| الإهداءات |
|
|||||||
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |

| الإهداءات |
|
|||||||
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
|
#1 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
21 -
(بعد عشرين يوماً من التحقيق والمحاكمة، برئت ساحتي وأطلق سراحي دون اعتذار، أوتعويض مادي... عدت إلى معسكر الغزلاني، فاستقبلني الجنود، الأصدقاء والمعارف، مباركين لي البراءة ومرحبين بعودتي، وأمطروني بوابل الأسئلة، ولم يتح لي مجيد فرصة الرد على كل استفساراتهم الغريبة. جرني من وسطهم وأخذني بعيداً عن آذانهم، وطالبني بشرح وتفسير ماحصل، ولم أكن أملك شرحاً ولا تفسيراً ومع ذلك علق: -إلهام هي السبب بالتأكيد، خافت أن تضيع من بين يديها وتتلقفك أحضان أخت زوجها، خافت أن تبوح للجديدة بكل شيء... سارعت فدبرت لك هذه المكيدة... لم تحسب أنهم سيفرجون عنك بهذه السرعة... والآن وبعد الذي حصل لن تتركك بسلام، باعتبارك عملة نادرة... وبما أن عقلك عقل خروف لا يشتغل كما يجب، فما عليك إلا تشغيل فحولتك... وهما.... -إلهام والجديدة-في مسيس الحاجة اليها... وعليّ تدريبك لوجه الله... لكن إياك أن تتكلم بشيء هنا أو في أي مكان آخر عن زوجة العقيد... وإلاّ سيدفنك حياً... ثق باللّه أن هذا القاتل لن يرحمك... فهذا إنسان كافر القلب... لا يعرف الرحمة... استغل وجودنا في الأردن فصفى كل الضباط غير المرغوب فيهم... بطرق فنية ... وهنا قتل العقيد حسام لأنه نافسه في أمرة المعسكر.... كل الضباط يعرفون ذلك لكنهم يتسترون. -أنا لن أفتح فمي، لم أفتحه إلا لك... أنت موضع أسراري... قلت في خوف ورجاء ... فطمأنني: -بالنسبة لي.. اعتبر أسرارك في بئر... فأنت لست صديقاً لي فحسب، بل أخاً، واللّه شاهد... ولا تدري كم تألمت لما جرى لك... لذا صممت أن أنتقم من ابن الكلب مونرو شر انتقام... من أجلك فقط... -عريفي إسماعيل!! لماذا؟ -لماذا !! ألا تدري أنه حاقد كسيده العقيد! وأنه لن ينسى أحقاده بسرعة! أنت أهنته أمامي وأمام الجنود فحتم عليه "الواجب" أن يأخذ بثأره ... فكر بالانتقام منك وحين سنحت له الفرصة دبر لك مكيدة خبيثة، وكاد ينجح بها لولاي... أحبطتها بسرعة بفضل اللّه القدير... -عن ماذا تتكلم يا مجيد؟ استفسرت بعجب فاستطرد: -استغل مجيء مفرزة الشرطة العسكرية لاعتقالك، فانفرد بالضابط المسؤول وشوه سمعتك، أدعى أنك مصاب بمرض عقلي، ونصحه بمعاملتك، "بحذر" واقترح اتباع الحيلة والخداع ليتم القبض عليك بهدوء... وكاد يفلح لولاي... ألتقيت بأحد أفراد المفرزة عرضاً وكان صديقاً لي -فأخبرني بكل شيء...ولأني أعرف خباثة العريف "أبو الحق" ومكره، أفهمت صديقي بعدم صحة ماسمعه، أقسمت له برجاحة عقلك وكذبت ادعاء مونرو وفندت أقواله، وأقنعته بوجوب توضيح ذلك للضابط ... قبل أن يدفعك لمستشفى الأمراض العصبية ... -المستشفى!! لكن لماذا؟ -أراد زجك في الشماعية، دار المجانين... هادفاً تحطيمك تماماً... فهو يعرف أن فيها رجالاً لا يعرفون الرحمة، قلوبهم قدت من صخر... يعتقدون برأي الغرب القديم، بأن مرضى الأعصاب لعنة سماوية تحل بصاحبها أو شيطان دخل في نفسه، فكان المرضى يوضعون في سجون مظلمة، وقد قيدت أيديهم وأرجلهم، ويعزلون عن العالم وعن أهلهم أيضاً...ويسلم أمرهم إلى ممرضين أشداء لا يعرفون إلاّ لغة الضرب والشتم والتعذيب.... -ياساتر!! أهكذا خطط ابن الكلب؟ واللّه... -لا تقسم ... دع الأمر لي ... لن يقدر عليه غيري ... بقيت في المعسكر يومين... منحت بعدها إجازة أسبوع فذهبت إلى مدينة أربيل ومنها أخذت سيارة أجرة أقلتني إلى القرية... وصلت بعد الظهر، وكنت متعباً... لكن حفاوة الاستقبال بددت تعبي وأنستني همومي... نسيت معسكر الغزلاني والعريف اسماعيل وجلسات التحقيق والمحاكمة... لكني دخت من كثرة الأسئلة فابتعدت عن الناس، باستثاء افتخار.. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#2 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
عدت إلى الموصل، وفي أول يوم، وبعد حصة التدريب، أحسست بالإعياء والإرهاق، لم أحتمل حرارة المهجع اللاهبة، وعرق الأجساد المتصبب، ورائحة الآباط المقززة، فهربت... رحت إلى رحاب السماء باحثاً عن رعشة هواء في الجو الخانق ...
