Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 639

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1041

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1046

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1518

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1523
من البعثة الى الهجرة - الصفحة 2 - منتديات شباب فلسطين
نحن مع غزة
قديم 02-23-2008, 05:45 PM   #11
سامي الروسي
I ♥ ISLAM
 
الصورة الرمزية سامي الروسي

لا تاسف على غدر الزمان لطالما
:::::
رقصت على جثث الاسود كلاب
:::::
لا تحسبن برقصها تعلو على اسيادها
:::::
تبقى الاسود اسود والكلاب كلاب
:::::

قوة السمعة: 17 سامي الروسي will become famous soon enough

افتراضي رد: من البعثة الى الهجرة

مقاومة المشركين للدعوة الجديدة

نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم في نهار يوم الاثنين من شهر رمضان وعمره أربعون سنة ، وذلك في غار حراء بجبل حراء بمكة المكرمة ثم انقطع الوحي مدة طويلة وبعدها عاوده الوحي فنزلت { يا أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر * والرجز فاهجر } ( المدثر 5:1). ثم فتر الوحي ثانية ليلتين أو ثلاثا حتى قال المشركون : قد ودع محمد ربه فنزلت: { والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى } ( الضحى 3:1).

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقي من نزول الوحي عليه شدة ، فكان جبينه يتفصد عرقا ، وكان جسمه يثقل ، وكان يتعجل في تلقي القرآن ويركز ذهنه بشدة خوف أن ينساه ، لكن الله تعالى بين له أنه يتكفل له بحفظه تخفيفا عنه.

وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول الوحي بعد الفترة الأولى أنه مكلف بحمل رسالة إلهية ، ويجب أن يقوم بتبليغها، فمضى يدعو أصدقائه وأهل بيته أولا ، ثم وسع نطاق المدعوين ، وكانت الدعوة في هذه الفترة سرية ، لئلا يفطن لها المشركون ، ويشتدوا في رصدها والقضاء عليها.

وقد استغرقت مرحلة الدعوة السرية ثلاث سنوات أسلم خلالها إضافة إلى خديجة أم المؤمنين عدد من أصدقائه وهم : أبو بكر الصديق ، وعثمان بن عفان والزبير بن العوام وعلي بن أبي طالب ـ ابن عمه ـ وزيد بن حارثة ـ مولاه ـ وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وخالد بن سعيد بن العاص وآخرون من الأحرار والعبيد مثل عمار بن ياسر وبلال الحبشي وصهيب الرومي ، وكان عدد المسلمين يزاد مع الأيام ، ولم يلقوا أذى من قريش في هذه المرحلة لأنها سرية ، ولأن قريش لم تتبين بعد خطورة الدعوة الإسلامية على عقائدها ومصالحها . لكن الدعوة تحولت إلى العلانية فبدأت مواقف قريش تسفر عن العداوة والمقاومة.

وقد أمر الله تعالى رسوله بإعلان الدعوة وإنذار عشيرته فقال تعالى: { وأنذر عشيرتك الأقربين } ( الشعراء 214) فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا فهتف: ( يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش ، فقال : " لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي ؟ " قالوا : ما جربنا عليك كذبا قال : " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " فقال عمه أبو لهب : تبا لك ، أما جمعتنا إلا لهذا ! ؟ ثم قام ، فنزلت سورة المسد ترد عليه تبت يدا أبي لهب وتب ) رواه البخاري .

وجاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتسفيه عقائد المشركين وتوضيح عقيدة التوحيد ، وتجهمت له قريش وبدأت بدعاية كاذبة ضده فمرة تتهمه بالجنون وآخرى بالسحر وثالثة بأنه شاعر .

وأخذ المشركون يسبون مذمماً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم ، يشتمون مذمما ويلعنون مذمما وأنا محمد ) رواه البخاري .

وقد قام سفهاء قريش برمي فرث الجزور ودمها عليه وهو ساجد يصلي، وهم يتضاحكون، فعلمت فاطمة فجاءت تنفض عنه ذلك، ودعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب تكذيبهم إياه واستعصائهم على الإيمان، وليس بسبب إيذائهم له، فطالما احتمل آذاهم ودعا لهم بالهداية.

وكان المشركون يسبون القرآن إذا سمعوا الرسول صلى الله عليه وسلم يجهر به وكان يحرص على الصلاة في المسجد الحرام ليظهر شعائر الإسلام واحترام الكعبة وتعريف الناس بدينه، وقد أمره الله تعالى بعدم رفع الصوت بالقرآن تجنبا لسب المشركين .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي مرة بفناء الكعبة، إذا أقبل عقبة بن أبي معيط ، فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقاً شديداً ، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم " رواه البخاري .

