Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 639

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1041

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1046

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1518

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1523
العصفور والريح - الصفحة 12 - منتديات شباب فلسطين
نحن مع غزة


الإهداءات

العودة   منتديات شباب فلسطين > محطات عامـة > الــوآحــة الـعــآمّــة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-14-2009, 12:33 PM   #111
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

24 -‏

بعد يوم واحد من عودة سناء إلى بيتها، مع أختها سهام، أبلغت بأمر الرجوع إلى المعسكر!‏

وجبت عودتي، فمهمتي انتهت بمقتل النقيب خالد وماعاد وجودي ذا نفع، وكدت أنفذ الأمر وأعود، لولا سهام تدخلت بسرعة وحزم وفلحت مساعيها.‏

استأذنت من أخيها رأفت، -الذي غدا عميداً-ورجته أن يؤجل عودتي أسبوعاً "بسبب حاجة سناء إليّ لإتمام بعض الأعمال" فوافق بشرط "عدم بقائي معهما في البيت...".‏

أسكنني في فندق قريب،بناء على نصيحة زوجته إلهام، التي توقعّنا إنها وراء شروطه... وحدسنا إنها وشوشت في أذنيه "إن بقاء رجل عازب مع امرأتين شابتين إحداهما أرملة، يثير الأقاويل ويجلب الشك".‏

ولقد صحت توقعاتنا بالكامل، إذا أخبرتني إلهام فيما بعد "إنها عملت كل ذلك من أجلي فقط".‏

عملنا المستحيل لوقف المآسي التي حلت بسناء، ونجحنا في درء الخطر عنها وعن ابنتها الحبيبة.‏

وساعدنا كثيراً تدخل العميد رأفت، لصالح أخته وقوفه إلى جانبها،وتهديده الصارم لإخوة المرحوم خالد "بالموت إذا لم يبتعدوا عن سناء..."!‏

في اليوم الخامس من رقادي في الفندق، التقيت بإلهام، حدث الأمر مصادفة قرب مدخل بيت المرحوم، وربما كانت المصادفة أحسن بألف مرة من الميعاد....‏

كنت قادماً لاستكمال المعاملة، وإنجاز مابدأناه مع المحامي في تسجيل البيت باسم الصغيرة مها، وكانت هي قادمة للزيارة.‏

في حدود الثامنة صباحاً توقفت السيارة العسكرية أمامي فواجهتني وجهاً لوجه... دهشت، فقدت رشدي وأعصابي، وجمدت في مكاني على الرصيف... وجثمت هي في مقعدها لثوان، نظرت إليّ بشيء من الاحتقار والغطرسة وتطلعت إليها بدهشة وإعجاب.‏

لم أرها منذ ضربتني، وهاهي أمامي أكثر فتوة وشباباً.‏

تذكرت ماحصل فأحرق العطش إلى الانتقام وأخذ الثأر حنجرتي، كدت اندفع نحوها، ألقنها درساً بما فعلته وتفعله بي، لكني بذلت جهداً كبيراً كيلا أفضح هياجي... نظرت إلى وجهها فطالعني وجه شابة في العشرين!‏

ولا أدري كيف نسيت وتناسيت كل أحقادي! وابتسمت لها، فابتسمت أقحوانة العشق في أعماقي.. فأيقظت روح الحماسة داخلي!‏

-أنت!!‏

همست بعجب وهي تقترب مني، إثر نزولها، فركبني الشيطان، لعب بعقلي، وبرز مجيد أمامي ضاحكاً... حاثاً مشجعاً:‏

"إنها فرصتك يا كاكاحمة فلا تضيعها بتهورك... إلهام مازالت تنتظرك... فأعلمها ولو من طرف خفي أنك أخطأت بحقها... وإن مافعلته آنذاك كنت مكرهاً عليه... مرغماً... والآن عقلت ونضجت..."!‏

ظل بصري مركزاً عليها... سمنت وازدادت جمالاً وروعة:‏

-كاكاحمة بنفسه، بلحمه ودمه ياإلهام..‏

-إلهام!!‏

همست باستغراب ودلع أضافت وعيناها ترصدانني بحذر:‏

-ماذا تفعل هنا؟ ألم تذهب إلى المعسكر؟‏

-مازال أمامي يومان...‏

-أتنام هنا؟‏

-أوامرك نقلتني إلى الفندق..‏

بوغتت، بلعت ريقها واستفسرت بمكر:‏

-ولِمَ جئتَ الآن؟‏

دفعني مجيد إلى الأمام، قرصني في خدي وهمس في أذني من جديد حاثاً مشجعاً... فتملكتني الشجاعة، وأيقنت عندئذ ضرورة الرضوخ أحياناً، الانحناء أمام "العواصف".. إذا كان عليّ أن أستسلم أخيراً، لأمر لم أكن مقتنعاً به... فتلبستني الجرأة واعترتني شجاعة لم أحس بها من قبل... شجاعة من نوع غريب...‏

اضطرمت النار في جوانحي .... حلقت صقوري في الفضاء تريد أخذ الثأر! هامت مجرحة تنوشها آلام الذكرى، وأثر الضربة، ويرن في آذانها دوي تلك الصفعة المفاجئة، ويدميها أن يمر الأمر دون عقاب...‏

-جئت من أجلك.. من أجلك فقط...‏

افترّ ثغرها عن ابتسامة رائعة، وهمهمت:‏

-من أجلي!!‏

-نعم ... لأخبرك بأني تعلمت الطبخ... أخذت فنونه كما تشتهين...‏

رمقتني بنظرة شيطانية حادة، مدهوشة، وزمت شفتيها كمن يختار أفضل الكلمات، لينطقها...‏

الإحساس الغريب الذي حملته عيناي، جعلها تتأكد من جديتي... فهتفت نظراتها بفرح "سنرى"...‏

ابتسمت ثانية وبعمق، ثم مالبثت أن دفعتني جانباً. فتحركت قليلاً موسعاً لها مجال المرور، فمس كتفي كتفها! مجرد احتكاك ملابس ...... النار شبت داخلي! فسرى دبيب الشهوة فيّ وارتعشت أطرافي لذة!‏

فتحت باب الحديقة بنفسها، بيد مرتعشة، ودخلت تقدمت خطوة، والتفتت، خصتني بنظرة معبرة ومضت هاربة!‏

استشعرت استعدادها لأعطائي فرصة ثانية.‏

فانتعش صدري بهجة،وانتظرت موعد الاختبار بلهفة وشوق.‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:34 PM   #112
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