كنت مرتاحاً، مستلقياً في الظل، أفكر بما حصل لنصار... وبالإهانة التي لحقت بالآغا، والتي أفرحت القرية بكاملها، عندما جاء العريف إسماعيل كالطاعون... انتصب قربي واقفاً، لم أهتم به، ولم أبال، لكن حين طالت وقفته، التفتّ إليه: ألقى عليّ نظرة ازدراء وأمر بجفاء: -حضر حالك، ستذهب مع النقيب خالد... -إلى أين؟ -إلى المشنقة... إلى ساحة الإعدام... -ستسبقني إليها إن شاء الله.. -أنت محظوظ، لأنك ستهرب من بين يدي... -وأنت أكثر حظاً يا إسماعيل، لأنهم أبعدوك عن "مجنون"- -سنلتقي وستعرف من هوالعريف إسماعيل... هددني بقبضتيه، فصحت وأنا أقف أمامه: -ولِمَ نؤجل اللقاء؟ .. هيّا، سأكسر رأسك لتعرف من هو كاكاحمة... المجنون... ياكلب... يانذل يابن... ارتد مذعوراً... تراجع خطوات... تطلع إلي بعجب وأنذر: -لن أمررها عليك ... وسترى -سأفقأ عينيك... أيها الخبيث... الكاذب... -لم يتجاسر أحد عليّ طوال خدمتي في الجيش! -لو احترمت نفسك معي... لاحترمتك... لكنك.... -كفى، كفى... هيّا حضّر حالك، وانتظر قرب البوابة... صاح مقاطعاً وابتعد مذهولاً.... انتظرت لمدة ساعة، ومجيد بجانبي، ينصحني ويرشدني، يسليني ويقوي عزيمتي، ويزيدني إصراراً، ولم أتخلص من ثرثرته حتى جاء العريف إسماعيل مرة ثانية فعجبت وزاد عجبي حين لمحته يشير خفية إلى مجيد ليقترب منه إلا أن هذا لم يفعل، فاضطر هو للاقتراب وتحفزت بدوري للرد عليه، ظناً مني بأنه سيتشاجر.... -لِمَ تتهرب مني يا مجيد؟! أذهلنا بسؤاله ... فمازحه مجيد: -أقسمت ألا أحدثك... ماذا تريد...؟ -جئت أسألك... أريد معرفة: من هو الرئيس كندي؟ أهو منا؟ سمعتك تقول: إنه كان على علاقة بـ... قاطعته مجيد بهدوء: وهو يخصني بنظرة تحذيرية كيلا أتهور وأضحك: -رح ياعريفي، إلى مكتبك وسآتي لأشرح لك عن علاقته بمارلين... -بالسيدة مارلين مونرو... صحح العريف وأضاف بحدة، وعيناه تراقباني: -لايجوز يا مجيد، لفظ الأسماء، أسماء العظماء دون ألقاب.. لايجوز... توقف لحظة، تنحنح كمن يستأذن ثم حسم أمره، ابتسم ولوى رقبته كالذليل، فتقاقم ذهولنا وكدت أسأله فسبقني مجيد: -ماذا تريد ياعريفي ؟ يبدو أنك جئت لسبب آخر... -أريد أن أطلب من كاكاحمة أن يجمع لي... -فهمت يا عريفي ... فهمت... أكمل مجيد حال تلجلج لسان العريف... والتفت إليّ مخاطباً بهزء واضح، دون أن يغير نظرته التحذيرية: -كاكاحمة أيها العزيز، لا تنسى عريفنا المبجل، "أبو الحق" قلّب كل مايقع تحت يديك من مجلات في بيت النقيب... واقتطع منها الصفحات الفنية فقط... خاصة الملونة... و"الستربتيز" بالذات... وأجلبها عند عودتك، ليباركها "أبو الحق" ويمررها على... |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#3 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
هز العريف رأسه شاكراً ومضى... فانفجرنا ضاحكين....