وقد ختم المشركون أذاهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمحاولة قتله في أواخر المرحلة المكية مما كان سبباً مباشراً للهجرة إلى المدينة . هذا عن أذى المشركين للرسول الله صلى الله عليه وسلم . وأما أذاهم لأتباعه المؤمنين ، فقد انصبت على المستضعفين منهم أنواع العذاب ، حيث " ألبسوهم أدراع الحديد ، و صهروهم في الشمس " وكان بلال يصمد لأذاهم حتى طاف به الولدان في شعاب مكة وهو يقول : أحد أحد ... وممن عذب في الله : عامر بن فهيرة وبلال ونذيرة وأم عبيس والنهدية وأختها ، وجارية بني عمرو بن مؤمل.

وقد اشترى أبو بكر رضي الله عنه الرقيق المؤمنين من قريش وأعتقهم ليمنع عنهم العذاب ، فقال له أبوه قحافة: لو أنك أعتقت رجالا جلدين يمنعونك ؟ فبين له أنه إنما يريد الله لا المنعة رواه الحاكم في المستدرك بإسناد حسن .

وقد وردت روايات كثيرة في ألوان العذاب التي لقيها عمار بن ياسر وأهله ، وممن ناله الأذى في سبيل الله خباب بن الأرت حتى سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله يخفف عن المستضعفين .

وقد أمر الرسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبر والاحتساب ، وضبط النفس ، وعدم مقارعة القوة بالقوة، والعدوان بالعدوان ، حرصا على حياتهم ، ونظرا لمستقبل الدعوة لئلا يئدها الشر وهي لا تزال غضة طرية ، ولعل المشركين كانوا يحرصون على مواجهة حاسمة مع الدعوة تنهي أمرها ، ولكن الحكمة الإسلامية فوتت عليهم ذلك الهدف .

وكان الرسول الله صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على عينه ، ويوجههم نحو توثيق الصلة بالله والتقرب إليه بالعبادة ، فكانوا يقومون شطر الليل للصلاة قريبا من سنة ورمت أقدامهم وضعفت أجسادهم ، فخفف الله عنهم بعد أن علم اجتهادهم في طلب مرضاته ، وبعد أن نجحوا في امتحانهم بهجر الفرش والنوم لتربيتهم على المجاهدة ، وقد ظهر أثر هذا الإعداد الدقيق للمسلمين الأوائل في قدرتهم على تحمل أعباء الجهاد وإنشاء الدولة الإسلامية في المدينة .

وقد حاولت قريش أن تقنع أبا طالب عم الرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليكفه عن الدعوة ، و لكن الرسول صلى الله عليه وسلم أوضح لهم اعتزامه المضي في الدعوة ، وإنه لا يمتلك حق التوقف عن التبليغ لأن الله أمره به ، فانصرفوا خائبين.

وكان المسلمون في العهد المكي يتعرضون لضغوط كثيرة من قبل المشركين ، بعضها نفسي كالسخرية والتكذيب والسب ، وبعضها بدني كالضرب والتعريض للشمس المتوهجة في رمال الصحراء الملتهبة ، وبعضها اقتصادي كالامتناع عن مخالطتهم وتنفير الناس منهم .

وكان القرآن ينزل لتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، بتعميق المعاني الإيمانية ، وغرس الصبر في نفوسهم ، وتربيتهم على الأخلاق الفاضلة ، وانتزاع شوائب الجاهلية وبقاياها من سلوكهم وعاداتهم ، وأمرهم بالاستعانة بالصلاة وتوثيق الصلة بالله تعالى ليزاد إيمانهم ويقووا على مواجهة أعدائهم .

ولما هاجروا إلى الحبشة وبعدوا عن أوطانهم وعدهم الله تعالى المثوبة . وقد وعد الله المؤمنين الصابرين بالنصر في الدنيا والأجر في والآخرة .

ووضح القرآن أهمية الالتزام بالحكمة وحسن المخاطبة ، والعدل في معاملة الآخرين . وتدل الصفات التي وصف الله تعالى بها المسلمين في السور المكية على سموهم الخلقي وإيمانهم العميق .

وخلاصة الأمر: فإن الحرب على دعوة الإسلام قائمة ومستمرة، ولكن الله ناصر دينه وأوليائه، ومنتقم من أعدائه، فله الحكمة البالغة وهو علي كل شئ قدير.