25 -‏

عاد عيسى فألهب جوارحي، ألهبني وجوده في القرية، نيراناً حامية، وألهبته باقتراحي حماساً كبيراً.‏

-فكرتك رائعة يا كاكاحمة، رائعة، ولكنهم لن يسمحوا لنا...‏

-لا تيأس... لنحاول، فالحال تغيرت، ولا تظنني جاهلاً، بذلك، كنت أعرف أننا سنصطدم بالمعارضة... لذلك سعيت إلى إعادة بناء المسجد وتوسيعه ليكون البديل... به نبني الروح والعقل معاً...‏

-جيد.. الوقت مناسب جداً لفتح المدرسة، لكن أين سنفتحها إذا حصلنا على موافقتهم؟ أين؟! إنها ليست غرفة واحدة..‏

-سنبنيها على أرضي...‏

-أرضك غير صالحة لبناء مدرسة.. إنها مائلة ومرتفعة، الصعود إليها ينهك الصغار ..‏

-ماذا تقترح إذن؟ أين نفتحها؟‏

-لا أدري لم أفكر بهذا من قبل... أنت فاجأتني حقاً ثم أن الأمر ليس سهلاً فمديرية التربية لن توافق بسهولة.. والآغا سيمنعها بأسنانه.‏

-سأدفنه إذا أبدى رفضاً... المختار والملاّ معنا..‏

-المدرسة حراب مسمومة، لن يسمحوا لها باختراق أمعائهم... لن يهضموها أبداً.‏

-هناك ألف مدرسة ومدرسة في أربيل وحدها، فلماذا نحرم نحن؟!‏

ثق أنني سأبنيها مهماكلفني الأمر من مال وجهد سأبنيها حتى لو اقتضى الأمر قتالهم... سأبنيها على أشلائهم... بشرفي... سأبنيها كما بنيت المسجد... وستكون أنت مديرها...‏

-أهدأ يا كاكاحمة... الأمر لا يحل بالانفعال...‏

قال مهدئاً وهو يرمقني بعين العجب..‏

وأضاف بعد فترى صمت وترقب:‏

-صحيح، علينا استخدام إيوان المسجد مؤقتاً، منذ الغد سرني اقتراحه فهمست معلناً موافقتي...‏

-فكرة جيدة... مدهشة.. الملاّ لن يرفض..‏

كنا نجلس في المقهى .. ننفرد في طاولة بعيدة عن صخب الرجال وثرثرتهم... ونصار يراقبنا ويمدنا بأقداح الشاي بالليمون... فرحاً بشقيق زوجته الذي جاء يبارك ويهنئ الزواج الميمون‏

إنها مجرد فكرة.. ربمانعثر على مكان أفضل كي نحصل على إجازة التربية بفتحها... لتغدو نظامية..‏

-هيا نذهب إلى الملاّ لأخذ رأيه، واستشارته..‏

سحبت يده حين لحظت تردده، خرجنا من المقهى باتجاه المسجد، ولاحقنا نصار بعينيه المستغربتين لم نجد الملاّ هناك فقصدنا البيت.‏

فتحت لنا الخالة رباب الباب، وأدخلتنا إلى الصالة.. حيث كان الملاّ يرتل القرآن.‏

رحب بنا، وبعيسى بالذات، مثلما رحب بالفكرة وأبدى مساعدته:‏

-سأجبرالرجال على جلب أطفالهم..‏

-قانون التعليم الإلزامي يجبرهم على ذلك..‏

ضحك الملاّ من قول عيسى وقال:‏

-لايابني...لا... في قريتنا لانطبق قوانين الحكومة، وبخاصة هذا القانون...‏

احتد عيسى وأعلن احتجاجه بأدب:‏

-ياحضرة الملاّ... هذا القانون بالذات أحسن القوانين وهو أمضى سلاح بيدنا ضد الجهل والمرض..‏

بسط الملاّ كفيه بانزعاج وقال موضحاً:‏

-البريطانيون هم الذين سنوا قوانين المدارس عندنا وفتحوها في بلدنا لتضييع أقوات أطفالنا وضياعهم..‏

وتشتيت روابط الأسرة.. ولحمتها...‏

أراد عيسى الاعتراض فمنعه الملاّ وتابع:‏

-مبروك لك يا كاكاحمة.. انجب ولداً أو ازرع شجرة.. أدركت مايقصد فأكدت له:‏

-وسأفعل ... سأحرث الأرض وأزرعها...‏

-اهتم بصحتك يا بني... فهي أثمن مافي الوجود ... لا تدري ماذا حل بخجة وهداية، حين سقطت طريح الفراش؟‏

اللّه الشافي.... "إذا مرضت فهو يشفين...".‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:34 PM   #113
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

أحسنت يا كاكاحمة ...أحسنت.‏

ردد بلسان ذرب، وسكت لحظات، قبل أن يسأل:‏

-ماذا ستزرع في أرضك...؟‏

-قررنا أنا ويحيى أن نزرع الأرض عنباً..‏

-عال ..والماء؟ سمعت بفشل مسعاك في البئر ...‏

-سنجلبه من الجدول...سأنزل غداً إلى المدينة لأشتري المضخة والأنابيب اللازمة...‏

-أنت مرهق ولا داعي لمزيد من الإرهاق...‏

-لا ياعيسى... يجب أن أنزل بنفسي... وستأتي أنت معي... لتشتري الأقلام والدفاتر وكل مايلزم للمدرسة...‏

رفع الملاّ رأسه ليسمع جيداً مايقوله عيسى:‏

-مديرية التربية ستتعهد بكل مستلزمات المدرسة.‏

تبسم الملاّ ارتياحاً وأوضحت:‏

-نحن نهيئ ماقد يمنع علينا... مالا توفره الوزارة...‏

-الآغا منير لن يسمح لك...‏

أفتى الملاّ بما ينضح به صدره فدهشت، صحت به:‏

-لن يسمح!! سأقطع ذراعه يا حضرة الملاّ وذراع من يسانده...‏

اصفر الملاّ وحتى لا يهان تبسم مرغماً، فاستمر لساني مردداً:‏

-أتظنني خائفاً من تهديداته الفارغة، قسماً أيها الملاّ...‏

وأرجو أن يصله كلامي الليلة... قسماً بأني سأحز رقبته بالكامل وبالمنجل ذاته، وإذا مابدر منه أي عمل ضدي.., إنني أراقبه بحذر مراقبة دقيقة...وأتوقع أن يقوم بعمله غدر... لكنه لن يلحق...لا وحق الرب...‏

