Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 639

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1041

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1046

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1518

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1523
بطاقة السحرية - الصفحة 2 - منتديات شباب فلسطين
نحن مع غزة


الإهداءات

العودة   منتديات شباب فلسطين > محطات عامـة > الــوآحــة الـعــآمّــة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-13-2009, 01:27 PM   #11
manal*****lolo
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية manal*****lolo

قوة السمعة: 10 manal*****lolo will become famous soon enough

افتراضي رد: بطاقة السحرية

كبرت حورية ونضج جسمها وتفتحت أنوثتها فأصبحت محل أنظار العجائز اللاتي يترصدن عروساً لابنهن أو حفيدهن أو أحد فتيان العائلة الكبيرة. وصارت أمها تمنعها من الخروج وحدها. ولا تسأم من أسماعها النصائح اللازمة، في كل الأوقات الليل والنهار حتى حفظت حورية كل عبارات وحكمها، فترددها معها بصوت مسموع، كي تقنعها بأنها استوعبت الدرس جيداً ولا داعي للتكرار الذي أصبح مملاً.‏

وفي احدى المرات، زراتهم عجوز من معارفهم وقت الظهيرة، اختلت بأمها في زاوية من زوايا الساحة المظللة ودخلت معها في حديث طويل، بصوت خافت، هامس، انقطع كلية عند اقتراب حورية وبين يديها صينية القهوة. حطتها على المائدة وعادت إلى المطبخ، فانشغلت بالكنس والغسيل لمدة معينة ثم عادت إلى الساحة كي تجالس المرأتين وتسمع منهما أخباراً مفيدة، فساد السكوت بمجرد اقترابها. تنبهت حورية للانقطاع المفاجيء، فبررّت ذلك لكون الحديث يخص بعض شؤون النساء المتزوجات، ويحبذ أن تبقى المراهقات خارج أسراره الملتوية. جلست معهما على "هيدروه" صوفية بيضاء، سكبت لنفسها فنجاناً من القهوة يكتنفها فضول لسماع أخبار جديدة من العجوز التي سبق أن تعرفت عليها وتجاذبت معها أطراف الحديث العام، ولكن هذه الأخيرة، بذكاء محنّك، غيرت مجرى الكلام السابق وتوجهت بأسئلتها إلى الفتاة، وهكذ1 استرسلن في درب مخالف من الكلام العادي اللجوج. ومرة ثانية، وبمحض الصدفة، استمعت خلسة إلى حديث بين أمها وأبيها يخصها. لم تستشف الأمر جيداً، ولكنها فهمت بأنهما ينويان تزويجها إلى رجل ما في القرية.وهنا انفتحت ذاكرتها بعنف، تماماً مثل الجرح القديم الذي ينشق بعد سنين من شفائه أثر صدمة مباغتة، فاستحضرت صورة مصطفى واضحة المعالم كأنه لم يفارقها أبداً، صورة امتزجت في خطوطها ما تبقى من وجهة القديم وما أضافته عبر التخيلات العديدة التي أضحت واقعاً ملموساً بالنسبة إليها. ارتعدت أوصالها وانزوت في ركن من الدار، حائرة، تحاول عدم تصديق الخبر، فلربما تكون قد أخطأت الفهم. كبر في ذهنها الوسواس والخوف من قرار والديها. فهي تعلم علم اليقين بأنهما إذا قررا تزويجها، فلا مفر، ولا تمرد ولا رفض. حينما يقرر الأب منح ابنته إلى رجل ما، انتهى الحديث وتبخرت الأحلام ودفن الأمل. قضت أياماً حالكة لا تعرف طعماً للأكل أو مذاقاً للنوم. فظهر ذلك جليّاً على جسمها ولفت انتباه الأم التي واجهتها بوابل من الأسئلة كي تكتشف السبب الضامر. وفي مشاجرة كلامية عنيفة، مرتفعة الصدى، باحت الأم بالسرّ المكتوم، واعترفت لها بأن أباها قرّر "اعطائها" إلى رجل مهم من أعيان القرية المعروف تحت اسم السرجان، يملك حانوتاً واسعاً يبيع فيه المواد الغذائية، متزوج وله أولاد وبنات. يسكن في منزل كبير وسط القرية في الشارع الرئيسي، ويقع حانوته في الرصيف المقابل لدار البلدية. قضي سنوات في الجيش الفرنسي، بعيداً عن أهل القرية لا يزورها إلا نادراً، يمكث فيها أياماً،يتبختر ببذلته العسكرية التي لا تغادر جسمه المتكامل القوي البنية رغم قصره نسبياًز وبها يزور الأهل والأصدقاء، ويجلس في المقهى حول لعب الورق أو الدومينو، ولا ينسى تحية العلم الفرنسي المرفرف على باب مقر البلدية، كلما مرّ قربه، وإن فعل ذلك مرات عديدة في اليوم الواحد، كان يعتبر ذلك من واجباته الأساسية التي تعلمها داخل الثكنة. إذا كانت القبعة في يده أو على كتفه الأيسر، فيسويها جيداً على رأسه المدور ثم يحيي تحية عسكرية منضبطة مع ضربة قوية على الأرض برجله اليمنى. وحافظ على هذه العادة بعد انفصاله من الجيش الفرنسي، وهجرانه للبذلة العسكرية، فأصبح يحيي العلم كل صباح قبل أن يفتح باب حانوته المقابل للعلم المثلث الألوان، ولم ينقطع عن هذا الوفاء إلا بعد أن تلقى انذاراً من المجاهدين، يهددونه بالقتل إن تمادى في ذلك السلوك الشاذ.‏






عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 01:28 PM   #12
manal*****lolo
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية manal*****lolo

قوة السمعة: 10 manal*****lolo will become famous soon enough

افتراضي رد: بطاقة السحرية

بعد خروجه من الجيش، عمل "شامبيط" في القرية وضواحيها لفترة وجيزة ثم فتح حانوتاً مباشرة بعد اندلاع الثورة. ومن موقعه الاستراتيحي، على عتبة الحانوت، يشرف السرجان على جميع ما يجري من أحداث. كما يعرف كمية المواد الغذائية التي يشتريها كل فرد، وهل يكتفي بالمقدار الخاص لعدد أعضاء العائلة أم يزيد فوقها؟ بهذه الطريقة يتعرف على من يبعث المؤونة إلى المجاهدين، وتصل كل هذه المعلومات ساخنة إلى الثكنة القابعة على طرف القرية منذ مدة قصيرة.‏

وعادة ما يجلس رجال القرية بمحاذاة الحانوت في نهاية الظهيرة قبل غروب الشمس، أثناء الأيام الدافئة، ويبحرون في أحاديث شتى دون قيد أو نظام، ويشاركهم السرجان مجهداً نفسه لاستشفاف بعض الأخبار التي تفيد "مسيوغوميز" رئيس البلدية، صديقه الحميم. في البداية كان يتصل بالسلطة العسكرية دون خوف أو مراوغة لأنه متأكد بأن هذه السلطة ستقضي على "الفلاقة" بكل سهولة. هي مسألة وقت فقط، تماماً مثلما فعلت مع المتمردين في السابق . ولكنه غير موقفه وأصبح يحتاط بحذر شديد في اتصالاته مع الادارة الاستعمارية منذ أن وجد " عبد الهادي رمضان " مذبوحاً على عتبة منزله. صادفه أحد الشيوخ في الصباح الباكر، مرمياً بطوله الفارع على الأرض، يتدلى رأسه على حافة الرصيف فيما اختفت رجلاه خلف الباب المفتوح، كان يرتدي "قندورة" بيضاء تلطخت ببقع من الدم المتخثر انحط رأسه على بركة دم كالتي يتحاشر حولها الأطفال في عيد الأضحى حينما يعلق الأب أو الجد الكبش المذبوح لسلخه وتفريغه. في الصباح، بعدما انقشع الليل، حينما حضر رجال الدرك والشامبيط، كان دم البركة لم يجمد بعد. سقط الرأس منفصلاً عن بقية الجسم أثناء تحريك الجثة لادخالها إلى البيت، وقع الوجه على البركة الصغيرة، فتطايرت قطرات كثيرة ملطخة بعض الأرجل، أصبح الرأس المستدير، الساكن أحمر كانه غطس كلية في كمية أوسع من الدم أو داخل الدهان الأحمر مثل الذي تدهن به الواجهات الخارجية لمحلات الجزارة. وبقي الحاضرون مبهورين ومذعورين أمام الكرة الحمراء ولم يتجرأ أحد على رفعها وادخالها البيت مع الجثة. تبادلوا نظرات فارغة مرتبكة ثم تنبه أحدهم وأحضر دول ماء ورش الرأس.‏