  اقتباس المشاركة
قديم 02-23-2008, 05:46 PM   #12
سامي الروسي
I ♥ ISLAM
 
الصورة الرمزية سامي الروسي

لا تاسف على غدر الزمان لطالما
:::::
رقصت على جثث الاسود كلاب
:::::
لا تحسبن برقصها تعلو على اسيادها
:::::
تبقى الاسود اسود والكلاب كلاب
:::::

قوة السمعة: 17 سامي الروسي will become famous soon enough

افتراضي رد: من البعثة الى الهجرة

إسلام عمر وحمزة رضي الله عنهما

إن الأفق المتلبد بالسحب قد يتولد منه برق يضئ, فقد مرت على المسلمين في مكة أيام غلاظ شداد مظلمة اضطرت فيها جماعات من المسلمين أن تفر بدينها إلى أماكن شتى وبطرق مختلفة، وبقي من بقي يكابد العنت والضيق من شطط المشركين وكيدهم، إلا أن عناصر جديدة دخلت الإسلام جعلت قريشاً تتروى في أمرها قبل أن تقدم على إساءاتها المبيَّتة ضد المسلمين.

ومن هؤلاء الذين أسلموا وكان إسلامهم فتحاً ونصراً للإسلام والمسلمين، وحسرة على المشركين حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم وكان رجلاً قوياً ذا عزيمة وشجاعة، وسبب إسلامه هو الغضب والحمية لابن أخيه صلى الله عليه وسلم، وخبر ذلك أن حمزة رضي الله عنه كان قادماً من الصيد فلقيته مولاة لعبد الله بن جدعان وأخبرته أن أبا جهل قد سب ابن أخيه سباً قبيحاً وآذاه، فأسرع حمزة وقد تملَّكه الغضب حتى جاء النادي الذي فيه أبو جهل ، وهو جالس بين قومه فوقف حمزة على رأسه وضربه بالقوس فشج رأسه شجة كبيرة وقال له : أتشتمه وأنا على دينه؟ أي تشتم محمداً وأنا أدين بدينه؟، فكان إسلام حمزة رضي الله عنه في بادئ الأمر حمية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأنفة أن يهان وهو ابن أخيه ، ثم شرح الله صدره للحق، قال حمزة رضي الله عنه: لما احتملني الغضب وقلت أنا على دينه، أدركني الندم على فراق دين آبائي وقومي وبت من الشك في أمر عظيم لا أكتحل بنوم ، ثم أتيت الكعبة وتضرَّعت إلى الله سبحانه أن يشرح صدري للحق ويذهب عني الريب، فما أتممت دعائي حتى زاح عني الباطل وامتلأ قلبي يقيناً ، فغدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا لي بأن يثبتني الله، وقال حمزة حين أسلم أبياتاً من الشعر منها:

حمدت الله حين هدى فؤادي إلى الإسلام و الدين الحنيف
لدين جــاء من رب عزيز خبير بالعباد بهـم لطــيف
إذا تليـت رسائله علــينا تحدر دمع ذي اللب الحصيف
رسائل جاء أحمد من هداها بآيات مـبيَّنة الحـروف

وأبلى حمزة رضي الله عنه في الإسلام بلاءً حسناً، ودافع عن الإسلام وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفاعاً عظيماً إلى أن اصطفاه الله تعالى في الشهداء، وقد شهد له بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : ( سيد الشهداء حمزة) رواه الطبراني .

وأما الرجل الآخر الذي كان إسلامه كذلك فتحاً ونصراً للمسلمين، وخزياً للمشركين وحسرة عليهم فهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد كان عمر رضي الله عنه من أوائل المحاربين للإسلام والمستهزئين بالمسلمين، وكان معروفاً بحدة الطبع وقوة الشكيمة، وطالما لقي المسلمون منه ألوان الأذى، وصنوف العذاب، قالت زوجة عامر بن ربيعة : " والله إنّا لنترحل إلى أرض الحبشة وقد ذهب عامر في بعض حاجاتنا ، إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف علىَّ وهو على شركه وكنَّا نلقي منه البلاء أذىً لنا وشدةً علينا، فقال : إنَّه الانطلاق يا أم عبد الله؟ قالت: قلت نعم والله لنخرجن في أرض الله، آذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله لنا مخرجاً، فقال عمر صحبكم الله ، ورأيت له رقة لم أكن أراها ثم انصرف وقد أحزنه فيما أرى خروجنا، قالت فجاء عامر بحاجته فقلت يا أبا عبد الله لو رأيت عمر آنفاً ورقته وحزنه علينا، قال: أطمعتِ في إسلامه؟ قلت: نعم، قال : والله لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب "، قال ذلك يأساً منه لِمَا كان يرى من غلظته وقسوته على الإسلام، ولكن قلب المرأة كان أصدق من رأي الرجل، فإن غلظة عمر كانت قشرة خفيفة تكمن وراءها ينابيع من الرقة والعطف والسماحة تفجرت بعد إسلامه .