ضحك عيسى ثم أخبرني بسر بينما التزم الملاّ الصمت التام:‏

-سمعت أنه أبلغ زوّاره بأن سكوته عنك لن يستمر وأنه كلف حمودة بمراقبتك على الدوام...‏

-بأي عين؟‏

استغرب الملاّ وعنفني:‏

-لا تسخر يا كاكاحمة الآغا غادر وحمودة لكلب ذليل... فخذ الأمر بمحمل الجد...‏

-أعرف ذلك... أنت لم تعرفني جيداً بعد... لذا فمازلت تتصورني غافلاً ولا مبالياً بمايفعله السلماني... يا ملاّ، لقد حززت رقبته بمنجلي وأخذت منه دين أبي، واسترجعت أرضي وخصيت ثورة، وتريد أن ينسى أويسكت عني...! لا ياملاّ، لا... لا يجوز ذلك... حتى اللّه لا يقبل... صحيح إنه لم يرسل شخصاً ثانياً ليفتش بيتي، لكنه قد يفعل‏

-وماذا أعددت له؟‏

سألني عيسى بجد فأجبته دون تردد:‏

-مفاجأة مذهلة... قنبلة حارقة... سأفجرها تحت مؤخرته، إذا فكر في اللعب بذيله... وهو يعرف ذلك، وصله تهديدي منذ زمان تكلمت بعصبية فلازمني الصداع،غطيت وجهي بكفيّ ثم رحت أمسدّ جبهتي، وأفرك صدغي... ففزع عيسى واستفسر بهلع وهو يكشف عن وجهي، يبعد يدي:‏

-ماذ بك؟‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:34 PM   #114
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

مازلت مجهداً من جراء الحفر...‏

-أتحتاج لمساعدة...؟‏

-لا...‏

-إذن دعني آخذك إلى البيت لترتاح...‏

-لا... دعه هنا... تمدد يا كاكاحمة وارتاح...‏

اعترض الملاّ,... ولم يسمح عيسى لي بمزيد الكلام، قال:‏

-حسناً... كماتشاء يا ملاّ... سنتباحث في أمر المدرسة فيما بعد يا كاكاحمة...‏

تركني ومضى إلى دار نصار ليبارك لافتخار زواجها من "رجل شريف، مقتدر"، وأبقاني مع الملاّ الذي ابتلي بي...‏

انشغل مع الخالة رباب في تهيئة أسباب الراحة والهدوء ..حتى جاءت أمي بعد ساعة على غير توقع. جاءت فزعة، هلعة، خوفاً من حصول "شيء فظيع معي" لم تفصح عنه بلسانها لكن عينيها أوضحتا مخاوفها...‏

تهامست مع رباب، وتكلمت مع الملاّ فاعترى الشحوب وجهها وارتعبت، جلست بجواري وراحت تفرك جبهتي وأصابعي... وتقرأ قصار السور وتنفخ في الهواء...‏

لم أحتمل البقاء، شعرت بعظيم خوفها، فرأيت من الواجب ألا أزيد عذابها... تحاملت على نفسي وخرجت وحدي أبقيتهم حيارى... ألقيتهم في أتون الشك، ومضيت إلى الأرض الشرقية تمددت في وسطها وغفوت...‏

بعد دقائق جاءني نصار، بوجه باش ضاحك...‏

-مرحباً أيها الحبيب... مرحباً...‏

هتف محيياً كأنه لم يرني منذ أسبوع...!‏

جلس بقربي وشرع يسرد عليّ تفاصيل حياته الجديدة.‏

ويتحدث عن النعيم الذي يعيشه، بعد دخول افتحار بيته... الذي تحول إلى كتلة نشاط.‏

-منذ زواجنا وهي -إضافة إلى شغل البيت-باتت تشغل وقتها الزائد بحياكة البسط التي تجيدها، لصالح محمد بن سلطان، تعاونها حنان بنت بشيرة...، التي تولعت بالعمل مع عمتها...‏

سكت برهة ثم استطرد قائلاً:‏

-أتدري من كان في مقهاي قبل مجيئي...؟‏

أدرك عدم اهتمامي فتابع:‏

-سعدو... وحمودة الأعور وحسان... جاؤوا بعد ذهابك ... أنت وعيسى...‏

-وماذا في الأمر؟‏

-جلسوا يتهامسون... والتقطت أذناي اسمك... إنهم يتكلمون عنك..‏

-ليتكلموا يا نصار... وما المانع؟ القرية كلها تتحدث عني كما قال لي عيسى... لكن، وحق اللّه إذا بدرت من أحدهم نيّة سوء أو بادرة لؤم، أياً كانت... فسترى ما سأفعل... حاول نصار أن يشرح لي ويبدي وجهة نظره، فمنعته:‏

-أتتصور يا نصار، أنهم يخططون في المقهى لأمر هام! لماذا ولديهم أكثر من مكان!‏

-صحيح!! مالذي جرى لي...؟!‏

-إنهم يهدفون بث الرعب فقط، لتخويفنا ليس إلاّ...‏

-ومع ذلك، عليك بالحذر.. ولا تركب رأسك فتتورط، تورط نفسك بالدخول في بحر الصراع معهم...‏

قال ناصحاً فأزعجني... أفهمته:‏

-أتتصورني جباناً يا نصار؟! من يركب البحرلا يخشى من الغرق!‏

-لا يا كاكاحمة ... لا واللّه...‏

أقسم ... فاستفهمت منه:‏

-أجئت من أجل هذا الخبر؟‏

-لا... أردت إخبارك بأن عيسى سيذهب إلى أربيل غداً، في سبيل الحصول على إجازة المدرسة....‏

-أعرف...‏

لم يتح لي المجال لتكملة الحديث... سارع يقول:‏

-وسأذهب معه لشراء المضخة لك، والأنابيب المطلوبة...‏

فاعطني المواصفات والمال... أنت تعب... سأساعدك في الشراء وأمر على المحترم الجمولي... أبلغه تحياتك.. وحبك الشديد له...‏



مزح معي فأضحكني -تذكرت خالتي مريم، وأردت معرفة ما حصل لها في زيارتا الأخيرة.‏

-لم تخبرني عن خالتي مريم... هل ألتقيتها؟‏

-لا... فرت هاربة إثر إنذارك لها... حتى إنها لم تتناول الغداء مع الخانم كما تعودت! لم تبق في القرية سوى ساعة، بعد رفضي الذهاب لمقابلتها... مثلما أرادت... وكذلك فعل المختار والحاج صالح... حين أرسلت بطلبنا..‏