كان "عبد الهادي رمضان" "حركياً" يتعامل مع قائد الثكنة العسكرية المستحدثة في القرية شخصياً، وجهرا أمام الملأ وبمرأى من الناس جميعاً، ويعلن عداءه واستهتاره، واحتقاره للمجاهدين دون خجل أو خوف. كان وحيداً في منزله في تلك الليلة. في صباح اليوم الذي سبق اعدامه أوصل زوجته وأولاده إلى أهلها القاطنين في قرية مجاورة بمناسبة حفل ختان. لم يسمع أهل القرية ضجيجاً يذكر.‏

ولم يجد "عبد الهادي رمضان" وقتاً للصراخ أو طلب النجدة. كانالإعدام سريعاً وفعالاً ولم ترتعش اليد التي أمسكت السكين الخاص ومررته بثبات على الرقبة السمينة كرقبة كبش الأغنياء.‏

شاهد السرجان الجثة الملقاة على الرصيف وتصور لحظتها أنه مذبوح وممدد في مكان الحركي، فارتعدت أوصاله وتضاعف خوفه من المجاهدين القادرين على اختراق حدود القرية المحروسة بالعساكر المسلحين تسليحاً عصرياً واغتيال أي فرد في بيته ثم الإنسحاب في صمت دون جلب نظر الحراس. عاد إلى منزله مباشرة يطارده هاجس غريب أقلقه وأضجره. وقبل دخوله غرفة النوم ليستريح قليلاً ويسترجع أنفاسه انحنى لينزع حذاءه فشاهد قطرات دم على أحداها. توقف عن الحركة. وفي تلك اللحظة قرر في نفسه التصرف بحكمة ودهاء كي يرضي الطرفين وأن يضرب عن التوجه إلى الثكنة. فذلك أمر مكشوف ومصدر للأخطار بل عليه أن يتصل بالسيد غوميز رئيس البلدية وهوالذي يوصل أخباره إلى قائد الثكنة.‏






عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 01:29 PM   #13
manal*****lolo
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية manal*****lolo

قوة السمعة: 10 manal*****lolo will become famous soon enough

افتراضي رد: بطاقة السحرية

حينما كان عاملاً في الجيش الفرنسي حضر دروساً حول الجوسة العسكرية وانبهر أمام ذكاء الجواسيس في مغالطة صفوف العدو والتصرفات السرية التي يسلكونها دون أن يتفطن لهم أحد حتى زوجاتهم، لم لا يقتفي أثرهم ويوهم الثوار بأنه يتعاطف معهم بل ويخدمهم بافادتهم ببعض الأخبار غير الخطيرة عن الثكنة التي يعرفها حق المعرفة لكثرة ماتردد داخلها، فيتعامل مع مخبر لهم في القرية لمعرفة تنقلاتهم ومشاريعهم على أساس السرية التامة في اتصالاته مع الطرفين كي يتوهم كل طرف أن السرجان من عملائه المخلصين. أجبره المنظر البشع على تغيير سلوكه ومراقبة كلامه والتفكير الحسابي المتقن قبل الاتيان على كل فعل مهما ظهر طفيفاً". أضحى لايختلف إلى منزل ( مسيو غوفير ) إلا إذا تأكد من خلو الشارع الفرعي من الأنظار المختلة أيضاً يستقبل أفراد العائلات التي لها أولاداً في الجبال بحفاوة وابتسامة عريضة مصطنعة. يتسامح معهم في عدم دفع ثمن المشتريات. وطفق يصارح بعضهم "الذي يشك أن له علاقة ما مع الثوار " في نيته بدفع كمية من المواد الغذائية وبمقدار من المال إلى ، "الخاوة"‏

ليقلل من صعوباتهم، وبالفعل تم الاتصال "بمسّبل" القرية فبردع له حماراً معبئاً، مع كمية من المال ووعد بكميات أكبر في الأيام القليلة القادمة.‏

ومن عتبة حانوته لفتت حورية نظره الثاقب وهي تعبر الشارع مع أخيها الصغير. فايقظت شهوته التي كبتتها ظروف الحرب، ترقبها مراراً متلهفاً إلى الوقت الذي تأتي فيه إلى حانوته لتشتري شيئاً ما فيملأ ذراعيها بكل ما تطلب مجاناً لاغرائها. ولكنها لم تفعل أبداً. كان أبوها يقوم باقتناء، لوازم البيت، وإذا اقتضى الحال يرسل أحد أخويها الصغار، بسهولة عرف أهلها واستفسر عن حالتهم المادية فخامرته فكرة سُرَّ لها واطمأن قلبه لأنه سيصبح من الأعيان الأغنياء الذين يملكون زوجات متعددات. فاتصل بعجوز من معارفه استقصت الأمر في سرية وفرشت الورود الفواحة أمام الأم. أوصلت للسرجان كل المعلومات اللازمة المفيدة ثم مباشرة انتهى إلى تنفيذ قراره فكلف وفداً من كبار أهل القرية ليقنعنوا أباها بمصاهرته رغم أنه متزوج وله أولاد. وإذا رأى الأب ضرراً في جمع الزوجتين تحت سقف واحدا فهو مستعد لاسكانها في منزل مستقل. إنه رجل ثري وسيقدم المهر الذي يطلبونه دون مناقشة ويستطيع تقديم مالاً يحلمون به .سيكون العرس من أكبر ما شهدت القرية في حياتها. كان أبوها "بوزهير حميد" رجلاً فقيراً وبسيطاً ينصهر في راي الجماعة بسهولة، خجولاً، محتشماً لا يقدر على رفض طلب وفد من كبار أهل القرية. يشتغل نجاراً في احدى ورشات المعمرين في المدينة الكبيرة المطلة على البحر. يقطع المسافة الفاصلة بين القرية والمدينة راجلاً عبر الدروب المثعبنة وسط التلال والأودية ولا يغادر مكان العمل إلا مع غروب الشمس بعد أن يكون قد امتلأ بغبار النجارة الكاتم للأنفاس يقوم بعمله في جدية ملحوظة ولايتغيب إلا في الحالات النادرة بعد أخذ الاذن من صاحب الورشة. أنه قليل الاتصال بسكان القرية. يفضل العزلة في نقش قطعة الأرض المحاذية لمنزله على أن يلتحق بالمقهى لاضاعة الوقت في لعب الدومينو أو الكرطة. رضي الأب بالمصاهرة. كبرت ابنته وهي صالحة للزواج فلماذا يفكر في الأمر إذن؟.‏

صحيح أن السرجان متزوج ولكن ما العيب في ذلك؟ فهو غني يستطيع اعالة أربع زوجات والدين لا يعارض تعددهن لدى الرجل الواحد. الرسول نفسه كان متزوجاً بتسع نساء... هذا كلام ردده أعضاء الوفد كثيراً وسط مديح وتهليل لخصال السرجان وثرائه. بهذه الكيفية البسيطة تقرر مصير حورية دون استشارتها.. ومنذ متى تستشار المرأة في زواجها في هذه القرية وغيرها من القرى المجاورة؟ لم تعلم الخبر اليقين إلا بعد زيارة الوفد إلى البيت فوافق أبوها أثناء الجلسة وطمأن الرجال على أن المسألة بالنسبة إليه محسومة وليس من الرجولة أن يطلب رأيها فيما يقوله أمام نفر من الرجال، فهم قصدوا الرجل وعلى الرجل أن يجيبهم بمحض ارادته وحريته لاغير وحتى أن رفضت الزواج فلا يملك الشجاعة الكافية للتراجع عن قراره.‏

