Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 639

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1041

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1046

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1518

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1523
العصفور والريح - الصفحة 15 - منتديات شباب فلسطين
نحن مع غزة


الإهداءات

العودة   منتديات شباب فلسطين > محطات عامـة > الــوآحــة الـعــآمّــة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-14-2009, 12:41 PM   #141
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

أفرحني جوابه وعدت لسؤاله بقصد الاطمئنان:‏

-هل كلمت الخانم بشأن المدرسة؟‏

استغرب ورد:‏

-أخبرتها كما طلبت مني وقتها، ووافقت.. أعلمت عيسى بكل شيء.. لكن،.. لماذا تسألني..!‏

-جيد.. خفت أن يكون الأمر حصل دون علمها..‏

-أعوذ باللّه..‏

صمت لحظة وسأل بحيرة:‏

-من هو أزرق برلين يا كاكاحمه؟‏

وإذ لحظ دهشتي تابع موضحاً:‏

-حين نقلناك إلى البيت عقب سقوطك.. سمعتك تصرخ.. عليّ بأزرق برلين.. أزرق برلين..!‏

نغزني في القلب دون عمد. حاولت الابتعاد عن الموضوع.. فانحرفت بالحديث متعمداً:‏

-أرجوك يا مختار، لا تنسى مديد العون لأمي ولزوجتي. مساعدتهما بما تقدر عليه.‏

-أتزوجني خجة با كاكاحمه؟‏

باغتني بطلبه! دهشت. تلعثمت لهول المفاجأة.. فاستطرد بأدب ورزانة:‏

-اطلبها منك بالحلال با بني.. فكر بالموضوع وأخبرني..‏

-لا..لا..‏

صحت بعصبية ودونما شعور.‏

تركته يقف مشدوهاً وعيناه ذاهلتان لجرأتي، وابتعدت عجبت لتهوري، وتساءلت كيف خرجت الكلمات من فمي، دون إرادتي!‏

اتجهت إلى محل عمي حسن، فوجدته يدردش مع سعدو الذي أفزعه حضوري.‏

رحب بي عمي وبادرني إثر جلوسي، فيما انسل سعدو خارجاً..‏

-كدت أرهن جلدي قبل أن تنقذني أنت، فالمحل كما ترى. والحياة غدت صعبة..‏

-اسمع يا عمي.. اترك شغلتك هذه.. فما عادت تشبعك خبزاً.. وعليك أن تمتهم مهنة أخرى تدر ربحاً وفيراً.‏

-مثلاً؛ هاجر تريد أن تمتهن تطرير الشراشف!‏

-جيد.. سنوفر لها المكنة.. وإذا ما نجحت يمكنك الاستفادة من بيت خالتي مريم المهجور.. فالمكان الواسع.. وسأكلم محمد ليشد أزرك..‏

-كثر الله خيرك.. كثر الله خيرك..‏

-وأنت ماذا ستعمل.. يا بن أخي؟‏

-إضافة إلى عمل الأرض، شاركت الحاج صالح، وأجرت بيتنا لحسان. لم أكمل، جاءني عرفان:‏

-تعال يا كاكاحمه.. هداية عندنا.. وأمي تريدك..‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:42 PM   #142
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

وأين أبوك؟‏

-في البيت، أرسلني إلى المقهى فلم أجدك.‏

-ماذا كان يفعل سعدو عندك؟‏

سألت عمي فجأة فرد باقتضاب:‏

-مسكين، أموره صعبة مع زهرة.‏

سكت ولم أكن بحاجة لمزيد وعدت بزيارته ليلاً والاتفاق معه، وودعته.‏

مضيت إلى دار عم مصطفى، يلاحقني عرفان ككلب صغير..‏

وجدت هدهد تتمدد قرب الخالة أمينة، المنهكمة في خياطة كيس صغير من الكتان.. بينما كان العم مصطفى يحلق ذقنه باهتمام، كأنه يستعد لمقابلة شخص هام:‏

-ما هذا يا أمي؟‏

سألها عرفان فردت بينما تهت في دوامة سهو:‏

-سيضع فيه أبوك نقوده..‏

لم أفهم.. ولم أشأ سؤالها عما تعنيه.. فأردفتْ تشرح لي:‏

-سينزل عمك غداً إلى المدينة، ليشتري لنا ثلاث بقرات. ولأن المدينة تغص بالسراق، فالاحتياط واجب..‏

-جيد.‏

قلت وأنا ساهٍ، فاستدركت:‏

-إنها فكرتي.. سيشده على بطنه بالحزام..‏

-حسناً تفعلين يا خالة أمينة.. حسناً تفعلين.‏

وأنت يا عمي، ضع في بالك أن البقرات تحتاج لعناية مركزة وجهد كبير.‏

-لهذا فكرنا بهداية.‏

أفصحت الأم عن نيتها، وغمرت وجهها تعابير رجاء.. تنبهت إلى المعنى فامتعضت. لم أشأ التسرع، أحببت التأكد.‏

-هدهد!!‏

سألتها فأردفت بابتسامة حزينة:‏

-أردنا أن نسألك معروفاً.‏

أحسست أن يأساً خفيفاً يهز كياني وانتظرت بقية حديثها لمعرفة ما تريده بالضبط:‏

-اسمح لها بأن تعيننا..‏



لم أدعها تكمل. وكأن مساً من الجنون أصابني، قلت بصوت يكاد يكون صراخاً:‏

-مستحيل.. لن أسمح لها بالتأكيد.. زوجتي حامل..‏

ألا تعرفان ذلك..؟‏

-إنها ابنتنا.. ومن حقنا عليها..‏

تدخل مصطفى ونهرته والعجب يلفني:‏

-يا حيف عليك.. وألف حيف..‏

-كلام غضبك!! هداية ليست فتاة عادية..‏

إنها خير من تجيد الحلب.. ولا ضرر عليها أبداً، أو خوف.‏

-لا.. يا عمي.. لا.. أمامها عملية قريبة.. ألم تخبركم بها؟‏

استخف على غير العادة. هز يديه وقال:‏

-علام.. مجرد كلام.. نحن بحاجتها..‏

لم أصدق.. لم أكن أنتظر من عم مصطفى ما سمعت، أفهمته بحدة وعيناي تراقبان أمينة وهي تلقي الكيس جانباً، بانفعال:‏

-انزعا هذه الفكرة من رأسيكما.. ابحثا عن شخص آخر..‏

عرفان خير من يقوم بالمهمة..‏

شهقت هدهد، وضعت كفها على فمها، مخافة أن أسمع تنهدها، وقامت أمها بحركة تنم عن الضجر. وشرعت ترفوا جورباً:‏

في حين قال مصطفى بخيبة أمل:‏

-يا كاكاحمه..‏

لم أستطع السيطرة على القلق، الذي يعتريني، فقاطعته متنرفزاً فاقداً صبري:‏

-كفى.. لا تستغلا طيبتي..‏

خفت أن يعتريني الغضب فأتهور، لذا فضلت مغادرة البيت دون كلام..‏

لحقت بي هدهد.. نادت عليّ فرجعت لأقودها.‏

-أتحبني إلى هذه الدرجة يا بن عمي؟‏

بدت فرحتها عارمة. تمعنت في وجهها. تغيرت ملامحها.. سمنت وتوردت لكن عينيها بقيتا مطفأتين!‏