-سيأتيك الجمولي قريباً... فماذا أعددت له؟‏

-لاأملك إلاّ رداً واحداً... "سددت مابذمتي لك من ديون واسترجعت المستندات... منذ زمان..."‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:35 PM   #115
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

26 -‏

((كما توقعت تماماً، وبعد يومين فقط، قدمت صباحاً إلى الفندق سيارة الجيب العسكرية.‏

كنت في طريقي للخروج، عندما صعد الجندي السائق يسأل عني... جيء به إلى غرفتي ليخبرني:‏

-العميد رأفت أرسلني. كلفني بنقلك إلى البيت، حضّر حقيبتك... وجهز حالك...‏

وكنت حضرت حقيبتي وجهزت حالي منذ الفجر، وبقيت أنتظر رسول إلهام... التي حسبت شوقها قد بلغ الذروة... ولكي أزيدها شوقاً واشتياقاً، طلبت من السائق التوجه إلى المعسكر لتسليم حصة العريف، الذي كاد يطير فرحاً بالصور لكنه لم يسمح لي الاجتماع بمجيد، حتى ولا السلام عليه! وأمرني الالتحاق "بالعمل" فوراً.‏

لم أتأخر سوى ساعتين، كانت كافية لتأجيج نيران إلهام، ومثلما رسمت في خيالي استقبلتني.‏

-لم أستطع نسيانك لحظة، أحببتك يا كاكاحمة، أحببتك من أعماق روحي وقلبي... وكنت مستعدة لعمل أي شيء في سبيل استردادك... للانتقام منك ومن كل الذين يعارضون عودتك إلى أحضاني... فأنت أجمل شاب رأته عيناي... سحرتني بكتفيك العريضين،وبعينيك الزبرجديتين تعال ... تعال...‏

سحبتني... قادتني إلى الحمام، غسلتني بيديها، أطعمتني بشفتيها، وسحبتني إلى غرفتها... لا "لمعاونتها في إسدّال الستائر المستعصية"، بل لمشاركتها الفراش...‏

معها، وعلى السرير، اكتشفت أنني لست بحاجة للذهاب إلى "الحرب" لكي أعرف أسرارها وفنونها!‏

وأدركت أن الواجب يدعوني للاستسلام بدل استشهادي لذا سلمت نفسي أسيراً بين يديها في الساعة الأولى... ودفنت ذقني وفمي في طيات شعرها ونمت...‏

أحسست بالمتعة الخالصة ببقائي معها في الفراش..‏

وشعرت بحاجتي إليها أكثر من حاجتها هي، فتشبثت بأذيالها... بقدر تشبثها بي... وأكثر...‏

ستة أشهر عشتها في نعيم لا يوصف، في هناء لا حدود له، وبدل أن أعيش كمراسل وخادم، عشت كسيد مهاب... كزوج له كامل الحرية والحقوق... وكرب للبيت!‏

لم أكن أترك السرير إلاّ ليلة الخميس... حيث يأتي العميد رأفت فيحتل "ابن الحرام مكاني"!‏

السيد العميد الذي رفض واحتج على بقائي، مع سناء بوجود أختها! وافق على بقائي وحيداً مع زوجته! كان يقضي يوماً كاملاً مليئاً بالعراك، والصخب والنقاش والضرب! وبوجوده يسود جو التوتر والرعب، ويخيم البؤس والشقاء! ثم ينتهي كل شيء في عصر الجمعة.‏

ففي تمام الخامسة تأتي السيارة العسكرية، لترجع به إلى المعسكر حيث يقيم مرغماً!‏

حياتهما المشتركة كانت خدعة كبيرة، ورباطهما الزوجي الواهي لم يكن إلاّ أكذوبة، يغطيان بها عيوبهما، عن أعين الناس، وستاراً يحجب حقيقة مابينهما من خلاف، وتباين ومشاكل، وما يمارسانه من أخطاء فاحشة أمام الطفلين ... وينسيان أن مبيت العميد في المعسكر طوال الأيام الستة، يكفي وحده كشاهد على مايقال من سوء العلاقة بين الزوجين...‏

لم يفلحا في تغطية سقم حياتهما ومرارتها، بأي برقع، لحظته في عيون زوارها، رأيته بعينيّ وسمعته بأذنّي.‏

وشهدت خلال هذه المدة نزاعات دامية، وصلت مراراً إلى حد الضرب والإهانة والتهديد بالطلاق.... وبالقتل!‏

كنت اقبع في غرفتي عند مجيئه، استمع مذهولاً لما يحدث...أظل أتفرج على مالدي من مجلات.... أقتطع منها الصور الفاضحة وأخبار الفن والفنانات لصالح عريفي "أبوالحق" مونرو.... متحاشياً لقاء العميد أوالاصطدام به.‏

ولم أجسر على الدخول إلى البيت، أو تخطّي عتبة الصالة، أثناء وجوده... إذ تنحصر مهمتي آنذاك في البقاء داخل غرفتي أو في الحديقة صيفاً وشتاءً، وملاعبة طفليها الشقيين الثقيلين، النحسين المضجرين، اللذين تولعت بهما رغم مابينهما وبين مها -الملاك السماوي-من فروق...‏

لم أتدخل بين الزوجين، كي لا أعرض نفسي للشك والانتقام وابتعدت مرغماً عن مشاكلهما... وتصنعت البلاهة التامة أمامه، وتقمصت دور الساذج المسكين، الذي لا يثير الشك ولا يحسب له حساب.‏

أدركت عجرفته وعصبيته، ومدى بغضه لها، ومحاولته الجادة "لتدميرها نفسياً وجسدياً" مثلما أدركت مدى كراهيتها له... ومحاولتها لأخذ الثأر والانتقام منه بشخصي.. من خلال خيانتها لعهد الزوجية.... إذما يكاد يخرج حتى تحكم إغلاق الأبواب وتستدعيني إلى الصالة أو تقتحم غرفتي وتتنهد:‏

-اشتقت إليك... اشتقت!‏

-ألم تملأ صورة العميد عينيك؟‏

-لا... لاتقل هذا يا حبيبي ... لاتقل... فوجود رأفت هنا، لا يعني إلاّ الشقاء لروحي... إنني أجامله، أتحاشى الاحتكاك به خوفاً ورهبة...‏