والظاهر أن عمر كانت تتصارع في نفسه مشاعر متناقضة، وهي تقديسه لتقاليد وعادات الأباء والأجداد، واسترساله مع شهوات السكر واللهو، ثم إعجابه بصلابة المسلمين وثباتهم على عقيدتهم، ثم الشكوك التي تراوده في أن ما يدعو إليه الإسلام أجل و أزكى من غيره.

هذا وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم بدعاء كان بركة على عمر وتوفيقاً من الله تعالى له، روى الترمذي في سننه من حديث ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: ( اللهم اعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب قال وكان أحبهما إليه عمر ) فاستكان عمر رضي الله عنه للحق وأعلن إسلامه، ولما خلُصت نفسه من شوائبها، وتمحَّصت بالإسلام، كان مدداً عظيماً لجند الله، فازداد المسلمون به منعة وقوة ووقعت في نفوس الكافرين حسرة، قال ابن مسعود رصي الله عنه: " إن إسلام عمر كان فتحاً، وإن هجرته كانت نصراً، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنَّا ما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر ، فلما أسلم قاتل قريشاً حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه " ، وروى البخاري عن ابن مسعود كذلك قال: " مازلنا أعزة منذ أسلم عمر ".

وهكذا كان إسلام هذين الرجلين العظيمين فتحاً ونصراً للإسلام، ونصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقوة للمسلمين، ورفعاً لمعنوياتهم، والمتأمل يجد فرقاً هائلاً بين طبيعة المواجهة مع الإسلام في سنيِّه الأولى وبينها في السنة التاسعة وما بعدها حيث انضم عمر بعد حمزة إلى ركب الإيمان ، فكانت بحق نقطة تحوّل جوهرية في السيرة النبويّة .


  اقتباس المشاركة
قديم 02-23-2008, 05:47 PM   #13
سامي الروسي
I ♥ ISLAM
 
الصورة الرمزية سامي الروسي

لا تاسف على غدر الزمان لطالما
:::::
رقصت على جثث الاسود كلاب
:::::
لا تحسبن برقصها تعلو على اسيادها
:::::
تبقى الاسود اسود والكلاب كلاب
:::::

قوة السمعة: 17 سامي الروسي will become famous soon enough

افتراضي رد: من البعثة الى الهجرة

المقاطعة الاقتصادية

من سنن الله الكونية الصراع بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، ولا يزال الأمر كذلك أينما وجد الحق أو كان له أتباع، فالحق مُمْتَحن، ولكنه منصور ولو بعد حين، { يريدون ليطفئوا نور الله بأَفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون} (الصف:8).

وأقرب مثال لبيان حقيقة ما سبق موقف المشركين من النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته، حيث لم يتركوا وسيلة لحربه إلا سلكوها، ولا سبيل إيذاء إلا اتبعوه، ولما رأت قريش أن عدد الداخلين في الإسلام قد ازداد، وأن شوكة الإسلام قد قويت بعد إسلام عمر وحمزة، بدأت في التفكير في أسلوب جديد وطريقة أخرى للقضاء على هذه العصبة المؤمنة.

فمن طرق الحرب التي سلكها المشركون ضد المسلمين، الحصار الاقتصادي، فقد تمخض حقد المشركين عن عقد معاهدة تعتبرُ المسلمين ومن يرضى بدينهم، أو يعطف عليهم، أو يحمى أحداً منهم، حزباً واحداً دون سائر الناس، ثم اتفقوا فيما بينهم على أن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم ولا يجالسوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، وكتبوا بذلك صحيفة فيها عهد وميثاق " أن لا يقبلوا من بني هاشم صلحاً أبداً، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل ".

وعلقت هذه الصحيفة في الكعبة لتأخذ بنودها طابع القداسة، وأنه يجب التقيد والالتزام بها، فالعرب قاطبة تقدس الكعبة، لذا عمدت قريش إلى تعليق الصحيفة داخل الكعبة.