صممت على الاتفاق مع عيسى.. ليتم بإجراء العملية بأسرع وقت.. قبل أن يأخذ اللّه أمانته!‏

-هل فعلت ما أمرتك به؟‏

-بالحرف.. أعطيت المبلغ لأبي.. قلت له: إنها الأموال التي جمعتها.. هدايا العرس.. وكاكاحمه منحني حرية التصرف بها..‏

-بارك الله بك..‏

قلت لها وحدثت نفسي..‏

"مجرد مبلغ بسيط أبدل مزاج مصطفى وزوجته!"‏

-إلى أين نحن ذاهبان؟ إلى أين تأخذني؟ ليس هذا طريق البيت!‏

تنبهت. أدركت فطنتها فاعتذرت لها. وعدت إلى الطريق الصحيح:‏

-اشتقت إلى عمتي.. تركتها قبل الظهر..!‏

-يا هدهد، غدوت سلوة أمي فلا تدعيها تلهو مع الدجاج.. بعد الآن.


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:42 PM   #143
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

26 -‏

((بعد ظهيرة اليوم الثاني والعشرين، من عودتي إلى المعسكر نوديت للخروج إلى البوابة!‏

كنت مستغرقاً في تأمل السماء، خارج المهجع. تعباً، مشدود الأعصاب، منهك العضلات، إثر حصة التدريب اليومية، القاسية، التي استحدثها لي العريف إسماعيل، بشكل خاص، ابتداءً منذ اليوم الأول! "تعويضاً على الأيام السابقة. وأمراً لابدمنه لاستعادة قواك ونشاطك بعد فترة الخمول التي عشتها في النعيم، أيها الجندي المكلف"‏

هكذا تذرع لكنه لم ينجح في إخفاء نيته العدوانية. ولا روح الانتقام التي تجلت في عينيه لحظة إخباره بنسياني إياه عند تركي بيت العميد.. لقد جمعت له المجلات الفنية والصفحات الملونة، وعشرات الصور، لكني نسيتها.. لم أجلبها بسبب سرعة الأحداث، والمصيبة التي وقعت.. ثار غضبه، وأعتقد بأني أسخر منه.. ثم هدأ حالماً استمع لقصة الطابع التي حدثته بها..‏

انتزعني النداء من تأملاتي، فذهلت وزاد أحد الجنود من ذهولي حين جاءني راكضاً وخيوط العرق تسيل على عنقه.. وقف أمامي متحضراً وهمس ساخراً:‏

-أمك يا كاكاحمه، جاءت عليك بسيارتها!‏

عقدت الدهشة لساني، وانتابني الهلع. أرعبتني نظرات الجنود، وبخاصة من حمل الخبر. وأرعبتني أكثر، سخرية مجيد الذي أنهضتي وقادني إلى الداخل، لاستبدل ملابسي وأستعد.‏

راح يثرثر، يحاول اكتشاف السر، الذي كتمته في صدري، ولم أبح به لأحد.. حتى له.. لكزني بمرفقي وسأل:‏

-قل لي: من هي هذه.؟ أهي سناء أم إلهام، أم واحدة أخرى؟‏

لم أجب فعاد يقول بلهجة ماكرة:‏

-أنت لم تحدثني عنها يا كاكاحمه؟ وأتمنى أن تكون حذراً فعندما ينقاد المرء لهذه الأمور فإنه ينتهي إلى الفضيحة والعار.. ويكون طمعاً للأنياب الحاقدة..‏

-ماذا تقصد يا مجيد؟‏

-أقصد كن حذراً تسلم..‏

سرنا بعض الطريق صامتين.‏

لم أشعر بسعادة حين خطرت إلهام على بالي! فمن يأتيني غيرها.. كنت أتوقع انتهاء العلاقة بيننا.. وتمنيت خلال الأسبوع الأخير.. ومن كل قلبي-إلا أراها ثانية، لشعور خفي ظل يراودني!‏

رانت على صدري كآبة غريبة! وسيطرت على نفسي هواجس عدة، مثلما أوغلت في عيني أحزان عميقة. كاد يطفىء شعاعهما الكليل بوطأتها الفادحة..‏

وتابع مجيد ثرثرته بقية الطريق:‏

-سألتها ماذا تريدين؟ قالت: الأخ كاكاحمه!‏

وكان يستمر بسخريته حتى لاحت لعينيّ سيارة الأوبل الخضراء.. فانتابني الهلع من جديد. عرفتها دونما عناء رغم إنها كانت تغطي رأسها، وتخفي وجهها.‏

-عد يا مجيد، ارجع إلى المهجع.‏

أمرته فصدح صوتي في الفضاء، دوى في أذنيه فاستفسر:‏

-ألا تدعني أتعرف..‏

-قلت لك.. ارجع، فارجع..‏

رحت أحث الخطى كأنني ماض في مهمة مستعجلة، مما أدهشه فردد في محبة:‏

-حاضر يا كاكاحمة.. حاضر.. لكني سأنتظرك بنفاد صبر.. انتظر أخبارك يا دون جوان الغزلاني.. إذا تأخرت يمكنك المبيت عندها.. لا تشغل بالك.. سأغطي على غيابك، فكن مطمئناً.. ولا تقلق من هذه الناحية..حظاً سعيداً ونكاحاً مباركاً.. سأتحمل خبث عريقي إكراماً لك..‏

-لا تخبره بشيء..‏

-أخبره! أتظن الخبر لم يصله بعد.. ونصف الجنود جواسيس لديه..؟ منذ عودتك وهو يطحن نفسه ويشحن عقله، ليجود عليه بطريقة انتقامية مبتكرة، والآن سيتفاقم طحنه علينا معاً.‏

-لماذا؟‏

-أخطأت قبل شهر حين أخبرته بأن "صوفيا لورين" أجمل من "مارلين مونرو" استاء مني وغضب.. وبت أخافه وأتوقع انتقامه مني.. ومنك أيضاً.. لاحظت تغير طباعه معك منذ أخبرته بقصة الطابع ولم تأت بالمجلة التي نشرتها.. اللّه السائر من حقده..‏

قال متنبئاً وانصرف بسرعة. توارى عن الأنظار. حدست وأنا أقترب من السيارة، أن هناك أكثر من ألفي عين تترصدني! فلم أبال..‏

فتحت لي الباب الأمامي فصعدّت، كانت تخفي عينيها بنظارة غامقة، وتغطي شعرها وجزءاً من استدارة وجهها، بربطة حريرية مزركشة، جميلة. وترتدي قميصاً أبيض مخططاً بمربعات حمراء، وتنورة سوداء، ترتفع قليلاً لتكشف عن ساقيها.‏