-عريفنا ليس مجنوناً فحسب بل خيرة المجانين... راح مجيد يضحك وينكت، ولم أتخلص من ثرثرته، وقفشاته إلابعد مجيء سيارة الجيب. مد السائق الشاب رأسه وصاح: -اصعد يا كاكاحمة... يا محير عقول العباد... ودعت مجيد وصعدت: جلست في المقعد الخلفي... وبقينا لدقائق حتى جاءالنقيب الطيار خالد، جلس بجواري وبادرني بوداعة وإخاء: -يا كاكاحمة، كيف الأحوال؟ -بخير، سيدي النقيب بخير... -الحمدّ لله، الحمد لله... -شكراً سيدي النقيب... شكراً... -سمعت أنهم برؤوك. -لا دخل لي في الحكاية... إلهام ورطتني... -إلهام!! زوجة العقيد رأفت؟ -نعم، حدثتها ذات يوم عما حصل فأخبرت الشرطة... -هل يعرف العقيد رأفت بذلك؟ -لا أدري... سكت فسكتّ بدوري... حتى وصلنا البيت.. -تعال، أحك لي الحكاية من البداية... صدح صوته وهو يقودني إلى غرفة الضيوف غرفة صغيرة، مرتبة ونظيفة، احتلت المكتبة، واجهتها الأمامية، بينما وزعت الأرائك على مدارها، في سقفها، علقت ثريا بسيطة، وعلى نافذتها ستائر جميلة، طرزت عليها بالإبرة ورود ملونة وطيور مختلفة... أجلسني ونادى على "سناء" لتسمح الحكاية معه، استقبلتني زوجته الشابة بأدب ملأ قلبي غبطة، أدهشتني حشمتها المتناهية، ووقارها وفي الحال شعرت بالطيبة تنبع من وجهها الخالي من المساحيق... سلّمت عليها فردت مرحبة، أحسست بالأخوة تشدني إليها وبالحنان، وتطايرت خطط مجيد الجهنمية ووصاياه الشاذة من دماغي، أدركت في تلك اللحظة، أن مجيداً ليس مخطئاً فحسب، بل مجرماً حين مزج كل النسوة -نسوة الضباط عندنا -في بوتقة واحدة... وعلى الرغم من معرفتها بأني المراسل الجديد، أشعرتني أنني في بيتي، مما ملأني غبطة مذهلة... حدثتهما بما وقع فدهشا، حديثي البريء لإلهام ومن ثم اعتقالي ومحاكمتي... وتمنيت أن أخبرهما بتلك المحاولات العقيمة التي قامت بها زوجة العقيد، لاستدراجي إلى جادة الرذيلة... وعمل المنكر... لكن لساني لم يطاوعني...! قال مجيد: إياك أن تفتح فمك فالعقيد لن يرحمك... إضافة إلى أن كتم أسرار الناس واجب كل شريف... تخيلت أختي بشيرة أمامي، تحدثني بمحبة وتخبرني: -غرفتك في الحديقة، وفرنا لك ماتحتاجه، وأي شيء ينقصك أخبرنا عنه... واسترسلت حين رأتني أهز رأسي شاكراً وأجنح 'إلى الصمت: -لن تضجر عندنا أبداً... ولا تشغل بالك بالأكل... سيصلك يومياً دون أن تدخل المطبخ... مهمتك تنحصر في الاعتناء بمها أثناء غيابي... أنا أذهب إلى الثانوية في السابعة والنصف صباحاً وأعود في الواحدة والنصف... فأرجو الاهتمام بها في هذه الفترة... أنا لم أرتح لدور الحضانة... فلا عناية بها كما أريد ... وابنتي لم تتعافَ منذ أدخلتها، قبل أشهر... امتلأت من الأعماق بنوع غريب من السعادة، فشكرت اللّه على نعمته... رحت أقارنها بإلهام فلم أجد شيئاً مشابهاً. -سأضع الصغيرة في عينيّ... فاطمئنا... -قل لي يا كاكاحمة ... وبصراحة... أسبق لك الخوض في هذه الشغلة ... شغلة تربية الأطفال؟ ضحك النقيب وهو ينهي كلامه... ولاطفتني زوجته وهي تشهد ابتسامتي: -لاتخجل ... أجب... -عاونت أختي بشيرة في تربية أطفالها... ويشرفني معاونة أختي الثانية بابنتها... -سلمت يا كاكاحمة... سلمت يا أخي... هتفت بفرح كبير.... |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#4 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
22 -
