهادة في حق رسام فنان كبير ومعروف... ومرح أمسكت بذراعي وقالت بمرح:
"وهذه رغد آل شاكر... منافستي الأولى في الجامعة! ابنة الملياردير السيد وليد شاكر... مدير مصنع وشركة آل بحري..."
الأستاذ عارف قال:
"تشرفنا... هل السيد وليد شاكر هنا؟؟"
رفعت رأسي عن الأرض والتفت للخلف أفتش عن وليد. كان يتبعنا على بعد عدة أمتار... ويتفرج على اللوحات...
حانت منه التفاتة نحونا ولما رآني أنظر إليه فهم أن في الأمر شيء ما... فسار مقتربا...
مرح أومأت مشيرة إليه مخاطبة شقيقها:
"هذا الشاب... هناك!"
وشقيق مرح سار مبتعدا باتجاه وليد...
التفت إلى مرح فإذا بها تراقب الاثنين وهما يلتقيان ويحيي كل منهما الآخر ويتعرفان على بعضهما البعض...
قلت:
"يبدو أن وليد لم يقابل شقيقك من ذي قبل".
فأجابت:
"أجل. وقد كان يتوق للتعرف إليه ولم تسنح له الفرصة بمرافقتنا ليلة العشاء في منزلكم".
ثم وضعت إحدى يديها على خصرها ورفعت أحد حاجبيها وأخفضت الآخر وقالت:
"أطول منه بعشرين سنتيمترا وفقا لتقديري!"
هنا أقبلت زميلاتنا نحونا وسألن مازحات:
"لم توقفتما هنا؟؟ تعالا واسمعا تعليقاتنا حول لوحات الفنانة المعجزة مرح أسامة!"
وأخذنا نضحك بسرور... ثم إذا بمرح تقول:
"بنات... انظرن... هذا هو أبو رغد".
وهي تومىء نحو وليد!
إحداهن سألت:
"أين؟"
فردت مرح:
"الذي يتحدث مع أخي!"
واتجهت أنظارهن إلى وليد! بعضهن أطلقن تعليقات عدم التصديق, وبعضهن لم يكترثن, والبعض الآخر لسعنه بأعينهن فيما أخريات مبهورات بالفنان عارف أكثر من لوحاته...!
أما مرح فقد قربت فمها من أذني وهمست:
"أكثر وسامة وجاذبية من أخي! لكن عارف ذو شعبية كبيرة وكلهن مأسورات بفنه!"
ثم ضحكت وأمسكت بذراعي وتابعنا التقدم نحو لوحاتها...
وبعد قليل وفيما كنا منشغلات بتأمل لوحات مرح والتعليق عليها سمعت صوت وليد مقبلا من الخلف يتنحنح ويقول:
"معذرة".
التفتنا جميعا للوراء... ورأيته يقف على مقربة وينظر إلي ويشير إلى ساعة يده...
نظرت إلى ساعة يدي فإذا بها الخامسة والنصف... لقد مر الوقت سريعا جدا وأنا لم أنهِ بعد جولتي على بقية اللوحات!
ابتعد وليد عدة خطوات, ووجهت خطابي إلى زميلاتي:
"يؤسفني أنني مضطرة للمغادرة الآن!"
أبدين احتجاجهن ودعونني للمكوث فترة أطول... وكنت أرغب في ذلك ولكن...
أخيرا شكرت زميلاتي وودعتهن وسرت نحو وليد...
ونحن نغادر مررنا بالأستاذ عارف الذي ودعنا وشكرنا بشكل شخصي على زيارة المعرض...
عندما عدنا إلى المنزل أردت أن أسهب في شكر وليد وأعتذر على إزعاجه غير أنه كان على عجل من أمره ودخل مكتبه وما هي دقائق إلا حتى أتاه الضيف... الحلقة السابعة والأربعون تحت جنــاحك مهــما يكــــــــن في طريق



**********


يتبـــــــــــع في الغد ××



متمــردة []

’’ وَأنْآ.. مثل صيآدّ أدّرکْه آلغُروَب..
على شآطئ موَحش .. شبآکْه فآرغُة ..
قلبه فآرغُ .. إلآّ منْ رحمة آلله..‘‘
  اقتباس المشاركة
قديم 11-10-2009, 04:18 PM   #2
.. ليآل ~

ღقـلــم ذهبـي مبدعღ
 
الصورة الرمزية .. ليآل ~
اشتَدَّي أزمَةُ تَنفَرِجي
قَد آذَنَ لَيلُكِ بِالبَلَجِ
ربــــآه من لأسرانآ سوآكـ ؟

قوة السمعة: 233 .. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of

افتراضي رد: رواية ][ ! أنت لي ! ][ كـــآملة

أتمنى لكم قراءه ممتعه

//


ترقبوا النهايـــه ~يوم الخميـــــــٍس~



متمــردة []

’’ وَأنْآ.. مثل صيآدّ أدّرکْه آلغُروَب..
على شآطئ موَحش .. شبآکْه فآرغُة ..
قلبه فآرغُ .. إلآّ منْ رحمة آلله..‘‘
  اقتباس المشاركة
قديم 11-10-2009, 05:30 PM   #3
Maram .. ~
..{ مشـــــــــرفة عامة }..
 
الصورة الرمزية Maram .. ~
بيئولو إنّي توجيهي !

دعوآآآتكم

8/5/2012 --> 1/6/2012
LIVING WITHOUT SOUL

قوة السمعة: 509 Maram .. ~ has a reputation beyond reputeMaram .. ~ has a reputation beyond reputeMaram .. ~ has a reputation beyond reputeMaram .. ~ has a reputation beyond reputeMaram .. ~ has a reputation beyond reputeMaram .. ~ has a reputation beyond reputeMaram .. ~ has a reputation beyond reputeMaram .. ~ has a reputation beyond reputeMaram .. ~ has a reputation beyond reputeMaram .. ~ has a reputation beyond reputeMaram .. ~ has a reputation beyond repute

افتراضي رد: رواية ][ ! أنت لي ! ][ كـــآملة

متآبعهـ :>


قرّبـت ..
2012-2013


  اقتباس المشاركة
قديم 11-10-2009, 11:14 PM   #4
PaLeStiNe FlOwEr
..{ مديــــــر عــــام }..
 
الصورة الرمزية PaLeStiNe FlOwEr
عندما تعتريني الأحزآن ..
أبحث عن انسان ,,
يكون صديقا , يكون رفيقا ..
فلا اجد سواك ..~

أســوم

قوة السمعة: 50 PaLeStiNe FlOwEr has a brilliant futurePaLeStiNe FlOwEr has a brilliant futurePaLeStiNe FlOwEr has a brilliant futurePaLeStiNe FlOwEr has a brilliant futurePaLeStiNe FlOwEr has a brilliant futurePaLeStiNe FlOwEr has a brilliant futurePaLeStiNe FlOwEr has a brilliant futurePaLeStiNe FlOwEr has a brilliant futurePaLeStiNe FlOwEr has a brilliant futurePaLeStiNe FlOwEr has a brilliant futurePaLeStiNe FlOwEr has a brilliant future

افتراضي رد: رواية ][ ! أنت لي ! ][ كـــآملة

متابعة

تقريبا باقي 3 حلقات ولا انا غلطانة؟؟


  اقتباس المشاركة
قديم 11-11-2009, 01:11 AM   #5
.. ليآل ~

ღقـلــم ذهبـي مبدعღ
 
الصورة الرمزية .. ليآل ~
اشتَدَّي أزمَةُ تَنفَرِجي
قَد آذَنَ لَيلُكِ بِالبَلَجِ
ربــــآه من لأسرانآ سوآكـ ؟

قوة السمعة: 233 .. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of

افتراضي رد: رواية ][ ! أنت لي ! ][ كـــآملة

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة PaLeStiNe FlOwErمشاهدة المشاركة متابعة

تقريبا باقي 3 حلقات ولا انا غلطانة؟؟



بالزبط حبيبتي

3 حلقات بالاضافه للخاتمه

ضلك بخير



متمــردة []

’’ وَأنْآ.. مثل صيآدّ أدّرکْه آلغُروَب..
على شآطئ موَحش .. شبآکْه فآرغُة ..
قلبه فآرغُ .. إلآّ منْ رحمة آلله..‘‘
  اقتباس المشاركة
قديم 11-10-2009, 11:38 PM   #6
نسمة دفا
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية نسمة دفا
نَحْنُ مَن لَـآآ نَرَاكُمـ ,, أمْ أنْتُم مَن تُتْقِنُون الَـآخْتِبَـآآءْ .. ؟!
لَـآآ زِلْتُ أنْتَظِر ..
عَلَّهَـآآ تُمْطِرُ السَّمَـآءُ أمْنِيَـآتِي ,, !

قوة السمعة: 49 نسمة دفا will become famous soon enough

افتراضي رد: رواية ][ ! أنت لي ! ][ كـــآملة

والله جد سرت خايفة تخلص ،،

لاني انهبلت مع هالروايا بمشي بالشارع كل صبح وانا رايحة

ع المدرسة وبحكي يمكن يكون وليد شبه هاد لالا اكيد هاد لا مش معقول

وبحكي مع حالي ورغد بطلع ع بنات التوجيهي والجامعات وبسير اتحزر وبعدين

بحكي الله يستر الناس شو بيحكو عني هبلة هاربة من مستشفى المجانين

او انفلونزا الخنازير امأثرة عليها جد جد خايفة تخلص

بس اقرأها بنسى اني بالاردن او ببيتنا حتى =)

بأنتظار الجزء اللي بعدو يا عسل ~


بِـئْـسَ ذَآكِـرَتِـي ..♥"(
حَـتَّى النِّسْيَـآن يُـذَكِّرُنِي بِهِـم ..!!

  اقتباس المشاركة
قديم 11-11-2009, 01:15 AM   #7
.. ليآل ~

ღقـلــم ذهبـي مبدعღ
 
الصورة الرمزية .. ليآل ~
اشتَدَّي أزمَةُ تَنفَرِجي
قَد آذَنَ لَيلُكِ بِالبَلَجِ
ربــــآه من لأسرانآ سوآكـ ؟

قوة السمعة: 233 .. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of

افتراضي رد: رواية ][ ! أنت لي ! ][ كـــآملة

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نسمة دفامشاهدة المشاركة

والله جد سرت خايفة تخلص ،،

لاني انهبلت مع هالروايا بمشي بالشارع كل صبح وانا رايحة

ع المدرسة وبحكي يمكن يكون وليد شبه هاد لالا اكيد هاد لا مش معقول

وبحكي مع حالي ورغد بطلع ع بنات التوجيهي والجامعات وبسير اتحزر وبعدين

بحكي الله يستر الناس شو بيحكو عني هبلة هاربة من مستشفى المجانين

او انفلونزا الخنازير امأثرة عليها جد جد خايفة تخلص

بس اقرأها بنسى اني بالاردن او ببيتنا حتى =)

بأنتظار الجزء اللي بعدو يا عسل ~




عليك العوض يانسمه

اوعك تجيبي سيره لأهلك بلاش يرفعوا على ئضيه اني جننت بنتهم ،، حبابه انتي




خلص بعد الروايه بعملك جلسات نفسيه وبعيد تأهيلك






تؤبري ئلبي ما اهضمك



متمــردة []

’’ وَأنْآ.. مثل صيآدّ أدّرکْه آلغُروَب..
على شآطئ موَحش .. شبآکْه فآرغُة ..
قلبه فآرغُ .. إلآّ منْ رحمة آلله..‘‘
  اقتباس المشاركة
قديم 11-11-2009, 11:26 AM   #8
PaLeStiNe FlOwEr
..{ مديــــــر عــــام }..
 
الصورة الرمزية PaLeStiNe FlOwEr
عندما تعتريني الأحزآن ..
أبحث عن انسان ,,
يكون صديقا , يكون رفيقا ..
فلا اجد سواك ..~

أســوم

قوة السمعة: 50 PaLeStiNe FlOwEr has a brilliant futurePaLeStiNe FlOwEr has a brilliant futurePaLeStiNe FlOwEr has a brilliant futurePaLeStiNe FlOwEr has a brilliant futurePaLeStiNe FlOwEr has a brilliant futurePaLeStiNe FlOwEr has a brilliant futurePaLeStiNe FlOwEr has a brilliant futurePaLeStiNe FlOwEr has a brilliant futurePaLeStiNe FlOwEr has a brilliant futurePaLeStiNe FlOwEr has a brilliant futurePaLeStiNe FlOwEr has a brilliant future

افتراضي رد: رواية ][ ! أنت لي ! ][ كـــآملة

والله يا نسمة مو لحالك

اليوم حلمت اني فاتحة النت وبقرأ الروايا ولما خلصت قعدت احكي شو هالهبل ليش هيك صارت زنخة،،

عنجد لأنوا الكلام اللي كان مكتوب وانا بالحلم هبل ونفسي اتزكروا،،

وبعدين زعلت وصارت اختي تناديني وانا مطنشة لأنوا مقهورة من ليال ع الحكي الموجود وأختي تنادي،،

وبعديها صحيت لقيت اختي بتصحيني..


حتى من غير حلم بكون قاعدة وبتزكرها وبقعد افكر شو النهاية... وارجع اقول لأ عنجد انا ما صرلي كتييير بقرأها بس انهوست فيها..

واخر ما توصلت الو من توقعاتي بالنهاية انو وليد يموت ههههههه


  اقتباس المشاركة
قديم 11-11-2009, 05:00 PM   #9
.. ليآل ~

ღقـلــم ذهبـي مبدعღ
 
الصورة الرمزية .. ليآل ~
اشتَدَّي أزمَةُ تَنفَرِجي
قَد آذَنَ لَيلُكِ بِالبَلَجِ
ربــــآه من لأسرانآ سوآكـ ؟