إن تراجع سيصبح أضحوكة القرية. رجل بشلاغمه يتراجع عن كلمته تحت تأثير زوجته أو ابنته، هذا عار فظيع سيلاحقه بقية حياته وسيحرمه من النوم الهادي ومن الافتخار برجولته أينما كان.‏

انهمرت دموع حورية على خديها الملونين بلون التفاح الأحمر، قوية كالأمطار الاستوائية بدون انقطاع لمدة سبعة أيام بلياليها مرّة مُجهرة رفضها ساخطة لا تفعل شيئاً سوى البكاء ممتنعة عن الأكل والعمل والكلام . ومرة أخرى تغلق الباب على نفسها باحكام وتترك اليأس يغزو تفكيرها المشوش ولا تفتح الباب لأمها العطوف كما أنها لا تجيب لتوسلاتها الرقيقة الحنونة، أما الأب فلم يعر أي اهتمام لهذا السلوك الصبياني مثلما سمّاه، كان واثقاً كل الثقة، بأن ابنته ستدرك مصلحتها بعد حين وستكف عن هذا الهراء. وحينما مرّ الأسبوع الأول ولم تغادر حورية حجرتها لسبب ما واجهها في ثبات قائلاً بنبرة حاسمة:‏

- دعك من البكاء كالطفلة الصغيرة وفكري بعقلك.. لن أتراجع عن موقفي وسأزوجك لهذا الرجل إلا إذا شاء الله وأماتك قبل ذلك.‏

اكتفي بهذه العبارات الصادرة عن ايمان عميق بأنه يتصرف على حق ولم يدرك في تلك اللحظة بأنه قد تنبأ بمصيرها دون معرفة وأن ابنته حورية ستموت دون أن تتزوج السرجان. وبعد سنة ونصف حينما أخبره أحد الرجال القاطنين في الريف بموت ابنته بتلك الطريقة المرعبة تذكر ما قاله هذا اليوم وندم أشد الندم على تصلبه واصراره على تزويجها رغم ارادتها.‏

بكت حورية طويلاً حتى أصبحت عيناها شديدتي الاحمرار ولا تفتحهما إلا بصعوبة فائقة.‏

أصابهما التهاب حار وقوي ولم تمنع نفسها من حكهما طول الوقت. كان يتغلب عليها اليأس في لحظات الانهيار العصبي ولكنها كلما تخيلت صورة مصطفى وذكرت الأيام السعيدة لطفولتهما انتفضت وقررت بعنف أنها تفضل الموت على الزواج الاجباري. أدركت في قرارة نفسها أن البكاء والعويل والانطواء لا يفيدها في شيء ولا يخرجها من المأزق. أطلقت العنان لخيالها وأحلامها تقترح لنفسها خطة توصلها إلى حبيبها. افترضت كل الامانيات المحتملة دون أن تتوقف عند واحدة يمكن تنفيذها. رفضت الزواج الاجباري لسبب ظاهر واضح هو أنها تحب شاباً غائباً وتنتظر عودته. وبحثت في باطنها عن سبب آخر، به نقمت على أبيها لموقفه السلبي تجاه الثورة. هل هو جبان أم يتعاطف مع المعمر الذي يشتغل عنده؟ تفتخر بمصطفى أشد الافتخار. أنه بطل شجاع ولا يهاب أحداً. ولماذا لا يكون أبوها مثله ويرفع مكانة العائلة وسط أهل القرية. يتكلم الناس في الخفاء في الليل حول الموقد أو في عرصة الدار تحت سماء متلألئة بالنجوم، يروي أهل القرية ما يتسرب من أخبار من قمم الجبال الكثيفة الأشجار بطولات ومعارك ضارية.. كلما وصل خبر استشهاد أحد المجاهدين من سكان القرية إلا وتقرأ الفاتحة بصوت خافت في كل البيوت وتتلى الدعوات الطويلة المتوسلة للرحمن أن يدخله الجنة دون حساب أو عقاب مهما ارتكب من ذنوب وأتى من شر.‏






عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 01:30 PM   #14
manal*****lolo
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية manal*****lolo

قوة السمعة: 10 manal*****lolo will become famous soon enough

افتراضي رد: بطاقة السحرية

انقطعت دموع حورية الرقراقة وتسربت إلى قلبها المهزوز فكرة خطيرة لم تسبقها إليها فتاة أخرى. في البداية حينما خطرت على ذهنها أول مرة ارتعش جسمها والتوت مصارينها وأصيبت باسهال مفاجيء خفيف ولكن لم لا؟ ما المانع؟ سيطرت الفكرة حتى أضحت ولا تعرف شيئاً ثانياً. خلال ساعات طويلة انتابها خوف ثم سرعان ما لفظته جانباً وأقسمت مع نفسها بالالتحاق بحبيبها مصطفى أينما كان مهما كلفها من صعوبات ومهما كانت نتيجة ذلك. فإنها أحسن من الزواج المفروض عليها ومع من؟ حركي معروف عند كل أهل المنطقة. ماذا يقول عنها مصطفى لو قبلت هذا الزواج؟ سيحتقرها دون شك ويلعنها من أعماقه، ربما بصق على التراب متخيلاً أنه يلفظ بصاقه على وجهها، إنما لم تتقبل ذلك ولو على مستوى الافتراض الوهمي فقط. بعد أن أقنعت نفسها بضرورة الالتحاق بالمجاهدين، أصبحت حائرة في كيفية الوصول إليهم، هل ستذهب وحدها أو تبحث عن رفيق؟ ومن هذا الرفيق؟ سمعت مراراً عن اسم رجل يتردد على الأفواه الخافتة لنساء يزرن أمها في بعض الأحيان يقال بأنه يجمع المال ليوصله إلى المجاهدين. يسكن في الطرف الجنوبي للقرية. احتجت حورية بحجة عادية وقصدت بيته. استقبلتتها زوجته بكلام مليح وشاي ساخن دون أن يرغمها الفضول على طرح السؤال الإجباري المنطقي: ما سبب الزيارة؟ تعرف المرأتان بعضهما البعض ولكن لم يسبق أن تحدثتا معاً أو تبادلتا الزيارة. أفضت حورية بسرها كاملاً دون اخفاء نقطة واحدة، وفي نهاية حكايتها المختصرة توسلت الزوجة أن تكلم زوجها لعله يوصلها إلى المجاهدين. لقد سمعت بأنهم أصبحوا يقبلون النساء الممرضات في صفوفهم، وهي مستعدة لأن تكون مساعدة لهن، لم تجهر المرأة برأيها في القضية بل أبدت جهلاً مطبقاً بعلاقة زوجها بالمجاهدين ولكنها ستكلمه في المساء حينما يعود من العمل.‏