جاء المخرف إلى بيتنا بغتة، كنا نتناول الفطور حين سمعنا سعاله وهو يفتح الباب، يدفعها دفعاً... ويدلف دون استئذان، كمن يفر من شخص يلاحقه... بدا مغتاظاً، مستاءً وهو في كامل هيئته، الأمر الذي أثارعجب أمي: -منذ خمس سنوات لم ترتد ملابسك هذه! فما الذي جرى اليوم؟ لم يجب جلس بحذائه الجلدي وشرع يدمدم وحده.. -هل عاد عيسى؟ سألته فرد باقتضاب: -لا... عادت أمي لسؤاله والامتعاض يطفح على وجهها بسبب جلوسه مقابلها على الأرض: -ولِمَ جئت؟ -جئت أبارك لكاكاحمة زواجه. قرقرت أمي بضحكة طويلة، شامتة، واستخفت: -أبعد شهرين يا مخرف!! -لن أرد عليك الآن يا خجة، أنا جائع... لم أفطر بعد... قال وعيناه ترمقان صحون الطعام بشهية. -الأكل أمامك... مد يدك... وبخته أمي فتشجع بسمل، رفع ردنه وبسط كفه... وبدأ يأكل بنهم.. -ألا تستحي على شيباتك؟ توقف عن الأكل لحظة مستوضحاً فأكملت أمي إهانتها: -جئت تبارك بيد فاضية! أحمر وجهه، زفر بشدة وصرح بأسى كاذب: -أردت جلب هدية مناسبة تليق بكاكاحمة، قصدت دكان صالح.. -فوجدته مغلقاً، لم يفتح بعد... قاطعته أمي ساخرة: وأضفت مستهزئاً: -هذه حيلة قديمة يتذرع بها البخلاء.. تصنع الدهشة وصاح: -ألا تصدقني! -لا أحد يصدق كذبة واضحة.... كان عليك أن تنتظر الحاج ليفتح محله.. أو تطرق باب الدار.... تستحثه ليخرج... أحرجته أمي فتلعثم وعندئذ تدخلت هدهد بفطنة: -عمي عثمان لن ينسانا ... سيجلب هدية زواجنا في مرة قادمة... ضحكنا، أنا وأمي، فارتاح المخرف، وسألها: -أيعجبك كلام خجة يا هداية؟ -مجيئك شرف لنا ياعمي... فأهلاً وسهلاً بك وشكراً.. -أنت ابنة حلال.. لم تسمح له أمي بتكملة حديثه، قاطعته من جديد: -إذن ستجلب هديتك قريباً... -سأجلبها يا خجة... إذا وافقتم... كلامه الجاد الصريح، هيج أمي، رشقته بنظرة حادة وزجرته بغضب وهي تبلع ريقها: -على ماذا؟ لحس شفتيه بلسانه، مسدّ جبهته وأجاب بلهجة الواثق من قدرته: -جئتكم خاطباً.. أخطبك يا خجة من ابنك كاكاحمة.. انفجرت في عاصفة من الضحك، وامتعضت أمي بشدة . انقلبت سحنتها غماً، ونهرته، بينما ظلت هدهد صامتة: -هيّا امسح صحونك وعد إلى بيتك قبل أن تبول تحتك. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#5 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
اعتراه الخجل وردها بانكسار:
-إنه مرض ياخجة، أمر اللّه القدير، فلا تسخري مني. -آمنا باللّه، إذا كنت مريضاً فلم جئت؟! هيّا أكمل فطورك وامضِ من هنا... -سأشفى قريباً بإذن الله... ذهب عيسى إلى بغداد ليسأل لي عن أفضل الحكماء: -عندما تشفى إن شاء الله وتتعافى تماماً، أبحث عن واحدة تناسبك، تليق بمقامك أيها المخرف. -وأنت يا خجة؟ أترفضين حقاً! -عيب عليك يامخرف... زوّج أولادك أولاً ... عندك ثلاثة شباب يستحقون الزواج... فكر بهم... -ألديك مال يكفيك للزواج؟ سألته أنا بعد إهانة أمي فانتفض غاضباً واعترف: -أناأغنى من في القرية... أموالي ضعف أموال الآغا... أراضيّ المضمونة تدر ربحاً سنوياً كبيراً يكفي القرية كلها، وسياراتي الثلاث كنز لاينضب... ورصيدي في البنك خير من اللّه... اصطدته بسهولة، وأهنته دون رحمة: -ولِمَ لم تتبرع لبناء المسجد؟! أنت الوحيد الذي رفض المساهمة حتى بفلس واحد! أدعيت أمام الرجال الذين زاروك أنك لا تملك قوت يومك! ارتعش من الحرج، واستشاط غضباً وحرجاً حين أكملت بهدوء وفطنة: -قال اللّه في قرآنه المجيد: "إنما يعمر مساجد اللّه من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلاّ اللّه، وقال: "ومن يعظم شعائر اللّه فإنها من تقوى القلوب".. ارتبك من شدة الحرج، وزادت أمي ارتباكه بقولها: -لم تستجب لأمر اللّه القدير، وتريد أن تتزوج أيها الكافر! إن من لارحمة في قلبه لا يستحق الرحمة.. أتريد أن تميتني جوعاً! لم يحتمل أكثر ... زعق في وجهها: -وهل ماتت بشيرة؟ أسأليها، أيوجد في القرية من يأكل مثلنا؟ -لأنك دنيء النفس شره، يشتد اشتهاؤك للطعام بمرور الوقت، وحرصك على إحضار ماطاب لك ولذ! -كفى.... كفى.. -لا تغضب يا عمي.. عمتي... تمزح معك.. تمزح.. تدخلت هدهد عندما سمعته يغمغم ويهمهم.. أشرت إلى أمي بالسكوت... ففعلت... لكنه لم يهدأ استمر بهذيانه حتى طرق الباب... نهضت أمي لتفتح بسبب قربها من المدخل.. فرفع عينيه فلمحت فيهما حزناً دفيناً وخوفاً، وترقباً.. ولم يطل الأمر... فمجيء يحيى ويوسف المفاجئ أذهله، جمده في مكانه. -أنت هنا! ونحن قلبنا القرية بحثاً عنك.. تنهد يوسف وزمجر يحيى بوجه أبيه المرعوب: -ماذا أنت فاعل؟ أتريد استغفالنا ياسيد عثمان! سكت المخرف... لم يقو على الكلام، فأردفت يحيى: -أتتفق من وراء ظهورنا مع السلماني الكلب! أتظننا سذجاً لا نعرف ألا عيبك؟ -كذب... كذب... لم أتفق مع أحد... |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#6 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