-لماذا ينام في المعسكر؟‏

-.....‏

- إنه لأمر غريب!‏

-إنها قصة طويلة..‏

-أحب سماعها..‏

-لا... ليس الآن... عندما يحين وقتها سأقصها عليك الآن... تعال.... تعال...‏

لم يكن طفلاها يعيان ماتفعله... ولم يشعرا بقبح عملهما ولا بمجونها...‏

كانت تبقيهما في الصالة يتفرجان على أفلام الكارتون، بالفيديو، وتروح سابحة في لذاتها، تغوص في أحضاني وتغور، تنهل من عطائي وتستزيد طوال العصر.‏

وفي الليل، كان جنونها يظهر بشكل مثير للدهشة.... وتصر على نومي معها، حتى الصباح.‏

وفي تمام الساعة السابعة، تتسلل إلى غرفة الصغيرين و بعد أن يتركا السرير تطعمهما... ثم تبعثهما إلى روضة الأطفال بسيارة خاصة تأتي في الثامنة إلا عشر دقائق بالضبط.‏

وحين تتأكد من ابتعاد السيارة، تغلق الأبواب، تحكم سدها، وتعود لي على جناح السرعة.‏

إلهام كانت شبقة، ملتهبة كالنيران، ولم يكن أمامها إلاّ إحراق المزيد من الحطب لتبقى متأججة ...‏

وكنت جائعاً وغبياً، كـ "هابة أو رغل"...‏

ولم أكن أملك إلاّ الرضوخ... لمالكة قلبي!"‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:35 PM   #116
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

27 -‏

في حدود التاسعة وقبل دقائق من تحرك الباص، جاءني يحيى، مسرعاً، ليصحبني إلى أربيل، كما اتفقت مع نصار.‏

فاعتذرت، بسبب التعب، وأعطيته النقود وخولته شراء ماتحتاجه الأرض... ومايراه مفيداً...‏

أوصلته حتى باب الحديقة، حيث بوغتّ بتغيرالطقس، عماتميز به الليل، كان الهواء يحمل رذاذ الأمطار حيناً، ورطوبة الجو المنعش والنداوة حيناً آخر.‏

شعرت بالنشوة حقاً، وتساءلت متى هطل المطر؟ لم أحس به بالرغم من أني عدت في وقت متأخر.... وبقت أتقلب في فراشي لما بعد الفجر...‏

راقبت يحيى وهو يتجه إلى المقهى، وانتظرت خروجه مع نصار.... ولما طال انتظاري... أغلقت الباب ورحت إلى الأقفاص، أجمع البيض المتكاثر يوماً بعد يوم.‏

تمهيداً لأخذه إلى دكان زوج عمتي، لبيعه حسب اقتراح هدهد....‏

ماكدت أبداً حتى اقتحمت الخالة زهرة بيتنا، وبوجه باك وفم مولول، يتبعها ابنها راضي...‏

-سرقوا عزيزة يا كاكاحمة! سرقوها....!‏

-تسللوا إلى الحظيرة وكسروا الباب...‏

أكمل الصغير باستغراب:‏

-متى حدث هذا؟‏

سألتها أمي فزعة، فأجابت وعيناها تنظران إليّ بخبث:‏

-أمس ليلاً...‏

-هل يتهمونني أنا؟‏

-لا يا كاكاحمة... جئت أسألك فقط...‏

-حول...؟!‏

-كنت البارحة ساهراً في الأرض الشرقية... فربما شاهدت...‏

-لم أنصب من قبل سعدو ناطوراً على حظائر القرية... زوجك البخيل لم يضع كلباً للحراسة.‏

-قتلوا كلب نصار...‏

هتف الصغير بمرارة... فأثار دهشتي، لكني لم أبال، سألت زهرة باستياء:‏

-من ذا الذي رآني؟‏

-حسان ... قال لأبي...‏

نطق الصبي بعد تردد أمه، فتفاقمت دهشتي وصحت:‏

-حسان !! أكان يراقبني؟‏

تركت البيت ومضيت هادفاً تأديب حسان.‏

وجدت القرية مستنفرة وكأن يوم الحشر قرب! عجبت وسألت عمي حسن، الذي كان أول من صادفني وهو يتجه إلى محله:‏

-أهو هجوم من جيش الحكومة؟‏

-لا...‏

-إذن مالذي يجري؟!‏

-لم يجب بل أجابني نصار بعد دخولي المقهى:‏

-المختار أمر بتفتيش كل بيوت القرية....‏

-لماذا؟! ثم أنت... ألم تذهب مع يحيى وعيسى؟‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:35 PM   #117
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

هز رأسه بامتعاض ورد بحسرة:‏

-لم يذهبا... لم نذهب بعد... المختار ضرب سلطان... فزعل هذا ولزم بيته رافضاً العودة إلى السيارة...‏

-قل لي ماذا حدث؟!‏

-الجمولي بعث سلطان، كلفه بإخبارنا بضرورة النزول إلى أربيل، لمقابلته غداً... ويبدو أن أبا محمد المحترم نسي نفسه! أو فهم الأمر خطاً، فحاول إجبارنا على مرافقته ... قال لي كل ماطلبه الجمولي... نقل لي رغبة زوج خالتك فرفضت... ورفض الحاج صالح... فأسمعنا كلاماً سخيفاً، سكتنا عليه، لكن المختار لم يسكت...‏

دار رأسي... خفت أن يلازمني الصداع، فأسقط طريح الفراش، حاولت الرجوع إلى البيت والابتعاد عن المشاكل، لكن لساني فلت على غير توقع:‏

-ولِمَ لا يأخذ يحيى السيارة؟ لا تدعو سلطان يتحكم فيكم...‏

-صحيح ... إجازته مازالت صالحة... سنلقن هذا الكلب درساً...‏

لم أسمع بقية حديثه، تركته يبحث عن يحيى بين جموع المحتشدين قرب مقهاه، وعند بيت المختار، وفي وسط الساحة، ورحت إلى دكان زوج عمتي، أفرحني تطور الشغل وكثرة الأرباح واتساع ابتسامة "مليحة"!‏

وكأنها لم تخنق القط الأسود في شبابها!‏

لم أنتبه لما قالته بخصوص البضاعة، إذ لفتت شذى نظري، وهي تخرج من البيت حاملة مصيدة الفئران المكتظة بـ "زوجين" كبيرين!‏

-أرنا شطارتك يابن خالي، أقتلهما....‏

مدت يدها تروم تسليمي المصيدة فنهرتها:‏

-أعطها لأمك... إنها تجيدالقتل...‏

قرقرت ضاحكة واستهزأت:‏

- تخاف من فأرين صغيرين، وانت كاكاحمة!‏

تذكرت بشيرة وعهدها بأن تسعى لإقناع يوسف، بالزواج من ابنة عمتي الجميلة... وعجبت حين فطنت إلى أني لم أتابع الموضوع! ولم تكلمني بشيرة عنه منذ اتفاقنا...!‏