كانت المرأة على علم بمشروع الزواج ورفض حورية له.. ومن في القرية لم يسمع في وسط النساء؟ حسدتها بعض النساء لما ستلقاه من عز مادي ورفاهية في اللباس الفاخر والأكل المتوفر والمتنوع.. ستأكل الخبز الرومي ولا تقضي يومها في العجن والدلك واشعال النار، ولكن النساء اللائي يعرفن ارتباطها بالشاب مصطفى عمروش الغائب منذ أكثر من أربع سنوات، رثين لحالها ولحال البطل الذي يأكل نفسه من الشقاء ليحرر الوطن بينما يسلب له السرجان حبيبته دون أن يعرف طعم الجوع والبرد والتعب. قررت المرأة مساعدة حورية من إيمانها بأن السرجان خائن لا يستحق إلا الذبح، فكيف يتزوج فتاة تنتظر مجاهداً ضحى بشبابه من أجل استقلال الجزائر؟ فمن الواجب عليها أن تنغص حلمه الشرس في افتكار حورية من مغالبه بعد شرائها بماله وسلطته. بعد أيام قليلة، اتصلت بها وأبلغتها بأن زوجها يعرف مصطفى وسيتصل به في أقرب فرصة تجمعهما معاً. عليها بالانتظار والصبر. بعدج أيام قليلة أخرى بعثت لها أبنتها الصغيرة، وحينما حضرت حورية وجدت المسبّل في انتظارها فقال: اتصلت بمصطفى وأخبرته برغبة والديك في تزويجك وأنك رفضت رفضاً قاطعاً. فرح لموقفك وهو مستعد للقائك وسيقبلونك بين الممرضات لتتعلمي المهنه. سأنتظرك الليلة على الساعة الواحدة صباحاً، ينبغي أن تخرجي في سرية تامة بحيث لا يتفطن إليك أحد. سأنتظرك أمام الباب خذي معك أشياء قليلة جداً ستجدين كل شيء في المركز..‏

لم تصدق أذنيها. غمرها فرح وقلق كبيران. في العتمة الحالكة مكثت مفتوحة العينين على اتساعهما تحدق بقوة محاولة اختراق الجدار السميك. تبعثر تفكيرها ولأول مرة منذ سمعت زواجها انتابها فراغ مسكن. جلست على الأرض مستندة ظهرها إلى الحائط مختبية تنتظر في الظلام الدامس أن يحين الوقت المحدد للرحيل. حضرت رزمة ثياب في سرية تامة دون أن تغير من سلوكها شيئاً كي لا تبعث الريب في نفس أمها وأخوتها الصغار. تخاف من أمها أكثر لأنها الانسانة الوحيدة في البيت التي تهتم بتنقلاتها وتناديها باستمرار لتطلب منها القيام بعمل ما. أما الأب فهو غائب من الدار طول الوقت ولا يدخل إلا للأكل والنوم.‏

إنها مطمئنة من هذه الجهة لأن فكرة هروبها لا يمكن أن تخطر على بال أحد. إنها فكرة جنونية حقاً. لم يسمعوا بواقعة مثلها بقرية عين الفكرون ولا في القرى المجاورة. تحمست كثيراً للمشروع حتى أصابها الأرق. تبيت لياليها متقلبة في الفراش متنهدة بعمق تتخيل نفسها بصحبة حبيبها تمشي تحت ظلال أشجار باسقة وتشم روائح عطرة تنبعث في النباتات الغابية المتعددة وتستنشق فاتحة منخريها على اتساعهما محدثة صوتاً كأن هذه الروائح تسللت بالفعل إلى فراشها وعمت أجواء الغرفة الغارقة في سبات عميق.‏

أما الآن، وهي على استعداد كامل للرحيل لا يفصلها عن الموعد الحاسم إلا بضع ساعات تسربت بعض الشكوك إلى قناعتها. هل تتصرف تصرفاً سليماً؟ ألم تتسرع في اتخاذ الاجراءات اللازمة للتخلص من الورطة المفروضة عليها؟.‏

كيف سيستقبلها مصطفى وهل هو راض عن سلوكها؟ كيف يتصرف أبوها بعد اكتشاف هروبها؟.‏

هل سيدرك بأنها التحقت بالمجاهدين وهل سيجرؤ على متابعتها؟ إنهالت عليها أسئلة معقدة لا تعرف لها أجوبة. كادت تنهاربكاءاً وتتراجع عن الهروب ولكن صورة مصطفى أقوى من كل التبريرات الأخرى. تشوقت إلى رؤيته وإلى سماع صوته والحديث معه. تصورت أنها قادرة على قضاء شهور كاملة في الحديث عن أشواقها ووصف الليالي الطويلة في سهاد وأرق وخيالها محلق يطارد أدنى ملامح له. غرقت في تفكير متواصل وتحولت العتمة إلى نور والسكون إلى صخب وأصوات متباينة والمكان المغلق إلى فضاء رحب لا يحده البصر النافذ، ولم يعدها إلى جلستها المكورة الشخير المرتفع المستمر لأحد أخويها النائمين قربها في براءة مطبقة ولا الكلام المتقطع الذي ارتفع فجأة من أختها الصغرى تحت تأثير كابوس مزعج. عاد الصمت من جديد وحورية لم تبال بل هي غارقة حتى الأذنين في أحلامها وأشواقها. مكثت على هذه الصورة وقتاً طويلاً، إلى أن انتفضت وحدها كأنها تذكرت موعد الرحيل فقامت من مكانها متخطية الأجسام الممددة كالسردين. رفعت رزمتها على أحد ذراعيها وغطت رأسها بقطعة قماش مورد. فتحت الباب ببطء ملحوظ دون أن تحدث صوتاً أو خرخشة. قطعت مسافة الساحة الداخلية بحذر، ثم الحديقة وأخيراً جلست قرب السياج تمسح المكان المظلم بحدقتي عينيها الحادتين اليقظتين رغم نقص النوم البادي على وجهها المتعب. فلم تلاحظ شبحاً إنسانياً ولم تسمع وقع خطوات قريبة أو بعيدة. أبعدت عن نفسها الخوف ومكثت تحرس المكان في يقظة ثعلب. بعد دقائق اعتادت على الظلمة وأصبحت تبصر بوضوح أكثر من ذي قبل. بعد فترة لم تعرف حورية كم استغرق من الوقت انتصب شبح المسبل قرب السياج وكأنه مرق من تحت الأرض . لم تسمع حورية وقع خطواته ولم تشاهده وهو قادم من بعيد باغتها فارتعشت احشاؤها قليلاً ولكن ما أن تعرفت عليه حتى نهضت واقفة بخفة غير معهودة فتحت السياج دون أن تنبس بكلمة اتبعت خطاه الخفيفة الصامتة. غادرا القرية متدثرين بالعتمة والأشجار المورقة، مستدركين مراكز الحراسة. حينما ظهرت الشمس الصباحية بأشعتها الدافئة لتطرد النسمات الليلية الباردة كانا قد ابتعدا عن منطقة الخطر وهما يوغلان وسط الغابة الندية تجاه قمم الجبال الشامخة . في الصباح الباكر، استيقظ الأب بوزهير حميد كالعادة وغادر البيت بعد أن شرب قهوته في صمت وعادت الأم إلى النوم كالعادة أيضاً دون أن تتفطن للحادث الاستثنائي النادر.‏






عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 01:31 PM   #15
manal*****lolo
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية manal*****lolo

قوة السمعة: 10 manal*****lolo will become famous soon enough

افتراضي رد: بطاقة السحرية

بعد طلوع النهار وسط ضجيج الأطفال الصغار انتظرت الأم قيام ابنتها من النوم لتساعدها في العمل المنزلي ولكن هذه الأخيرة تأخرت وأحجمت عن الظهور فاتجهت الأم صوب الغرفة لايقاظها، لم تجدها، قالت مع نفسها بأن ابنتها ستكون في الحديقة أو عند الجيران عادت إلى المطبخ منتظرة دون قلق. أين ستكون؟ ستظهر لا محالة بعد حين.‏

ليست موجودة عند الجيران لم يروها قط هذا الصباح.‏

أين ستكون؟ تساءلت الأم بشيء من التوتر والحيرة. لم تتعود الغياب بهذا الشكل السري، قلقت الأم وخافت على ابنتها وعلى نفسها من زوجها ومن كلام الناس، خاصة أن ابنتها مخطوبة رسمياً. اقترب منتصف النهار ولم تظهر حورية بعد. فقدت الأم رزانتها وبقيت تترقب أدنى صوت في الساحة أو خارج البيت لعل حورية تداهمهم بعد هذه الغيبة المفاجئة، ارتبكت حركتها ولم تحسن القيام بالتنظيف المنزلي واحترق الأكل فوق النار لسهوها وترقبها المتواصل. انتصف النهار، دخل الأطفال كلهم لتناول الطعام ولم تظهر حورية بعد ولم يعرف عنها خبر عند أحد. خرجت الأم من هدوئها وانتابها ضجر وفراغ مرعبين.‏