دمدم مهتاجاً فأفحمه يوسف:
-لعلمك يا أبي، كنا الآن عنده... في البيت... لقناه درساً لن ينساه، وطردنا من كان بانتظار تشريفك، ليأخذك إلى أربيل لتوقيع العقد، لماذا تفعل هذا؟ أأنت بحاجة إلى مال؟ صمت المخرف مأخوذاً بجرأة ابنيه، فبربرت خجة مغتاظة: -لم أفهم شيئاً!! ابتسم يحيى وأوضح: -أبونا المحترم يريد بيع بيت أربيل، دون إعلامنا...! هذه هي المرة الثانية يا عمتي... التي يمكننا اللّه منه... في الأولى أفشل كاكاحمة العملية دون قصد حين أخذ أوراق البيع... واليوم نصار... -كذب... كذب... زعق بوجوههم وغادر البيت على عجل، دون أن يترك أثراً لبول، ولحق به الأخوان وهما في غاية الفرح... -ربما دثر نفسه، أو وضع دثاراً... على قلاقيله... علقت أمي هازئة وهي تدقق في مكانه... تحدثنا عن محاولة السلماني لاستدراج المخرف عن طريق سلطان ووساطته... واستنتجنا أن صفقة رابحة وراء ذلك، وهي التي أسالت لعاب المخرف ودفعته ليستعيد شبابه فيرتدي ملابس الحفلات ليمضي إلى أربيل... بعد الفطور، أخذت هدهد إلى الأرض الشرقية، وبدأت العمل في البئر، بعد أن أكسبني بئر المختارخبرة كبيرة. قبل يومين حددت المنطقة التي سأحفر بها، وأحضرت العدة اللازمة، فأس ومسحاة وقفة وحبل وإزميل... رحت أحفر بهمة ونشاط، أملأ القفة بالتراب، فتنقلها هدهد إلى منطقة قريبة.. ترميها وتعود... وسرعان ماكبرت الحفرة ونزلت فيها... ولم تتوان هدهد لحظة.. كانت تسحب القفة بوساطة الحبل، بنشاط وحيوية ودونما ضجر.... وجاءت أمي لمساعدتنا، أخذت تتلهى بطحن ماجلبته أمس من القرون، تمهيداً لمجيء سعدو، الذي لم يمانع في العمل معي، حالما كلمه نصار، الذي حذرني منه "رأيته مع حسان"! لم أستمر بعملي طويلاً، إذ أصابني الإرهاق وعاودني الصداع كما أن خشيتي على هدهد وعلى الجنين -الذي اعتقدت أنه بدأ ينمو في أحشائها-أجبرتني على التوقف طلباً للراحة. تمددت بجوار أمي، ورحت أسترجع ماحصل لي، وما سيحصل. كان الجو مشمساً، وثمة نسيم بارد عذب راح يلفح وجهي، أغمضت عيني وكدت أغفو. سمعت صوت بشيرة تتساءل ضاحكة: -ماذا قلتم لعمي ؟ ماذا؟ -لعنة اللّه عليك وعلى عمك المخرف... تعالي ساعديني... استقبلتها أمي باستياء وأمر، فقهقت بشيرة عالياً قبل أن تقول: -هددني بالتجويع، إذا رفضتم طلبه.عرضه السخي بخطبتك يا خجة! -خطبه إبليس إن شاء الله، أتدرين إنه خرج صباحاً قاصداً بيت الآغا ولم يكن في نيته المجيء إلى هنا.؟! -أعرف ... أعرف، ظل يحيى يستجوبه طوال الليل حول سبب مجيء سلطان، فلم يحصل منه على مايفيد وفوجئنا صباحاً بنصار يخبرنا بأن عمي في بيت السلماني! تسلل من البيت دون علمنا... وحين شعر باكتشاف أمره فر هارباً إليكم... ليسوغ خروجه المبكر والسري... في تلك الأثناء جاء من يخبرنا بوصول خالتي مريم إلى دار السلماني، فبعثت معه إليها رسالة شفوية مستعجلة: -أيتها السافلة، إذا تخطت قدمك عتبة دارنا، سأدفنك حية... عودي إلى أحضان زوجك الكلب.. وأنذرت أمي وبشيرة: -سأكسر رأس من تلتقي بها، لأي سبب من الأسباب . (( شعرت وأنا في بيت النقيب خالد، بأني أعيش في بيتي، بيت أخوتي! |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#7 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
كانت غرفة واسعة ومريحة، سرير نحاسي عريض، وشراشف بيضاء ناصعة، مطرزة، وراديو صغير وتلفزيون شدني إليه شداً .