حدست فشلها، رفض يوسف التام.... وقررت مفاتحة عيسى.... تناسيت حسان وتأديبه... وانشغل فكري بها... تركتها تتحدث وذهبت إلى محل عمي، الذي حدثني عن مشاكل سعدو مع زوجته فضجرت، استأذنت منه وعدت إلى البيت، فوجدت افتخار بانتظاري.‏

سمنت حقاً وتوردت، ازدادت جمالاً وحلاوةً وأشرقت شمسها بمايبهر الأنظار... فثارت ثائرتي ولعنت العميد...‏

-جئت آخذ منك شتلات لأزرعها في حديقتي....‏

-ولِمَ مني بالذات؟‏

تحرشت بها فأحرجتها، ارتبكت ولم تجب، خصتني بنظرة متميزة، تعلمني أنها لا تجسر على مشاكسّتي أمام أمي، وتحت سمع هدهد المرهف، ولكن لسانها انطلق عندما انفردنا في الحديقة.‏

-ورودك وحدها التي تملأ روحي زهواًوغبطة!‏

-احذري يا افتخار، أنت الآن متزوجة، ونصار لا يعرف المزاح..‏

تبسمت ولكزتني بمرفقها قائلة:‏

-مبروك حمل هداية... فعلتها يابن سعد الله! وبأقصى سرعة....!‏

-حان دورك الآن.... أرينا شطارتك... وإياك أن تهملي نفسك أو تؤجلي الحمل فعمرك ماعاد يسمح.... اغتاظت بشدة وقاطعتني:‏

-عمرك!! عمرك!! أتظنني بعمر خجة؟ أبي سيذهب بعد أيام إلى بغداد، لغرض التداوي من أجل أن يتزوج أمك، لتلد له أبناء....‏

-المخرّف سيذهب إلى بغداد؟‏

-نعم، سيأخذه عيسى، قال أخي: إنه سأل عن مرض أبي هناك، فقيل له: الأمر بسيط وسيتعافى، ربما دون عملية جراحية...‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:35 PM   #118
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

راحت أصابعي تختار لها الشتلات، بينما طار عقلي إلى بغداد... واتتني فكرة، أخذ هدهد، أرتأيت عرضها على الأطباء بسرعة علّ اللّه يكتب لها الشفاء على أيديهم... بوجودي....‏

بعد انصراف افتخار عدت إلى غرفتي، بقيت في الفراش حتى المغرب، حين جاء من يخبرني بعودة نصار ويحيى من أربيل، ومعهما مضخة الديزل والأنابيب اللازمة، وفي حين فضل عيسى البقاء هناك، لمتابعة قضية المدرسة.‏

لم أستطع ترك فراشي، وتلبية دعوتهما بالحضور لمشاهدة المشتريات... تدثرت بالأغطية ونمت..‏

وفي صباح اليوم التالي تعاوّناعلى نصب المضخة، ومد الأنابيب، وبدأنا أنّا ويحيى وأمي وبعض الشباب‏

-الذين استأجرناهم-في العمل، واستأجرنا جراراً به حرثنا الأرض وبذرنا... وشتلنا... بعد يومين... إذ قررنا زرع ثلاثة أرباع الأرض كروماً، عالية المستوى، جيدة المردود، ونبقى الربع الباقي للخضروات الموسمية.‏

-هاتوا جثة كلب نصار... وادفنوه هنا... إنه أفضل سماد.‏

قلت للشباب ففعلوا، وعلق يحيىساخراً:‏

-رائع!! رائع جداً فبعد عشرة آلاف سنة، ستتحول عظامه إلى نفط... وبهذا ستضمن مستقبل أطفالك يا كاكاحمة...‏

نجحنا أنا ويحيى في إتمام عملنا على أكمل وجه، وفشل عيسى في مسعاه فشلاً ذريعاً، ففي ظهيرة اليوم الثالث، عاد خائباً، خالي الوفاض، ميتاً من الرعب، بعد أن كادت تعصف به الرياح العواتي:‏

-سبقونا وقدموا بلاغاً ضدنا، اتهمونا فيه، أننا نريد فتح المدرسة لأغراض حزبية، تضر الصالح العام، وتمسّ سيادة الدولة رفضوا الطلب وهددوني بتحويل القضية إلى دائرة الأمن...إذا عاودت إلحاحي...!‏

-أبهذه السرعة ؟ هل عرفتهم...؟‏

زم شفتيه بغضب، وكاد اليأس يفرخ في نفسه، يسلمه لحالة من الذهول، فاقترحت:‏

-هذا ما توقعناه، سنفتحها رغماً عن أنف السلماني وعصابته، سنشتري الكتب والدفاتر والأقلام... وسنفتح الصف الأول في المسجد,..... اذهب إلى الملاّ وحدد له أوقات الدراسة، واتفق معه حتى نبدأ قريباً.... رحب بفكرتي لكنه تردد وتخوف فدفعته دفعاً..‏

ذهب بعد توسلاتي لكنه أقبل بعد نصف ساعة، وهموم الدنيا على رأسه!‏

كان وجهه مربداً، مكفهراً، وقرأت الأزمة على جبينه قبل أن أسمعها من لسانه.‏

حاولت استنطاقه فسكت، وراح قلقه ينتقل إليّ رغم كلماته المطمئنة، وإصراره على أنه ليس في الجو مايعكر المزاج، لكني لم أصدقه...‏

ألححت عليه وأنا أنتحي به جانباً، بعيداً عن آذان يحيى وبقية الشباب فأخبرني:‏

-رفض الملاّ طلبنا... نكث بعهده لنا!‏

-لماذا؟‏

-يدعي بأنه سيفتح صفاً للصغار، لتعلم وحفظ القرآن!‏

-هذا رائع... ولكنه لن يتعارض مع المدرسة...‏

هز رأسه مؤكداً صحة ما أقوله، وتطلع إليّ بألم، كمن يعتذر عن فشله في مهمته.‏

-يبدو أن هناك من حرض الملاّ عطا اللّه ضدي...‏

-الملاّ! لا أصدق... سأذهب إليه لأعرف السبب...‏

أردت الذهاب فاعترضني، ربت على كتفي قائلاً:‏

-لا... لا تدعه، يفرض شروطه علينا... هذا المسخ من وعاظ السلاطين... ياويله مني وسواد ليله... ثق أنني لن أسكت... أنهم يهدفون لبث اليأس في قلوبنا ودب الرعب والخوف فيها، حتى يشعروننا بالضعف...‏