وقد فعلوا ذلك في الوقت الذي كانت فيه العرب عامة وقريش خاصة تتغنى بالكرم والجود والبذل والعطاء، وتعتبر هذه الخصلة من مواطن الفخر والمنافسة والسباق، ولكن لماَّ تمكن الحقد من قلوبهم، وسرى الغل في نفوسهم، نسوا كل هذه المعاني التي تعارفوا عليها، وأصبح الذين يطعمون الضيفان، ويلتمسون المحتاجين، يبخلون بالحقوق على قرابتهم وجيرانهم، فقطعوا الأرحام وأجاعوا الأطفال والنساء، ونُزعت من صدورهم كل معاني الإنسانية.

فاضطر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه إلى الاحتباس في شِعب بني هاشم، وانحاز إليهم بنو المطلب كافرهم ومسلمهم عدا أبا لهب ، فقد انحاز لقريش في خصومتها لقومه. وضيَّق المشركون الخناق على المسلمين، وقطعوا عنهم المؤن، ونفد الطعام حتى بلغ بهم الجهد والتعب أقصاه، وسُمع بكاء أطفالهم من وراء الشعب، حتى رثى لحالهم بعض خصومهم.

وكان الصحابة المحاصرونَ إذا جاءت عير إلى مكة، يأتي أحدهم السوق ليشتري قوتاً لعياله، فيقول أبو لهب للتجَّار: يا معشر التجَّار غالوا على أصحاب محمد حتى لا يدركوا معكم شيئاً، وقد علمتم مالي ووفاء ذمتي، فأنا ضامن أن لا خسار عليكم، فيزيد التجَّار عليهم في قيمة السلعة أضعافاً مضاعفة، فيرجع أحدهم إلى أطفاله من غير شيء، وهم يصرخون من الجوع، قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "خرجت ذات ليلة لأبول فسمعت قعقعة -أي صوتاً- تحت البول، فإذا هي قطعة من جلد بعير يابسة، فأخذتها وغسلتها، ثم أحرقتها، ورضضتها بالماء ، فتقويت بها ثلاثة أيام". وهذا يدل على مدى الشدة والحال التي وصلوا إليها بسبب ذلك الحصار.

وفي أيام الحصار، وفي تلك الحال، كان المسلمون يخرجون للقاء الناس في موسم الحج لدعوتهم إلى الإسلام، فلم تشغلهم آلامهم وما هم فيه عن تبليغ دعوتهم وعرضها على كل وفد يأتي إلى مكة، فإن الاضطهاد لا يقتل دعوة الحق، بل يزيد جذورها عمقاً وفروعها امتداداً .

وقد كسب الإسلام -خلال فترة الحصار- أنصاراً كُثُر، وكسب - إلى جانب ذلك - أن المشركين قد بدؤوا ينقسمون على أنفسهم، ويتساءلون عن صواب ما فعلوا، حتى قيض الله تعالى فريقا منهم لإبطال هذه المقاطعة، ونقض الصحيفة الجائرة، وذلك بعد ثلاث سنين من الشدة والبلاء.

وإذا كان ظاهر المقاطعة يلحق المشقة والعناء برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، وهذا الذي كانت تأمله قريش، فإن المقاطعة ألقت بآثارها السيئة على غير المسلمين من أهل مكة من حيث لا يشعرون، فقد تأثرت الحياة الاجتماعية من صلة رحم ونكاح ومخالطة، كما تأثرت الحياة الاقتصادية على كلا الطرفين، ومع ذلك فإن أحداث هذه المقاطعة مليئة بالفوائد والعبر، فمن تلك الفوائد والعبر:

- أن أعداء الله في كل زمان ومكان يحاربون الدعاة في أرزاقهم، حتى يستكينوا أو يرجعوا عما يدعون إليه.

- أن الإيمان إذا خالطت بشاشة القلوب، عاش صاحبه في جنة الدنيا، وإن كان أفقر الناس، ولهذا حرص الصحابة رضي الله عنهم على القيام بواجب الدعوة إلى الله في موسم الحج، مع ما هم عليه من حال عصيبة.

- على أهل الإيمان أن يستعدوا في كل حين لما يحيكه أعداء الباطل بهم .

وما أشبه الليلة بالبارحة، فأعداء الله في كل زمان ومكان حرب على الحق وأهله، كما قال الله تعالى: { ولا يزالون يقاتِلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } (البقرة: 217) وهم يستخدمون في ذلك من أساليب الحرب وأسلحتها ما يشبه بعضهم بعضاً فيه، ويرثه المتأخر عن المتقدم، ومن ذلك ما تقدم معنا من الحرب الاقتصادية، والتي استخدمها أعداء الإسلام في هذه الأزمنة أسوأ استخدام، ففعلوا بها الأفاعيل، فكم قتلوا بها من أطفال وشيوخ ونساء، بمنعهم الطعام والشراب والدواء، فأهلكوا الحرث والنسل على مسمع ومرأىً من العالم الذي يرعى حقوق الحيوان، ويزعم أنه يحفظ حقوق الإنسان!!