وكيف يكون رد فعل أبيها في المساء إذا لم تظهر إلى ذلك الحين؟ غضبت على أبنائها وسخطت في وجوههم رافعة صوتها ثم أمرتهم بالذهاب للبحث عنها عند الأقارب في القرية، والطواف عبر الشوارع لعل وعسى.. خرج الأطفال بصمت داهمهم القلق هم أيضاً.‏

دخلت بعض الجارات على الأم للاستفسار وتهدئة الجو المكهرب والتخمين معاً في الأماكن التي يحتمل أن تلجأ إليها. روت الأم بصدق حالة ابنتها النفسية منذ خطوبتها وموافقة أبيها على مصاهرة السرجان، رغم ذلك لم تجرؤ الأم والنساء الوافقات حولها على الافصاح عما خامرهن وهي أن تكون قد هربت من الدار العائلي كرفض قاطع للزواج القسري، شيء فظيع أن تهرب البنت من بيت أهلها. ستكون فضيحة الدهر كله. كثر الحديث وكثرت الاحتمالات المشجعة لتهدئة الجو وارخاء الأعصاب المتوترة. عاد الأطفال بخيبة أمل ظاهرة على سحناتهم المتجهمة، لم يعثروا عليها ولم يسترقوا سمع خبر مفرح أو مشجع عنها. شعرت الأم كأن سقف البيت سينهار على رأسها المبلبل، بل ستتحطم السماء عليه وتصيره رماداً تنفثه الرياح الهوجاء إلى أعماق الربع الخالي.تلألأت عيناها بالدموع المدرارة، ولكنها امتنعت عن السيلان الجارف. جف حلقها وفقدت القدرة على النطق السليم المسترسل، والتصقت الجوانب الداخلية لمصارينها المتعبة من القلق والجوع كأنها في نهاية يوم رمضاني من تلك الأيام الصيفية القائظة الطويلة جداً.. ارتعش جسمها حتى كادت تفقد استقامتها في الرفوف، وهي حائرة تفكر بسرعة جنونية في احتمالات متنوعة، تحاول الكذب على نفسها بأن حورية ستظهر بعد حين وسيتبخر القلق والخوف ويتلاشى الهرج والمرج مباشرة بعد رجوعها. لم تتمكن من المكوث في مكان مستقر لدقائق معدودة، بل تتحرك دوماً وتكلم نفسها بصوت مرتفع مكررة عبارات واحدة مقتضبة، متوسلة مثلما تفعل الثكلى وهي تندب فقيدها.‏

طال الانتظار واقترب الليل ولم تعد حورية. كيف تواجه آلام زوجها وكيف تبرر غياب ابنتها؟‏

كلما اقترب وقت رجوع الأب من العمل وازداد خوفها وتعاظمت اسئلتها بو زهير حميد من العمل منهكماً لا يفكر إلا في فنجان قهوة ساخنة وابرام سيجارة ثم التمدد فوق الحصيرة للاستراحة الكاملة. وجد البيت غارقاً في سكون وصمت غريبين، أين صيحات الأطفال وركضهم نحوه، راوين ما حدث لهم في ذلك اليوم وشاكين من أفعال بعضهم البعض وطالبين تحقيق بعض رغباتهم المتنوعة؟ أين الأم وحركاتها الخفيفة لتقديم كرسي للجلوس وماء للغسل وقهوة للارتشاف وازالة التعب؟‏

ولكن الارهاق الجسدي أنهك الأب الهادي، بحيث لم يلاحظ التحول السائد. قررت الأم الامتناع عن افشاء السر إلا بعد أن يستريح قليلاً ويتلذذ برشفات القهوة الساخنة ولكن ابنتها الصغيرة سبقتها وكشفت لأبيها الفضيحة وهي جالسة على ركبته. ابتسم بو زهير حميد ابتسامة ساخرة من هراء ابنته وتخريفها. القي بصره النافذ تجاه الأم وطلب منها تفسير اللغز. ربما هناك شيء ما لم تهضمه الطفلة البريئة. ارتعدت الأم من جديد وانتحرت الكلمات في حلقها، تلعثمت وتلكأت لثوان ثم انهارت باكية ووسط الشهيق والدموع المنهارة، قالت بأن حورية اختفت منذ الصباح ولم يعثروا لها على أثر رغم الاستقصاءات المتكررة. ولتبديد الخوف أسترسلت في اسهال لفطي سريع رواية كل تفاصيل الحادث منذ بدايته. بقي الأب مصعوقاً،مذهولاً، صامتاً، مبلبل الذهن يحالو اقناع نفسه بأن ما يسمعه أكذوبة حضرتها الأم مع أبنائها ليعدل عن قراره بتزويجها للسرجان. لم يتحرك من مكانه وحينما صمتت الأم فجأة فاسحة المجال مرة أخرى للبكاء والشهيق والتوسلات الهامدة، أطرق رأسه مفكراً في اللعنة التي لحقت به، ثم نهض وفتش الغرفتين والمطبخ ودورة المياه، وبعد ذلك خرج إلى الحديقة،طاف حول أركانها وخباياها وحينما لم يعثر على حورية دخل على زوجته المطبخ، هز كتفيها بعنف وطلب منها التأكيد على صحة الحادث، لم يصدق ما سمعه، حورية لا يمكن أن تفضحهم بهذا الشكل المخزي، إنها عاقلة وناضجة ومسؤولة أيضاً. ازدادت الأم بكاء وعويلاً، استقصي الأب عن الأماكن التي بحثوا فيها، وبعد التأكيد من أنهم لم يتركوا جاراً ولا قريباً في القرية إلا وسألوه، قال بعصبية ظاهرة أنها ستكون قد التجأت إلى أخوالها في الدشرة أو عند عمتها في المدينة فلا ينبغي القلق.. أين ستذهب؟ إنها فتاة، فلا يمكن لها الهيام على وجهها عبر شوارع المدن ودروب البراري.‏

كان الأب مطمئناً نوعاً ما. ليس لها خيارات أخرى غير الاختفاء عند الأقارب، لعلهم يسمعون شكواها ويتدخلون لفسخ الخطوبة المكرهة. لبس قشابيته مستعداً للخروج والبحث عنها، إلا أن الأم نبهته لقانون حظر التجول السائد في القرية منذ مدة طويلة فكيف يفسر وجوده خارج البيت في الليل، سيتهم بمساعدة المجاهدين ويسجن أو يقتل برذاذ رشاش دون رحمة أو شفقة مثلما الذئاب أو الخنازير البرية.‏