قوة السمعة: 233 .. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of

افتراضي رد: رواية ][ ! أنت لي ! ][ كـــآملة


الحلقة الثامنـــة والأربعون


طريــــق الهـــلاك

رتبت للسفر إلى الشمال من جديد في يوم الغد, الخميس على أن أعود ليلة السبت.
كان لا بد من العودة إلى أروى وحل المشاكل العظمى معها.. وقد كنت مداوما على الاتصال بالمزرعة غير أنها تهربت من مكالماتي ولم يصف لي عمي إلياس عنها حالا مطمئنة.
وصلت الخادمة إلى منزلنا هذا الصباح وسأكون مطمئنا للسفر وتركها للعناية برغد, مع أخي.
الانسجام التام يسود علاقتهما والمسافة بينهما تصغر... وأجد نفسي مضطرا لتقبل الوضع إذ لا خيار أفضل عندي...
"أخيرا انتهينا".
قلت وأنا أغلق آخر الملفات خاتما عمل هذا اليوم, والذي كان طويلا مرهقا...
ابتسم السيد أسامة وقال:
"أعطاك الله العافية".
"عفاك الله, شكرا على جهودك".
شد السيد أسامة ابتسامته وقال:
"لا شكر على واجب".
ثم قال:
"بهذا نكون قد انتهينا من هذا المشروع على خير ولله الحمد. هل بقي شيء؟"
فأجبت:
"لا. ولا أريد أن نبدأ عملا جديدا قبل أسبوعين على الأقل. أريد أن أسترخي قليلا".
فقال:
"أراحك الله. إذن.. ليس لديك عمل شاغر هذا المساء".
قلت:
"سأنعم بنوم طويل وهانيء يريحني قبل السفر".
فقد كنت خلال الأسبوع الماضي أعمل ليلا ونهارا... وأسهر حتى ساعة متأخرة على حاسوبي وبين وثائقي. كان أسبوعا حافلا جدا.
قال السيد أسامة:
"هل يناسبك أن أزورك الليلة؟"
فنظرت إليه.. وابتسمت وقلت:
"مرحبا بك في كل وقت.. تشرفنا أنّى حللت".
فقال:
"الشرف لنا يا سيد وليد. شكرا لك. إذن سنزورك أنا وأخي".
قلت:
"على الرحب والسعة".
وعندما عدت إلى المنزل أخبرت شقيقي عن الضيوف وطلبت منه العودة باكرا ليستضيفهم معي.
وفي العصر اصطحبت رغد إلى الطبيب الذي كان يشرف على علاجها قبل سفرها إلى الشمال.. فأعطانا موعدا لنزع الجبيرة بعد نحو أسبوع.
وفي المساء حضر السيد أسامة مع السيد يونس, يرافقهما الأستاذ عارف,ابن أسامة الأكبر, والذي تعرفت إليه في المعرض الفني يوم أمس.
قضينا مع الضيوف وقتا طيبا تجاذبنا فيه الأحاديث الممتعة وتبادلنا التعارف أكثر وأكثر.. وقد سر الأستاذ عارف كثيرا عندما اكتشف معرفته المسبقة بسامر ولم يكن قد ميزه مباشرة لأن أخي قد أجر عملية تجميل في عينه اليمنى, والتي كانت مشوهة منذ الطفولة.
وجيء بذكر المعرض الفني الذي انتهى يوم أمس وعلق سامر بأنه سمع لأن لوحات الأستاذ عارف كانت مذهلة. واتخذ الحديث مجراه حول المعرض ومهارة الرسام عارف وكيف يعلم طلبته في المدرسة وكيف هي علاقته بهم وبزملائه المدرسين والفنانين وبأصدقائه ومعارفه وما إلى ذلك..
حتى خشيت أن يكون الأستاذ مصابا بداء الغرور أو أن أباه وعمه مولعان به لأقصى حد!
دار الحديث عن عارف وك
أنه نجم السهرة! لم أجد تفسيرا لهذا الاستعراض الغريب إلى أن فوجئت بالسيد أسامة يقول:
"سيكون من دواعي سرورنا وتشرفنا أن نناسبكم".
دقت نواقيس الخطر في رأسي فجأة... حملقت في السيد أسامة بذهول... ثم التفت إلى شقيقي فرأيته لا يقل ذهولا عني... ارتبكت ولم أعرف إلى أين أرسل نظراتي... وإذا بي أسمع السيد يونس يقول:
"يشرفنا أن نطلب يد كريمتكم لابننا الغالي عارف... عسى الله أن يوحد النصيب ويجعل البركة فيه".
صعقت... ذهلت... شللت فجأة... غاب دماغي عن الوعي... وغشيت عيني سحابة سوداء داكنة حجبت عني رؤية أي شيء...
مرت لحظة وأنا في حالة الذهول الشديد... لا أشعر بما يدور حولي... وسمعت صوت السيد أسامة بعدها يقول:
"يبدو أن الموضوع فاجأك!"
فاجأني فقط؟؟
أتريد أن تفقدني صوابي؟؟
كيف تجرؤ!! تخطب فتاتي مني؟؟ هل أنت مجنون؟؟ هل كلكم مجانين؟؟ ألا ترون؟؟ ألا تسمعون هؤلاء؟؟
شددت على يدي وتمالكت أعصابي لئلا أنكب على الضيوف صفعا... عضضت على أسناني وجررت بضع كلمات من لساني أخرجتها عنوة:
"أأ... فاجأتني جدا..."
ثم سألت, في محاولة غبية لتفسير الموضوع على غير ما هو واضح:
"مــــ... من تعني؟؟"
تبادل السيدان أسامة ويونس النظرات ثم أجاب أولهنا:
"كريمتكم.. ابنة عمك.. ليس لديكم غير ابنة عم واحدة على ما أعرف".
التفت إلى أخي فوجدت الاحمرار يلطخ وجهه... كان صامتا متسمرا في مكانه, كتمثال شمعي يوشك على الذوبان...
ما بك؟؟ ألا تسمع؟؟ ألا تعي؟؟ يريدون خطبة رغد مني!! هل أضحك؟؟ هل أصرخ؟؟
قل شيئا... افعل شيئا...
قال أسامة:
"يبدو أن الفتاة لم تخبركما".
وأضاف:
"فابنتي قد حدثتها حسب علمي".
وتابع:
"وكنا نرغب في فتح الموضوع منذ زمن ولكن كريمتكم أصيبت وسافرت لفترة... أم عارف كانت ستزوركم لو كانت حرمكم هنا".
وتكلم المحامي يونس قائلا:
"أردنا أن نؤجل لحين حضورها بالسلامة لكن".
ونظر إلى الأستاذ عارف وهو يبتسم متمما:
"عارف ألح علينا الحضور الليلة!"
فعقب عارف في خجل:
"خير البر عاجله".
كل هذا وأنا جامد في مكاني.. كالجبل...
أحسست بالاختناق... ففتحت ربطة عنقي بعض الشيء وتحسست نحري... كان حار يسبح في العرق... زفرت آخر نفس جبته مع شهقة المفاجأة.. فخرج بخارا ساخنا من فرط اشتعالي..
اهدأ يا وليد.. تمالك نفسك يا وليد.. هؤلاء.. المجانين.. لا يعرفون شيئا.. سايرهم على قدر فهمهم... واحترم كونهم ضيوفك.. اصبر إلى أن يغادروا.. ثم انسف المنزل بمن فيه..
قال السيد أسامة مستدركا ردي:
"نقول على بركة الله".
أي مبروك يا هذا؟ أمسك لسانك وإلا...
وأمسكت أنا بلساني وقلت:
"على رسلك.. الموضوع مفاجىءو... لم أستوعب بعد".
فقال المحامي يونس:
"خذوا وقتكم... الشاب كتاب مفتوح واسألوا عنه من تشاءون. وسنكون غاية في السرور إذا ما توافق النصيب وارتبطت العائلتان بهذا النسب المشرف".
ثم تمتم هو وأخوه وابنه بكلام لم يجد في ذاكرتي متسع لتخزينه فضلا عن سماعه أصلا... وأخيرا شكرونا على حسن الضيافة, واستأذنو منصرفين...
غادر الضيوف.. مخلفين خلفهم صمتا موحشا...
مرت الدقيقة تلو الأخرى.. ونحن.. أنا وشقيقي في حالة تيه وتشتت... كان أحدنا يلقي بنظره على الآخر بين الفنية والفنية.. منتظرا منه أي تعليق, ولا تعليق...
أخيرا سمعنا صوت حركة في المنزل.. تحديدا... كان صوت اصطفاق عكاز رغد بالأرضية الرخامية.. وكان الصوت يقترب منا.. حتى توقف.. عند الباب.
التفتنا إلى الباب مترقبين ظهور وجه رغد... فسمعنا صوتها يقول:
"هل أدخل؟"
ولم يجب أيّنا... ثم سمعناها تنادي باسمينا.. ولا من مجيب, فقد أكلت الصدمة لسانينا...
ربما شكت رغد في وجود أحد في الغرفة فأطلت برأسها بحذر واندهشت حين رأتنا نحن الاثنين جالسين في الداخل, واجمين وكأن على رؤوسنا الطير...
قالت:
"ماذا هناك؟؟"
تبادلنا النظرات أنا وأخي, ثم تجرأ لساني ونطق:
"لا شيء..."
لكن رغد وهي تحملق فينا أحست بأن في الأمر شيئا...
أو ربما كانت تعرف أصلا ماذا هناك, وتتظاهر بالجهل...
ألم يقل أسامة أن ابنته أخبرتها؟؟
قلت:
"تفضلي رغد".
فسارت بتردد حتى جلست على أحد المقاعد.. ونقلت بصرها بيننا ثم سألت:
"هل حصل شيء؟؟ لا تبدوان طبيعيين؟!"
وهل تتوقعين مني أن أبدو طبيعيا.. وقد غادر المنزل خاطب لك قبل قليل؟؟ لماذا يارغد؟؟ لماذا تفعلين هذا بي؟؟ لماذا أنت مصرة على الخيانة؟؟ يئست من حسام ففتشت عن غيره؟؟ إنني سأقتله قبل أن يتمكن أي رجل من الوصول إليك... سأقتلهم جميعا...
عادت رغد تسأل:
"ماذا؟؟"
فنطقت أخيرا وعيناي ملؤها الغضب:
"رغد.. هل تعرفين من الضيوف الذين زارونا الليلة؟؟"
وقبل أن تجيب نطق أخي رادعا:
"ليس وقته وليد".
تجاهلت كلام أخي, أما رغد فقد ألقت عليه نظرة حائرة ثم عادت إلي وقالت:
"كلا... ما أدراني؟؟"
فقلت وأنا أعض على لساني:
"إنه السيد أسامة المنذر... والد صديقتك".
وتفحصت عينيها لأرصد تعبير يظهر منهما دالا على أي شيء... ولم أجد غير الحيرة والتساؤل...
قلت بذات الحدة والشرر المتطاير من عيني:
"أتعرفين من جاء برفقته؟؟"
فهتف أخي بانفعال:
"ليس وقته يا وليد دعنا نناقش الأمر فيما بيننا أولا".
فالتفتنا إلى شقيقي.. هي تعلوها الحيرة وأنا يجتاحني الغضب...
سامر نظر إلى رغد وقال:
"رغد عودي إلى غرفتك رجاء".
تأملته رغد بقلق ثم نظرت إلي وعلائم التعجب تحيط برأسها من كل جانب...
سألت:
"ماذا هناك؟؟"
فتولى أخي الإجابة قائلا:
"لا شيء يا رغد. من فضلك اذهبي إلى غرفتك الآن".
وأنا صامت لا أعلق... فتفاقم القاق والحيرة على وجهها ووجهت إلي السؤال:
"ما الخطب وليد؟؟"
فابتلعت غيضي وحبسته في جوفي وقلت محاولا أن يظهر صوتي لطيفا قدر الإمكان:
"عودي إلى غرفتك".
وأرادت أن تجادلني ولكنها رأت الإصرار في عيني والشرر المتطاير منهما.. فتراجعت... وقامت وغادرت الغرفة.
بعدد ذهابها قام سامر وأغلق الباب ليضمن عدم تسرب صوتينا إليها ثم قال:
"والآن... ما موقفك؟"
رفعت رأسي إلى أخي وقلت:
"أي موقف بعد؟"
فقال:
"أعني فيم تفكر؟"
فأطلقت زفرة ضيق من صدري ومررت أصابعي بين خصلات شعري مشتتا... ثم أجبت:
"الأمر..خلف حدود التفكير أصلا... إنما أنا متفاجىء..لم يذكر لي السيد أسامة شيئا.. ولا حتى بالتلميح أو الإشارة.. أنهم يفكرون بهذا..مع أن.. خالتي متوفاة مؤخرا.."
قال أخي:
"ورغد؟؟"
نظرت إليه نظرة مطولة.. شاعرا بأن في صدري خنجرا يغرس وينزع ويغرس مرارا وتكرار... من رغد...
سأل:
"أتظنها تعرف؟ كما قال أسامة؟؟"
زممت شفتي غيظا ثم قلت وأنا أضغط على أسناني أخرج الحروف من بينها:
"لا أستبعد.. وارد جدا..."
قال أخي:
"لا... لا أظن".
فرميته بنظرة اعتراض فقال:
"رغد لن تفكر في هذا".
فقلت وأنا أحاول السيطرة على نفسي قدر الإمكان:
"بل تفكر.. والله الأعلم بما يدور في رأسها وما الذي تخطط له.. إنه ليس العرض الأول..."
وانتبهت إلى أنني تهورت في الافصاح عما في نفسي.. فسألني أخي:
"ماذا تعني.. بأنه ليس الرعض الأول؟؟"
وكان الهلع والتعجب يغمران وجهه.. فقلت منسحبا:
"لا يهم. الفتاة ليست للزواج على أية حال. والموضوع مستبعدا تماما إلى أن تنهي دراستها الجامعية".
وصمتنا برهة ثم سأل أخي وشيء من التردد يلحظ على نبرة صوته:
"وبعد ذلك؟"
بعد لك؟؟ بعد ذلك ماذا؟؟ لم أجد جوابا لكن نظرات أخي ظلت تطاردني فاضطررت لقول:
"لن نفكر الآن فيما بعد ذلك. نترك الموضوع برمته إلى أوانه. الآن.. هي ستدرس فقط وفقط".
لم يبدو أن شقيقي اقتنع بالتوقف هنا, كان واضحا في عينيه المزيد من الكلام...
وإذا به يقول:
"وستنتهي الدراسة ذات يوم.. وربما يقبل عريس الغفلة هذا بالانتظار أو ربما... ربما يزورك عرسان آخرون... هكذا هي الطبيعة..."
هببت واقفا من تأثير الكلمة علي... أي عرسان وأي آخرين؟؟ هذا ما كان ينقصني...
تابع أخي:
"أجل.. فهي فتاة رائعة... ابنة عائلة راقية وعالية الأخلاق وطيبة السمعة.. ولها مواصفات مرغوبة ولن تخطئها العين الباحثة عن عروس مثالية".
فرددت بعصبية:
"ماا تعني؟؟"
فوقف أخي وقال:
"أعني أنه سيأتي اليوم المناسب والظروف المناسبة لتوافق على زواج رغد.. مهما طال الأمد فهذه سنة الحياة".
رددت بانفعال:
"قلت إن الموضوع سابق جدا لأوانه.. لماذا أشغل دماغي في التفكير به أو الحديث عنه؟؟ لم لا ننهي الحوار العقيم هذا؟؟"
قال أخي:
"أريد أن أعرف فقط... ما هو موقفك من زواج رغد مستقبلا؟"
قلت بضيق:
"ولم أنت مهتم هكذا؟"
فأجاب أخي وقد تبدلت تعبيرات وجهه إلى المرارة.. وفضحت خوالجه قبل أن يفصح عنها لسانه:
"لأنني أنا.. أولى بها من أي شخص آخر.. وإن كنت ستزوّجها ذات يوم.. فيجب أن تعيدها إلي".
واجتاحت قلبي زوبعة مجنونة.. لفت به مئة مره حول المنزل في ثواني.. بعثرت دماءه على أسواره وجدرانه.. وعادت إلي.. خالية اليدين...
كان أخي يحدق بي.. ينتظر ردة فعلي والتي أكاد أعبر عنها بقبضتي...
كيف تجرؤ يا سامر..؟؟ ألم تكف الضربة المدمرة التي تلقيتها قبل قليل؟؟ أنت أيضا تتحدث عن أخها مني؟؟
هل خلت الدنيا من النساء.. إلا رغد؟؟ لماذا يريد الجميع سرقتها مني؟؟ هل يستكثرون علي أن أحظى في هه الدنيا بها؟؟ أنا لا أريد من الدنيا شيئا غيرها... إنها خلقت لي أنا... كيف يتجرأون على التفكير في شيء يخصني أنا؟؟ رغد هي فتاتي أنا.. هي جزء مني أنا.. حبيبتي أنا.. حلمي وواقعي أنا.. وستكون وتظل لي أنا... أتسمعون؟؟ لي أنا.. أنا وأنا فقط...
كان سامر لا يزال ينتظر ردي.. وإن هو تأمل التغيرات التي اجتاحت قسمات وجهي لأدركَ مدى خطورة جريمته..لكنني أوليته ظهري وخطوت نحو الباب, محاولا الابتعاد قبل أن أفقد السيطرة على يدي..
سامر ناداني:
"وليد إلى أين؟"
فقلت دون أن استدير إليه:
"النقاش منته. ولا تعد لفتح الموضوع ثانية أبدا".
لكن أخي لم يستمع لكلامي بل قال متابعا:
"أريدك أن تجيبني فقط على هذا السؤال.. هل ستعيدها إلي؟"
ثار بركاني لأقصى حد.. ولا بد أنكم ترون الدخان الأسود يتطاير من جسدي...
رددت وأنا لا أزال موليا إيّاه ظهري:
"سامر قلت لك وأكرر وللمرة الأخيرة... لا تتحدث في الموضوع ثانية, والتزم الصمت أسلم لك".
فقال سامر بعصبية:
"لن يدوم صمتي طويلا.. لقد تعبت من ها يا وليد.. إما أن تعطيني أملا في أن تعيدها إلي كما فرقتها عني.. وإلا فأنني لن أستمر في العيش معكما وتمثيل دور البليد.. أنت لا تشعر بمقدار ما أعانيه".
هنا... انطلقت شياطين رأسي أخيرا وباندفاع جنوني... لا أستطيع السيطرة على نفسي... لا أستطيع... التفت إلى أخي ورشقته بسهام حادة.. ثم سرت نحوه.. وانقضت يداي على ذراعه بعنف... وصرخت في وجهه:
"حذرتك من الاستمرار يا سامر... لم أعد السيطرة على غضبي... أنت المسؤول".
حاول أخي إبعاد يدي عنه وهو يقول:
"أبعد يديك يا وليد... ما الذي يغضبك الآن..؟ كأنك لا تعرف أنني أحبها وأنها كانت عروسي قبل أن تظهر أنت وتفسد كل شيء... أنا لم أتوقف عن التفكير بها".
صرخت وأنا أجر أخي ثم أدفع به نحو الباب مستسلما لثورتي:
"سأكسر جمجمتك... وأخرجها من رأسك عنوة... وأريحك... أيها المسكين".
وبدأ العراك بالأيدي...
كلانا استسلم للغضب.. وسلم قبضته لشياطين الجنون..
تبادلنا اللكمات والركلات.. الضرب واللطم والصفع.. وحتى الدوس وشد الشعر والخنق.. كانت ساعة مجنونة.. مجنونة جدا.. أجن من أن نملك السيطرة عليها...
مشاعرنا كانت هائجة كأمواج البحر الثائرة في ليلة إعصار عنيف مدمر...
أنا سأحطم جماجم كل رجل... يفكر في رغد...
كنت أمسك بذراع أخي وألويها بشدة بينما ألصق رأسه بالجدار بقوة وأصرخ:
"إن فكرت بها ثانية فسأسوى رأسك بهذا الجدار.. هل فهمت؟؟"
ثم شددته ودفعت به نحو المقعد.. وأخذنا نلهث من التعب.. ونتأوه من الألم..
بعد قليل... سمعت نشيج أخي.. ورأيت دمعا يسيل من عينيه فشعرت بها دماء تقطر من قلبي...
ذهبت إليه وجثوت إلى جانبه وأمسكت برأسه وقلت بعطف:
"أخي.. أنا لا أريد أن أفعل بك هذا.. ليت ذراعي تقطع قبل أن أؤذيك.. سامحني..لكن.. لماذا استفززتني؟؟"
وتأملت وجهه المتألم... وقلت:
"يجب أن تنساها.. إنها لا تريك ياسامر... لو كانت ترغب بك بالفعل لما أوقفت زواجكما في آخر الأيام.. لما عرضتك لكل ما حصل... رغد لا تحبك.. إنها لا تحبك يا أخي فلا تتعب قلبك".
وكان رد أخي أن لكم وجهي لكمة قوية أوقعتني أرضا.. وأدمت أنفي... ثم نهض ومسح وجهه براحتيه وقال:
"أنت السبب يا وليد.. ليتك لم تخرج من السجن إلا بعد عشرين سنة من الآن.. ليتك تعود إليه من جديد وتخلصنا من وجودك.. أفسدت حياتي.. حطمت حلمي.. ضيعت مستقبلي يا وليد.. انعم بالحياة من بعدي إذن..."
واستدار وسار نحو الباب وفتحه وصفعه بالجدار بقوة... وغادر المنزل...