  اقتباس المشاركة
قديم 02-23-2008, 05:48 PM   #14
سامي الروسي
I ♥ ISLAM
 
الصورة الرمزية سامي الروسي

لا تاسف على غدر الزمان لطالما
:::::
رقصت على جثث الاسود كلاب
:::::
لا تحسبن برقصها تعلو على اسيادها
:::::
تبقى الاسود اسود والكلاب كلاب
:::::

قوة السمعة: 17 سامي الروسي will become famous soon enough

افتراضي رد: من البعثة الى الهجرة

عام الحزن

بعد أحداث المقاطعة الاقتصادية والحصار الذي قام به المشركون ضد المسلمين، وبعد نقض تلك الصحيفة الجائرة، انطلق المسلمون من الشِعب يستأنفون نشاطهم الدعوي، بعدما قطع الإسلام في مكة قرابة عشرة أعوام مليئة بالأحداث الجسام، وما أن تنفَّس المسلمون من الشدة التي لاقوها، إذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يصاب بمصيبتين عظيمتين هما: وفاة أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها ، ووفاة عمه أبي طالب .

لقد كان لوفاة خديجة رضي الله عنها وقعه الشديد على النبي صلى الله عليه وسلم، فهي التي آزرته في أحرج الأوقات، وأعانته على إبلاغ رسالته، وشاركته أفراحه وأتراحه، وواسته بنفسها ومالها، ووقفت بجنبه ساعة الشدة، وظلت ربع قرن من الزمان تتحمل معه كيد الخصوم، وآلام الحصار، ومتاعب الدعوة، ولذلك كان موتها من أكبر المصائب التي مرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى حزن عليها أشد الحزن وظل يذكرها بالخير طول حياته، ويبين للناس فضلها وإحسانها، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: ( كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء، قالت فغِرْتُ يوماً فقلت: ما أكثر ما تذكرها، حمراء الشدق قد أبدلك الله عز وجل بها خيراً منها، قال: ما أبدلني الله عز وجل خيراً منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء ) رواه أحمد .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ (أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ يا رسول الله، هـذه خديجة قـد أتت، معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقـرأ عليها السلام من ربها، وبشرها ببيت في الجنة من قَصَب لا صَخَبَ فيه ولا نَصَبَ‏) رواه البخاري .‏

وفي نفس العام الذي توفيت فيه خديجة رضي الله عنها توفي عمه أبو طالب ، وكان موته مصيبة أخرى أضيفت إلى المصائب والأحزان التي ألمَّت برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان أبو طالب الحصن الذي تحتمي به الدعوة الإسلامية من هجمات الكبراء والسفهاء مع بقائه على ملة قومه .

فقد ظل أبو طالب يحوط النبي صلى الله عليه وسلم ويدافع عنه، ويغضب له، ولم تستطع قريش أن تنال من النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد موت أبي طالب، فقال عليه الصلاة والسلام : (ما نالت مني قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب) .

والذي ضاعف حزن النبي صلى الله عليه وسلم أن عمه أبا طالب مات كافراً، ومع حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هدايته ودعوته للإسلام، إلا أن سنة الله في خلقه لا تتبدل { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين } (سورة القصص:56).

ولتوالي هذه الأحزان على رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام واحد عرف ذلك العام العاشر من البعثة، عند أهل السير بعام الحزن، وقد قال بعضهم مصوراً الحال بعد وفاة خديجة رضي الله عنه، وأبي طالب :

فجاء عمك حصناً تستكن به فاختاره الموت والأعداء في الأجم
تُرمى وتُؤذى بأصناف العذاب فما رئيت في ثوب جبَّار ومنتقم
حتى على كتفيك الطاهرين رموا سلا الجزور بكف المشرك القزم
أما خديجة من أعطتك بهجتها وألبستك ثياب العطف والكرم
غدت إلى جنة الباري ورحمته وأسلمتك لجرح غير ملتئم

إنها أحداث تهز الكيان البشري، وتزلزل الأرض من تحت أقدام الضعفاء، أما من قوي إيمانه بالله ويقينه بوعده ونصره، فلا تزيده هذه الأحداث إلا تصميماً وعزماً على مواصلة الطريق، وهكذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم.