سلمت فردت بتهكم.‏

تطلعت إليّ لثوان وقالت بعتاب، والسيارة تنطلق:‏

-ما حسبتك قاسياً إلى هذه الدرجة؟!‏

قبل أن أتساءل عما جرى، كشفت عن رأسها نزعت الربطة، ألقتها وراء ظهرها.. ورفعت النظارة.. وضعتها أمامها، فبانت "إلهام الحبيبة" بوسامتها السمراء المحببة، وبعينها العاتبتين:‏

-عشرون يوماً مضت! عشرون يا كاكاحمه، ولم تمر عليّ! لم تسأل عني!‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:42 PM   #144
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

أبدت استغرابها وهي تفرك رموشها بظاهر أصابع يدها اليمنى. فلمحت أظافرها الطويلة تلمع من شدة الطلاء الأحمر، الفاقع.‏

عضت شفتيها، ابتسمت ابتسامة غامضة وهي تسأل:‏

-الخوف!! ممن؟‏

-خفت أن يراني العميد أو يسمع بي..‏

-يراك! أو يسمع بك! وما دخل هذا الحيوان بنا؟‏

سكتت لحظة، حركت يدها بتلوع وراحت تتأمل أظافرها. فخفق قلبي خوفاً، كدت أصرخ بها "انتبهي إلى الطريق" فسبقتني.. أعلنت بفرح:‏

-انفصلنا منذ أسبوع.. أرسل لي ورقة الطلاق.‏

-إذن أصبحت حرة.. ألف مبروك..‏

-لذا سأقودك.. سآخذك إلى بيتي..‏

-لماذا؟‏

-لأنك حبيبي.. وخلال مدة افتراقنا.. لم تعرف جفوني النوم.. وأنت ألم تفكر بي؟‏

أضحكني سؤالها. صارحتها:‏

-لم أنم لحظة واحدة. كنت خائفاً عليك، ومتألماً لما أصابك.‏

-أتحبني يا كاكاحمه إلى هذا الحد؟‏

-وأكثر..‏

هزت رأسها بحركة دلال وتأوهت:‏

-يا حبيبي!!‏

لم أنتبه إلى معالم الدرب بشكل واضح! ولا أدري إلى أين قادتني.. أخذتني! ولا أعرف أي طريق سلكت! ومن أي شارع مرت! انتهبت إلى وقوف السيارة أمام قصر بطابقين..‏

وفي حدود الرابعة كنا في غرفتها المعطرة.‏

جلست على حافة السرير، وراحت هي تغير ملابسها.. أثار العطر الفواح جواً من النشاط في جسدي. وزاد نشاطي حين قبلتني من جبيني، وأنفي.. وهمست في أذني بغنج:‏

-شوه النذل حياتي وامتص نضارتي.. ولولاك لهلكت.‏

أحسست بحرارة جسدها وسمعت دقات قلبها، حين ارتمت جنبي وأنا لم أزل بملابسي! بقيت بلا حراك ونحن على عرض السرير.‏

لم أنس أن لها جسداً يمور عافية ورغبة. لذا لم أدهش لنيرانها المتأججة.‏

وبعد ساعتين.. أحسست للمرة الأولى منذ تعارفنا، براحة أداء الواجب لامرأة مستضعفة!‏

وإذ لاح المغرب نهضنا لنأكل. مما أعدته بنفسها مسبقاً. سندويشات باللحم المفروم والبيض.‏

ونحن على المائدة رنّ جرس الهاتف.. لم تشأ رفع السماعة.. لكني أجبرتها على الرد.‏

بان لي وهي تجلس قرب منضدة الهاتف، دقة ملامحها وجمال وجهها.. ومكنني من رؤية حاجبيها الخيطيين، وابطيها الحليقين..‏

كان أخوها على الطرف الثاني، يسأل عن سيارته. فسألته بدورها عن طفليها. فأخبرها بأنهما يتفرجان علىالتلفزيون.. وأنهما لم يسألا عنها!‏

-كنت أشغل نفسي-أثناء غيابك عني-أقضي ساعات فراغي برؤية أفلام الفيديو.. وأنت؟‏

-كل وقتي قضيته مع مجيد، إنني أعتبره معلمي وأخي.‏

أكلنا وشبعنا وتحدثنا، ثم عدنا إلى الفراش.‏

كنت أشبه بالحصان الجامح ومع ذلك شعرت بالانهاك! أحسست وأصابعي تتحرك على ظهرها الأملس، الناعم، بالتعب والارهاق.. وخيل إلي أنني أشبه بحصان هرم، ركض مسافة شاسعة، دون توقف!‏

جففت عرقي وسترت جسدي وتمددت لأسترد عافيتي، واسترجع أنفاسي.. فسخرت مني!‏

رأيتها تسحب من الدرج القريب علبة سجائر، تستل منها واحدة، تدعكها بين راحتيها قبل أن تشعلها.‏

وراحت تتأمل لهب عود الثقاب.. ثم أمالت رأسها إلى الخلف، واستمرت بتأمل حلقات الدخان وهي تتصاعد برتابة وخفة..‏

راقبتها بتأن فأيقنت مدى معاناتها.. وارتأيت تركها تنفث همومها وترتاح.‏

نزلت من السرير فأخذت تضحك، تمازحني.. تسخر مني وعليّ..‏

رحت أتفرج على غرفتها الواسعة، التي احتوت إضافة إلى السرير العريض، خزانة بأربعة أبواب، وميز تواليت رص سطحه بأنواع كثيرة ومختلفة من قناني العطور، وعلب الماكياج والزينة، بأحجام متنوعة.. ومشجب ملابس مع دولابين صغيرين.‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:43 PM   #145
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

للمرة الثانية يثيرني العطر الفواح ويشدني، لكني أتجاهله وأمضي في جولتي.‏

تأملت فناء البيت من خلال خصاص النافذة المفتوحة قليلاً. فلم أر سوى أحجار وأخشاب مكدسة!‏

تجولت في الأرجاء، كان بيتاً جميلاً بست غرف وصالة رئيسية، احتوت على منضدة كبيرة وكراسي عديدة. وغطيت النوافذ بستائر ملونة، تدلت إلى الأرض، التي فُرش جزء منها بسجادة قديمة وبوفيه خشبية، ضمت رفوفها الأربعة أنواعاً من الزجاجيات والفرفوري، والخزف الصيني الجميل، وأصنافاً من الصحون والكؤوس والطاسات والأكواب، وتماثيل ملونة من الجبس.‏

عدت إلى الغرفة.. فوجدت إلهام تجلس محلولة الشعر، مكشوفة الصدر. تستند بمرفقيها إلى وسادة. وتركز بصرها على السقف.. ثم أخذت تراقبني بنظرة وديعة، وأنا أدخل متثائباً، أحمل همومي.‏

جلسنا نتحدث، ونسينا حساب الزمن! سرقنا الوقت بغباء! لم ننتبه إلا والساعة تعلن الثامنة! حل المساء دون مقدمات مما أرعبني. إذ لا يسمح لنا بدخول المعسكر بعد هذه الساعة، وإلا تعرضنا لسجن أسبوع!‏

أبديت خوفي لإلهام فضحكت وهي ممدة على سريرها.. وأكدت:‏

-مشكلة بسيطة.. لا تهتم.‏

وعندئذ تذكرت صديقي مجيد، وتعهده بالتستر على غيابي وداخلني الفرح. وزاد فرحي ثقة إلهام بنفسها.‏