هددوني فخفت! ودهمني اليأس على الفور! بينما المنطق يقول: لا يأس مع الحياة... اليأس ممنوع... كل ما أطلبه منك يا كاكاحمة، ألا تنهار مثلي... وتستسلم ... فأنت أملنا وبك سننظم أنفسنا ونبدأ عملية الهجوم.‏

بدل أن نظل واقفين، بين دهش وهلع وغضب ومستنكر دون أن نفعل شيئاً...‏

-ماذا تقترح؟‏

-ولأن الهجوم أحسن وسيلة للدفاع عن الذات... علينا التفكير جيداً وابتكار أساليب مناسبة في التعبير عما نريد، لنحصل على كامل حقوقنا..‏

ادهشني كلامه ! لم أفهم مايريده بالضبط ... ولم يسمح لي مكبر الصوت بسؤاله، إذ جعجع أثناء حديثه، يعلن افتتاح دورة تعليم القرآن، ويزفّ البشرى لأهالي القرية، ويدعوهم لتسجيل أطفالهم...‏

-وحق اللّه سأبني المدرسة... لدينا مساحة كافية، قال بتصميم وسبابته تشير إلى البيوت الطينية الثلاثة... الواقعة خلف دارهم....‏

-وأبوك؟ أتراه يوافق ؟‏

-سأقنعه بحول اللّه...‏

-إياك أن تأتي على ذكر اسمي أمامه..‏

ضحك لتحذيري وقال:‏

-أتخاف أن يشترط : خجة مقابل المدرسة...؟‏

-سيجدها فرصته الذهبية... فيعرقل مسعانا. بعد افتراقنا وجدت نفسي مندفعاً إلى بيت الملاّ على الضد من نصيحة عيسى وتحذيره، والغضب يغلي في صدري طرقت الباب عدة مرات، وأخيراً فتحت رباب وهي تستر وجهها بنقاب....وبادرتني بنبرة كاذبة:‏

-الملاّ نائم....‏

فهمت ... ولم اشأ ازعاجه... تراجعت عن غضبي ...‏

لكني لم أدع الفرصة تفوتني... أعدت على مسامعها بعض ما سمعته أنا من عيسى.‏

-قولي لزوجك... هذا المسخ من وعاظ السلاطين....أنا لم آت للعتاب فهو لا يستحقه... الملاّ لا أخلاق له ولا يعرف شرف الكلمة... وعندما تقتضي مصلحته "أن يتواجد" في أي منطقة تراه متربعً هناك دون حياء...‏

بترت كلامي بسبب إحساسي بالتعب وعدت إلى البيت، تاركاً إياها واقفة تزم شفتيها في دهشة وحيرة.‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:36 PM   #119
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

28 -‏



لم يكن نجاحنا الكبير في الأرض دون ثمن، فبعد أن أثرنا العجب وأججنا الحقد والحسد حدثت المشاكل.‏

مرّ الأسبوع الأول على مباشرتنا العمل بسلام، وكذلك الثاني... لكن مع بداية الأسبوع الثالث، أحسست بالانهاك وشعرت بآلام حادة فاضطررت إلى ملازمة السرير دون حركة، متذرعاً بـ "خشيتي على هدهد الحامل، ووجوب البقاء بقربها".‏

وعلى مدار يومين متتاليين بقيت بعيداً عن الدنيا، ومشاغل القرية، ولم أعلم بما كان يدور، ولم يتطوع أحد لاخباري.‏

حتى هدهد التي ظلت إلى جواري كل الوقت، لم تفتح فمها بكلمة... ربما خوفاً عليّ... أو خوفاً من تهوري...‏

فبالإضافة إلى حيرة الجميع بسبب حادثة عزيزة، وانشغالهم في البحث عنها وعن سراقها -إذ مضت خمسة أيام على اختفائها ولم يظهر أي دليل يكشف هوية اللصوص، على الرغم من حرص المختار على إجراء التحقيق بنفسه، وجديته، ومتابعته المستمرة-فنصار لم يهدأ لحظة... لم يترك ثغرة إلا ودس أنفه فيها ليعرف سر مقتل كلبه... وظلت افتخار تحثه على عدم السكوت وتحرضه على المشاركة في التحقيق، لتبيان سبب الهجوم الفاشل على بيتها... فأزاح الهدوء الذي تميز به جانباً وعاد لشراسته وشقاوته... وبذلك لم يدع للمختار أية فرصة للراحة...‏

وفي خضم حيرة الرجال وبحثهم هطلت الأمطار بغزارة شديدة محدثة سيولاً جارفة، تهدمت من جرائها عدة بيوت، وتضررت المزارع القريبة من الجبل، المنخفضة منها بالذات، وساهمت في إخراج الأفاعي من أوكارها، لتهاجم المسالمين وتفزعهم، ولأنها كانت في سباتها السنوي لم يكن خطرها كبيراً... مما سهل القضاء عليها دون عناء،واستغل السلماني الوقت فمد أصابعه الخبيثة لتعبث في القرية.‏

سمعتهم يتهامسون سراً أمي وبشيرة وافتخار وعيسى ونصار، فثارت شكوكي، نهضت مرغماً وسألتهم عما يشغلهم فلم يجبني أحد‍‍! وحاولوا إعادتي إلى السرير فرفضت ... وفي تلك الأثناء جاء موسى، سمعت صوته فخرجت إلىالفناء الخلفي رأيته ملتفاً بعباءته، منفعلاً :‏

-ماذا بك؟‏

-إنه يبحث عن خروفيه...‏

سارعت أمي ترد، وأكمل عيسى كأنه حدس شكي في جواب خجة...‏

-جرفت السيول خرافة... استرجعناها كلها ماعادا الخروفين ... ضاعا دون أثر!‏

ثارت شكوكي، فتلعثمه وارتباكه لم يكونا نتيجة خسارة خروفين، بل لأمر آخر، أكبر وأهم بالتأكيد...‏

خرجت من البيت لأتحقق من ظنوني، رغم ممانعة الجميع!‏

فالتقاني المختار والحاج صالح وسط الساحة... كانا في وضع مرتبك، وحاولا أيضاً إرجاعي إلى البيت! إدخالي عنوة فرفضت:‏