وعلى الرغم من المحنة التي مر بها النبي صلى الله عليه وسلم، لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يهتم بشؤون أصحابه، ويقف إلى جوارهم ويواسيهم، ففي شوال من العام نفسه تزوج النبي صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعه ، وذلك حين خشي عليها من بطش قومها بعد وفاة زوجها، وهي أول زوجة للنبي صلى الله عليه وسلم بعد خديجة رضي الله عنها.

لقد علمتنا تلك الأحداث دروساً عديدة، فمنها أن الله سبحانه وتعالى يسخر للمؤمن من يحمي دعوته، وحياته من الأذى.

ومنها أن الزوجة الصالحة والمؤمنة لها أثر في نجاح الدعوة وانتصارها، وموقف السيدة خديجة رضي الله عنها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المثل الأعلى في ذلك.أ

ومنها أن أحداث عام الحزن بما فيها من ألم ومرارة، كان لها الأثر البالغ في قلوب الأتباع، حيث غرست في قلوبهم قوة الإيمان بالله جل وعلا، والصبر على مر القضاء والقدر، والالتجاء إلى رب الأرض والسماء.


  اقتباس المشاركة
قديم 02-23-2008, 05:48 PM   #15
سامي الروسي
I ♥ ISLAM
 
الصورة الرمزية سامي الروسي

لا تاسف على غدر الزمان لطالما
:::::
رقصت على جثث الاسود كلاب
:::::
لا تحسبن برقصها تعلو على اسيادها
:::::
تبقى الاسود اسود والكلاب كلاب
:::::

قوة السمعة: 17 سامي الروسي will become famous soon enough

افتراضي رد: من البعثة الى الهجرة

خروج النبي للطائف طلباً للنصرة

تكالبت الأحزان على النبي صلى الله عليه وسلم وزادت عليه همومه وتضاعفت بوفاة أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وعمه أبي طالب في عام واحد، فـخديجة كانت خير ناصر ومعين له -بعد الله تعالى-، وعمه كان يحوطه ويحميه ، ويحبه أشد الحب، وضاعف من حزنه صلى الله عليه وسلم أنه مات كافراً .



وتستغل قريش غياب أبي طالب فتزيد من إيذائها للنبي صلى الله عليه وسلم وتضيَّق عليه، وكان أبو لهب من أكثر الناس كراهية للدعوة وصاحبها صلى الله عليه وسلم ، حتى إنه كان يلاحق النبي صلى الله عليه وسلم في موسم الحج ، وفي الأسواق يرميه بالحجارة ويقول : " إنه صابئ كذاب "، ويحذر الناس من اتباعه، فضاقت مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد به الحال، حتى فكر في أن يتخذ أسلوبا آخر في دعوته بتغيير المكان، علَّه أن يجد قبولاً، فاختار الخروج للطائف، التي كانت تمثل مركزاً مهماً لسادات قريش وأهلها، ومكانا استراتيجيا لهم، حيث كانوا يملكون فيها الأراضي والدور، وكانت راحة لهم في الصيف.



فعزم على الخروج إليها راجياً ومؤملاً أن تكون أحسن حالاً من مكة، وأن يجد من أهلها نصرة، فخرج على أقدامه حتى لا تظن قريش أنه ينوي الخروج من مكة، وكان في صحبته زيد وهو ابن الرسول صلى الله عليه وسلم بالتبني، وكان بمثابة الحامي والحارس لرسول الله.



وبعد أن أمنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع السبل، وأخذ الحيطة والحذر، أقبل على الطائف وكله أمل أن تكون أرض خير وإسلام، لكن كانت المفاجأة!!



بدأ صلى الله عليه وسلم بسادات القوم الذين ينتهي إليهم الأمر، فكلمهم عن الإسلام ودعاهم إلى الله، فردوا عليه رداً قاسياً، وقالوا له: اخرج من بلادنا، ولم يكتفوا بهذا الأمر، بل أغروا به سفهاءهم وعبيدهم فتبعوه يسبونه ويصيحون به ويرمونه بالحجارة، فأصيب عليه الصلاة السلام في قدميه حتى سالت منها الدماء، وأصاب النبي صلى الله عليه وسلم من الهم والحزن والتعب ما جعله يسقط على وجهه الشريف ، ولم يفق إلا و جبريل قائم عنده، يخبره بأن الله بعث ملك الجبال برسالة يقول فيها: إن شئت يا محمد أن أطبق عليهم الأخشبين، فأتى الجواب منه عليه السلام بالعفو عنهم قائلاً: ( أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ) رواه البخاري .