********************
غرفتي الحالية بعيده بعض الشيء عن مجلس الضيوف الذي استقبل فيه ابنا عمي ضيوفهما. ولكني سمعت صوت جلبة فخرجت من غرفتي ووقفت في الممر.. فتناهى إلى سمعي صوت شجار بين ابني عمي وربما عراك أيضا...
داهمني القلق وسرت في اتجاه مجلس الضيوف ولما سمعت صوت ارتطام شيء بالباب.. ذعرت.. وتراجعت للوراء.. ثم عدت إلى غرفتي خائفة...
وقفت عند باب الغرفة مضطربة تنقصني الشجاعة للذهاب إلى مجلس الضيوف واستكشاف ما الأمر.. إلى أن سمعت صوت ارتطام باب بجدار.. كان صوتا قويا انتقلت ذبذباته إلى باب غرفتي فاهتز ذعرا... وزادني فوق قلقي قلقا...
أصغيت جيدا فسمعت وقع خطوات قوية وسريعة تعلو ثم تنخفض مبتعدة.. ثم صوت الباب الرئيسي ينفتح ثم ينغلق... ثم يخيم الهدوء في المكان..
أحدهما قد خرج.. ومن وقع أقدامه على الأرض.. يظهر أنه كان غاضبا..
وليد!؟؟
خرجت من غرفتي هلعة.. وسرت بعكازي إلى أن بلغت مجلس الضيوف.. كان الباب مفتوحا.. أطللت برأسي من خلال فتحته فوقعت عيناي على وليد.. يجلس على الأرض بجانب المقعد.. ويسند رأسه إليه...
هوى قلبي إلى قدمي وخارت قوتي فجأة لدى رؤيته على هذا الوضع فاستندت إلى الجدار وشهقت ثم قلت مفزوعة:
"وليد ما بك؟"
انتفض وليد فجأة وأدار وجهه إلي بسرعة.. فإذا بي أرى سيلا من الدماء يتدفق من أنفه..
حملقت عيناي فيه أوسعهما.. وانحبس نفسي في صدري وكاد العكاز أن ينزلق مني ويوقني أرضا..
وليد وقف وتلفت يمينا ويسارا حتى لمح علبة المناديل فسار إليها وتناول بعضها وجعل يمسح الدماء...
انطلق نفسي السجين من صدري مصدرا صوتا يشبه الأنين.. تلاه صوت حنجرتي تحاول القول:
"ماذا حصل؟"
وكان واضحا أنه تعارك مع سامر...
كانت ربطة عنقه مفتوحة كليا.. وملوثة ببقع الدماء الهاطلة من أنفه.. شعره مبعثر وهندامه غير مرتب.. ووجهه شديد الاحمرار والتعرق..
لم يجب وليد على سؤالي, بل تهالك على المقعد وهو يرفع برأسه للأعلى ويضغط بالمناديل على أنفه ليوقف نزف الدماء... فخطوت نحو الداخل يسوقني الفزع والقلق..
وحين صرت بمحاذاته خاطبته:
"وليد.. ماذا حدث؟؟ أخبرني أرجوك".
أبعد وليد المناديل الغرقة بالدم عن وجهه ووجه بصره إلي.. وحدق بي طويلا.. ولم يتكلم..
كانت عيناه تتكلمان.. كأنهما تتهماني.. أو تعاتباني.. أو تتشاجران معي..
ولكن ما الذي فعلته أنا...؟؟
"وليد.."
ناديته مجددا فما كان منه إلا أن قال:
"عودي إلى غرفتك".
ماذا؟؟ أعود إلى غرفتي وأنا أراك بهذا الشكل؟؟
"لكن... أخبرني أرجوك ماذا حدث؟"
فكرر وليد:
"عودي يا رغد".
قلت:
"لا أستطيع.. طمئني أولا ما الذي يحدث؟؟ لماذا تعاركتما وإلى أين ذهب سامر؟؟"
فأشاح وليد بوجهه عني.. لم أستطع إلا الانصياع لقلقي.. كيف أنصرف وأنا أراك هكذا وليد لا أقدر...
جلست على المقعد بجواره.. تركت العكاز جانبا ومددت يدي وأمسكت بذراعه بحنان...
التفت وليد إلي.. نظر إلي نظرة قصيرة ثم أغمض عينيه وأسند رأسه إلى مسند المقعد وتنفس بعمق...
بقيت ممسكة بذراعه أكاد أحضنها.. وأكاد أفقد صوابي وأمد يدي وأمسح على رأسه وأطبطب على كتفيه.. رغم جهلي بحقيقة ما يحصل أشعر بأن وليد قلبي يتألم.. وأنا لا أتحمل هذا...
"وليد...رد علي".
توسلت إليه.. ففتح عينيه ونظر إلي ثم قال:
"أرجوك يا رغد.. اذهبي إلى غرفتك الآن ولازميها.. لا تتعبيني أكثر".
أنا أتعبك؟؟ أنا من يتعب لتعبك.. لكن إذا وجودي الآن يتعبك فأنا ذاهبة..
قلت:
"حاضر".
وسحبت يدي من حول ذراعه وأمسكت بعكازي, ثم انصرفت دون أن أنطق بحرف واحد...
في صباح اليوم التالي استيقضت متأخرة...
ذهبت إلى المطبخ كالعادة لأعد شاي.
كانت الخادمة منهمكة في أعمل التنظيف والساعة التاسعة والنصف صباحا. وكان المنزل خاليا من أي صوت أو حركة عدا ما تصدره هي. تركت الإبريق على الموقد وخرجت أتفقد ابني عمي. اليوم خميس وهو عطلة لدى المصنع... وقبيل الظهيرة سيسافر وليد إلى المزرعة من جديد... وقد يعود بالشقراء... ذهبت وتفقدت أولا غرفة المعيشة, المجاورة لغرفة نومي. طرقت الباب ولم يرد أحد.. ففتحتها ببطء وأرسلت نظراتي للداخل ولم أجد أحدا. كان سامر ينام هنا على الكنبة الكبيرة في الليالي الماضية وقد طلبت منه أن يبقى كذلك إلى أن تزال الجبيرة عني الأسبوع المقبل وأعود إلى غرفتي العلوية, حتى مع حضور الخادمة وبياتها على مقربة من غرفتي الحالية, لم أكن لأشعر بالطمئنان في هذا المنزل الكبير الموحش..
سرت بعد ذلك في أرجاء المنزل.. هنا وهناك, ولم أعثر لأي من ابني عمي على أثر.
عدت إلى المطبخ وسألت الخادمة عما إذا كانت قد رأت أيا منهما هذا الصباح فأجابت بالنفي.
ساورني بعض القلق.. فطلبت منها أن تصعد للطابق العلوي وتتفقدهما. وعادت بعد قليل يتبعها وليد.
كان وجه وليد ممتقعا وعلى خده كدمةمبهمة اللون.. كان يهبط الدرجات ببطء ونظره مركز على موضع قدميه.. كنت أقف أسفل الدرج في انتظار ظهور أي من وليد وسامر..
ابتعدت الخادمة عائدة إلى المطبخ وبقيت أراقب وليد وهو يهبط الدرج درحة درجة..
إلى أن توقف أخيرا بجانبي.
بادرت بإلقاء التحية:
"صباح الخير".
فرد وهو لا يرفع بصره إلي:
"صباح الخير".
ثم سار وتخطاني وتوجه نحو المطبخ.
لحقت به فوجدته يفتح الثلاجة ويستخرج علبة حليب بارد ويهم بفتحها.
قلت:
"ألا ترغب في بعض الشاي؟؟"
فقال وهو يفتح الععلبة ويسكب شيئا منها في أحد الكؤوس:
"كلا شكرا... الجو حار".
وجلس على أحد المقاعد الموزعة حول الطاولة وأخذ يشرب الحليب البارد دفعة واحدة حتى أتى على آخره...
يحب ابن عمي هذا الحليب.. ألا تلاحظون ذلك؟؟
حضرت كوب الشاي الخاص بي ووضعته على الطاولة وجلست على المقعد المقابل لمقعده..
بدأت بطرف الحديث:
"هل أعد لك فطورا؟"
أجاب:
"لا, شكرا".
قلت:
"ولو وجبة بسيطة؟"
فأكد:
"شكرا يا رغد. لا أرغب بشيء الآن".
احتسيت من قدح الشاي ثم قلت:
"هل سامر في الأعلى؟"
فنظر إلي باهتمام أخيرا.. ثم أجاب:
"لا".
فتعجبت وسألت:
"أليس في المنزل؟؟"
فأجاب:
"كلا.."
فازداد قلقي.. أيمكن أنه لم يبت هنا البارحة؟؟
قلت:
"أين هو؟"
فرد:
"خرج باكرا.. لم يحدد وجهته".
وظهر الانزعاج على وجه وليد.. لم أقو على إطالة المقدمات.. أنا متلهفة لأعرف ما حصل البارحة.. قلت مباشرة:
"لماذا تشاجرتما؟"
فرماني بنظرة ثاقبة.. ثم زاح بصره عني وتجاهل سؤالي. قلت:
"أرجوك أخبرني.. أنا أعيش معكما في هذا المنزل وأشارككما في كل شيء".
فأرجع بصره إلي.. ثم قال:
"نعم.. في كل شيء".
ولا أعرف أن قالها جادا أم ساخرا.. لأن تعبيرات وجهه غامضة جدا.. استأت من تهربه وقلت:
"أرجوك وليد.. أخبرني وأرحني.. أنا لم أنم جيدا البارحة من شدة القلق ولم أجرؤ على مغادرة غرفتي حتى لا تغضب مني.. أرجوك قل لي ماذا هناك؟"
ظل وليد ينظر إلي بتركيز.. ثم سأل:
"أحقا لا تعرفين؟؟ ألم تخبرك صديقتك بشيء؟؟"
أصابتني الدهشة.. صديقتي؟؟ تعني مرح؟؟ ما دخل مرح بالأمر؟؟
سألته فيما الفضول يكاد يلتهمني:
"تخبرني بماذا؟؟ مرح؟؟"
فألقى وليد نظرة سريعة على الخادمة ثم عاد ينظر إلي. خاطبت الخادمة وطلبت منها الذهاب لتنظيف غرفتي... ولما انصرفت سألت وليد:
"ما علاقة صديقتي بما حصل البارحة.. وليد أرجوك أوضح لي فأنا لا أفهم شيئا".
وليد مد يده وأمسك بيدي وضغط عليها بشدة وتحولت تعبيرات وجهه إلى الجد المفاجىء والممزوج بالتهديد وقال:
"اسمعي يا رغد.. إياك أن تفتحي الموضوع أمام سامر.. لا تسأليه عن أي شيء ولا تأتي بذكر شيء عن ليلة أمس لا تصريحا ولا تلميحا أمامه.. هل تفهمين؟؟"
القلق بلغ ذروته عندي.. يبدو أن الموضوع أخطر مما كنت أعتقد.. قلت:
"لا.. لم أفهم شيئا".
فأغضب ردي وليد.. فشد الضغط على يدي واحتد صوته أكثر وهو يكرر:
"بل تفهمين.. اسمعيني جيدا.. لا أريدك ولا بحال من الأحوال أن تشيري لليلة البارحة أمامه. تصرفي بشكل عادي وكأن البارحة لم تكن أساسا".
سألت:
"لماذا".
فهتف بعصبية:
"نفذي ما أقوله لك فقط.. فأنا سأسافر اليوم ولن أكون موجودا للتدخل وتحويل المواقف. أريد أن يمر اليومان بسلام إلى أن أعود وأجد مخرجا للمأزق الجديد الذي أقحمتنا فيه".
هتفت:
"أنا..!!"
ووجهي يملؤه التعجب وعدم الفهم.. فأبعد وليد يده عني.. ثم نهض واقفا وأراد مغادرة المطبخ. قلت محتجة:
"وليد انتظر أنت لم توضح لي شيئا".
فأشار بيده لي أن أصمت.. ثم قال:
"لاحقا يا رغد.. ليس وقته الآن.. افعلي فقط ما طلبته منك".
وانصرف.
لم أطق صبرا مع كل هذا الغموض.. توجهت إلى غرفتي وطلبت من الخادمة المغادرة, وتناولت هاتفي المحمول واتصلت بصديقتي مرح..
لكم أن تتصوروا الدهشة التي اجتاحتني عندما علمت من مرح..أن.. أن... إه.. أن والدها وعمها.. تقدما بطلب يدي للزواج من... من شقيقها الرسام.. الأستاذ عارف.. الذي حضرت معه معرضه الفني أمس الأول.. ورآني صدفة هناك!!!!
"لا يارغد.. كنا سنتقدم لخطبتك حتى قبل أن يراك فأمي وأختاي أعجبن بك عندما زرناكم بعد خروجك من المستشفى.. وأيدتا ترشيحي في الحال".
وعادت بي الذكرى بسرعة إلى تلك الليلة.. حيث دعونا آل منذر للعشاء عندنا وحضرت أم مرح وأختاها.. أذكر أنني ليلتها كنت منزعجة لأنهن سلطن اهتمامن على الشقراء التي سرقت الأضواء مني.. ولم أكن لألحظ أن عيونا خفية كانت تراقبني أنا....!
انتبهت من لحظة الذكرى على صوت مرح تقول:
"وكنا نريد زيارتكم لو لا أنكم سافرتم... أما عارف فهو يثق في اختيارنا.. وعندما قلت أن ستحضرين المعرض خطرت ببالي فكرة أن أريكما بعضكما البعض وعارف ألح بأن يزوركم البارحة.. وأخي شخص مهذب وراغب في الزواج بكل جدية".
وكانت نبرتها تمزج بين الضيق والعتب... فقلت مهدئة إياها:
"ليس قصدي عكس ذلك لا سمح الله.. إنما.. آه.. لماذا لم تخبريني عن هذا سابقا؟"
فأجابت بذات النبرة.. وهي نبرة لم أعتد سماعها من مرح التي لطالما غلب المزح والمرح على أسلوبها:
"لمحت لك تلميحا خفيفا... لم أستطع التحدث معك مباشرة.. أنت خجولة جدا وخشيت أن أحرجك أو أن تغيري رأيك في حضور المعرض.. ولم تسنح الفرصة قبل ذلك بسبب سفرك".
قلت:
"لكن يا مرح".
فقاطعتني مرح قائلة:
"لكن ماذا يا رغد؟؟ أنتم تشعروننا بأننا ارتكبنا خطيئة بعرض الزواج هذا!"
فاجأني رد مرح فقلت:
"لم تقولين هذا؟"
فقالت:
"أنت تحققين معي الآن وكأنني متهمة.. وأبوك وأخوه لسعا أخي بنظراتهما البارحة
ولم يتفوها بكلمة واحدة ولو من باب المجاملة تشير إلى أنهما يرحبان بالعرض أو يقدران أصحابه.. لقد أخبرني عارف بأنهم غادروا ولديهم الانطباع بأن العرض مرفوض قبل دراسته.. وكأن عائلتكم لا تتشرف بالرتباط بعائلتنا".
قلت بسرعة نافية:
"ما الذي تقولينه يا مرح الأمر ليس كلك إطلاقا".
فسألت:
"إذن ماذا؟؟"
فقلت:
"إنه أكبر بكثير مما تظنين..."
بعد حديثي معها جلست أفكر طويلا... لم أكن أتوقع أن يكون الأمر هكذا... ما الذي سأفعله وكيف سأتصرف؟؟
بعد حوالي الأربعين دقيقة خرجت من غرفتي قاصدة الذهاب إلى غرفة المعيشة ورأيت وليد هناك يجلس على طرف أحد المقاعد ويبدو عليه الاضطراب ولما رآني سأل:
"ألم يعد سامر؟"
فأجبت:
"لا أعرف. لا أظن فأنا لم أسمع صوت الباب".
وهنا سمعت صوت الباب الخارجي, فوقف وليد ثم قال بصوت هامس:
"لا تنسي ما قلته لك".
فأومأت برأسي.. وخطوت إلى الداخل.
وافانا سامر مباشرة ولم يلق التحية بل ألقى علينا نظرة سريعة ثم هم بالانصراف.
ناداه وليد وقال:
"تأخرت يا سامر.. ألا تعلم أن لدي رحلة هذه الظهيرة؟؟ بالكاد يتسع الوقت للوصول للمطار".
فالتفت سامر إليه ثم ألقى نظرة على ساعة يده ثم قال:
"لا يزال الوقت كافيا".
ثم استدار إلى الباب ثم توقف واستدار نحو وليد وقال:
"على فكرة وليد.. لقد حجزت مقعدا على نفس الطائرة".
واستدار وولى منصرفا نحو الدرج!
لم يعط وليد الذهول فرصة لتملكه, بل أسرع عقب أخيه وهو يناديه إلى أن أدركه عند أسفل السلم.. ولحقت بهما في اندهاش شديد..
قال وليد:
"ماا تقصد؟؟"
فأجاب سامر وهو يرفع قدمه إلى الدرجة الأولى:
"أقصد أنني سأسافر أيضا إلى الشمال الآن".
وتابع خطواته فهتف وليد:
"سامر قف هنا وكلمني..."
فتوقف سامر بعد بضع درجات وأرسل نظراته إلى وليد... وتسللت إحداها إلي فقرصتني...
قال وليد:
"ماذا تعني بتصرفك هذا؟؟"
أجاب سامر وصوته يعلو ويحتد:
"لا أعني شيئا. لدي أشياء ضرورية لأحضرها وأمور مهمة لأنجزها في المدينة التجارية.. تعرف أن سفري كان مفاجئا وعاجلا جدا".
فقال وليد بصبر نافذ:
"ولكنني سأسافر الآن.. فهل تريد أن نسافر كلانا ونترك المنزل ومن فيه هكذا؟؟"
وأصابتني الفكرة بالرعب... فقال سامر:
"عد ليلا فهناك رحلة مناسبة هذا المساء".
ثم تابع صعود الدرجات حتى اختفى عن أنظارنا.. وقف وليد برهة كمن يحاول استيعاب ما سمع, ثم صعد الدرجات ليلحق بسامر..
استوقفته وقلت مرعوبة من الفكرة:
"أنا لا أستطيع البقاء وحدي".
فالتفت إلي وقال:
"وهل ترينني بهذا الجنون لأفعل هذا؟؟"
وواصل صعوده حتى اختفى هو الآخر عن ناظري...