انتهت إلى تبسيط الحل وهي تقرص أنفي:‏

-لا تخشى.. سأوصلك إلى بوابة المعسكر قبل السادسة صباحاً.. وضعت تأخرك في الاعتبار.. فلا تشغل بالك. هيّا.. أطفىء النور..‏

استمر الحال عشرة أيام بالتمام.‏

كانت تنتظرني عند البوابة في الثالثة ظهراً، وتعيدني صباحاً، فأتسلل بخفة وحذر إلى المهجع، قبل نصف ساعة تقريباً من أمر النهوض الصباحي. وبمساعدة مجيد، الذي بات مطلعاً بالكامل على مغامراتي. إذ شرحت له كل شيء بعد اليوم الأول.. ولحظتها انطلق في ضحكة مجلجلة وقال:‏

-أصبحت مهماً يا كاكاحمه، لذا وجبت مساعدتك وما دمت تقاتل الشيطان وتنتقم منه فأساندك وأحميك وأدافع عنك بأظافري وأسناني.. هذا اللئيم ورّط أبانا آدم فأخرجنا من الجنة.. وجعلنا نقابل عريفي "أبو الحق" خذ ثأرك ولا تبال..‏

-ما أخبار عريفك مونرو؟‏

-كلب ابن مليون كلب. بت أتحاشاه أتجنب شره.. فمثله لا أمان له.. أريد أن تنقضي الشهور الثلاثة المتبقية من خدمتي بخير ودون مشاكل.. ما عدت أطيق البقاء هنا.. ما عدت!‏

ظلت كلمات مجيد تدوي في أذنيّ.. حتى حل محلها سؤال إلهام. ونحن داخل السيارة في طريقنا إلى البيت.‏

-أتتزوجني يا كاكاحمه؟‏

بوغتّ بابتهجت:‏

-يا ريت.. لكن، ألسنا زوجين يا إلهام؟! ماذا ينقصنا؟‏

تفحصتني باهتمام جاد وردت حال توقفها المفاجىء:‏

-لا.. الفرق واضح وكبير.‏

ثم تلوت متأوهة، اعترفت وهي تغطي عينيها بيديها خجلاً:‏

-نحن زناه.. الرعب يتملكنا..‏

-صحيح.. كأننا نرتكب جريمة..‏

رفعت يديها وسخرت:‏

-كأننا!! أنت مضحك يا كاكاحمه.. وأنا أحبك من كل قلبي.. أريد أن أعيش معك طوال عمري في الحلال..‏

-أنا طوع أمرك يا إلهام..‏

-إنها فرصتنا.. وأخشى أن تضيع من بين أيدينا.. بالأمس جاءني خالي خاطباً.. يريد تزويجي لابنه الخبيث، المهندس رشدي.. قدم لي عرضاً لا مثيل له..‏

-يجب أن تعلمي بأني لا أملك شيئاً أقدمه لك..‏

سكتت تستوعب قولي. وقالت كمن عانت من أزمة عابرة:‏

-ماذا كنت تعمل قبل الخدمة الالزامية؟‏

خمنت ما دار في رأسها فدمدمت:‏

-فلاحاً مرة، وعاطلاً مرات.‏

-ألا تملك أرضاً، بيتاً؟‏

هززت رأسي نافياً. ثم أضفت:‏

-كانت.. غدر بنا الأغا وزوج خالتي.. والآن لا أملك شيئاً.. راتبي القليل أقدمه لأمي الأرملة..‏

استمعت إلهام إلى حديثي وهي حائرة. وتساءلت بعد لحظات من التفكير:‏

-ألاتجيد عملاً ما؟ مهنة تعتاش عليها؟‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:43 PM   #146
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

كان لصوتها نبرة حيرى ورجاء وانتظرت عيناها مني جواباً مفرحاً: لكني خيبت ظنها بجوابي المقتضب:‏

-لا..‏

ضغطت على دواسة البنزين. فاندفعت السيارة بسرعة:‏

-إنها مشكلة بالنسبة إليك.. أليس كذلك؟‏

-قلت لي: إنك تجيد تربية الكواسر..‏

استفسرت على حين غرة.. أحسست بالانتعاش.‏

فقلت:‏

-كانت هواية قديمة.. كقدم بطولاتي الرياضية..‏

-يمكن أن نستفيد من ذلك.. نفتح محلاً لبيع الطيور.. المحنطة..‏

تحمست لاقتراحها، فاقترحت بدوري..‏

-أو محلاً للزهور.‏

-أو محلاً واحداً لهما معاً.. كم بقي لك في الخدمة؟‏

-شهران.. ألديك حلاً لي.. مستعد أنا لأي عمل..‏

-لا تهتم. سندبر الأمر.. صحيح أنه ليس يسيراً لكن الموصل الحدباء لن تبخل علينا بحل..‏

فرحت جداَ وشعرت أن دماً حاراً، بدأ يجري في شراييني..‏

في تلك الليلة سهرنا حتى ساعة متأخرة-كنت مرهقاً إلى الحد الذي فكرت بأنه سيجعلني أنهار على السرير وأغفو في الحال، لكن رشدي استطاع رغم بعده أن يقض مضجعي.. خفت أن يؤثر بماله ومهنته على إلهام.. ثم غلبني النعاس مما تسبب في تأخري عن الوصول إلى المعسكر لأكثر من ساعتين.. ولأني لم أجد متسعاً من الوقت لأحلق ذقني، اعتبرت ذلك علامة شؤم.. وعندما نزلت من السيارة تولد لديّ انطباع بأن أمري افتضح. وبأن المشاكل بدأت..!‏

وحدست، وأنا أقترب من بوابة المعكسر، وبشكل مضطرب إن ثمة شيئاً كبيراً وخطيراً، سيحدث لي..!‏

لم أواجه صعوبة في الدخول من البوابة الرئيسية، ولا إلى المهجع. الصعوبة كمنت في كيفية التخلص من الورطة!‏

وجدت أخباراً سيئة بانتظاري. لم يتح لي الوقت الكافي لسماعها كاملة من أفواه الجنود.. أدركتها من نظراتهم.. وقرأتها في عيونهم.. إذ استدعيت إلى غرفة الضابط المناوب بعد دقائق من وصولي قادني "أبو الحق" شامتاً فرحاً.‏

-أين كنت؟‏

-شيء لا يهمك..‏

-ستقر بالحسنى وإلاّ سأجعلك تتكلم بطريقتي..‏

-إذا لمستني سأجعلك تندم طوال عمرك..‏

هددته فراح يرطن ويحاور نفسه بألفاظ مبهمة.. أدركت إنني واقع في ورطة كبيرة.. لم أعرف كيف أتخلص منها تمنيت أن يمر كل شيء بسلام، يسير دون عقبات.. وفكرت بمجيد.. علّه يجد لي الحل وينقذني..‏