قضي الزوجان ليلة بيضاء، لم يعرفا خلالها نوماً ولا أكلا، تبادلا عبارات نادرة، متقطعة وتأوهات مسموعة متواصلة عبر الليل الطويل الذي لم يرد أن يتجلي إلا بعد أن تطلع الروح من مستقرها المؤقت، تبدو الساعة متوقفة، تدور عقاربها ببطء السلحفاة. طلب الأب قهوة بعد مرور منتصف الليل بكثير، ارتشف منها جرعات قليلة وحطها جانباً، إنه معروف بالهدوء والتحكم في الأعصاب، ولكن في هذه الليلة بالذات، ومع المصيبة النازلة على جسمه النحيف المرهق تحت ضغط جبروت المعمر، فقد رزانته وانهارت قواه، رغم إقناع نفسه أن ابنته اختفت عند أحد أفراد العائلة، تشكو حالها، وإذا... هربت بالفعل فكيف يواجه السرجان وأعيان القرية الذين شرفوه في بيته وطلبوا مصاهرته؟ لايملك الشجاعة الكافية للنظر في عيونهم الساخرة، المحتقرة، لو كان رجلاً قوياً، متحكماً في عائلته بقبضة من فولاذ لما تجرأت ابنته على الهروب من المنزل العائلي، لو حدث هذا بالفعل وتبين أن حورية قد هجرت البيت إلى مكان مجهول سيرحل من القرية نهائياً وفي أقرب وقت ممكن إلى مدينة بعيدة لا يعرفه فيها أحد. فكيف له أن يمكث في قرية عين الفكرون وسط النظرات المستفزة الساخرة للرجال والتمتمات القاتلة للنساء. يتضاعف غضبه أحياناً ويقسم قاطعاً أنه لن يتراجع قيد أنملة عن قرارة، وسيضربها ضرباً مبرحاً ويترك آثاراً عميقة على جسدها خاصة في الظهر والفخذين، سيجرها من الشعر عبر أزقة القرية كي يثبت رجولته للملأ ويضع حداً للسخرية والاستهزاء الجماعي. ثم بعد حين يلين قلبه ويتعاطف مع ابنته، يشيد قصراً من التبريرات ليقنع نفسه بالعفو عنها، رفضت الزواج بالسرجان المتزوج بأمرأة أخرى له معها أطفال بعدد أصابع اليد الواحدة، ويكبرها سناً، فلماذا لا يحترم رفضها ويتوجه رأساً إلى السرجان ليعلن تراجعه، هل يملك القوة لمواجهة رجل ذي مال وسلطة مثل السرجان ؟ يشك في نفسه . يشك في أن ينهار بمجرد الوقوف أمامه . فمكث الليلة كاملة ، يتأرجح بين موقفي القبول والرفض، دون أن يستقتر على رأي نهائي منتظراً انبلاج الفجر كي ينطلق في البحث عن حوريته المتمردة. ولكنه لم يعثر لها على أثر. طاف اليوم كله ركضاً من مكان إلى مكان حيث زار كل العائلات القريبة والبعيدة دون جدوى، عاد مع غروب الشمس منهكاً ومنكسر البال متمنياً من صميم قلبه الممزق أن يجدها في البيت.ولكنه بعدما دخل منزله ، خاب أمله وتبخرت أحلامه ، انتشر الخبر بين أهل القرية كالوباء وأصبح الناس لا يعرفون من الحديث إلا هروب حورية وكان السرجان من الأوائل الذين وصلهم الخبر. في البداية لم يصدق، إذ مثل هذا السلوك لا يحتمل وقوعه في هذه المنطقة الجبلية المحافظة على قيم الشرف والرجولة البدوية.‏






عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 01:31 PM   #16
manal*****lolo
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية manal*****lolo

قوة السمعة: 10 manal*****lolo will become famous soon enough

افتراضي رد: بطاقة السحرية

سمع عن مثل هذه الاختفاءات المؤقتة أيام كان في فرنسا منخرطاً في الجيش. تهرب بعض المراهقات من المنزل العائلي، حينما ترغم كارهة على القيام بفعل ما. أما في الجزائر، وفي وسط هذه الجبال بالضبط فمما لا يصدقه العقل.‏

أخبر السرجان جميع أهله وأصحابه من العرب والأوروبيين بنيته في الزواج مرة ثانية وأنه قد وقع اختياره على فتاة جميلة عذراء وسيقام العرس في بداية الصيف.‏

انتشر خبر اختفاء حورية بسرعة مذهلة، واتفق لسان القرية على أن الهاربة رفضت الزواج بالسرجان وفاضت بعض الألسنة المغرضة، العارفة بأسرار الجميع أنها تعشق الشاب مصطفى الذي التحق بالمجاهدين في بداية الثورة وكان يتصل بها خلال كل هذه السنين الماضية، يأتي إليها في الليل ربما يكون هو الذي خطفها، بعد أيام من البحث والتحريات لم يجد الأب أثر لها في كل المنطقة، سافر إلى العاصمة وقضى فيه يومين يتجول عبر شوارعها يتفرس الوجوه لعله يتعرف على وجه ابنته، اقتنع الجميع بأن حورية التحقت بالمجاهدين، اختنق السرجان غيظاً واستشاط غضباً، كيف تفضل شاباً هارباً عن العدالة يهيم بوجهه عبر الجبال والأودية لا يعرف لنفسه مستقراً، معرضاً نفسه للموت المؤكد في كل لحظة وتترك العز المادي والرفاهية والأمن والاستقرار؟. احتار في أمرها... تعرض نفسها للجوع والبرد وتترك عائلتها في فضيحة لم تحدث قبل ذلك لأحد، وكان أمامها حل تحلم به كل فتيات القرية، شعر بالاهانة والاحتقار النفسي وصغرت قيمته، هو السرجان صاحب المال والسطوة فتاة فقيرة لا تساوي شيئاً أمام شخصيته الموموقة..‏

قدام الناس تظاهر باللامبالاة، كأن الأمر لم يمسه لا من قريب ولامن بعيد، قال بأنه كان صافياً في غرضه، أراد الزواج مرة ثانية مثلما يفعل أغنياء القوم، وبما أنه وقع اختياره على عائلة مهزوزة ورجل ضعيف لا حول له ولا قوة فإنه سينتقي عائلة أخرى يصاهرها.‏

وصب جل غضبه وسخطه على الأب الضعيف الذي تنعدم فيه صفات الرجولة، وإلا لما بقي مكتوف الأيدي ، ساكتاً، منهزماً مختفياً في بيته بين أحضان زوجته، أضاف أنه لو قدر أن حدثت له مثل هذه الواقعة، لطاردها في كل مكان حتى عند الغلاقة ولأحضرها ووفى بوعده لأن الرجل لا يساوي إلا ما تساويه كلمته ووعوده. تكلم السرجان كثيراً ليغطي هزيمته أمام الناس ويظهر أمام أهل القرية أنه شجاع ولم يعتبر حورية ألا كأية امرأة عادية.‏

انتطع الأب عن العمل مدة أسبوع وهو يبحث في كل الاتجاهات دون جدوى وحينما أراد استنئناف شغله، قابله صاحب الورشة في الباب ومنعه من الدخول صارخاً في وجهه أن الورشة ليست قهوة "خالي موح" يدخلها متى شاء ولما طلب راتب الأيام التي اشتغل فيها نهره المعمر قائلاً بأنه غيابه سبب له خسائر جسيمة لأنه لم يلب طلبات زبائنه.‏

محنة ثانية انهالت على رأس الرجل المسكين طرحته الفراش لأيام عديدة كاد يفارق الحياة، لولا زيارة مفاجئة في منتصف احدى الليالي الممطرة، قام بها أحد المجاهدين ليبلغه أن ابنته حورية تسلم عليه وتطلب منه العفو وأنها تتمتع بصحة جيدة وسط المجاهدين والمجاهدات تتعلم مهنة التمريض. إنها تقوم بواجبها تجاه الوطن والثورة وعليه التحلي بالشجاعة وأن لا يهتم بأقاويل أهل القرية.‏

استيقط مصطفى عمروش من غفوته والابحار في سرداب الذكريات البعيدة تحت طرقات قوية على الباب الخارجي وصوت رجل ينادي باسمه. نهض متثاقلاً، ألقى نظرة إلى الساعة الجدارية، وجدها تقترب من الخامسة، فاندهش لسرعة مرور الوقت خلال الظهيرة، لم يكن يعي إن كان بقي مستيقظاً طول الوقت أم غفا في نوم خفيف. لم يغير من وضعية تمدده. أمام الباب وجده "بو زهير حميد" أب حورية حبيبة شبابه وزوجته الأولى ، وجهه يتصبب عرقاً ويلهث من الصياح، يبدو التعب والغضب على قسماته، تقوّس ظهره من الكبر وما زال جسمه يحافظ على النحول. بمجرد ظهور مصطفى على عتبة الباب الخارجي قال شاكياً: السرجان الخبيث ياسي مصطفى..... أنه في المقهى يطعن في شرف ابنتي حورية وابنك جمال، يقول كلاماً جارحاً لا أتحمله..... أنها استشهدت منذ سنين فلماذا النبش في قبور الموتى.‏