لحقت به إلى غرفته.. نفس الغرفة التي كان يقيم فيها في الماضي والتي نظفتها الخادمة يوم أمس.. ووضع فيها حقائبه وبات على سريره القديم فيها البارحة.
كان يستخرج شيئا من إحدى حقائبه.. سألته:
"ألست تمزح يا سامر؟؟"
فالتفت إلي وقال:
"وهل تراني بمزاج جيد ومناسب للمزاح؟ ها هي التذكرة على المنضدة أمامك".
ولمحت التذكرة بالفعل على المنضدة...
قلت:
"سامر لماذا تفعل ذلك؟؟"
أجاب:
"قلت لك أن لدي حاجيات ضرورية سأحضرها ومهام سأنجزها".
قلت:
"وهذه لم تظهر إلا الآن؟؟ أجل سفرك للأسبوع المقبل أو على الأقل لحين عودتي"
قال:
"مستحيل سفري ضروري وملح الآن".
وأخذ بضع أشياء معينة في حقيبة يد صغيرة ثم يأتي باتجاه الباب.. قاصدا المغادرة حاصرت عينيه بنظراتي.. كانتا كوردتين ذبلتا فجأة بعد انقطاع المطر.. شعرت بألم فظيع في صدري وفي معدتي.. استوقفته وقلت بصوت حنون:
"تمهل يا سامر.. حسنا.. دعنا نناقش الأمر بعد عودتي من السفر.. أعد حقيبتك إلى مكانها".
توقف سامر عن الحركة وصمت قليلا ثم قال:
"نناقش ماذا؟"اجترعت المرارة وقلت:
"ما كنا نناقشه البارحة نبين مواقفنا ووجهات نظرنا... وحقائق الأمور".
قال سامر والحزم جلي على وجهه:
"بالنسبة لي هناك حقيقة واحدة لا جدوى من محاولة اللف والدوران بعيدا عن محورها إما أن تعطيني وعدا بإعادتها إلي, أو سأخرج من حياتكما نهائيا".
قلت:
"هل أنت مجنون؟"
فتجاهل سامر تعقيبي وسار مغادرا الغرفة. لحقت به وناديته مرارا ولكنه واصل طريقه, عند أعلى الدرج التفت إلي وأشار بسبابته نحوي وقال:
"أنت السبب يا وليد.. تذكر هذا".
وهبط الدرجات واختفى من المنزل
قرب أسفل العتبات, كانت تقف الفتاة التي تعاركنا بسببها.. سامر خرج مسرعا ولم يلتفت إليها.. استندت إلى السياج وسبحت في بحر من الضياع..
لماذا وقع شقيقي الوحيد.. في حب الفتاة التي هي حبيبتي أنا.. فتاتي أنا..التي لن أتنازل عنها لأجل أي مخلوق.. حتى وإن.. كنت أنت يا سامر..
وبسبب سفره اضطررت لأن ألغي رحلتي وأبقى مع رغد.. فيما النار مشتعلة في المزرعة.. تنتظر عودتي كي أخمدها..
مع بداية أسبوع جديد.. عادت رغد إلى جامعتها كانت لاتزال بالجبيرة والعكاز.. ولكن ذهابها إلى جامعتها كان الحل الأمثل للوضع الحالي المضطرب..
ولأنها لاتزال بحاجة للمساعدة, فقد وجدنا الحل في أن ترافقها صديقتها المقربة ذهابا وعودة في الفترة الراهنة, على أن أتولى بنفسي إيصالهما.
وفي إحدى المرات, وفيما كنت في اجتماع مهم في مكتبي في مبنى إدارة المصنع, وردتني مكالمة من رغد. كانت الساعة الثانية عشر والنصف ظهرا, ورغد لم تكن تتصل إلا للضرورة ولما أجبتها أخبرتني بأنها أنهت محاضراتها لهذا اليوم وتريد العودة إلى المنزل.
لم يكن التوقيت مناسبا فطلبت منها أن تنتظر اتصالي لاحقا.
وبعد نحو أربعين دقيقة, اتصلت بها كي أخبرها بأنني مشغول ولن أوافيها قبل ساعة, ففوجئت بها تخبرنب بأنها وصديقتها الآن في طريق العودة إلى المنزل, في سيارة شقيقها.
هذا الشقيق لم يكن إلا... الأستاذ عارف.
تمالكت نفسي, وأنهيت المكالمة بهدوء ظاهري, وتابعت عملي دون تركيز حقيقي...
وعندما عدت إلى المنزل, حاملا طعام الغداء كالعادة, كانت الساعة تقترب من الرابعة عصرا...
توجهت إلى غرفة رغد, لا أطيق صبرا... ولما اقتربت من الباب سمعت صوت ضحكات.. كانت ضحكات رغد ممزوجة مع ضحكات فتاة أخرى...
ذهبت إلى المطبخ وسألت الخادمة, فأخبرتني أن لدى رغد ضيفة تناولت معها غداء أحضرتاه معهما ظهرا... وهما تجلسان في الغرفة منذ فترة.
انزويت على نفسي في غرفة المعيشة.. بعد ساعة ونصف الساعة, سمعت صوت حركة في الممر... ومعها صوت الفتاتين تودعان بعضهما البعض, ثم صوت الباب الرئيسي يغلق.
هببت واقفا وسرت نحو الباب وأنا أتنحنح لألفت الانتباه... وفي الممر رأيت رغد تسير باتجاه غرفتها فناديت:
"رغد".
التفت إلي, وسرعان ما لمحت البهجة على وجهها... كان واضح أنها مسرورة..
سألتني:
"أنت هنا؟ متى عدت؟"
سرت نحوها وأنا أجيب:
"قبل ساعة ونصف تقريبا".
وأضفت:
"آسف. لقد كنت في اجتماع مهم".
قالت:
"لا بأس".
ثم استدارت تريد متابعة السير إلى غرفتها.
انتظري! إلى أين تذهبين...؟؟ قلت:
"إذن... عدتما مع... الأستاذ عارف؟"
فالتفتت إلي ولاتزال تعبيرات السرور بادية على وجهها وقالت:
"أجل...فقد أنهينا محاضرات اليوم باكرا ولم نشأ تضييع الوقت في الانتظار... عدنا ودعوت مرح للغداء والمذاكرة معي".
كتمت ما في نفسي وتركتها تعود إلى غرفتها بسلام.
وعدت إلى غرفة المعيشة.. وكررت الاتصال بشقيقي عدة مرات بلا جدوى.. إنني لم أتمكن من محادثته منذ سافر.
اتصلت بالمزرعة وكالعادة رفضت أروى التحدث معي.. وأعاد العم إلياس تأكيده بأن الوضع حرج وأن علي الحضور فورا...
وككل يوم... دخلت مكتبي وبقيت فيه, وبقيت رغد في غرفتها... في الواقع لم نكن نلتقي إلا على مائدة العشاء التي نتناول طعامنا حولها شبه أخرسين...
شعرت بملل شديد وأنا في المكتب... ولم يفلح حاسوبي في شغل تفكيري... لدي أمور أعمق وأهم لأفكر بها...
غادرت مكتبي طالبا بعض الاسترخاء... وفي الواقع... بحثا عن رغد.كانت في غرفتها...
"هل كنت تدرسين؟"
أجابت وهي تفتح الباب وتشير إلى مجموعة من كراسات الرسم الموضوعة على سريرها:
"كنت أتصفح رسماتي".
قلت محاولا إذابة بعض الجليد من حولنا:
"ألديك الجديد؟ أيمكنني التفرج؟؟"
ظهر على رغد وجه رغد تعبير لم أفهمه... ثم توهج قليلا...وقالت:
"نعم,بالطبع... تفضل".
آذنة لي بدخول الغرفة, فقلت مفضلا:
"دعينا نذهب إلى المطبخ... سأعد بعض الشاي".
وسبقتها إلى المطبخ وبدأت بالتحضير للشاي.وافتني بعد قليل تحمل إحدى كراستها. وضعتها على الطاولة وجلست وهي تقول:
"لا أظنك شاهدت هذه".
وقد كنت فيما مضى أتفرج على لوحاتها الجديدة من حين لآخر... وكانت صغيرتي تسر بذلك... أقبلت نحوها وجلست على المقعد المجاور لها, وتناولت الكراسة وشرعت في تصفحها...
سمعنا صوت فقعات الماء المغلي... فوقفت رغد قائلة:
"سأعده أنا".
وأمسكت بعكازها. قلت وأنا انظر إلى العكاز وأتذكر موعد الطبيب:
"غدا نذهب إلى الطبيب وينزع جبيرتك وتستغنين عن هذا أخيرا".
فابتسمت ابتسامة مشرقة وواصلت طريقها.
كنا جالسين على مقعدين متجاورين, كما لم نفعل منذ زمن... نحتسي الشاي الدافىء... أنا أقلب صفحات الكراسة, وهي تلقي بتعليق على الصفحات من حين لآخر... لا شيء غير ذلك... لا شيء أقرب من ذلك... أخفي ما يدور في رأسي خلف صفحات الكراسة... أخاول أن أتحدث عن شيء خارج حدود الصفحة, ولا أجرؤ...
يا ترى... ما الذي تفكرين به الآن أنت يا رغد؟؟
على الورقة التالية, وجدت ورقة ملاحظات صغيرة, ملصقة على الصفحة المقابلة للرسمة... وكان كتوب عليها وبخط صغير ومرتب كلمات مختصرة فهمت منها أنها تعليق على الرسمة المقابلة..
كانت الرسمة بالفعل خلابة... تفوق ما سبقها روعة... أخذت أتأملها مطولا... ورغم أنني لا أفهم في فن الرسم شيئا.. إلا أنني انبهرت بها تماما...
قلت:
"بالفعل رائعة! ما شاء الله".
ابتسمت رغد وتودر خداها قليلا ثم قالت:
"هذه الأجمل بين المجموعة... حسب شهادة الخبراء".
التفت إليها وسألت:
"الخبراء؟"
فقالت وهي تشير إلى ورقة الملاحظات الملصقة على الصفحة المقابلة:
"هل قرأت هذا؟"
قلت:
"نعم. أهي إحدى مدرساتك في الجامعة؟"
ابتسمت رغد وقالت:
"لا! إنه الرسام عارف... فقد اطلع على رسومي في هذه الكراسة وأبدى ملاحظاته".
كدت أوقع قدح الشاي من يدي وأسكبه على هذه الصفحة بالذات... فوجئت... وتسمرت عيناي على ورقة الملاحظات... وعبثا حاولت إبعادهما عنها...
ماذا تعنين يا رغد؟؟ تعنين أن عارف... عارف هو الذي كتب هذا؟؟ عارف أمسك بكراستك هذه... وتأمل رسماتك؟؟ كيف تجرأت على اقتراف هذا يا رغد؟؟
التفت إليها أخيرا... وبدأ الشرر يتطاير من عيني... لكن عينيها كانتا تحملقان في ورقة الملاحظات... والبهجة مشعة على وجهها...
وضعت كوب الشاي جانبا... وشددت على قبضتي غيظا... ثم سألت:
"و... وكيف شاهد الأستاذ كراستك؟؟"
فأجابت:
"أعطيتها لمرح قبل يومين وأعادتها إلي اليوم".
ازدرت ريقي وابتلعت حنقي معه وتظاهرت بالتماسك وقلت:
"لكن... لماذا؟؟ أهي فكرتك؟"
أجابت رغد:
"فكرة مرح! إنها كانت تصر علي بأن تعرض لوحاتي على شقيقها الفنان منذ مدة... تقول أنها واثقة من أنها ستعجبه وسيرحب بعرضها في أحد معارضه ذات يوم... وأخذت كراستي كعينة".
عضضت على شفتي وقلت:
"و... ما رأيك أنت؟؟"
فقالت بسرور واضح:
"إذا رسمت لوحة مميزة فلا أحب إلي من أن تعرض ضمن مجموعة لفنان مبدع! سيكون هذا نجاحا كبيرا لي!"
وكانت عيناها تبرقان سرورا...
قلت غير قادر على تحمل المزيد:
"يبدو... يبدو... أنك... مبهورة بالفنان عارف المنذر... ألست كذلك؟؟"
وانتظرت إجابتها وأعصابي تحترق من الغيظ... رغد رفعت بصرها من الكراسة ونظرت إلي... ثم طأطأت رأسها وتوهجت وجنتاها واضطربت تعبيراتها...
ماذا تعنين بربك يا رغد؟؟ كيف تجرئين؟؟
تبا! أي مصيبة ألقت بك علينا أيها العارف؟؟ ومن أين خرجت؟؟
أنا لا أسمح لك بهذا يارغد...
أغلقت الكراسة لأنني لم أستطع تحمل شيء بعد... وبدا الاضطراب على أصابع يدي... لم أقو على كبت مشاعري أكثر... كيف... وأنا أقرأ الإعجاب في عين فتاتي برجل ما... أيا كان؟؟
مددت يدي حتى أمسكت بيدها... وشددت عليها... رغد حملقت بي... وكسا الجد وجهها... رمقتها بنظرات مزجت الغيظ والعتاب والرفض والتوسل... لا أدري إن كانت رغد فهمت أيا منها... تجرأت أخيرا وقلت:
"رغد... لا بد... وأنك... تعرفين أنه... طلب يدك مني".
وتفحصت تعبيراتها بالتفصيل... هربت بناظرها عني... وعلاها الارتباك... وحاولت سحب يدها مني... فشددت عليها أكثر... وقلت:
"إذن...؟؟"
وتأملتها بتركيز شديد... لم تقل شيئا... ولم تحرك ساكنا... غير أن توهج وجهها تفاقم... ما أشعرني بالأم أكثر فأكثر... فشددت على يدها بقوة أكبر... علها تحس بما أعانيه... هذه الحبيبة الخائنة...
قلت:
"ما هو موقفك يا رغد... أخبريني؟؟"
لكنها لم تتفوه بشيء ولم تنظر إلي... أجيبيني يا رغد أرجوك... قولي أنك لا تفكرين في شيء كهذا... وأنك ترين في العالم رجلا غيري أنا... أريحيني أرجوك!.
ولما لم تجب... أرسلتني الأفكار إلى الجنون...
قلت بنيرة عنيفة وقد تفجر الغضب في صوتي:
"تكلمي يا رغد... أطلعيني على ما تفكرين به الآن".
نبرتي القوية أخافت رغد.. فألقت نظرة وجلة ثم حاولت تحرير يدها من قبضتي وقالت بتوسل:
"أرجوك... اتركني".
وأرادت الوقوف والهرب بعيدا... غير أنني لم أطلق سراح يدها ووقفنا معا... هي تحاول الابتعاد وأنا أعيق تحركها...
"أرجوك وليد.."
قلت مباشرة:
"أرجوك أنت... أطلعيني على ما يدور في رأسك".
قفزت دمعة فجأة من عين الصغيرة واجتاحها الحزن...
حرت في تفسير موقفها... قلت:
"أنا من لم يعد يفهمك... ماذا تريدين؟ بمن تفكرين؟"
صاحت رغد ووجهها ينكمش:
"لا أحد...لا شيء... أنا لا أريد أن أتزوج أصلا... أبدا... أنت لن تفهمي.."
وسحبت يدها... وسارعت بالتقاط عكازها ومغادرة المطبخ...
رميت بثقل جسمي على الكرسي... وأسندت رأسي إلى الطاولة... وزفرت زفرة طويلة...
وهذا الموقف العصيب... لم يزد العلاقة بيننا إلا برودا وتباعدا ... وبعد أن كنا نلتقي على الأقل على مائدة الطعام, صرنا لا نلتقي إلا في السيارة... وأنا أقلها ذهابا وعودة إلى ومن الجامعة.
أما الأحاديث التي بيننا فقد تضاءلت لحد التلاشي... ولم نعد نكلم بعضنا البعض غير كلمة أو اثنتين في اليوم الواحد.
كان مأزقا شديدا جدا... أثقل كاهلي وأحنى ظهري... إلا أن الورطة التي تلته... تخطت كل شدة وتجاوزت كل حدة... إنها الكارثة التي قصمت ظهري نهائيا...
كانت ليلة أربعاء... وكنت مستلق في غرفة المعيشة, على وشك النوم, حين وردتني مكالمة هاتفية هيجت كل خلايا اليقضة في دماغي, وغيرت مجرى حياتي مائة وثمانين درجة... على الفور...
كان المتصل أبا حسام... وهو لم يتصل بي منذ فترة.
في البداية تجاهلت الاتصال.. فقد كنت أريد الاسترخاء بعيدا عن أي مؤثر خارجي... غير أن إلحاح المتصل... أثار فضولي.
"مرحبا.."
أجبت فتحدث أبو حسام مباشرة:
"مرحبا يا وليد. كيف حالك؟ أين أنت".
أقلقتني نبرته وسؤاله... فقلت:
"خيرا؟؟"
وفوجئت به يقول:
"هل أنت في المنزل الآن؟؟ أنا عند الباب".
ماذا؟؟!!
"عند الباب؟؟"
سألت مندهشا فأجاب:
"نعم. فإذا كنت موجودا فافتح لي فهناك ما جئت أخبرك عنه".
هببت جالسا بهلع... وسألت:
"ما الأمر؟؟"
فقال:
"دعني أدخل أولا".
وبسرعة ذهبت إلى الفناء وفتحت الباب فوجدت أبا حسام يقف أمام مرآي...
انتابنب الهلع... فوجوده وفي كثل هذا الوقت وبهذه الحال ينذر بالخطر...
قدت الرجل إلى الداخل...وكان يسير بحذر... وذهبنا إلى المجلس الرئيسي وأنا بالكاد أسيطر على ذهولي...
بمجرد أن جلس على المقعد وقبل أي كلام آخر سألته:
"ماذا هناك؟؟"
أبو حسام تلفت يمنة ويسرة... وكأنه يريد أن يستوثق من أن أحدا لا يسمعنا... وكان الجد مجتاحا قسمات وجهه بشكل مخيف...
لطفك يا رب...
تحدث أخيرا وقال:
"هناك أمر خطير يجب أن تعرفه وتتصرف حياله فورا يا وليد".
أفزعتني الجماة, فحملقت به بأوسع عيني... وقلت:
"أي أمر؟؟"
قال وهو يخفت صوته:
"المصادر التي حصلت منها على المعلومات موثوقة مائة في المائة. وأنا أخاطر بإفشائها لك... وقد أتيت سرا لأبلاغك... يجب أن تعيها جيدا وتتصرف حيالها بمنتهى الحذر... وبمنتهى السرعة".
قلت مضطربا:
"جففت حلقي يا عم... أخبرني ماذا هناك؟؟"
وهنا قرب أبو حسام رأسه مني وقال بصوت حذر:
"يتعلق الأمر... بشقيقك".
توقف قلبي عن النبض فجأة... وصدري عن التنفس... واجتاحني فزع مهول... رفعت يدي إلى صدري وقلت بفزع:
"ما به شقيقي؟؟"
أبو حسام ركز أنظاره على وجهي وكأنه يقيس مدى الفزع فيه... ثم سأل:
"أهو هنا؟؟"
فقلت باضطراب:
"لا... لكن مابه شقيقي؟ أرجوك أفصح؟؟ هل أصابه شيء؟؟"
هز أبو حسام رأسه بنفي ممزوج بالأسف... ثم قال:
"ليس بعد... لكنه على حافة الخطر..."
ثم استنشق نفسا قويا من فمه وزفره أسفا ثم قال:
"هل تابعت خبر محاولة اغتيال الوزير... الذي نفذته المنظمة المتمردة قبل أيام؟؟"
أجبت بنظرة من عيني... تابع بعدها أبو حسام قائلا:
"أخوك... متورط مع هذه المنظمة... وشارك في العملية بكل تأكيد".
جفلت... تسمرت في وضعي... تصلبت أطرافي وتيبست عضلاتي... حتى كلمة (ماذا؟؟) لم أقو على النطق بها... أنا ربما... لا أسمع جيدا... ربما أنا نائم؟؟... ماذا... ماذا قلت؟؟
حملقت في أبي حسام... غير مصدق... مذهولا لأبعد حد... فرأيت الجد ينبثق بقوة من عينيه... ثم إذا بي أحس بيده تمسك بكتفي... وصوته يطن في أذني:
"الخبر أكيد تماما... طرت إليك من فوري لأبلغك... أحد الأعضاء وقع في أيدي السلطات وانتزعت منه اعترافات خطيرة... وهي في طريقها للقبض على العناصر جميعا..."
وصمت لحظة... يراقب ردة فعلي وانفعالاتي المذهولة غير المصدقة, ثم أضاف:
"سامر أحد العناصر... متى ما وقع في قبضتهم, فسيعدمونه لا محالة".
أخيرا استطاع فمي النطق متلعثما هاتفا:
"مستحيل!! م... ما... ما الذي... تقوله؟؟"
شد أبو حسام الضغط على كتفي وقال:
"أنا واثق من معلوماتي تماما..."
شهقت ونطقت:
"ما الذي تقوله؟؟ سامر أخي... عضو في... آه... ماذا؟؟ ما هذا الهراء؟؟"
شد أبو حسام على كتفي بحزم أكبر وقال:
"أعرف أنها صدمة... لكن... هذا ليس وقت المفاجأة يا وليد. شقيقك في خطر.. يجب أن تعمل فورا وفي الحال على إخراجه من البلد... الآن يا وليد.. قبل فوات الآوان".
زفرت ونظرت من حولي... علي أجد ما يؤكد لي أنني لست في حلم... كنت رافضا تماما القبول بفكرة أن أخي... أخي أنا... آه كلا... مستحيل...
قلت رافضا ومشككا:
"ربما... ربما".
لكن أبا حسام قال بحزم وجدية بالغين:
"أنا لم أحضر من الشمال إلى الجنوب وبهذه السرعة وهذا الشكل وهذا الوقت لمجرد ( ربما ). وليد... أرجوك أن تستوعب الحقائق بسرعة. حياة شقيقك في خطر حقيقي... إنه متورط مع المنظمة منذ شهور... بعض العناصر هم زملاؤه في العمل في المدينة الصناعية... والعضو المعتقل وتحت وطأة التعذيب أفشى عن خطتهم التالية ومن سينفذها... سينفذونها هنا في المدينة الساحلية قريبا. السلطات ستنصب كمينا وتبتاغهم وترسلهم جميعا إلى الجحيم... لن ينجو إذا ما وقع في قبضتهم... لا مخرج أبدا".
أمسكت برأسي الذي أحسست به يتأرجح على عنقي... وأغمضت عيني لأحول دون رؤية الأشياء بدأت تتراقص من حولي...
أبو حسام وهو يراني هكذا قال حازما:
"يجب أن تتماسك ياوليد... لا وقت للانهيار... يجب أن تنقذه قبل أن يقبض عليه وحينها... لا أمل في إنقاذه".
حركت رأسي تأييدا وأنا لا أزال في مرحلة الصدمة, أجبر نفسي على تخطيها وسباق الزمن...
قلت:
"ماذا أفعل؟؟ كيف أتصرف؟؟"
فقال:
"يجب أن نخرج الشاب من البلد بأسرع أسرع ما يمكن... استخدم كل نفوذك وافعل المستحيل لترحيله إلى الخارج. لا أحد يقع في أيدي السلطات ويعود سالما. وخصوصا في قضية بهذه الخطورة... لا تدخر وسيلة مهما كانت".
مسحت العرق الذي تصبب على وجهي كشلال مياه مالحة... وأخذت أفتح أزرار قميصي العلوية وكأن ذلك يساعد في إزاحة الكتم عن صدري... ثم قلت:
"أنا... لا أعرف أين هو الآن".
فنظر إلي أبو حسام بانزعاج فأوضحت:
"سافر إلى الشمال الجمعة الماضي, ولم يجب على اتصالاتي".
ثم قلت مستنتجا بذعر:
"أخشى أنه..."
فقاطعني:
"لا يزال طليقا... وسيشارك في العملية التالية. لا بد وأنه في الجوار الآن.."
في تلك الليلة... انحرفت الكرة الأرضية عن محور دورانها... وتخبطت واصطدمت في جميع الأجرام السماوية... ولم تبق لا نجما ولا قمرا... إلا وصفعته في رأسي...
غادر أبو حسام المنزل... مخلفا إياي وسط كومة ضخمة هائلة... من حطام الكواكب...
بقيت على ذات المقعد... أتلقى الصفعة تلو الأخرى... فاقدا الحواس الخمس... يحسبني الناظر إلي... جثة متصلبة تنتظر من يواريها...
بعد حقبة من الزمن... الله الأعلم بمداها... عادت الروح إلى جسدي واستطعت التحرك...
وقفت وأنا مفلوق الهامة... يأمرني الشقي الأيمن بالسير يمينا ويأمرني الأيسر بالسير يسارا... حتى إذا ما سرت... ترنحت وكدت أختتم صدماتي بارتطام بالجدار...
صعدت السلم وقادتني قدماي إلى غرفة سامر, في الطابق العلوي.
ربما خيل إلي... أنني سأستيقظ من الكابوس وأرى أخي ينام بسلام على سريره...
لكنه لم يكن على سريره! أشعلت المصابيح غير أن النور لم يكتشف شيئا مستترا....
ولا شعوريا أخذت أفتش بين أغراضه...
مسكين وليد! هل خيل لك دماغك المفلوق... أنك ستجد شقيقك الغائب... مختبئا في أحد الأدراج؟؟
ما وجدته في أحد الأدراج... كان صندوقا... إنه ذات الصندوق الذي رأيته في شقة أخي في المدينة التجارية... والذي تغلبت على فضولي ولم أفتحه...!
ولكن لماذا تتحرك يدي لفتحه الآن؟؟ أي من شقي دماغي يأمرها بذلك؟؟
فتحته... أخيرا فتحته ووقع بصري مباشرة على ما فيه!
اشرأب عنقي... جحظت عيناي... تصادمت قطرات دمي وهي تتدفق بتهور وعشوائية من قلبي...
أتعرفون ماذا رأيت؟؟
لا لن تحزروا...!
لقد كان... مسدسا!!!