-أين مجيد؟‏

-في جهنم الحمراء..‏

-لِمَ يا عريفي! مجيد يحبك..‏

-أحبته حيّة أم رأسين..‏

هتف ساخطاً وهو يدفعني دفعاً. أدركت فشلي في إيجاد الحل.. ورحت أتطلع إلى شاربي العريف وهو يسير بمحاذاتي.. كان وقع جزمته العسكرية المخصصة للتدريب، يسمع بوضوح. وصرير أسنانه بنبىء بجوعه.. توقعت الشر.. فخفت حقاً..‏

وعلى غير توقع، توقف.. ومد يده على صدري فأوقفني واستفهم بلطف لا يتناسب مع هيئته الغاضبة:‏

-أين قرأت؟ في أية مجلة، إن صورة الراحلة مارلين مونروا حملها أول طابع أمريكي، لوجه شخصية غير سياسية..!‏

-لا أدري..‏

أجبته باقتضاب فأغتاظ.. وكأنه أدرك إن لا طائل من محاولته، زمجر بوجهي كذئب جريح:‏

-أنت كلب مثل صاحبك.. لن تختلف عنه بشيء.. وحق السماوات..‏

ودفعني بقوة إلى الأمام..‏

وعندما وصلنا غرفة الضابط، وضع العريف يده على ظهري وفح:‏

-ادخل..‏

دخلت وأنا أرتعد فزعاً، خشية من الفضيحة.. وليس من العقاب..‏

حقق الضابط معي بشأن تغيبي الليلي، فأختلقت عذراً مقبولاً.. فأمر بسجني عشرة أيام مع حلق شعر رأسي "نمرة صفر".‏

في السجن كان مجيد الذي سبقني إلى الدخول ينتظرني بلهفة! وجدته يرقد منهكاً، بسرواله الخاكي وفانيلة قطنية لا لون لها، يضع منشفته على كتفه كأنه يتدثر بها. متكوماً في زاوية ضيقة على المصطبة الإسمنتية، بوجه أصفر شوهه الأرق وبذقن غير حليقة!‏

كانت الكآبة تبدو عليه بوضوح، جفونه متورمة وعيناه حمراوين لعدم النوم!‏

شممت رائحة النتانة والعفونة تنبعث من الزوايا! مع رائحة وخمة كثيفة، إضافة إلى الرطوبة الخانقة، فذعرت..!‏

فتح عينيه ليتأمل القادم. وحين تأكد، فتح ذراعيه بوهن واستقبلني بالأحضان وهو في مكانه:‏

-أهلاً بك أيها الحبيب.. أهلاً.. اعذرني لا أستطيع النهوض..‏

-ماذا بك؟‏

-جسمي متورم.. لا يتحرك بي أي عضو..‏

-ماذا حدث؟ ما الذي جاء بك إلى هنا..؟‏

أدركت ما ألم به إذا لم يكن قادراً على التركيز. ومع ذلك علق بمزاج رائق هو يفرك صلعتي ساخراً:‏

-بينما كنت أنت منهمكاً في تحسين النسل، كنت أتلقى خيزران اللئيم ابن اللئيم.. عريفي "أبو الحق".. لقد وشى بنا وعذبني بيديه!‏

سيطرت عليّ علائم الدهشة. فسألته:‏

-لماذا؟‏

-لماذا!! بسببك.. وشى بنا العريف النذل.. فقام الضابط بتفتيش ليلي مفاجىء.. داهموا المهجع بهجوم صاعق فكبسونا.. اكتشفوا غيابك.. برفع الوسائد التي كانت تنام محلك.. جروني من أذني جراً، لتستري على فضائحك أيها الكاكا الحموي..‏

قدرت الجهد الذي بذله في سبيل راحتي. فعبرت له عن عميق أسفي وندمي. فرفض بنكران ذات أن يحملني المسؤولية كاملة.‏

-القضية لا تتعلق بك بالذات.. استغل حادثتك للانتقام مني، لأني قلت له "صوفيا لورين" أجمل مع معبودتك.. أخطأت وما كان عليّ أن أفعل ذلك.. لأني أعرفه حق المعرفة.. ها هو ينتقم بتجويعي ولكني سأجتهد لأقهر الاحساس بالجوع.. وثق بالله بأني سأرد له الصاع صاعين.. حتى وأن تأخرت خدمتي سنة أخرى.. لن أسكت والله شاهد.. سأنتقم من هذا النكرة اسماعيل شر انتقام..‏

-ماذا ستفعل؟‏

-لن أتعب في التفكير.. لن أكرس وقتي في البحث عن طريقة.. ليس أمامي إلا حرق قلبه.. وسترى..‏

ظل يتحدث ويتحدث متدثراً بمنشفته.. وبعدها استكان في غيبوبة يرافقها أنين خافت..‏

عشرة أيام عشتها مع مجيد، كأحلى ما يمكن.. قصّ عليّ قصصاً لا تصدق! وحكى عدة حكايات، أحداث غريبة ومغامرات عجيبة لا مثيل لها! استمتعت بها وحلقت معها في الأعالي.. وانقضى الوقت سريعاً. فنسيتها بالمرة.. لكن مجيداً لم ينس شيئاً.. بقي الألم ينخر قلبه.. وظل جزعاً وهائج الأنفاس لم يهدأ لحظة.. وخفت عليه أكثر من خوفي على العريف مونرو..‏

-ولسوف ترى.. ما أفعله بأبي الحق..‏

قال لي ونحن نفترق، كل إلى مهجعه إذ فرقونا بعد إطلاق سراحنا.. وحرموا علينا الاجازات، ومنعونا من مغادرة المعسكر لمدة شهر..)).‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:43 PM   #147
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

27 -‏

((بعد الشهر، جاءني العريف إسماعيل، كنت متمدداً على فراشي في المهجع حين دخل بشكل مفاجىء في الساعة الثالثة ظهراً. ووقف قربي يزفر الغل..!‏

لم يكترث بدهشتي.. تكلم دون أن يبدل تعابير وجهه الظاهرة. طرح دون مقدمات همومه ليتخلص من "ثقل المهمة" الجاثمة على صدره.‏

-السيد العميد المتقاعد رأفت يطلبك. يريد رؤيتك غداً الجمعة في بيته..‏

-غداً..؟!‏

سألته باستغراب.. فأكد ذلك بحركة من رأسه وهو يتنفس بارتياح.‏

دهشت! اجتاحني طوفان من الهواجس والشكوك وسألته من جديد:‏

-ماذا يريد؟‏

هز منكبيه استهانة. أبدى علائم الضيق وقال باقتضاب وهو يكبح نبرة مندفعة في صوته:‏

-لا أعرف.‏

استدار ليخرج، إلا أنه تذكر شيئاً، فتباطأ، التفت ليذكرني وقد غيّر من نبرة صوته:‏

-سينتظرك في الخامسة مساءً.. لا تنس.. فالأمر هام..‏

لحظت ابتهاجه لهلعي! إذ بحثت عن مغزى عبارته الأخيرة وهو ينتصب أمامي، ثم وأنا أسمع وقع أقدامه مبتعداً لم أرتح لهذه الدعوة، احترت في أمرها. فكرت بجميع الاحتمالات. وعجزت عن تفسيرها.. وعندما أدركت بازدحام الأفكار التي لا يتسع لها عقلي، وخفت من عواقب ذلك.. لم أجد غير مجيد يساعدني.‏