ودون اجابة دخل مصطفى عمروش بيته، وخرج بعد قليل وبين يديه بندقية في وضعية الهجوم وأتم الاستعداد لاطلاق النار، لم يكن بو زهير حميد ينتظر مثل هذا الجواب.‏

كان أكبر ما يتوقعه أن يطلب مصطفى من السرجان الكف عن هذه الافتراءات بطريقة سلمية، صعقه المشهد، وسمره لثوان في مكانه أمام الباب. حينما تفطن للخطورة وركض خلفه لينهره عن القتل كان مصطفى عمروش بخطواته السريعة تحت تأثير الغضب والحقد والانتقام المشروع، قد انعرج عبر الشارع الرئيسي متجهاً صوباً دون تردد نحو مقهى السرجان مصمماً على ألا ترتعش يداه وألا يلين قلبه.‏






عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 01:37 PM   #17
manal*****lolo
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية manal*****lolo

قوة السمعة: 10 manal*****lolo will become famous soon enough

افتراضي رد: بطاقة السحرية

الفصل الثالث‏

خلال الأيام الأخيرة التي سبقت مباشرة اليوم المشهود الذي سيتردد طويلاً على ألسنة أهل قرية عين الفكرون، مكّوناً اهتماماً أساسياً ومجالاً ثرياً لتكسير الرتابة المخيمة، هذه الرتابة التي أغرقت الجميع في شبه اكتئاب وتدهور نفسي حتَّى ارتفعت، صيّرت حركاتهم ثقيلة غير مبالية، وارتفعت الحرارة ارتفاعاً جنونياً انقطعت الأمطار القليلة والرياح النادرة في منتصف فصل الربيع، مما أسرع في تحويل اللون الأخضر إلى الأصفر الشاحب وانقراض الحشائش القزمة المتشبثة بالتراب في هيئة ذابلة هرمه، وسرعان ما ظهرت الحشرات النحيفة المتعطشة إلى الغذاء، أنواع الناموس بكل أحجامها حتى نوع الهليكوبتر، والذباب والفئران وبنات وردان أو "القَرْلَلّو" مثلما يطلق عليه أهل القرية، وعشرات الحشرات الأخرى الجريئة التي اقتحمت البيوت، خاصة المطابخ والحدائق ومخازن التموين، مما أجبر الناس على البحث عن المبيدات المضادة في كل المحلات التجارية التابعة للقطاع العام والخاص، للتصدي للغزاة الذين لا يبدو أنهم تناقصوا رغم الكميات الهائلة من السائل ذي الرائحة الكريهة، فوقع الناس في "حيص بيص" يتأرجحون طول الوقت بالليل خاصة بين إغلاق النوافذ والأبواب وأحكام الشرفات بأنواع من الباش السميك وسد كل ثقوب التهوية التي تتسرب منها الحشرات وتحمل الرائحة الكريهة الممزوجة بارتفاع الحرارة وتلألإ الجسم بحبات العرق وبين فتحها على مصراعيها لاستقبال النسمات الباردة ومعها هجوم الناموس باللدغات والامتصاصات التي تبعد النوم نهائياً وتزرع الدماميل المهيجة، ومما زاد الأمر خطورة وتعقيداً اختفاء سائل المبيد فجأة من الأسواق فعرف أهل القرية وظيفة أخرى شاقة وهي البحث الدؤوب عن المبيدات في كل مكان سمعوا بوجودها فيها. اختفت أياماً، فارتفعت الشائعات المعقولة واللامعقولة، ثم بدأ يظهر في السوق وبأثمان تفوق السعر العادي من ثلاث إلى عشر مرات، عند بعض التجار المؤقتين الذي يعرضون السلعة المفقودة على أرصفة الطرقات مطمئنين غير خائفين من جهاز الرقابة الموسمي الذي لا يراه التجار إلا مرة واحدة في الحول، يمر مرور الكرام في جولة سياحية ينتفع أعضاؤه لنفسهم دون الإكتراث بالطوابير اللامتناهية على أبواب المحلات الحكومية ذات المساحة الكبرى، المشيدة في سرعة مذهلة على طرف المدن والقرى، حيث يبيت الزبائن الدائمون الليلة متحاشرين ينتظرون الافتتاح للركض تجاه بسط البضائع مع كل ما تتخلل المطاردة من مشادات كلامية وجسدية وتكسير زجاج الواجهات الخارجية للمحل.‏






عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 01:38 PM   #18
manal*****lolo
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية manal*****lolo

قوة السمعة: 10 manal*****lolo will become famous soon enough

افتراضي رد: بطاقة السحرية

إذن منح ذلك اليوم مجالات واسعة لقضاء الوقت والانشغال بتلك الحكايات القديمة التي حفظها الكل عن ظهر قلب إلى درجة القرف من سماعها مرة أخرى.‏

تحرك السرجان خلال تلك الأيام التي لم يخطر على باله بأنها الأيام الأخيرة في حياته ولو سمعها من أحد... وإن كانت الدرويشة لاّلة عويشة البوسعادية.. لا نطلق في ضحكة هستيرية مجلجلة بصداها الرجعي البعيد لساعات كاملة، إذ لم يتصور الموت وفي هذه الأيام بالذات وهو يلهث وراء كيفية يتحصل بواسطتها على بطاقة النضال أيام الثورة، متصلاً بكل معارفه المتفرعين إلى غاية العاصمة، بطاقة مزيّنة بالخط الثلاثي وعلى طرفها الأيمن صورته الشمسية انتقاها من بين مجموعة صور يظهر فيها شاباً أنيقاً ووسيماً، بدون شعرة شيب واحدة. يكون قد التقطها منذ سنوات واحتفظ بها لمثل هذه المناسبة العظيمة، فيغلف البطاقة في إطار زجاجي يصنع لها خصيصاً عند أحسن الحرفيين، وإذا اتقضى الأمر سيسافر إلى فرنسا ليبحث لها عن إطار ملائم في أروع وأفخم وأغلى المحلات . وسيدفع مقابلها رنكات أو دولارات خضراء مخرخشة . ثم يعلقها على جدار داخل مكتبة الخاص وراء ظهره كي يراها كل زواره، لم يكن يخطر على باله أبداً أنه سيفارق الدنيا دون أن تمنح له هذه البطاقة التي تبدو في نظره سحرية، بل لم يكن يشوبه شك في أن خصمه اللدود لا يمتنع طويلاً عن الامضاء بل سيرضخ بعد مدة قصيرة وسيوقع مثل العبد المطيع.‏

رغم الحرارة المخيّمة المرهقة وأزيز الحشرات المعلن في وضح النهار،لم يكف السرجان عن الجري والبحث عن وسائل يضغط بها على خصمه . ذكَّرته هذه المحنة بصديق قديم ، تعامل معه في السنوات الصعبة التي تلت مباشرة الاستقلال ، انتقل منذ سنوات إلى العاصمة واستقر بها في منصب مهم . وفيما ركن إلى لمقعد الخلفي الوثير لسيارته المتجهة إلى العاصمة مستمعاً إلى حكايات السائق العادية وثرثرته اللجوجة، عادت إلى ذهنه الزيارة المفاجئة التي باغته بها في احدى الأماسي في السنة الأولى للاستقلال وذلك قبل أن يسدل الظلام ستاره المعتم، أدخله إلى غرفة الضيوف وهو يرتبك ويبحث في خياله عن سبب الزيارة الليلية غير المنتظرة طرح تساؤلات مريبة ألا تكون، الزيارة لها علاقة بخياناته أيام الحرب القريبة؟ حافظ على سريتها ولكن من أدراه بأن شخصاً ما يكون قد تتبعه إلى غاية دار مسيو غوميز، واسمتمع إلى الحديث الدائر بينهما؟؟






عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 01:38 PM   #19
manal*****lolo
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية manal*****lolo