يتبــــــــــع ××



متمــردة []

’’ وَأنْآ.. مثل صيآدّ أدّرکْه آلغُروَب..
على شآطئ موَحش .. شبآکْه فآرغُة ..
قلبه فآرغُ .. إلآّ منْ رحمة آلله..‘‘
  اقتباس المشاركة
قديم 11-11-2009, 05:04 PM   #10
.. ليآل ~

ღقـلــم ذهبـي مبدعღ
 
الصورة الرمزية .. ليآل ~
اشتَدَّي أزمَةُ تَنفَرِجي
قَد آذَنَ لَيلُكِ بِالبَلَجِ
ربــــآه من لأسرانآ سوآكـ ؟

قوة السمعة: 233 .. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of.. ليآل ~ has much to be proud of

افتراضي رد: رواية ][ ! أنت لي ! ][ كـــآملة


الجزء التاسع والأربعون


يا شقيقي الوحيد


تقترب الساعة من السابعة والنصف ووليد لم يظهر بعد! سأتأخر عن الجامعة... ألا يزال نائما حتى هذه الساعة؟؟
كان لا بد لي من الذهاب إلى غرفة المعشية – حيث ينام – وطرُقِ الباب...
نحن لا نكلم بعضنا منذ أيام... في الواقع العلاقة بيننا شبه منقطعة منذ زمن... وبعد موضوع الفنان عارف هذا الأخير... لم نعد نتبادل غير التحية...
لكن أنا أرضى من وليد بأي شيء... حتى لو قرر أن يتجاهلني تماما... سأقبل... أريد فقط أن يبقيني تحت جناحه... وأن يسمح لي بأن أراه ولو مرة واحدة كل يوم...
واليوم سيأخذني إلى الطبيب حتى تنزع جبيرة رجلي أخيرا... وأستعيد كامل حركتي... أخيرا...
طرقت الباب مرارا ولم يجبني. كان الوقت يداهمني لذلك لم أتردد كثيرا قبل فتح الباب... والمفاجأة كانت أنه لم يكن في الداخل!
بحثت عنه في المطبخ والغرف المجاورة ولم أجده. شعرت بالقلق... ورجحت أن يكون في الطابق العلوي. لم تكن الخادمة قد استيقظت بعد... اتصلت بغرفته العلوية عبر الهاتف الداخلي وما من مجيب... ازداد قلقي... فاتصلت بهاتفه المحمول... وأخيرا تلقيت ردا:
"نعم رغد"
قالها بسرعة وكأنه على عجلة من أمره أو مشغول... سألته مستغربة:
"أين أنت؟؟"
فأجاب:
"في الجوار... سأصل بعد قليل"
ولكن! إلى أين ذهبت في هذا الصباح الباكر؟؟ وكيف غادرت وتركتني!؟؟
قلت:
"حسنا"
وأنهيت المكالمة وجلست أنتظره في المطبخ. جاء بعد قليل وكان يحمل معه كيسا يحوي أقراص الخبز وفطائر وأطعمة أخرى, فاستنتجت أنه كان في المخبز.
قاد وليد السيارة بسرعة كبيرة نحو الجامعة, على غير العادة... وتلقى ثلاثة اتصالات هاتفيه أثناء الطريق... وكان ظاهرا من كلامه... أن هناك ما يقلقه...
لم أجرؤ على سؤاله... فالتواصل بيننا مؤخرا كان مجمدا... ذهبت إلى جامعتي وقضيت نهاري بين زميلاتي بشكل اعتيادي... دون أن يخطر ببالي... أنه سيكون النهار الأخير...
بعد انتهاء المحاضرات, جلسنا أنا ومرح عند المواقف ننتظر وصول سيارة وليد كالعادة... فهو من كان يوصلنا يوميا ذهابا وإيابا إلى ومن الجامعة. مرت بضع دقائق ولم تظهر السيارة... ووجدت مرح في الانتظار فرصة لتطرح علي السؤال التالي:
"هل من جديد... عن موضوعنا؟؟"
تعني موضوع عرض الزواج!
آه يا مرح! وهل هذا وقته؟؟
لم أشأ أن أكون فظة... وأخبرها مباشرة بأن تنسى الموضوع نهائيا... خصوصا وأن هناك طلب رسمي من عائلتها مقدم رسميا إلى وليد... ولي أمري.. والذي يجب أن يتولى بنفسه الرد الرسمي على الطلب, لم أشأ أن أحرجها وأحرج نفسي لذا قلت متظاهرة بالمرح:
"انتظروا رد أبي!"
لكنني لم أتخلص منها إذ سألت من جديد:
"ماذا عن رأيك أنت؟؟ هل توافقين على الفكرة مبدئيا؟؟"
واحترت بم أجيب؟!
ربما فسرت مرح حيرتي بأنها قبول وخجل... فها هي تبتسم بسرور!
أظهرت الجد على ملامح وجهي وقلت:
"مرح... هناك شيء لم أطلعك عليه من قبل"
فاتسعت ابتسامتها وقالت بفضول مندفع ممزوج بالمزح:
"ما هو؟؟ أخبريني!سرك في بئر!"
آه! يبدو أنه من الصعب أن تأخذ مرح الأمور بجد حقيقي!
قلت وأنا مستمرة في نبرة الجد:
"لقد... كنت مخطوبة في السابق"
اتسعت حدقتا مرح بشدة... وحملقت بي غير مصدقة, فقلت مؤكدة:
"نعم... ولعدة سنوات!"
قالت بعد ذلك وفمها مفغور:
"أحقا!! لا أصدق! كيف!؟؟ متى؟؟ أين؟؟ من؟؟"
انتظرت حتى تستفيق من أثر المفاجأة ثم قلت:
"بلى صدقي"
فقالت مباشرة:
"متى رغد!؟"
أجبت:
"منذ سنين... كنت صغيرة...و... لقد انفصلت عنه... قبل شهور"
لم تخف مرح دهشتها الشديدة...
أستغرب من نفسي!!
كيف أذكر هذا الموضوع وكأنه موقف عابر وانتهى... بينما كان في الواقع حدثا استمر لأربع سنين؟؟!!
أربع سنين عشتها مخطوبة لسامر... وأنا لا أعرف ما هي حقيقة مشاعري نحوه... أصلا... لم أكن أعرف أن هناك أنواع من الشعور... لم أذق منها سوى طعما واحدا... إلى أن ظهر وليد في حياتي من جديد... وأذاقني أصنافا أخرى...
سألت مرح:
"من كان؟؟"
فنظرت إليها نظرة قوية... ثم أبعدت بصري عنها وطأطأت رأسي... وبعد تردد قصير أجبت:
"ابن عمي"
حينها هتفت مرح بدهشة وهي ترفع يدها إلى فمها:
"المليونير!!! وليد شاكر!!؟؟"
التفت إليها بسرعة وقد لسعني تعليقها بقوة فأجبت بتوتر:
"لا... لا..."
ثم زممت شفتي وأضفت:
"شقيقه الأصغر"
فقالت مرح وقد بدا وكأنها آخذة في الاستيعاب:
"هكذا... إذن!"
ثم صمتت قليلا... وعادت تسأل:
"و... لماذا انفصلتما؟؟"
وعند هذا الحد كان يجب أن نتوقف... قلت وأنا أفتح حقيبتي وأستخرج هاتفي وأتظاهر بعدم الاكتراث:
"لا نصيب"
واتصلت مباشرة بوليد... أسأله عن سبب تأخره...
وأدهشني وحيرني حين أجاب:
"أنا آسف يا رغد. لا أستطيع الحضور الآن. مشغول جدا. عودي مع صديقتك"