أرسلت بطلبه لأخذ مشورته، والاستفادة من خبرته..‏

وتلك الليلة ركزت كل اهتمامي في الدعوة المفاجئة. دون أن أتمكن من السيطرة على شعور عابر بالانقباض. غلبني الارهاق وبقيت جالساً في عتمة المهجع، حتى ساعة متأخرة.‏

في العاشرة صباحاً قدم مجيد. حكيت له عن مخاوفي، فنصحني بعدم الذهاب:‏

-أنت ليست مجبراً على تلبية دعوة غريمك..‏

-كيف؟!‏

-ما هي صلتك به! ما عاد له الحق في استدعائك.. ثم هل أنت خائف..؟‏

-خائف..! ألم تقل إنه كافر القلب..‏

-وقاتل، يحمل الجحيم في دماغه..‏

-وماذا أفعل..؟‏

-سأتأكد من عريفك أولاً، عن سبب الدعوة.. هيّا بنا إليه..‏

-لن نجده الآن..نزل كالعادة إلى المدينة.. ليتسوح في السرجخانة والدواسة..‏

-صحيح.. اليوم جمعة..!‏

هتف باستسلام ثم أعلن بفرح:‏

-إنها فرصتي.. لم تتح لي غيرها منذ شهر..‏

-ماذا تقصد؟‏

لم ينتبه لسؤالي. ولم يأبه لتوسلاتي.. تركني ومضى حثيثاً إلى مجمع غرف العرفاء، وضبابط الصف. الواقع خلف ساحة التدريب.. بعيداً عن العيون.. فلحقت به مضطراً..‏

دار حول المكان، تفحص ما حواليه.. وحين اطمأن أخذ بيدي وقادني داخله بهدوء، لكي يبعد الشكوك عنا..‏

وبدل أن يدخلني من الباب، لنجتاز الممر ونقطع الرواق الطويل، حيث تقع في نهايته غرفة نوم العريف مونرو.. أجبرني مجيد على اعتلاء السور الحجري القصير ومن ثم عبور الحديقة..!‏

رحنا نقفز بخفة الأرانب ونهرول كالثعالب. فتحنا أقرب شباك، وتسللنا عبره كقردين!‏

وقفنا أمام باب الغرفة، وقبل ولوجها تلفت مجيد، ليتأكد من أن أحداً لم يره.. وحين داخله الأمان كسر القفل بمفك أخرجه من جيبه! ودخل على عجل، ودخلت بعده يلفني الذهول..‏

وتفاقم ذهولي.. فوجئت حقاً! وجدت نفسي داخل غرفة "بشركة سينمائية"! في متحف لصور "فقيدة الشاشة"! فلم أصدق.. ظننت وللحظات أني أحلم!‏

وقفت مستغرباً، مأخوذاً بما أرى.. فأمامي برزت "الفقيدة" بكل مراحل حياتها! بعشرت الصور الكبيرة الملونة، ومئات أخرى صغيرة، تغطي الجدران بشكل عجيب، غير متناسق..! بأوضاع مثيرة، مذهلة، ولقطات إثارة، جنونية، فاحشة!.‏

وقفت مستغرباً وراحت عيناي تتطلعان بذهول. في حين راح مجيد كالمجنون يمزق كل شيء. لم يتأخر لحظة منذ دخوله.. يصعد هنا ويقفز هناك ويتسلق، ينحني، ينتصب.. حتى لم تبق على كل الجدران الأربعة صورة واحدة صالحة!.‏

ولم يكتف، خلع باب الدولاب الخشبي، بعصبية. وأخرج رزمة من الصور الجنسية. وشرع يمزقها وينثر قصاصاتها على الأرض والسرير، وفوق الكرسي والمنضدة.‏

وحين انتهى تنفس الصعداء.. وخرج بسرعة كأن شيئاً لم يحدث!‏

-ماذا فعلت؟‏

زفر بغيظ وقال متحسراً:‏

-لم أشف غليلي بعد.. من ابن العاهر..‏

-أتظنه سيسكت؟-والله السائر!‏

قلت بخوف فرد بثقة وحماس:‏

-إلى الجحيم.. هو والذين خلفوه..‏

أخر كلمات سمعتها منه قبيل افترقنا.. عدت إلى المهجع.. حاولت أن أسيطر على أعصابي فلم أستطع! لم أعرف الهدوء لحظة! ولم أعرف إلى أين أذهب لأدفن نفسي وأبعد الشر والشكوك عني..‏

وبعد ساعتين اضطررت إلى مغادرة المعسكر، وتلبية طلب سيدي القديم..)).‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:44 PM   #148
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

28 -‏

((استقبلني العميد المتقاعد رأفت ببشاشة، وترحاب. لم أعهدهما منه! فانشرح صدري. واتسع انشراحي حين لمحت ابتسامة عريضة، ترتسم على شفتيه لأول مرة.. استبشرت وتقدمت بأمل سماع ما يفرح القلب..‏

أدخلني الصالة فشممت رائحة الهام! ميزت عطرها الفواح! ورأيت صورتها في السقف، على الجدران، وتراقص خيالها في كل مكان! وسمعت صوتها الداوي يرن في فضاء المكان، وضحكاتها الماجنة تتعالى هنا وهناك! قبل أن يخيم الصمت وتنتابني أحاسيس الحيرة، تملأ قلبي بشكل فظيع!‏

جلست حيث أشار.. تفصلنا منضدة دائرية صغيرة. نصبت عليها قنينة خمر، وبجوارها قنينة شراب أحمر، وكأس مملوء بالزقوم.. السائل المحرم.. وعلى جنب رأيت جواز سفر أخضر!‏

-أهلاً بالمقاتل الفذ.. أهلاً..‏

بادرني حال جلوسي..‏

شعرت بسخريته فلم أبال.. ظننته يمازحني دون قصد لئيم أو نية سوء. ولم أدرك حقيقة ما يعني، لاسيما وإن حالته تدل أنه قضى الليل ساهراً، مفكراً!‏

كان يجلس مباعداً ما بين ساقيه، بوجه عابس محمر! ولمعت عيناه ببريق عميق، حين تابع بشفتين مرتجفتين:‏

-أردت رؤيتك منذ فترة، فقيل لي بأمر المنع..‏

-أخبرني العريف إسماعيل بطلبك، فجئت حسب الموعد.‏

-أهلاً.. أهلاً.. بالبطل المغوار.. أهلاً بالمواطن الصالح.‏

تجلت نبرة السخرية في حديثه بوضوح، فعرقت.‏

-حسب علمي أنك لم تعاقب طوال خدمتك معي.‏

لم تسجن يوماً! فما الذي جرى لك.. مؤخراً!‏

آنذاك تبينت خباثته. ظهرت نيته السوداء وأنا أحدق في عينيه المصوبتين إليّ، بلؤم. كعيني الصقر الذي اقتطع لحمة من يدي واقتلعت له عيناً..‏