قوة السمعة: 10 manal*****lolo will become famous soon enough

افتراضي رد: بطاقة السحرية

تفحص الرجل جيداً لعله يكتشف سلاحاً مخفياً على حزامه أو داخل جيوبه، فلم يلاحظ شيئاً يزعجه، استرق النظر خلسة إلى تقاسيم وجه الزائر الذي غلس نحوه دون موعد، فلم تقابله نظرات الحقد والانتقام وبروز الأعصاب الغليظة على الخدين والصدغين، كان يبدو على الرجل الهدوء والانشراح وقليلاً جداً من الارتباك في تحركاته. يعرفه السرجان كأحد المسؤولين الرئيسيين على توزيع الفرينة والزيت والسكر على فقراء القرية، اسمه "بومالح عبد المالك" ويعرف السرجان أيضاً قصة التحاقه بالثورة. تخانق مع الشامبيط حول إشعال النار في الغابة لتحضير الفحم وبيعه. ضبطه وهو يحفر الأرض لوضع الحطب قبل وقوده، فأراد ربطه وجره إلى السجن، دافع الرجل عن نفسه. كان قوياً فتغلب على الشامبيط. صرعه بضربة حديدية على صدغه وانتزع منه البندقية وهرب إلى الجبال.‏

يتذكر السرجان كيف استقبله بحفاوة مبالغ فيها، مرحباً مهللاً، قائلاً بأن المنطقة كلها زغردت لموقفه الرجولي، فقد أحسن الاختيار، الحرية أحسن من السجن مهما كان ثمنها.‏

فاسترسل في ذكر خصال المجاهد ووصف فرحة الاستقلال، فأفاض في التفاصيل، لم يسمح للرجل بتلفظ كلمة واحدة حتى حضر الشاي وأضاف بأن العشاء جاهز وأقسم أن يشاركه الأكل.‏

كل هذا وهو يترقب بتلهف أن يفصح الرجل عن سبب الزيارة، وحينما أدلي الزائر بدوله لم يصدق السرجان أذنيه، طلب منه إعادة شرح طلبه لأنه بدأ يشيخ وثقل سمعه وضعف بصره. حضر المجاهد بومالح عبد المالك ليبيع له بعض الأكياس من المواد الغذائية، منحته الجبهة كمية تفوق حاجياته العائلية، فأراد بيعها لأنه لا يملك مكاناً لتخزينها.‏

فلم يجد إلا السرجان يتوجه إليه على أن يبقى الأمر سراً بينهما، لأن ألسنة الناس طويلة زيادة عن اللزوم وهم كثيراً ما يسيؤون الفهم ويتسرعون في اطلاق الأحكام الجزافية دونما التأكد من صحتها، في الوهلة الأولى، صدّق السرجان نوايا المجاهد، فقبل شراء الكمية التي كان يتصور أنها لا تزيد عن قنطارين أو ثلاثة، ولكنه حينما فتح الغشاية الكتيمة الخلفية للشاحنة الصغيرة ووجدها معبأة بالتمام والكمال بالأكياس والبراميل، ابتسم ابتسامة ماكرة مدركاً أن الكمية مسروقة لا محالة، وأن قصة المجاهد للتمويه فقط، وعلى من؟.‏

عليه هو السرجان الذي يلتقطها في الفضاء قبل أن تمس الأرض... احتار قليلاً من السلوك النادر بين صفوف المجاهدين، خاصة في السنوات الأولى للاستقلال، ثم فكر ملياً، وسرّ بداخله، هي فرصة للريح لا تعوّض، أن سعر الحمولة لا يناقش إلا بعد إدخال الشاحنة داخل المستودع الواقع خلف منزله وتفريغها، في ذلك الوقت، يصعب على المجاهد وصديقه السائق التراجع عن البيع إن كان الثمن المقترح منخفضاً، خلال فترة التفريغ، ما فتىء السرجان يشكو من صعوبة البيع والشراء، الناس فقراء لا يملكون المال فيُجْبَر على البيع ديناً، وذلك يسبب له مشاكل كثيرة في العثور على المال الذي يسمح له بالتموين، ثم أن الفرينة هذه الأيام لا تباع لأن كل عائلة تأخذ نصيبها من الجبهة، لذلك يصعب سيلان كل هذه الكمية في السوق، بعد الانتهاء من التفريغ أحضر السرجان فناجين القهوة، ثم حدد السعر بنفسه، سعراً منخفضاً عن الأسعار الرسمية المعمول بها، ولم يجد المجاهد نفساً للإحجاج، مهما كان الثمن، إنه رابح فهو لم يدفع شيئاً مقابل السلعة المعروضة،في الغد سافر السرجان إلى المدينة واتصل بصديق يملك مخبزة فباع له الكمية مع فائدة تفوق خمسين بالمائة ثمن الشراء، ثم اتفقا على موعد الشحن الذي ينبغي أن يتم في أقرب وقت ممكن. هكذا دخل السرجان باب التجارة الرابحة. لم يكتف المجاهد بالشحن الأول بل كرّر العملية مرات عديدة، مع الحرص على دفع ثمن البيع في كل صفقة، غير مبال بشكاوي السرجان، وحججه لإقناعه بأن حالة السوق متدهورة وأن خطورة اكتشاف الكميات المسروقة في بيته، سيدخله السجن بدون محاكمة، كان بومالح عبد المالك خروفاً فأصبح ذئباً.‏






عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 01:38 PM   #20
manal*****lolo
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية manal*****lolo

قوة السمعة: 10 manal*****lolo will become famous soon enough

افتراضي رد: بطاقة السحرية

تطورت الأمور في صالح الرجلين عين المجاهد مسؤولاً عن قسمة الحزب بقرية عين الفكرون، مما ضاعف نفوذهما وتقاربهما والإكثار من الصفقات التجارية بينهما.‏

انطلقت الذاكرة متموجة، تزيل الغبار وتبعد النسيان عن احداث كاد السرجان أن يردمها تحت أطنان من الغرانيت ويلفظها في أعمق حفرة بحرية وإن وجدت في أقصى شرق الكرة الأرضية قرب جزر الفلبين، لأنها تبعث في صدره ضيقاً خانقاً وتحجب بصره بغشاء سميك، فيفضل نسيانها، ولكنها لا تأبىالابتعاد بل تحاصره حتى في داخل سيارته من نوع 505 آخر موديل مكيفة ومجهزة بكل الوسائل المساعدة لتحمل السفر الطويل، انساق خلف الذكريات التي بنت مجده، فساقته تماماً مثل آلة السفر إلى عمق التاريخ عبر رحلة مرة، أيام كان يترقب يوم الإعلان عن وقف إطلاق النار، في حالة نفسية تشوبها عواطف متناقضة تتراوح بين الخوف من المجاهدين الذين سينحدرون أفواجاً أفواجاً، معبأة بالسلاح، حاقدين على الخونة والحركية، وبين سرور داخلي يغمره لأنه سيغدو الرجل الوحيد الغني في قرية عين الفكرون بعد أن أشتري ممتلكات كثيرة من عند مسيو غوميز وأصدقائه قبل سفرهم العاجل، قضى ليالي عديدة ممدداً على فراشه يخطط ويحلم بمشاريع لا نهاية لها، دون أن يغادره الخوف المبطن من اكتشاف بعض خياناته، رغم الحذر والحيطة والسرية التامة التي حاول جاهداً أن يخفى بها هذه "البيعات" الرخيصة.‏

لقد ساعد الجبهة بقليل من المال وبعض الأكياس من القمح والشعير، ولكن الإشكال المطروح هو أن المسّبل الذي تعامل معه باعه هو نفسه إلى الجيش الفرنسي، فعذب لاستنطاقه إلى أن لفظ أنفاسه فوق البلاط البارد، ومع استشهاد هذا البطل المناضل، اختفى الشاهد الوحيد الذي كان بإمكانه الإدلاء بشهادة تنقذه من الذبح.‏

إذن منح ذلك اليوم مجالات واسعة لقضاء الوقت والانشغال بتلك الحكايات القديمة التي حفظها الكل عن ظهر قلب إلى درجة القرف من سماعها مرة أخرى.‏






عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
  اقتباس المشاركة
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:43 PM.