سررت بوجودي مع النقيب وزوجته، وسعدت. وسرّا بي أكثر وسعدا، وتعلقت الصغيرة مها ابنة الثالثة بي، إلى درجة عجيبة. كنت أفطر وأتغذى وأتعشى معها كل يوم ماعدا الجمعة، إذ تصحو على يديّ، تستفيق من نومها في حدود التاسعة صباحاً، حيث يكون والدها في المعسكر، وأمها في الثانوية، أطعمها، أنظفها، وألاعبها، وأحكي لها الحكايات، تبقى معي حتى التاسعة ليلاً، تنام على كتفي فيضطر النقيب لأخذها برفق إلى السرير.. سناء المؤدبة الخلوقة، كانت امرأة بحق، تمتليء أعماقها بحب الناس فإضافة إلى مهنتها كمدرسة رياضيات ناجحة، فهي ست بيت نشيطة، لا تكل عن العمل أو تتعاجز. وعلىالرغم من كثرة ضيوفها -من الأقارب والأحباب والطالبات- فبيتها يظل على الدوام نظيفاً مرتباً. وعلى مر الوقت كان وجهها الذي لم يشهد الأصباغ، ضاحكاً مبتسماً، وبخاصة أمام زوارها، مما أثبت لي وأنا أقارنها بإلهام زوجة العقيد رأفت -طالبة الثانوية الفاشلة-بأن العربة الفارغة أكثر ضجيجاً، والسنبلة الممتلئة تنحني تواضعاً، وتبقى الخاوية منتصبة بزيف كاذب.. وكذلك كان النقيب خالد، خلوقاً ومؤدباً، لم أره قط منفعلاً أوغاضباً وظل مبتعداً عن الأهواء والأضواء : ولولا المناسبات والاجتماعات لما ترك البيت" بعد عودته في الثانية والنصف، أو أحياناً في الرابعة، ومنذ اليوم الأول عرفت أنه يتحاشى السهر والخروج مساءً، ويتجنب الاختلاط واستقبال الزوار! فحال وصوله يأخذ حماماً وينهمك بعده في قراءة مايجلب من الصحف والمجلات الجديدة، التي يحرص على اقتنائها كل يوم... ثم يجلس لمتابعة برامج التلفزيون، قبل أن يتعشى في الثامنة، وينام في العاشرة... كنت سعيداً معهماوفرحاً، واستمرت سعادتي وفرحي لسنة ونصف، ثم انتهى كل شيء في غمضة عين! ففي يوم كالح وصبيحة لئيمة، انطفأت فجأة شعلة الحياة المتوهجة، ورحل النقيب خالد إلى السماء، ليلاقي خالقه! تحطمت طائرته أثناء التدريب، ولم يسعف وقتئذ كما تقتضي التعليمات! مات فانتهى حلم سناء، وتكالبت الشجون فوق رأسها دفعة واحدة! فلم تمض ثلاثة أيام على المصاب الجلل حتى قدم أشقاء الراحل، يطالبون بحصتهم من "الغنيمة" ويدعون بما ليس لهم، وكأن الميت خروف وليس إنساناً! ساوموها بنذالة يندى لها الجبين، بين إبقاء طفلتها معها وبين حصة زوجها، من ميراث أبيه،حصته من أملاك عديدة وثروة طائلة، ماكان الراحل يذكرها في حياته... أرادوا تحويل حياتها إلى جحيم فهددوها لإجبارها على الموافقة والتنازل عن كامل حقوقها، وكادت تفعل لولاي... وعيت اللعبة بكل أبعادها، فوقفت في وجوههم بشجاعة وجرأة وطردتهم حين جاؤوا لسرقة محتويات الدار مستغلين عدم وجودها، إذا انتقلت إلى دار والدها، لتلتزم العدة الشرعية.. تشاجرت معم وضربتهم... تغلبت عليهم رغم كثرتهم... طول مدة تواجدها مع أهلها، بقيت أحرس البيت وحدي، أحافظ على محتوياته من شر أحقر خلق اللّه وأقذرهم ولأني عشت معهم على كفوف الراحة، أدركت أن الواجب يحتم عليّ الاستماتة في الدفاع عن البيت... واستفدت من فرصة البقاء وحيداً، فجمعت المجلات القديمة، ورحت اقتطع الصفحات الفنية،وأقص صور الفنانين كهدية لعريفي إسماعيل مونرو المحترم... متناسياً كل ماعمله ضدي... وبقيت أنتظر عودتي إلى المعسكر التي أصبحت أمراً مؤكداً، بعد رحيل النقيب... وحين انتهت عدتها رجعت سناء إلى بيتها، مع أختها وابن أختها الصغيرة، عادت منهكة جزعة... تحمل في صدرها قلباً منكسراً، حزيناً... -ماذا أفعل يا كاكاحمة؟ قلبي يتوجس شراً... من هؤلاء الأوغاد... -قبل كل شيء أسرعي لتسجيل الدار باسم "مها" اليوم قبل الغد حتى لا تندمي... -لماذا؟ -ألم تقولي إنهم أوغاد... قد يدبرون لك مكيدة.. فيتقوّلوا عليك مالا يصح... مايشين سمعتك. -كيف ؟ أنت تذهلني... -قد يقولون مثلاً: رأيناها مع رجل غريب... وبذلك يمنعون حضانتك لمها... ويطردونك من البيت...وعندئذ يتاح لهم بيعه بسهولة... -غداً سأذهب إلى مديرية الطابو... -الأمر ليس سهلاً... سنذهب أولاً إلى محام صديق زوج خالتي ... نستشيره... -ولم لا أسجله باسمي؟! -لا... سيثير ذلك شكوكهم، ويدخلونك في متاهات المحاكم بتهم التزوير والتلاعب بأوراق رسمية... سجليه باسم مها كي لا يحق لهم بيعه... -أحسنت يا كاكاحمة... أحسنت... إنها فكرة رائعة... -وسأذهب إلى المعسكر لمقابلة العقيد رأفت يجب أن يتحرك ويلجم الأوغاد... فكفاه سكوتاً... -أتصدق أنني لم أره بعد الحادث، إلاّ مرة واحدة! -أصدق.. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#8 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