فطنت لشكوكه، فهلعت، جفلت، وماتت الكلمات على شفتي. فها هي نظراته تدق أجراس الخطر، تنذر بعاصفة.. فندمت على مجيئي.. وشعرت بالاختناق فككت أزرار عنقي الثلاثة، وفتحت أعلى قميصي ليفلت العرق المتصبب من صدري.. وراودتني فكرة الخروج..‏

انتظر ردي إلاّ إني التزمت الصمت مرغماً، فتابع دون حياء:‏

-كنت أتصورك ساذجاً مسكيناً، فإذا بك "أبو العناتر" شيطان ماكر!‏

هلعت أكثر، وركبني الحياء. وتصبب العرق في جبيني. شعرت بخجل وخوف. وخمنته يتقصد إذلالي، وليتوثق من معلوماته.. في الوقت ذاته..‏

حدثتني نظراته بأنه على إطلاع تام، ومعرفة جيدة بتفاصيل علاقتي مع إلهام، زوجته السابقة ومطلقته الحالية.‏

-ترى ما سر تغيرك السريع يا كاكاحمه؟‏

استفسر بخبث متزايد، وأضاف:‏

-أعتقد أن السبب يعود إلى المرأة. لابد أن شيطانة خبيثة دخلت حياتك، فسممت بدنك.. بلعنتها..‏

صمت، فانفجر ضاحكاً.. قهقه بصوت عال:‏

تجرع كأسه ورمقني بنظرة صارمة:‏

خفت أكثر.. وساورني الهلع من فكرة طرأت ببالي. مفادها، إنه يلوم نفسه.. فلقد وضع البنزين قرب النار.. لذلك أرسل بطلبي لينتقم.. فكرت ثانية بالخروج. لكني سخرت من نفسي وأبديت استعدادي للقيام بكل ما يلزم "مقاومة عنيفة ودفاع مستميت"‏

-يقولون إن امرأة شابة، مستهترة، تأتيك بسيارتها إلى المعسكر كل يوم! مساء كل يوم وتعيدك في الصباح! أليس كذلك يا كاكاحمه؟‏

تلعثمت، لم أحر جواباً. تطلعت إليه لأستشف من عينيه ما طمحت في معرفته..‏

تغصد العرق بغزارة فوق جبيني. وفاحت رائحة إلهام وانتشر عطرها، وتوزعت صورها بكثافة، امتلأت بها جدران الصالة، اختلطت مع صور مارلين مونرو!‏

-أتفضل كأساً من شراب الزبيب أم من البراندي المنعش، اللذيذ؟‏

سألني فجأة، بجد ومرح. فهمست:‏

-الزبيب..‏

-إذن خذ قدحاً نظيفاً من الصينية، وصب لي كأساً..‏

أشار إلي فتلفت، ظناً أن الصينية موضوعة جانباً، فانفجر ضاحكاً.. قهقه عالياً.. وهمهم:‏

-في المطبخ.. الصينية والأقداح في المطبخ.. يا كاكاحمه..‏

حاولت النهوض فاستوقفني:‏

-أملأ كأسي أولاً بشراب الزبيب.. وأجلب لك قدحاً نظيفاً..‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:44 PM   #149
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

ملأت كأسه وتحركت ببطء.. يلفني الذعر ويعتريني الخوف الأكبر منه..‏

دخلت المطبخ، فبرزت لي صورة إلهام، وهي تمازحني هنا.. وتقبلني هناك.. تنصحني بالخروج.. وتحذرني.! ثم برز وجه العريف بشاربيه وعينيه الكبيرتين.. تخيلته يدخل غرفته.. يباغت بالفاجعة.. فيجن!‏

بحثت عن قدح نظيف فلم أجد. اضطررت إلى غسل قدح زجاجي، وجدته في الحوض الملىء بالصحون.. غسلته جيداً، خشية أن يكون نجساً، شرب به العميد خمراً..‏

عدت إلى الصالة بعد أكثر من دقيقة..‏

رأيت العميد المتقاعد يخض قنينة شراب الزبيب خضاً! يرجها بسرعة، بحركات ملتوية، عنيفة..!‏

-هذا شراب أصلي.. مركز.. ركدت زبدته تحت، في القاع.. هات قدحك.. هات..‏

جلست، وأنا أرتعش.. وضعت قدحي فملأه لي حتى الحافة! لم أجد جواز السفر في مكانه! ولم أهتم لاختفائه!‏

-اشرب.. اشرب..‏

صاح وهو يرفع كأسه المملوء بشراب الزبيب..‏

شربت.. تجرعت جرعة فحثني على إكماله:‏

-اشرب.. اشرب..‏

وحين فعلت صبّ لي، ملأ كأسي ثانية وسألني:‏

-أتعرف السياقة يا كاكاحمه؟ سياقة سيارة؟‏

-لا..‏

تبدلت لهجته فجأة وقال بحزم وهو يتفحصني من تحت حاجبيه بانتباه:‏

-مع الأسف.. تصورتك تعرف.. أحتاج لسائق.. وحين قيل لي أنك ستسرح بعد أيام.. فكرت بك.. إني آسف.. تصورتك تنفعني.. هيّا اشرب كأسك.. وامضي..‏

رفع يده وطوح بها في الفضاء محذراً:‏

-هيّا.. لا أريد تأخيرك.. قد تعاقب بسببي..‏

مع السلامة..‏

بدا واضحاً أنه يطردني، وباحتقار! فعجبت. ومع العجب شعرت بثقل لساني واجتاحني لثوان خدر موجع، وغبش كاد يعمي بصري..!‏

نظرت إليه برموشي المتغضنة. فرأيته للحظة يحلق في فضاء الغرفة، وكذلك المنضدة التي تفصلنا، بمحتوياتها..!‏

أحسست بشوكة ألم في رأسي! وأردت التحرك فخانتني قواي! حاولت الاستراحة فمنعني بضراوة:‏

-أنا مرتبط بموعد هام.. هيّا اذهب بسرعة..‏

نهضت على ما بي من ألم، تحركت رغماً عني.. والعرق يغزوني..‏

مددت يدي لأصافحه فلم يعرني بالاً! تشاغل برفع كأسه!‏

-تبقى على خير سيدي العميد..‏

-أغلق الباب وراءك..‏

خاطبني بجفاء. فضج الكون في رأسي..‏

أحسست بالاختناق.. بالضجر من جو الصالة.. تحاملت على نفسي وهرولت باتجاه الباب..‏

وحين وجدت نفسي في الشارع تملكني الفرح.. لم أصدق أنني خرجت دون صعوبة.. تنفست الصعداء شعرت بالراحة التامة، ومضيت أتخبّط في الطريق خبط عشواء..!‏

وصخبت ضحكات العميد في أذني! رحت أسترجع ما حصل، أستذكر كل كلمة قالها لي.. كل كلمة سمعتها منه.‏

لم أصدق أن سبب دعوته المستغربة هو "حاجته لسائق" وسؤالي عما إذا كنت "أعرف السياقة أم لا" .‏

لم أصدق، فهو يعرف أني لا أجيدها! ثم من أين له السيارة؟! من أين؟ إنه يكذب.. وكذبته لم ولن تنطلي عليّ!‏