-ماذا يحدث ؟ ليخبرني أحدكما عما جرى...‏

لحق بي عيسى وبشيرة فلم أسمع تمتمة الحاج...‏

وتنبهت لابن المخرف وهو يقول، هادفاً إبعادي عن شيء كبير وهام:‏

-رفض أبي منحنا الأرض، ولم يوافق على تهديم البيوت الطينية المتداعية لجعلها مدرسة... ثم تبين إنه باعها للسلماني سراً!‏

ضحكت، فأنبرت بشيرة توضح:‏

-لا تضحك... المصيبة...‏

اسكتها المختار بعصبية:‏

-عودي إلى بيتك هيّا...‏

والتفت نحوي ليبشرني:‏

-قبضنا على سارق بقرة سعدو..‏

-إنه أحد الرجال الذين أرسلهم السلماني....‏

-اسكتي يا بشيرة.. اسكتي..كاكاحمة مريض.. فدعي الأمور تجري بسلام...‏

صاح بها المختار مقاطعاً فنهرته:‏

-لا واللّه... لن أسكت يامختار... أيعتدون على زوجي وتريدني أسكت؟! سأهد الدنيا على رؤوسهم...‏

-ضربوا يحيى ؟! من هم؟‏

سألتها فأجابت بفزع:‏

-أدموا وجهه... قطع السلماني الماء عن الأرض، وخرب المضخة وأتلف الأنابيب..‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:36 PM   #120
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

متى حدث هذا؟ متى؟‏

هتفت والنار تتأجج في صدري.. فأعلنت:‏

-أمس، تسلل رجاله ليلاً... مستغلين شعورنا بالأمان... ولولا كلب نصار الجديد لما كشفنا جريمتهم...‏

-استيقظنا على نباحه، فرأيناهم يفرون لحق بهم نصار وأمسك أحدهم... وأمام المختار اعترف وأقر...‏

-حمودة هو الذي دفعه لسرقة البقرة...‏

تدخل عيسى بعد افتخار فأذهلني دار رأسي، حدقت في وجه بشيرة ومضيت... إلى الأرض الشرقية فزاد ذهولّي واستعرت النيران داخلي أكثر شدة... كانت الأنابيب كتلاً مهشمة، تنتشر بشكل فوضوي، والمضخة محطمة... لم أحتمل المنظر، جننت .. غلى مرجلي... خمّنت كل ما حدث، وحزرت، لِمَ منعني الجميع من الخروج...‏

التقيت في الطريق بيوسف يمشي كالمجنون، وافتخار تهرول خلفه مذعورة، أوقفته لأفهم فصاح وذراعه تلوح بهرواة ..‏

-ضربوا أخي وأدموه...‏

صمت لثواني، واستطرد:‏

-راح يتفاهم معهم فضربوه...‏

اندفعت إلى دار السلماني، بقوة لا تقاوم وبلا سلاح لأصفي الحساب القديم من حسان ولأنتقم مما حصل أمس، ولحق بي يوسف ورجال آخرون..‏

خرج حمودة الأعور لاستقبالي، بوجه يتقد نيراناً، وببندقية انكليزية، سريعة الإطلاق، محشوة دائماً..‏

-قف ولا تتقدم..‏

زعق بي وشهر سلاحه لإرهابي..‏

عينه البيضاء ذكرتني بعين الصقر الذي اصطدته ذاتي يوم وحاولت تدريبه بتجويعه، فاقتطع لحمة من يدي... ولم يتركني إلا بعد أن اقتلعت له عيناً...‏

أسنان حمودة المزمجرة ذكرتني بالثعبان وهو يغرز نابه المسومة في ساقي، ولم يتركني إلاّ وأصابعي تغوص في لحمه الطري...‏

-قلت لك قف... قف....‏

نبح ثانية فلم آبه به وتابعت تقدمي،كأني لم أسمعه.‏

-خطوة واحدة وسأرديك قتيلاً..‏

-نبح ثالثة ورابعة وكدت أرضخ، أقف وأتراجع لولا "العميد رأفت" برز أمامي فجأة وهو يسقيني الكأس...! فازداد جنوني... وانفجر مرجلي من شدة الغيظ...‏

تقدمت فتراجع هو.. تخاذل.. فتقدمت أسرع... رأيته يتراجع خطوة... خطوتين... هو يصرخ، يهدد، ينبح:‏

-قلت لك قف.... سأقتلك... لا تدعني أقتلك... لا تقترب... احذر... سأحشرك في المقبرة....‏

-أعقل يا حمودة ... لا تركتب جريمة من أجل السلماني... دوى تحذير عمي حسن، وهدرت بعدها صرخة نصار في أذني وأنا أتقدم:‏

-سنمزقك إرباً إرباً يا حمودة، إن أطلقت...‏

لم يرتدع حمودة، وفي خطوة يائسة لإرهابي، دفعته حماقته لأن يرفع بندقيته ويطلق على السقف!‏

هرب الرجال وخيم الرعب من حصول مالا يحتمل... حتى حمودة أفزعته الإطلاقة أكثر من أي شخص آخر.. وبدل أن يدب الذعر في قلبي كما أعتقد وبدل أن أهرب... ازددت تصميماً وإصراراً...‏

وحين تراءى لي "العميد" ثانية، يضحك مني ويسخر، ماعدت أرى شيئاً ودون اعتبار للنتائج هجمت... وهجم نصار في الوقت ذاته..‏

استطعنا معاً وبحركتنا السريعة، السيطرة على حمودة، انتزعت البندقية من بين يديه، وبضربة واحدة ماحقة هشمت أخمصها الخشبي على ظهره، فجأر من شدة الألم كما جأر البكر حين خصيته.‏

اكتفيت بالضربة، وتركته ليوسف، وكان عند حسن الظن. إذ لقن الأعور درساً لن ينسى.. ومما زاد الأمر سوءاً عليه مجيء الأخوين موسى وعيسى حاملين سلاحهما!‏

فتعاون الثلاثة على نهش لحمه المر... فلم يصمد طويلاً... انهار كثور متعب...‏

لم يتدخل أحد لفك الاشتباك، أو لمساعدة حمودة إثر عودتهم...! وقفوا يتفرجون بإثارة وترقب على المسرحية... حتى الحاج صالح الرجل المؤمن، اكتفى بالتطلع، وكذلك فعل المختاروبقية الرجال...وكأن الأمر لا يعنيهم بالمرة... مما دل على الكراهية التي يضمرها الأهالي للسلماني ورجاله.‏


  اقتباس المشاركة
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:07 PM.