**********

كنت ساعتها أبذل كل الجهود الممكنة والمستحيلة من أجل تسهيل أمر ترحيل أخي إلى الخارج في أي لحظة تصل يدي إليه... اتخذت عشرات التدابير... ووضعت عدة خطط وبدائل خطط... استعدادا للعملية...
لم يعد لدي شك في أن أخي بالفعل متورط مع تلك المنظمة... ولم أعد بحاجة إلى دليل إضافي بعد ما وجدت في الصندوق...
لا وقت لدي كي أستوعب وأحلل... أنا هنا فقط لأعمل وأعمل... بشتى الطرق... لأعثر عليه وأخرجه من البلد قبل أن تسبقني السلطات إليه...
ولشخص مثلي... عاش في السجن ثمانية أعوام... ورافق مجرمي أمن البلد... وعاصر مصارعهم أمام عينيه, لا أحد بحاجة لأن يشرح لي... ما الذي يمكن أن يلاقيه أخي... لو تم اعتقاله...
عدت إلى المنزل عند الخامسة... في أشد أشد حالات الإعياء والتعب...
عند وصولي استقبلتني رغد بوجه قلق... وسألتني مباشرة:
"تأخرت وليد..."
وسرعان ما لاحظت أثر الإعياء صارخا على وجهي... فقالت هلعة:
"ماذا هناك..."
فركت عيني اللتين لم تذوقا للنوم طعما منذ البارحة ثم قلت:
"متعب من العمل... سأخلد للنوم"
وخطوت خطوة باتجاه غرفة المعيشة, فاستوقفتني رغد قائلة:
"موعدي مع الطبيب"
فتذكرت... أن اليوم... هو موعد نزع جبيرة رغد... وهو أمر ألغاه من ذاكرتي ما حل مكانه بكل قوة...
التفت إليها وقلت:
"لا وقت لدينا"
فنظرت إلي بحيرة واستغراب وحزن... عندها اقتربت منها خطوة وقلت:
"رغد... اجمعي أهم أشياءك في حقيبة... جهزيها في أسرع وقت اليوم"
بدا الذعر على وجه صغيرتي ورفعت يدها نحو عنقها وقالت متوجسة خيفة:
"ستعيدني إلى خالتي؟؟... كلا أرجوك"
فحملقت فيها قارئا مخاوفها وتوسلاتها ثم قلت:
"ليس هذا... قد نضطر إلى سفر طارئ وحرج في أية لحظة... استعدي"
وتابعت سيري إلى غرفة المعيشة تاركا إياها في حيرتها... واستلقيت على الكنبة وغرقت في النوم بسرعة...
"وليد... سامر هنا"
فتحت عيني... واستفقت لأكتشف أنني لا زلت نائما على الكنبة... وأرى رغد تقف أمامي...
لكن... مهلا... ماذا كانت تقول؟؟ ماذا كنت أحلم؟؟ ماذا سمعت؟؟ ماذا هيئ لي؟؟
استويت جالسا وأنا لا أزال بين النوم والصحوة... ونظرت إلى ساعة يدي... فرأيتها تشير إلى الثامنة مساء...
أوه... الصلاة...
قلت:
"لماذا لم توقظيني عند المغرب؟"
كان شيئا من القلق علو وجهها... وسمعتها تقول:
"لم أكن أعلم أنك لا تزال نائما... أحسست بحركة في المنزل فبحثت عنك... ووجدتك نائما هنا... سألت الخادمة فأخبرتني بأنها رأت السيد الأصغر يصعد السلم... أتيت لأوقظك وأخبرك بهذا"
لخمس ثوان بقيت محملقا فيها أستوعب ما قالته... ثم... وبسرعة البرق... قفزت من مكاني وركضت طائرا نحو الطابق العلوي...
أقبلت باندفاع نحو غرفة شقيقي وكان الباب مغلقا... ففتحته بسرعة واقتحمت الغرفة...
وكم كاد قلبي أن ينفجر من البهجة... حين رأيت شقيقي سامر... يقف أمام عيني...
"الحمد لله"
انسكبت الجملة من لساني وطرت نحو شقيقي وطوقته بذراعي وضممته إلى صدري...
"حمدا لك يا رب... حمدا لك يا رب"
ألف حمد لك يا رب... فقد رددت إلي شقيقي سالما... حيا... معافى... الآن أستطيع أن أخبئه... أن أحميه بحفظك... وأبعده عن الخطر...
أزحت ذراعي عن أخي ونظرت إلى عينيه... فرأيت الشك... والاتهام ينبعثان منهما... وانتبهت حينها إلى الصندوق الذي كان سامر يخبئ فيه السلاح... موضوعا ومفتوحا على السرير...
كلانا نظر إلى الصندوق... ثم إلى بعضنا البعض... ونظرتنا تبلغ إحداها الأخرى... بما استنتجت...
أخيرا نطق سامر قائلا:
"أين هو؟؟"
يقصد المسدس.. والذي أخذته أنا من صندوقه ذلك اليوم, وأخفيته...
لم أجب... فكرر سامر وبنبرة أغلظ وأشد:
"أين هو؟؟"
حدقت به برهة ثم قلت:
"تخلصت منه"


بدأ وجه شقيقي يضطرب... تغيرت ألوانه وتبدلت سحنته... وزفر بنفاذ صبر وعاد يكرر:
"وليد... أخبرني أين وضعته؟؟ ولماذا سمحت لنفسك باقتحام غرفتي والعبث بأشيائي؟؟"
قلت محاولا امتصاص غضبه وأنا أمسك بذراعه:
"دعنا نجلس ونتحدث"
غير أن أخي سحب ذراعه من يدي وهتف بعصبية:
"أعده إلي يا وليد الآن... لا وقت عندي"
فنظرت إليه بعطف وقلت:
"لا وقت... لماذا؟؟ ما أنت فاعل؟؟"
فرد باقتضاب:
"ليس من شأنك... ولا تقحم نفسك في ما لا يخصك"
فرددت مباشرة معترضا:
"لا يخصني؟؟ أنت شقيقي يا سامر... شقيقي الوحيد وكل ما يتعلق بك يخصني ويعنيني"
قال سامر بعصبية وصبر نافذ:
"وليد لو سمحت... لا داعي لتضييع الوقت في الكلام... أعد السلاح إلي في الحال ودعني أذهب"
وكلمة (أذهب) هذه هزت جسدي من شعر رأسه إلى أظافر قدميه... ثم هززت رأسي بــ (كلا) فما كان من أخي إلا أن تجاوزني وسار مندفعا نحو الباب وهو يقول:
"سأفتش عنه بنفسي"
وانطلق نحو غرفة نومي... دخلها وباشر بتقليب الأشياء وبعثرة كل ما تقع يده عليه, بحثا عن المسدس...
وقفت عند الباب أراقبه... وأنا لا أصدق أنها الحقيقة... أخي أنا... عضو في منظمة للمتمردين... يشارك في تنفيذ عمليات إجرامية؟؟ أخي أنا... يملك سلاحا... ويغتال البشر...؟؟
"أين أخفيته يا وليد تبا لك!"
قال ذلك بعد أن اشتط به الغضب ويأس من العثور على ضالته... فقلت: "لا تتعب نفسك... إنه ليس هنا"
التفت إلي والشرر يتطاير من عينيه وزمجر:
"إذن... لن تدلني على مكانه؟؟"
فأجبت بحزم مع مرارة:
"أبدا"
وما كان من شقيقي إلا أن ألقي ما كان في يده وسار منطلقا إلى خارج الغرفة وباتجاه السلم...
تبعته وأنا أقول:
"إلى أين ستذهب؟؟ إنه ليس في المنزل"
فسمعته يرد:
"إذن... سأترك لك أنت المنزل"
انفجرت القنابل في رأسي... ركضت خلفه وأنا أهتف:
"انتظر... انتظر"
قفزت الدرجات قفزا حتى أدركته عند أواخرها وأطبقت بيدي على ذراعه... قلت:
"لن أدعك تخرج"
سامر حاول تحرير ذراعه من قبضتي فشددت أكثر... فصرخ في وجهي:
"اتركني"
غير أنني شددته أكثر وأعقته عن التقدم...
حينها سدد ركلة بركبته إلى معدتي مباشرة... وفرط الألم أصابني بشلل مفاجئ... فتمكن من الإفلات من قبضتي وهرول مبتعدا...
لحقت به بسرعة وأدركته عند الممر فأمسكت به وجذبته وأنا أهتف:
"لن أدعك تذهب يا سامر... لن ادعك"
ودارت بيننا معركة عنيفة... أشد شراسة وضراوة من تلك التي أشعلناها ليلة زيارة (عارف المنذر) لنا...
كنت أضربه وأنا أتألم... أمزق ملابسه وأنا أتمزق... أدميه وأنا أنزف... يستحيل أن أتركك تخرج يا سامر... وإن اضطررت لكسر ساقيك فسأفعل... لكنني لن أدعك تقع في أيدي السلطات... لن أدعهم يلمسوا منك ولا شعرة واحدة...

*********

وقفت أشاهد عراك ابني عمي الجنوني مذعورة... ألصق جسدي بالجدار خشية أن تنالني صفعة طائشة من أي من قبضتيهما!
كلما ضرب أحدهما الآخر أطلقت صيحة ذعر وأخفيت عيني خلف راحة يدي.. وانتفض جسمي. كان سامر يحاول التوجه إلى المدخل.. إلى الباب.. لكن وليد كان يجره في الاتجاه المعاكس وهو يصرخ:
"لن أسمح لك بالذهاب... لن أدعهم يمسكون بك... لن أسلمك للموت بهذا الشكل أبدا"
وسامر يحاول التحرر من يده وهو يصرخ:
"اتركني... لا شأن لك بي..."
فيرد وليد:
"سيقبضون عليك ألا تفهم؟؟ سيلقون بك في السجن إلى أن يعدموك بأبشع وسيلة.. أنا لن أسمح لهم بالوصول إليك"
ويحتدم العراك بين الشقيقين وأرى اللون الأحمر يشق جداول وبركا على جسديهما...
يضرب سامر ساق وليد بقوة فيجثو أرضا... ويحاول سامر الفرار فتقبض يدا وليد على رجله ويشده بعنف فيفقد توازنه ويقع أرضا... يطبق وليد على رجلي سامر ويجره في الممر عنوة... يحاول سامر النهوض ويفشل.. يصرخ:
"اتركني... ابتعد"
ويوجه ركلة بقدمه نحو وليد فتصيب أنفه مباشرة... لكن وليد لم يطلق سراح سامر من قبضته بل جره وهو يحك جسده بالأرض... ويحاول سامر غرس أظافره في الرخام الأملس دون جدوى... فيصرخ بصوت أقوى وأعنف:
"اتركني أيها الوحش"
ووليد مستمر في جر أخيه إلى أن أدخله مجلس الضيوف... لم أعد من مكاني أستطيع رؤيتهما لكن صراخهما كان يدوي في كل المنزل... وسمعت أيضا صوت المزيد من الركلات والضربات والآهات المتوجعة القوية... والتي جعلتني أرجح أن كسرا ما قد أصاب عظام منهما...
لم أشعر إلا ودموع الرعب تنسكب فائضة من عيني...
لقد... سبق وأن عاصرت عراكا بينهما,ولكن ما يحدث الآن... يفوق حد الجنون...
"رغد"
فجأة انتفض جسمي على صرخة أحد يهتف مناد باسمي...
"رغد... تعالي بسرعة"
حتى أنني لقوة الزمجرة لم أعرف صاحبها...
"رغد أسرعي"
أمسكت بعكازي وهرولت نحو المجلس تاركة قلبي معلقا على الجدار الذي كنت أستند إليه... فور وصولي إلى فتحة الباب وقع بصري على وليد يلوي ذراع سامر وهو يلصقه بالجدار بينما يحاول سامر التملص ويسدد رفسات عشوائية نحو رجلي وليد...
"أغلقي الباب بالمفتاح"
قال ذلك وليد, فنظرت إليه غير مستوعبة... ماذا يقول..؟؟
فصرخ:
"هيا بسرعة.."
ارتجفت من صرخته ونظرت إلى الباب ورأيت المفتاح مغروسا في ثقبه...
صرخ وليد:
"أقفليه بسرعة هيا"
وفي نفس الوقت صرخ سامر:
"إياك يا رغد"
فصرخ وليد صرخة مجلجلة:
"تحركي"
انصعت بعدها لأمره بلا إدراك, وأغلقت الباب وأقفلته...
وقفت خلف الباب المقفل واضعة يدي على صدري... وأنا أحملق في المفتاح... ولم يعطني العراك الذي هز الباب أمام مرآي, أي فرصة للتفكير واستيعاب ما يجري...
ابتعدت عن الباب وأنا أتوقع أن يقلع في أية لحظة... كان جسد أيا منهما يرتطم به المرة بعد الأخرى... ثم أخذت قبضتا أحدهما تدكه دكا...
"افتحي يا رغد"
لقد كان سامر...
"إياك أن تفتحي... ابقي مكانك"
صوت وليد...
وتداخلت الأصوات الصارخة الثائرة المجنونة... افتحي لا تفتحي... حتى شعرت بالدوار وخررت على الأرض...
انطلق البكاء المكبوت من صدري أخيرا وأخذت أصرخ:
"ماذا يحدث... ما الذي تفعلانه؟؟ ماذا حل بكما؟؟"
وأنا لا أفهم شيئا...
ثم سمعت ضربات قوية على الباب أوشكت على اختراقه من شدتها... وصراخ سامر يهتف:
"افتحي الباب يا رغد"
يليه صوت وليد:
"لا تستمعي إليه يا رغد... إذا خرج فسوف يقتلونه... إياك يا رغد..."
التفت إلى الباب وهتفت:
"من يقتلون من؟؟"
فجاءني رد وليد:
"الشرطة تطلبه... سيجدونه حتما... أنا سأنقذه قبل أن يصلوا إليه..."
أنا... لا أفهم شيئا... لا أفهم شيئا...
"رغد"
ناداني وليد:
"رغد أتسمعين؟؟"
أجبت:
"نعم"
قال:
"أحضري هاتفي المحمول بسرعة"
لم أعقب... فقال:
"هل تسمعينني يا رغد؟؟"
قلت:
"ما الذي يجري؟؟ أنا لا أفهم؟؟"
فقال:
"أحضري هاتفي... ولا تفتحي الباب إلا حين أطلب أنا ذلك... بسرعة يا رغد"
ونهضت, وامتثلت لأمر وليد وجلبت هاتفه من غرفة المعيشة. وقفت عند الباب وقلت:
"الهاتف"
فسمعته يخاطب سامر:
"دعني أنقذك يا سامر... أنا أعرف سبيلا لذلك... لا تعترضني أرجوك"
لكن الظاهر أن سامر انكب مجددا على وليد وتعاركا ثانيا...
"ما الذي تريده مني؟؟ لماذا لا تتركني وشأني؟؟"
قال سامر, فأجاب وليد:
"لن أتركك وشأنك يا سامر... إنهم سيقبضون عليك ويقتلونك ألا تفهم؟؟"
فقال سامر:
"وما الذي يهمك أنت؟؟ هذه حياتي أنا"
فيرد وليد بصوت شجي متألم:
"كيف تقول ذلك؟؟ إنك أخي الوحيد... كل من تبقى لي من عائلتي... أنا لا أقبل أن يصيبك أي ضرر"
فرد سامر:
"منافق"
فجاء صوت وليد يرد بألم أشد:
"أنا يا سامر؟؟"
فيقول سامر:
"أنت أصلا لم تكترث لي ولمشاعري... أي أخوة وأي نفاق"
وحل صمت مفاجئ... بعد طول جلبة وضجيج... ثم سمعت وليد يقول:
"أكترث لك ولكل ما يعنيك يا سامر... ألا ترى ما أنا فيه؟؟ ألا ترى؟؟ ألا تعرف ما حل بي منذ عرفت؟؟"
ثم أضاف:
"دعني أجري اتصالاتي وأتصرف بسرعة قبل فوات الأوان"
فقال سامر:


"وفر جهودك... لقد فات الأوان... أنا لا يهمني أي شيء... لا الحياة ولا الموت"
فرد وليد:
"لم يفت الأوان... سأعمل على إخراجك من البلد ومن كل بد"
ثم تغيرت نبرته إلى الرجاء وقال:
"ابق مكانك... أرجوك أنا مرهق... لا طاقة لي بالمزيد"
ثم اقترب صوته... صار عند الباب مباشرة... خاطبني أنا قائلا:
"رغد افتحي الباب"
وبقيت لثوان مترددة... وسألت:
"هل أفتح؟؟"
فأجاب:
"نعم افتحي"
بحذر أدرت المفتاح في ثقبه... ثم رأيت قبضة الباب تدور... والباب ينفتح ويظهر منه وليد... بمظهر فظيع ومرعب...
تحرك وليد بسرعة إلى الخارج وصد محاولة سامر للحاق به وأغلق الباب وأقفله فورا...
أخذ سامر يضرب على الباب بيديه ورجليه وهو يصرخ طالبا منا فتحه ووليد واقف على الناحية الأخرى يقول:
"لن أفتحه يا سامر... أرجوك لا تعقد علي الأمر... انتظر حتى أؤمن فرارك... أرجوك ثق بي"
صرخ سامر:
"جبان... ستدفع ثمن هذا..."
ولم يجب وليد...
رأيته يطأطئ رأسه... ثم يمسح براحته على وجهه ثم يرفه رأسه متأوها ويمسد على ذراعه... ثم يستدير إلي...
هل أصف لكم كيف كان؟؟
يفوق الوصف...
الملابس... ممزقة... ملطخة بالدماء... العنق... مخطط بالخدوش الدامية... الشعر مبعثر في كل الاتجاهات... كعش هجره عصفوره قبل أن يكمله... الوجه متورم شديد الاحمرار... متغير الملامح... يحملق الناظر فيه بضع دقائق... ليعرف صاحبه... وشارعان متوازيان من الرواسب المالحة... يمتدان من المقلتين شاقين الوجنتين... ينتهي أحدهما إلى غابة من الشعر الأسود... والآخر يصب كنهر ناضب في بركة من الدماء الغزيرة...تنبع من أنفه...
وليد... قلبي!!!
مد وليد يده باتجاهي... ومن فرط ذهولي بفظاعة منظره... لم أفهم ما يعني...
هل... هل يريد أن... أشد على يده وأربت عليه؟؟
أم... يريد أن... أنظف جراحه وأضمدها؟؟
أم... يريد أن يستند إلي... نعم... فهو في حالة فظيعة... وربما لا يستطيع السير بمفرده...
لما أحس وليد ضياعي, قال:
"الهاتف"
هنا ضرب سامر الباب وصرخ:
"افتحوا الباب... دعوني أخرج من هنا"
تناول وليد الهاتف من يدي, ثم نزع المفتاح من ثقبه, ونظر إلي وقال:
"إياك يا رغد... أن تفتحي له... إياك"
وربما لاحظ تيهي... وعدم استيعابي لشيء... فقال مؤكدا ومحذرا:
"حياته بين أيدينا... إياك وفتح الباب مهما حصل... أتفهمين؟؟"
أفهم؟؟ أفهم ماذا يا وليد؟؟
هززت رأسي كيفما اتفق... وحاولت أن أنطق بسؤال, غير أن وليد كان قد باشر بالاتصال الهاتفي... وابتعد عني... واختفى...
بعد ذلك بأربعين دقيقة وفيما كنت أجلس في غرفتي في حيرتي وهلعي أتاني وظاهر عليه أنه استحم ونظف جروحه وبدل ملابسه وأخبرني بأنه سيخرج في مشاوير مهمة وسيعيد الخادمة إلى مكتب التخديم... وسألني إن كنت قد جهزت حقيبة السفر وانزعج عندما أجبته بالنفي...
"لا وقت أمامنا يا رغد... اجمعي أهم أشياءك واستعدي للسفر الطارئ خلال يومين أو ثلاثة"
تفاقم القلق على وجهي وسألت:
"ألن توضح لي ما يحصل؟؟"
فأجاب إجابة مقتضبة وهو يستدير ويغادر:
"تورط في عمليات شغب خطيرة... السلطات ستقبض عليه... أريد أن أفر به من البلد وبعدها نوضح الأمور"
توقف وليد واستدار إلي ونظر إلي نظرة جد وتحذير:
"لا تفتحي الباب يا رغد... إياك"
أطال النظرة إلي, ثم غادر... تاركا إياي في ذهول ما بعده ذهول...
بعد ذلك بفترة قصيرة... خرجت من غرفتي وتسللت بحذر نحو غرفة المجلس... اقتربت من الباب, وألصقت أذني به مسترقة السمع لأي حركة أو صوت يصدران من الداخل... كان الهدوء التام يغمر الغرفة بحيث لا تصدق أنها كانت تعج بالصراخ كالبركان قبل فترة...
همست بصوت خفيف:
"سامر"
ولم أجد جوابا, فطرقت الباب طرقا خفيفا وأنا أنادي:
"سامر... هل تسمعني؟؟"
جاء صوت سامر يجيب:
"رغد"
ثم أحسست بحركة... سمعت سامر بعدها يقول وقد اقترب صوته من الباب:
"أين وليد يا رغد؟؟"
أجبت:
"خرج من المنزل"
فسأل:
"إلى أين ذهب؟؟"
قلت:
"قال أن لديه مشاوير ضرورية ليقطعها"
صمت سامر... فقلت:
"كيف إصاباتك؟؟"
فأنا لا أستبعد أن يكون عظم منه قد كسر... بعد العراك الوحشي مع وليد. لم يجب سامر فالتزمت الصمت قليلا ثم سألت:
"ماذا يحدث يا سامر؟؟ أخبرني"
ولكنه لم يجب. فواصلت:
"أرجوك قل لي... ما الذي فعلته ويعرض حياتك للخطر؟؟ ولماذا؟؟ أنا لا أصدق..."
قال سامر فجأة:
"رغد افتحي الباب"
ابتعدت عن الباب, وكأنني أخشى أن أنصاع للأمر بمجرد قربي منه... ولم أعقب... فقال سامر بنبرة رجاء شديد:
"أرجوك يا رغد... افتحي الباب... هناك من ينتظرني... الأمر مهم جدا"
فتشجعت وسألت:
"أي أمر؟؟"
فسكت سامر برهة ثم أجاب:
"لا أستطيع أخبارك... افتحي الباب ودعيني أخرج قبل عودة وليد... إنه لا يعرف شيئا ولا يفهم الحقيقة"
أعدت ذات السؤال:
"أي حقيقة؟؟"
فقال بنفاذ صبر:
"لا أستطيع أن أشرح لك الآن... يجب أن أخرج وإلا فإن كارثة ستحل بأصدقائي... أرجوك يا رغد... افتحيه ودعيني ألحق بالأوان قبل فواته"
تراجعت للوراء خطوة وأنا أهز رأسي رفضا... وكأنني أحذر نفسي وأنذرها من مغبة الانصياع...
سمعت سامر يطرق على الباب وهو يقول:
"أين أنت يا رغد... أرجوك... افتحيه"
فقلت:
"لا أستطيع"
قال:
"لماذا؟؟"
فأجبت:
"وليد..."
وقبل أن أتم الجملة قاطعني قائلا بحنق:
"وليد لا يعرف الحقيقة... إنه سيندم كثيرا حينما يكتشفها... لا وقت لأوضح لك يا رغد... أرجوك افتحيه وخلصيني"
قلت:
"انتظر حتى يأتي وليد وبين له الحقيقة... ثم... ثم إن المفتاح معه هو"
فقال:
"ستجدين مجموعة المفاتيح الاحتياطية في درج مكتبه كما يتركها عادة... هاتي المجموعة وفتشي عن المفتاح المناسب. بسرعة يا رغد... أرجوك"
قلت وأنا أبعد يدي خلف ظهري:
"لا أستطيع يا سامر... وليد حذرني"
فإذا به يقول فجأة:
"طبعا ستطيعينه هو"
فوجئت من كلامه, وسحبت يدي نحو صدري ثم قلت مبررة:
"لأنه... قال... إن هذا خطر على حياتك"
فرد سامر بعصبية:
"غير صحيح... إنه مخطئ... بقائي هنا خطر على حياتي وحياة أصدقائي"
ثم أضاف:
"أنت تشاركين في تعريض حياتنا للخطر... هل هذا يرضيك؟؟"
قلت:
"لا"
فقال:
"إذن افتحي الباب... وأنا أضمن لك بأننا سنكون بخير وممتنين لك على إنقاذنا"
"أحقا؟؟"
"أجل يا رغد... هيا الآن افتحيه... وأنا سأتصل بوليد وأشرح له كل شيء... عجلي أرجوك"
احترت في أمري... فسامر يبدو صادقا جدا فيما يقول... وكان يقنعني بأنني أعرض حياته للخطر بإبقائه حبيسا... لكن نظرات وليد المهددة... وهو يخاطبني قبل خروجه مباشرة تجعلني أتردد... وأبتعد عن الباب...
"رغد... الآن"
قال سامر... غير أنني أجبت حاسمة الأمر:
"لا أستطيع يا سامر... سامحني"
وسمعت على أثرها ضربة قوية تصدع الباب لها...
عدت إلى غرفتي وبدأت أحاول جمع أهم حاجياتي في حقيبة صغيرة... وبعد نصف ساعة سمعت ضربا على باب غرفة المجلس, وصوت سامر يناديني...
توجهت إليه مسرعة وقلت:
"نعم سامر أنا هنا"
فقال:
"رغد هل لي ببعض الماء من فضلك؟؟"
ولما لاحظ صمتي قال بنبرة رجاء:
"أكاد أموت عطشا... اجلبي لي قارورة كبيرة رجاء"
قلت بتردد:
"لكن..."
فقال بنبرة أشد رجاء... تذوب لها الصخور الصلبة:
"لكن ماذا يا رغد؟؟ سألتك بالله... حلقي تجرّح من شدة الجفاف... تكاد دمائي تتخثر في عروقها... أرجوك ولو كأسا واحدا"
انفطر قلبي لكلامه... لم أتحمل... ألقيت بثقل جسدي على الباب وقلت بنبرة توشك على البكاء:
"لا تخدعني يا سامر... أرجوك"
فقال:
"أخدعك؟؟ أقول لك إنني أكاد أموت عطشا... تبخرت سوائل جسمي في العراك مع ابن عمك... ألا ترحمين بحالي؟؟"
وللألم المرير الذي أحسسته, عزمت على أن أقدم له الماء... ولكنني ما كدت أبتعد بضع خطوات حتى سمعت صوت جرس المنزل يقرع...
كان قرعا متواصلا مربكا... شعرت بالخوف, وعدت أدراجي إلى الباب أخاطب سامر:

"جرس الباب يقرع"
قال:
"أسمعه"
قلت:
"من يكون؟؟ ولماذا يقرع بهذا الشكل؟؟"
فقال سامر:
"تجاهليه... إياك وأن تجيبيه"
وزادت الجملة فزعي... فقلت:
"من هذا؟؟ لا أشعر بالطمأنينة... أنا خائفة"
فقال:
"اسمعي يا رغد... اتصلي بوليد وأخبريه عن هذا وقولي له أن يتوخى الحذر"
فقلت وقلقي يتفاقم:
"هل تعرف من يكون؟؟"
فأجاب:
"لا ولكن الحذر واجب"
توقف القرع وأنا أتصل بوليد...
أخبرته فحذرني من الإجابة على أي طارق وأمرني بأن أبقى ساكنة لحين عودته.
سألني عن سامر فأخبرته بأنه يشعر بالعطش ويطلب الماء فنهاني عن تصديقه وأكد علي بألا أقترب من الباب نهائيا, وأخبرني بأنه سيعود بعد قليل...
وهذا القليل استمر قرابة الساعة... ولم تكن كأي ساعة...
جلست قرب عتبات متصلة بالممر المؤدي إلى غرفة المجلس... في منتصف المسافة ما بين باب المدخل الرئيسي للمنزل وباب المجلس... وألصقت أذنا على كلا البابين...
الأذن اليمنى كانت تسمع سامر وهو يسأل بمرارة:
"أين الماء يا رغد؟؟"
والأذن اليسرى تترقب عودة وليد... وأخيرا التقطت هذه الأذن صوت باب المدخل يفتح...
هببت واقفة ويممت أنظاري شطر المدخل... متلهفة لرؤية وليد يدخل... فيسكن قلبي...
إن مجرد الإحساس بوجوده فيما حولي... يشعرني بالطمأنينة والأمان... "لم تقفين هنا؟؟"
سألني بقلق وهو ربما يلحظ التعبيرات المتلهفة على وجهي, قلت:
"تأخرت"
فقال:
"توخيت المزيد من الحذر..."
فقلت بشيء من الاندفاع:
"سامر عطشان... عجل إليه بالماء أرجوك"
ورأيت عضلات فكه تنقبض ثم عقب:
"لعن الله الظالمين"
وسار مباشرة إلى المطبخ, وحمل قارورة ماء وكأسا فارغا واتجه بهما إلى غرفة المجلس...
"سامر... جلبت لك الماء"
قال وليد بعد أن طرق الباب واستخرج المفتاح من جيبه... ثم أضاف:
"أرجوك... لنتصرف كراشدين"
وبعد تردد قصير, فتح الباب ودخل...