23 -
فشلت محاولة البئر وخاب مسعاي: فبعد خمسة عشر يوماً من العمل الجاد، وعشرة أمتار من الحفر صادفتني طبقة صخرية، صلدة! أعلمتني رنة أول فأس على سطحها، باستحالة تفتيها، ولم تكتف، بل أسمعتني صرختها المدوية، حين لمحت إصراري على متابعة العمل، وعدم مبالاتي بها: -لاتتعب يا كاكاحمة... كفى، فلا جدوى مماتفعله. ورددت جدران البئر العاقر صدى الكلمات العشر وأعادتها أمي على مسامعي حالما هجست نيتي! ومن بعدها فعلت بشيرة، التي لم تأت لمساعدتي بل جاءت تشكو سوء حظها وتندب حالها، ولتعلن بدموعها الساخنة: -إن خصامي مع يحيى هذه المرة هوالأخير. لم أصدق، لم أقتنع، فكذبتها واضحة كشمس الظهيرة. ولأني كنت منزعجاً بسبب البئر، تجادلت معها بغضب وأرجعتها إلى البيت حالما ارتفع صوت زوج عمتي، يؤذن للمغرب... لم استسلم للفشل فمازالت أعيش لذة العمل ونشوته. لذة الروح وهي حالة من النورانية والانشراح في الصدر، فأعلنت تصميمي على مواصلة الحفر، حتى وإن اقتضى الأمر التسلل إلى ثكنة الجيش القريبة، لغرض الحصول على أصابع ديناميت، لتفجير الصخور المعترضة، وإزاحتها عن طريق الماء المخزون. أعلنت ذلك للجميع وكدت أمضي قدماً لولا هدهد ... فعلى السرير، وإثر عجزي عن مجاراتها في الحب وخيبتي قالت مازحة : -نضب بئرك يابن عمي، فلا تتعب نفسك. هجست امتعاضي فأردفت بسرعة: -كفاك تعباً وإرهاقاً لجسدك، وضياعاً لوقتك،اهتم بصحتك وليذهب البئر إلى الجحيم. -الأرض بحاجة للماء ياهدهد! -يمكننا جلب الماء من الجدول... -ذلك أمر صعب... سيرهقنا... -من أجل سعادتك، أقدم روحي رخيصة أمامك.. شكرتها، وقررت التوقف عن الحفر، وطمر الحفرة التي أرهقتنا، وإعادة التراب إليها.... ضاع جهدي المبذول طوال أسبوعين، وتطلبت عملية الردم ساعات نهار يوم كامل، أحسست في نهايته بارتجاف بسيط في جسمي، فأيقنت على الفور أنها علامات الانهيار، ثم استسلمت لنوبة الدوار المفاجئة... وأجبرت على الاستراحة ليومين متتاليين قبعت خلالهما في البيت، وعلى السرير بالذات ودونما حراك...إذ عاودني الصداع بشدة، وعاد ليعصف برأسي ثم حلت الحمى بجسدي كله، فاستلقيت على أساس أن النهاية حانت، ورحت أتلمس جسدي، تصورته نحيلاً هزيلاً لم يبق منه إلا الجلد والعظام... ووجهي شاحباً تعلوه، صفرة الموت... ولأني رحت أهذي، توسلت أمي إلى الملاّ أن يأتي لزيارتي ليقرأ بعض السور القرآنية، ويكتب لي تميمة تقيني شروراً كثيرة، وتبعد الضرر عني وتجنبني عيون الحسد والحاسدين. ولم يتأخر جاءني والألم يكاد يمزق الأحشاء، جلس قرب رأسي، لم تكن صحتي تسمح لي بفهم مايقوله ومتابعته... لكني سمعته يستعيذ ويبسمل، ويده على جبهتي، راح بعدها يؤذن ويقيم في أذني، ثم شرع يقرأ آية الكرسي، وفاتحة الكتاب وسوراً أخرى قصيرة.. مما أشعرني بشيء من النشوة.. ففتحت عينيّ لأشكره... فواجهني وجهه الباش وابتسامته العميقة: ربت على كتفي بحنان وقال: -ابشر يا كاكاحمة فالرسول (ص) يقول: إن المؤمن إذا حمّ حمّى واحدة تناثرت الذنوب عنه كورق الشجر. فإن صار على فراشه فأنينه تسبيح وصياحه تهليل، وتقلبه على الفراش كمن يضرب بسيفه في سبيل الله وأن أقبل يعبد اللّه عز وجلّ بين أصحابه كان مغفوراً له، فطوبى له إن مات وويله إن عاد، والعافية أحبّ إلينا... ولا تنسى يا كاكاحمة: إن صراع ليلة يحطَّ كل خطيئة إلا الكبائر... وحمى ليلة كفارة سنة، ذلك لأن ألمها يبقى في الجسد سنة، لذا فإن سهر ليلة من مرض أفضل من عبادة سنة. وتذكر يا بني إن المرض للمؤمن تطهر ورحمة وللكافر تعذيب ونقمة ولعنة... كرر أقواله وأدعيته وذهب بعد ساعة ... وتبعته أمي فبقيت مع هدهد المرعوبة: -ماذا بك يابن عمي؟ -عضلاتي مشدودة، متوترة، وأشعر بالإنهاك... -أعطني ظهرك لأدوسك... سأفرك عضلاتك... أمرغها تمريغاً.. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#9 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
ضحكت على ألمي ولاطفتها:
-كم ظهراً داست يداك... حتى الآن ياهدهد؟ فطنت لسخريتي فركبهاالحياء وردت بمزاح: -أنت الثاني يا بن عمي... الثاني... سكتت لتجس نبضي وتسمع ردة فعلي، فالتزمت الصمت وكتمت ضحكة كادت تفلت من شفتي... وحين دهمها اليأس من سماع جوابي أكملت والابتسامة تشرق في وجهها: -أبي لم يكن يرتاح إلاّ ليديّ... كان يخشى من كفيّ أمي الغليظتين... -وأنت ألا تحتاجين لمن يفرك عضلاتك يا هدهد؟ -لا تسخر ياكاكاحمة.. أنت تعرف أني بلا عضلات... ثم إن العمل معك نشط جسدي ... أزال خمولي، ومنحني قوة كبيرة.... بارك الله بك ومتعك بالصحة والعافية... خاطبتها بفرح وسألتها بعد مشاهدتي صينية الأكل موضوعة على جنب: -هل تناولت الفطور؟ تلعثمت، ترددت في الإجابة وقالت بعد حين: -نفسي لا تطاوعني... منذ سمعتك تتلوى في الفراش عافت نفسي الطعام... كرهت الدنيا... إضافة إلى إحساسي بالغثيان... وبالدوار... عندما استيقظت صباحاً... هدر حديثها في دماغي وأفرح قلبي، فتحركت يدفعني السرور: -منذ متى؟. -منذ يومين! لكني خجلت من مصارحة عمتي... لم أحب إزعاجها وهي مشغولة بك... -هدهد!! هتفت فرحاً واحتضنتها، فبوغتت: -مالذي حدث! لم أجبها، حلقت في السماء طرت مسروراً مخمناً وجود سبب لإحساس هدهد.. تحاملت على نفسي.. تركت السرير ومضيت أسأل أمي التي خرجت في وداع الملاّ، أسألها وأستجوبها: فتهلهل وجهها وهرعت إلى الغرفة، تفحص هدهد بعين خبيرة متمرسة، وأعلنت بعد دقائق وهي تطلق زغرودة: -مبروك يا هداية... مبروك ... أنت حامل ... ألف مبروك لك يا كاكاحمة... ارتعش جسدي، تملكني الحبور... وتطايرت الحمى... لم أتمالك زمام أمري... قبلّت رأس أمي وجبهتها وقبّلت هدهد، التي اعترتها النشوة والارتياح، وراحت تتمتم من فرط الحياء والبهجة... صح اعتقادي كنت متأكداً من حملها، فأنا كاكاحمة! لم أشأ البقاء في البيت والاستسلام للمرض.. كنت أعرف أن الرجل قد يتحطّم لكنه لن ينهزم... لذا خرجت أزف النبأ للسماء وأشكرها، للأشجار، للأرض... متناسياً مرضي وصداعي... طرت مبتهجاً ... ففي بطن هدهد جنين معجون من طين جسدينا... قادتني قدماي إلى الأرض الشرقية... نمت وسطها، وراحت عيناي تحدقان في السماء الرحبة... كل شيء بدا على غير ماتعودت! الشمس وهي تغيب والقمر وهو يبزغ، يتلألأ بشدة عجيبة، وتتوهج نجوم درب التبانة بصورة غريبة، لا مثيل لها، كأنها تنير لي الطريق، ترشدني وتحفزني على السير قدماً في مشاريعي فكرت في كل شيء.. في إلهام والعقيد، وفي سناء والنقيب، في مجيد والعريف.. ثم في الأرض.. وفي أفضل مايمكن أن نزرع وأسهل... ووجدت اقتراح يوسف بزراعة الكروم هو مايناسبني حقاً... وتركز تفكيري في عنب محلي على شكل عرائش... لأنه "مشروع، نافع، ناجح" يسهل تسويقه... كل مانحتاجه لمستلزمات العمل هو الحصول على جرار لقلب الأرض وحراثتها... |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#10 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
قررت أن أبدأ بشكل بسيط، حتى لا أضطر إلى الاقتراض... فمن يقترض اليوم يستجدي غداً... خططت وقست.
ونصبت ركائز العرائش وأعمدتها... وقررت أيضاً حث يحيى ليجلب شتلات عنب "الخليلي" الأكثرحلاوة، و"الآشوري" الكبير الحجم... كنت مستغرقاً في أحلامي، حين سمعت صوت بشيرة تنادي من بعيد... توقعت حدوث خصام جديد، فلعنتها في سري.. وتغاضيت عن ندائها المتكرر. -ماذا بك؟ ألم تسمعني حقاً! صاحت باستياء وهي تقف على رأسي: -عودي من حيث جئت.. لست متفرغاً لك... هيّا، حلّي مشاكلك السخيفة مع زوجك... وفي بيتك ... هيّا... ولا علاقة لي بالموضوع ... أياً كان... هيّا ... عودي... -أنا لم آت من أجل ذلك يا أخي المحترم! -ولم جئت إذن؟ -عيسى؟ -مابه؟ -عاد قبل قليل... لم أدعها تكمل... قفزت فرحاً، وهرعت للقائه.. في الطريق صادفت سعدو. -كيف أحوالك يا كاكاحمة؟ -أحسن منك.. كنت على عجلة من أمري، ولم أرغب في إضاعة الوقت مع ذلك وحتى لا أنسى وتفوت عليّ الفرصة قلت له: -اسمع يا سعدو... لا ظنّ أنك تستطيع خداعي بألاعيبك ... -خير إن شاء الله... ماذا بدر مني؟ -هل سيزوجك حسان من ابنة أخ كهرمان؟ -أعوذ باللّه.. تلك كانت نزوة حطمت أطرافي.. -مالذي تخطط معه ضدي؟ -لاشيء وحق المعبود... لاشيء.... -إذن اعمل معي بشرف ولا تتهرب... صحت به ومضيت نحو بيت المخرف. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
![]() |
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|