حدست أنه أرسل بطلبي لسبب آخر.. ربما ليفهمني بمعرفته أسرار علاقتي بإلهام.. زوجته السابقة، ومطلقته الحالية.. ولينذرني من انتقامه المتوقع.. وليحذرني..))‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 02:58 PM   #150
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

29 -‏

(( بعد ساعة كنت في المعسكر. رجعت دون إرادة مني، بأمل الراحة وإذا بالقيامة تلهبني بنيرانها المستعرة!‏

تلك الليلة، لم أنم لحظة واحدة.. ليس بسبب تأثري الكبير وحزني على مقتل صديقي مجيد. خنقاً بيديّ العريف إسماعيل، الهارب.. وليس بسبب الخوف من كلمات العميد المتقاعد رأفت.. بل بسبب شراب الزبيب.. وما دس لي فيه!‏

في البدء أحسست بخدر يسري في عروقي. وتنملت أطرافي دفعة واحدة! ثم شعرت بمغص حاد وآلام فظيعة، وبأن رأسي سينفجر من الألم..‏

وبدأت مرحلة الإنهيار. ترافقت أعراضي المعوية مع أعراض عصبية شديدة! إذ دارت الدنيا في رأسي ودهمني صداع.. وتوترت أعصابي..!‏

رحت أتخبط، أصرخ! يساورني الغثيان ويلح عليّ القيء فوراً! أتقيأ وأتقيأ حتى خيل إليّ أن أمعائي سيتندلق! وأصابني الاسهال، وأعتقدت أن مصاريني ستنفجر!.‏

وجفّ حلقي وبلعومي، وتيبست شفتاي! أخذت أبلع ريقي بصعوبة.. ونتيجة للظمأ الشديد الذي حل بي لم أكف عن شرب الماء البارد.. أشرب وأشرب لأطفىء ألسنة اللهب المتأججة في قلبي.. لكن دون فائدة!.‏

فبدل أن أرتوي، ويهدأ ما في داخلي، ازدادت آلامي وكثر صراخي! فازدحم الجنود عند رأسي، يبكون مجيد القتيل، ويتفرجون على حالي ويعجبون!.‏

جاءني الضابط المناوب.. يسأل عن حالي ويستفسر عن سبب ما بي.. ولم أقو على الإجابة.. جحظت عيناي أمامه، وتجمدت أعضائي بوجوده.. ثم اضطربت أنفاسي.. وفقدت الإحساس والشعور.. وغبت عن الوعي!.‏

نقلوني وأنا بين الحياة والموت. وحين فتحت عينيّ رحت أجول بهما الآفاق، فلا يصطدم بصري إلا بجدار غرفة الإنعاش في المستشفى العسكري..!‏

غسلوا معدتي، وأفرغوا محتوياتها.. ولشك قاتل راود الطبيب أجروا لي كشفاً سريعاً، بأشعة أكس للبطن.. فتأكد له بصورة تامة بأني سقيت بالثاليوم.. "لأنه مادة معتمة للأشعة"!.‏

ولم يتأخر الطبيب. شرع على الفور في المعالجة السريعة. "هادفاً المحافظة على الوظائف الحيوية، ولتسهيل إزالة السم القاتل من الأنسجة، بالمساعدة على إفرازه مع الإدرار والبراز".‏

وقبل كل شيء حقنوني "بأزرق بروسيان برلين" و"كلوريد البوتاسيوم". "لوقف التدهور الحاصل، وتلافي حدوث الامساك وشلل الأمعاء وسقوط الشعر، وجزر في غدة البنكرياس والغدد اللعابية، والتهاب المعدة والاثنا عشري، وفقدان السيطرة التامة، وبروز حركات لا شعورية وحالات من الكآبة والعصاب، وانخفاض ضغط الدم وعجز التنفس، وقبل أن يكون تلف الأعصاب حالة دائمة..".‏

ونصح الطبيب بحلق شعر رأسي قبل تساقطه. للحفاظ عليه، ولتسريع نموه مجدداً بصورة أكثر خصوبة، وأوفر ثماراً.‏

ولأن أزرق برلين يكون أقل تأثيراً في المرضى خاملي حركة الأمعاء، كنت أجبر على تناول أغذية خاصة، والقيام بتمارين حركية. كجزء من العلاج الطبيعي، الضروري لمنع انقباض العضلات وتسريع قوتها.. مثلما أجبر على تجرع "المانيتول" لمنع حدوث شلل الأمعاء.. وإضافة إلى التوعية الصحية لتقوية إرادتي، وزيادة ثقتي بالأطباء والإيمان بالشفاء على أيديهم، لم يتوقف الفحص السريري اليومي والمختبري، طوال أسبوعين..‏

كانت أظافري تفحص بدقة! ثم تؤخذ عينات من البول والدم "لفحص كمية اليوريا والشوارد، الأيونات والكرياتنين، وقياس التخثر ونسبة الثاليوم في الدم. والتأكد من وظائف الكبد بفحص الزلال والسكرين وخشياة وجود البروتين والدم في البول.. وكذلك كان يجري بصورة منتظمة، الفحص الدقيق بجهاز تخطيط القلب بالأمواج فوق الصوتية، وأشعة أكس للصدر، وقياس ضربات القلب وضغط الدم عند الوقوف والاضطجاع".‏

وتولى أخصائيون العناية بحالتي العصبية، بمساعدة مقياس "سعة النظر، وجهاز تخطيط العضلات الكهربائي، وفحص السمع..".‏

-مبروك أيها العزيز.. ألف مبروك.. شفيت بفضل اللّه القدير..‏

-وبجهودك العظيمة أيها الطبيب..‏

قلت للطبيب بفرح وامتنان فربت على كتفي وقال:‏

-قوتك... قوة عضلاتك وجسدك الفتي، ساعدتنا كثيراً.. هيّا حضر حالك.. ستخرج غداً..‏

-غداً!!‏

-نعم.. أخرتك ليومين.. كنت أريد أن أغسل دمك. لكن الفحوصات دلت على عدم وجود عجز كلوي.. فانتفت الحاجة للغسيل.. والحمد لله وحده.. قاتلك مجرم ذكي.. استعمل "الثاليوم" عديم اللون والطعم والرائحة.. وهو أحد المعادن السامة.. أملاحه تستخدم كأحد المكونات الفعالة للكيمياويات القاتلة للحشرات والقوارض "وملح الثاليوم سلفيت" قاتل للإنسان بجرعة 1 غرام-وبسبب تشابه جزئياته مع البوتاسيوم، يمكن أن يخترق غشاء الخلايا كبديل عنه. وبذا يعرقل عملية أكسدة الفسفور. وتتجمع أيوناته القاتلة في الأنسجة، التي تتواجد فيها كميات كبيرة من البوتاسيوم، مثل الأعصاب وعضلات القلب والأنسجة..‏

لم أفهم كلمة مما قال. فالسعادة بتحسن حالتي غمرتني. ودفعتني إلى أحضان أمي.‏


  اقتباس المشاركة
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:24 PM.