**********

رأيت شقيقي جالسا على أحد المقاعد... مبعثر الشعر والملابس, وعليه إمارات الإعياء... وتصبغ ألوان الطيف وجهه المجروح... اقتربت منه وأنا أحمل القارورة الماء وكأسا... ملأته بالماء ثم قربته إليه وقلت:
"تفضل"
رمقني أخي بنظرة حادة... وبدا كأنه متردد... ثم حرك يده باتجاه الكأس.
تناول الكأس مني, وألقى علي نظرة, ثم... إذا به يسكب محتواه فجأة نحو وجهي...
وقف بسرعة وألقى بالكأس وهرول نحو الباب. وضعت القارورة جانبا وركضت خلفه مسرعا وأمسكت به وجررته إلى الداخل, ثم دفعت به بقوة نحو المقعد وجريت نحو الباب وخرجت وأقفلته على الفور.
سمعت صوت أخي يصرخ:
"افتح يا وليد... أنا لست حيوانا لتحبسني هكذا"
فرددت بانفعال:
"ستبقى حبيسا هنا يا سامر إلى حين موعد السفر. لن أسمح لأي مخلوق بأن يصل إليك. أتسمعني؟؟ سأخرجك من البلد بعد الغد"
فصرخ سامر:
"ومن قال لك أنني أريد أن أخرج؟؟"
فقلت بعصبية:
"ستخرج يا سامر. ستفعل ما أطلبه منك حرفيا.. أفهمت؟؟ أنا دبرت كل شيء... لا فكرة لديك عما فعلته وما بذلته لأجل ترحيلك... مهما صرخت ومهما قاومت ومهما تعاركت.. ستفعل ما أريده أنا... شئت أم أبيت ستنفذ خطتي"
هاج سامر من جديد, وأخذ يضرب الباب حتى خشيت أن ينجح في اقتلاعه... التفت إلى رغد فرأيتها تنظر إلي نظرات ذعر واتهام...
لا أنقصك الآن يا رغد... أرجوك...
ابتعدت عن الممر وقلبي يعتصر لحالة شقيقي... ذهبت إلى مكتبي لأخذ بعض الأشياء ثم صعدت إلى الطابق العلوي لأعد حقيبة سفري...
كانت الأشياء مبعثرة في غرفة نومي... فقد قلبها أخي رأسا على عقب وهو يفتش عن السلاح...
استخرجت حقيبة سفر صغيرة وبدأت أجمع فيها أهم الحاجيات... وفي ذات الوقت أحاول إعادة النظام إلى الغرفة ولو قليلا...
فجأة... رأيت شيئا لم أكن أتمنى أن أراه آنذاك... شيئا أسطواني الشكل... مرميا مع مجموعة من الأشياء المبعثرة على الأرض...
صندوق أماني رغد!
وصدقوني... لم أنتبه ليدي وهي تضعه في الحقيبة خطأ... كنت شاردا... ولم أكتشف ذلك إلا لاحقا...
بعد أن انتهيت من إعداد تلك الحقيبة, أقفلت باب غرفتي ثم ذهبت لتفقد غرفة سامر... وأخذت منها هاتفه وحقيبته اليدوية والتي كانت تحتوي وثائق مهمة, وأشياء أخرى... ثم أقفلتها وبقية الغرف, وحملت الحقيبتين إلى الطابق السفلي, ثم ذهبت إلى رغد واستلمت منها حقيبتها, ونقلت الحقائب الثلاث إلى السيارة المركونة في المرآب... عندما عدت للداخل وجدت رغد تقف في انتظاري, وطبعا ألف علامة استفهام تدور حولها... لكنها لم تسألني عن شيء... ربما من هول الموقف... ألقت علي نظرة... وعادت أدراجها إلى غرفتها.
يدرك كلانا أن المأزق خطير وأنه ليس بالوقت المناسب للكلام...
اقتربت من باب غرفة المجلس, تحسسته... وداهمني ألم فظيع في معدتي... فانسحبت إلى غرفة المعيشة وابتلعت قرصين من دوائي لم يأتيا بمفعول يذكر وبقيت أتلوى على المقعد لوقت طويل...
الساعة الرابعة فجرا يرن منبه هاتفي المحمول, يوقظني لتأدية الصلاة...
أنهيت صلاتي وتلاوتي لآيات الذكر الحكيم ودعائي للرب الرحيم... ثم ذهبت إلى المطبخ ولا شيء يشغل تفكيري غير أخي...
وضعت بعض الطعام والماء على صينية, وتوجهت بها إلى غرفة المجلس...
كان نائما بكل هدوء على الأرض, وقد توسد إحدى الوسائد التابعة للمقعد... وتلحف بأخرى... رق قلبي له... أردت أن أربت عليه بحنان... لكني ربت بقوة أشد قليلا لأوقظه للصلاة...
استيقظ سامر وأخذ ينظر إلى ما حوله بهلع... يبدو أن تربيتي كان أقوى مما تصورت... قلت مطمئنا إياه:
"بسم الله... لا تفزع... إنه وقت الصلاة"
نظر إلي أخي ولم يكلمني... ثم نهض وجعل يمدد أطرافه بإعياء... وتوجه إلى دورة المياه التابعة للغرفة. أسرعت وجلبت سجادتي وفرشتها على الأرض... خرج أخي بعد قليل وقال:
"أريد أن أستحم"
ترددت قليلا... ثم خرجت وأقفلت الباب وعدت مجددا أحمل إليه ملابس نظيفة... وبقيت في الغرفة إلى أن أنهى حمامه وأدى صلاته... وعيني ترقبه من كل الزوايا...
قلت:
"تقبل الله"
فأجاب دون أن ينظر إلي:
"منا ومنكم"
ثم رأيته يضطجع على المقعد... قلت:
"جلبت لك بعض الطعام... أرجوك تناول شيئا"
ولم يلتفت أخي إلي...
قلت:
"سننطلق قبل طلوع فجر الغد... أخبرني إن كنت تحتاج شيئا لنأخذه معنا"
ولم يرد...
اقتربت منه وتحدثت إليه بكل عطف... بقلب يحمل كل الحب والقلق... إذ قلت:
"أخي... يا نور عيني... أنا لن أسألك لماذا فعلت هذا... ولا يهمني أن أعرف أي تفاصيل... إنني أريد فقط أن تنجو بحياتك وتبتعد عن الخطر بأسرع ما يمكن"
وتابعت:
"إنني عشت تجربة السجن... وقد كان معي في زنزانتي مجرمو سياسة وأمن بلد... ورأيت كيف عاملتهم السلطات وكيف عذبتهم أشد التعذيب وقتلتهم أمام ناظري"
قال أخي أخيرا:
"نحن لسنا مجرمين"
تفحصت رده ثم قلت:
"السلطات تعتبركم مجرمين. تصف كل من يعارضها علنا ويثير الشغب والفوضى بأي شكل من الأشكال تحت اسم مجرمي أمن"
التفت إلي أخي وكأنه يبدي إلي شيئا من الاهتمام لكلامي أخيرا... فتابعت:
"كانوا يعذبوننا أشد التعذيب... حتى أنا ورغم أنني لا أنتمي لتلك المجموعة, نلت نصيبي من الضرب المبرح المتوحش... لحبسي في الزنزانة الخطأ"
وأضفت وأنا أكشف عن صدري وظهري:
"انظر... كل هذا... وأكثر..."
مشيرا إلى الندب التي خلفتها يد التعذيب على جسدي... ثم أشرت إلى أنفي وتابعت:
"حتى أنفي كسروه كما ترى..."
وتابعت:
"وصديقي... والد أروى... عذبوه شر تعذيب حتى قضى نحبه وهو على ذراعي..."
وتخيلت صورة نديم... في آخر لقطة له قبل أن يسلم الروح... وانتفض جسدي وامتقع وجهي وعصرت عيني لأمحو الصورة الفظيعة...
قلت:
"بعد كل هذا... كيف تظن بأنني سأسمح لهم بأن يقبضوا عليك؟؟ أبدا... أبدا"
هنا جلس أخي ورد منفعلا:
"أنا لا يهمني الموت ولا التعذيب..."
ارتعدت من رده... وسألت:
"ما الذي يهمك إذن؟؟"
فقال:
"لا شيء... لاشيء يهمني في هذه الدنيا التعيسة... لا شيء"
وصمت قليلا ثم أضاف:
"لا شيء... بعد كل من فقدت... انتهى كل معنى للحياة في نظري... فأهلا بالموت..."
وجذب نفسا ثم تابع:
"لكنني لن أموت قبل أن أنتقم منهم"
تضاعف هلعي وسألت:
"ممن؟؟"
فأجاب بعصبية:
"من الأوغاد الخونة الغدارين... الذين قتلوا والديّ..."
فحملقت به مندهشا, فإذا به يقول:
"هل تظن أنهما قتلا برصاص العدو؟؟"
تفاقم تحديقي به, وأضاف:
"بل هي السلطات الخائنة... التي لم تبذل جهدا لتحمي مواطنيها... وسمحت للمعركة أن تنشب عند الحدود وبالتحديد عند الشارع الذي كانت تعبره حوافل المدنيين الأبرياء العُزّل..."
ووقف أخي من شدة انفعاله وهتف وهو يضغط على قبضته:
"جعلوا من الحجيج الآمنين مسرحا لجرائمهم النكراء... لن أسامحهم أبدا وسأجعلهم يدفعون الثمن"
ثم رأيته يحني رأسه ويخفي عينيه خلف يده... ويصمت برهة... ثم يبكي...
"سامر"
ناديته بنبرة ضعيفة حانية... فأزاح يده عن عينيه وقال يخاطبني وسط الدموع:
"أنت لم تر كيف كان جسداهما... لم تر شيئا... الجبين الذي كنت أعكف عليه تقبيلا وإجلال... مثقوب برصاصة اخترقت رأس أبي... والصدر الذي لطالما احتضننا... وفيه تربينا ومنه تغذينا... صدر أمي... منبع العواطف والمحبة والأمان... ممزق إلى أشلاء... حتى قلبها كان يتدلى خارجا منه... آآآآآآآآآه.... كيف لي أن أنسى هذا آآآآآآآآه"
وجثا أخي على الأرض وهوى بجبينه عليها وراح يبكي بصوت عال منفلت متألم... ويضرب الأرض بقبضته منهارا...
لم أقو على تحمل ما سمعت... أطلقت آهة ألم من صدري وسالت دموعي أنا الآخر...
كان سامر يضرب الأرض وهو يهتف:
"يا أبي... يا أمي"
ومع هتافه يتشقق قلبي وينطحن...
كنت ألاحظ منذ وفاتهما رحمهما الله, أن سامر كان أطولنا حزنا... وأكثرنا تذكرا لهما وتألما على الذكرى... لقد كانا أقرب إليه مني وكان أقرب إليهما مني... بحكم الفترة الزمنية الطويلة التي قضيتها في السجن بعيدا عنهما ومحروما منهما...
مددت يدي إلى كتفي أخي وشددت عليهما... إلى أن توقف عن البكاء والتفت إلي... ثم بدأ الشرر يتطاير من عينيه وقال:
"أو تظن أنني سأهرب... دون أن أنتقم؟؟"
قلت:
"تنتقم ممن؟؟"
قال:
"من أي شيء يتعلق بالسلطات... إنهم هم المسؤولون عن مقتل والديّ... وبهذه الطريقة البشعة"
وهب واقفا فشددت عليه أكثر فقال:
"دعني أطفئ النار المتأججة في صدري"
فقلت:
"وهل سيعيدهما للحياة... أن ترتكب أي عمل جنوني؟؟"
فقال:
"لكنّ غليلي سيشفى قليلا"
فقلت:
"وتدفع حياتك أو حريتك ثمنا؟؟ سامر إنهم لن يعتقوك"
فقال:
"لا أهاب الموت.. لا يهمني... وليس في حياتي ما يستحق العيش من أجله"
شعرت بالمرارة من جملته... فقلت مستدرا عطفه:
"كيف تقول هذا؟؟ سامر أنت لا تزال شابا صغيرا... لديك شبابك وصحتك... وعملك ومستقبلك... وعائلتك... كيف تضحي بكل هذا؟؟"
فأجاب وهو يرمقني بنظرة حادة...
"أي عائلة؟؟ الوالدان... قتلا... الشقيقة... رحلت بعيدا... الخطيبة... هجرتني... والشقيق..."
وأمال زاوية فمه بسخرية وأضاف:
"منافق.. متبلد.. لا يشعر.. لا يفهم... ولا يكترث..."
وأضاف:
"من بعد؟"
جرحني ما قاله عني... أبعدت يدي عنه ونظرت إلى الأرض برهة... ثم أعدت بصري إليه وقلت:
"بل أنا أحس يا سامر... أنت أخي... دماؤك هي دمائي... أكترث لك كثيرا... وإلا لما حبستك هنا وفعلت المستحيل من أجل سفرك"
قال سامر:
"ثم ماذا؟؟"
فقلت:
"ثم ماذا؟؟؟"
وأجبت على السؤال:
"ثم تبدأ حياتك من جديد في الخارج... المهم أن تخرج من الخطر الآن... وبعدها سأفعل من أجلك أي شيء"
فنظر إلي نظرة تشكك... ثم إذا به يسأل:
"هل ستعيد إلي والديّ؟؟"
وانتظر ردة فعلي التي لم تكن أكثر من النظرات الحائرة... ثم تابع:
"أم... هل ستعيد إلي خطيبتي؟؟"
هنا تصلب جسمي... وتجمدت نظراتي وفقدت القدرة على تحريكها...
ظل أخي يحملق بي وكأنه ينتظر الجواب... وطال الانتظار...
ابتسم أخي ابتسامة ساخرة واهية بالكاد لامست طرف شفتيه... ثم أولاني ظهره وجلس على المقعد معلنا نهاية الحوار...
انسحبت من الغرفة وأقفلت الباب... واستندت عليه وأغمضت عيني بمرارة...
فهمت.. أن موضوع عارف المنذر... هو الشرارة التي فجرت برميل الوقود...
هي رغد...
هل هذا هو الثمن الذي تطلبه لقاء حياتك يا سامر...؟؟
أتريد أن تخطف قلبي مني من جديد؟؟
أتريد أن أتنازل لك عن... أول وأكبر وأهم وأعظم حلم في حياتي؟؟
المخلوقة التي هي جزء لا يتجزأ مني... التي هي أنا... بروحي بقلبي بتفكيري بمشاعري بكياني بماضيّ بحاضري بكل معاني الأنا فيّ...
إنها ذاتي... كيف أكون... بدون ذات؟؟!!
آه... يا رب...
عندما فتحت عيني... خيل إلي أنني رأيت شبح رغد يقف في نهاية الممر... هل الإضاءة ليست كافية... أم أن غشاوة علت عينيّ من هول ما أنا فيه؟؟ أم... أم أنها خرجت من شريط أحلامي وظهرت أمامي كالطيف العابر..؟؟
أغمضت عيني مجددا... محاولا ابتلاع جرعة الشبح القوية هذه... التي ظهرت لي في أتعس لحظات حياتي... وعندما فتحت عيني من جديد... لم أر شيئا...
الحادية عشرة صباحا... استيقظت على رنين هاتفي المحمول الموضوع على المنضدة إلى جانبي... في غرفة المعيشة...
مددت يدي والتقطت الهاتف وأجبت مباشرة:
"نعم؟"
فسمعت صوت الطرف الآخر... والذي لم يكن سوى أبي حسام, والذي كنت على اتصال به أولا بأول أبلغه ويبلغني بكل جديد... وكنت قد أبلغته عن عودة أخي وحبسي له في المنزل...
"مرحبا وليد... اسمعني جيدا..."
وبدا من نبرة صوته أهمية وخطورة ما سيقوله, وسرعان ما أفصح:
"الشرطة في طريقها لتفتيش منزلكم... تصرف بسرعة"
نهضت فجأة... فتبعثرت قصاصات صورة رغد التي كانت نائمة على صدري منذ الفجر.. سألت وقد اجتاحني الفزع والقلق فجأة:
"ماذا؟؟"
فكرر أبو حسام:
"الآن يا وليد... أنا أراهم أمامي في الطريق المؤدي إلى منزلكم. اخف الأمانة بسرعة داخل المنزل... في الحال... في الحال"
قفزت بسرعة من مقعدي وركضت نحو غرفة المجلس... فتحت الباب وولجتها باندفاع وأنا أهتف:
"سامر بسرعة... الشرطة قادمة"
كان أخي نائما ولكنه سرعان ما انتبه على صوتي... أمسكت بذراعه وأنا أشده وأقول:
"تعال... يجب أن تختبئ في مكان آخر"
سامر سحب ذراعه من بين يدي وهو يقول:
"حُلّ عني"
فهتفت بعصبية:
"أقول لك الشرطة قادمة... ألا تفهم؟؟"
فأجاب ببرود:
"لا يهمني ذلك. سأسلم نفسي وننتهي من هذه المهزلة"
قلت صارخا:
"يبدو أنك لا تريد أن تفهم"
ثم أطبقت على ذراعه وجررته معي إلى خارج الغرفة أسير متخبطا لا أعرف أين أخبئه... ظهرت رغد في الصورة أمام باب المطبخ ورأت المنظر فهلعت وسألت:
"ماذا هناك؟؟"
فقلت وأنا أجر أخي رغما عنه نحو المطبخ:
"الشرطة... يجب أن نخبئه... لن أسمح لهم بأخذه ولو اضطررت لقتلهم جميعا"
سرت على غير هدى... مرسلا نظراتي لكل ما حولي... مفتشا عن مخبأ...
خرجت من الباب الخلفي للمطبخ... وسحبت أخي رغم مقاومته إلى الحديقة الخلفية المهجورة...
نظرت يمنة ويسرة... ولم أجد أمامي سوى قطع من الأثاث القديم الذي أخرجناه للفناء عندما أتينا للعيش في المنزل, أنا ورغد وأروى والخالة, رحمها الله...
وهناك... على مقربة من أدوات الشواء القديمة... التي أحرقت أخي ذات مرة... كانت مجموعة من قطع السجاد الملفوفة والمكومة على بعضها... كنا قد سحبناها إلى هذا المكان في ذلك الوقت...
لم تخطر إي فكرة في بالي... أصلا كان دماغي مشلولا عن التفكير... أريد فقط أن أخفي هذا الشقيق عن أعين الشرطة إلى أن أسفره للخارج...
دفعته حتى وقع أرضا... وجلست عليه حتى لأعيقه عن الحركة ومددت يدي إلى إحدى قطع السجاد الملفوفة ودفعتها لتنفتح...
سحبت أخي إلى طرف السجادة وجعلت ألفه بها كما تلف الحشوة بالورق... وهو يصرخ:
"ما الذي تفعله يا مجنون؟؟"
إلى أن أخفيته تماما في جوف اللفافة. سحبتها بعد ذلك بكل طاقات عضلات جسمي... وركنتها إلى جانب كومة اللفائف الأخرى... ثم أهلت عليها التراب لتبدو وكأنها مركونة هنا منذ سنين...
"إياك أن تصدر أي صوت يا سامر... لا تضع جهودي هباء... وإذا حاولت شيئا فسأستخدم سلاحك وأقتلهم جميعا... هل تسمع؟؟ لن أسمح لهم بأن يصلوا إليك أبدا"
وعمدت إلى الرمال أخفي أثار أقدامنا عنهم... ثم قربت وجهي من فتحة اللفافة وقلت:
"تحمل قليلا... سأخرجك فور ذهابهم... أرجوك اصمد وأنا سأحقق كل ما تتمناه... دعنا نسافر وافعل بعدها ما تريد... أرجوك يا سامر... أنا أرجوك"
وقمت مهرولا إلى الداخل...
كانت رغد واقفة عند باب المطبخ الخارجي تراقبنا مفزوعة, وكان جرس المنزل يقرع قرعا متواصلا.
سحبت الفتاة إلى الداخل وأقفلت باب المطبخ وقلت:
"إياك وفعل أي شيء يكشفنا يا رغد... أرجوك... حياة أخي رهن تصرفنا"
أسرعت إلى غرفة مكتبي... والتقطت سلاح أخي الذي كنت أخبئه هناك, وأخفيته في ملابسي...
جذبت نفسا عميقا ثم توجهت إلى باب المنزل الرئيسي ثم إلى الفناء الخارجي ثم إلى البوابة الرئيسية وفتحتها...






متمــردة []

’’ وَأنْآ.. مثل صيآدّ أدّرکْه آلغُروَب..
على شآطئ موَحش .. شبآکْه فآرغُة ..
قلبه فآرغُ .. إلآّ منْ رحمة آلله..‘‘
  اقتباس المشاركة
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:44 AM.