واستمر أهل الطائف في إيذائه صلى الله عليه وسلم حتى اضطروه إلى بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة من سادات أهل الطائف، فجلس في ظل شجرة يلتمس الراحة والأمن، ثم دعا الله سبحانه وتعالى قائلا: اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربى ، إلى من تكلني ، إلى بعيد يتجهمني ؟ أو إلى عدو ملكته أمري ، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، غير أن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، أن يحل علي غضبك ، أو أن ينزل بي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك .



بعدها تحركت العاطفة في أهل ذلك البستان، فصرفوا عن رسول الله الأوباش والسفهاء، ثم جاءوا بغلام لهم نصراني يُدعى عداساً ليعمل على خدمة النبي، فحمل معه قطفاً من العنب، فلما وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مد يده إليه وقال: (بسم الله) ثم أكل، فقال عداس إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (من أي البلاد أنت؟) قال أنا نصراني من نينوى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى ؟) قال عداس: وما يدريك مايونس؟ قال عليه الصلاة والسلام: ( ذلك أخي كان نبياً وأنا نبي ) ، فأكب عداس على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدميه يقبلهما، فقال ابنا ربيعة، أحدهما للآخر: أما غلامك فقد أفسده عليك ! فلما جاء عداس قالا له ويحك ما هذا؟ قال لهما ما في الأرض خير من هذا الرجل، فحاولا توهين أمر النبي عليه الصلاة والسلام، كأنما عز عليهما أن يخرج النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف بأي كسب.


ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليستأنف خطته الأولى في عرض الإسلام وإبلاغ الرسالة للوفود والقبائل والأفراد، وزادت قريش من أذاها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلعت جلباب الحياء والمروءة، فراح بعض رجالاتها يلاحقونه عليه الصلاة والسلام في الأسواق والمواسم يرمونه بالكذب، ويحذرون العرب من اتباعه.

إن رحلة النبي إلى الطائف على ما حصل فيها مليئة بالعظات والعبر، فمن ذلك:



- أن في توجه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الطائف بعد أن أعرض أهل مكة عنه، دليلاً على حرصه صلى الله عليه وسلم على هداية الناس، واستمراره في دعوته للإسلام، وعدم اليأس من استجابة الناس.



- وهذه الرحلة تعلمنا كيفية التعامل مع الآخرين بالأخلاق الحسنة، وذلك واضح من خلق العفو والصفح الذي واجه به رسول الله صلى الله عليه وسلم سادات ثقيف وسفاءها.



- وفي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم دليل على الصدق في هذه الدعوة المباركة، وأنه في وقت الشدائد والصعاب يكون الالتجاء لله عز وجل بهذا الدعاء، ففيه استمداد القوة منه سبحانه، وفيه الاستعانة بالله عند شدة الأذى، وفيه الخوف من غضب الله وسخطه على العبد.



- وفي قصة عداس حيث أسلم على يد النبي صلى الله عليه وسلم كما رجحه بعض العلماء، نتيجة إيجابية لهذه الرحلة، حيث رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف وقد هدى الله عداساً على يديه.



- وإن المتأمل في هجرة النبي للطائف وما لاقاه من أذى السفهاء لعظة وعبرة للدعاة الذين يتأسون بسيرته صلى الله عليه وسلم، فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم لقي ما لقي من المشاق في سبيل إقامة هذا الدين، فمن باب أولى أن يلقى الدعاة مثل ذلك أو أشد.



وختاماً فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستسلم لهذا الواقع الأليم، بل صبر وصابر، وواصل جهاده في الدعوة إلى الله، فكان عاقبة صبره نصر من الله، وفتح عظيم تتفيأ الأمة ظلاله، وتنعم بنوره إلى يومنا هذا، وإلى يوم الدين.


  اقتباس المشاركة
قديم 02-23-2008, 05:49 PM   #16
سامي الروسي
I ♥ ISLAM
 
الصورة الرمزية سامي الروسي

لا تاسف على غدر الزمان لطالما
:::::
رقصت على جثث الاسود كلاب
:::::
لا تحسبن برقصها تعلو على اسيادها
:::::
تبقى الاسود اسود والكلاب كلاب
:::::

قوة السمعة: 17 سامي الروسي will become famous soon enough

افتراضي رد: من البعثة الى الهجرة

عرض الدعوة الإسلامية على القبائل



بعد مضي سنوات من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل مكة وملاقاته منهم العنت والصدود ، وصبره على مواقفهم السلبية وأذاهم له، صبراً لا تتحمله الجبال الراسيات، أراد نقل الدعوة إلى القبائل خارج مكة لعله يجد بينهم آذاناً صاغية وقلوباً واعية ، فيؤمن به بعض وجهاء القبائل ، فينشر هدايته ، ويضمن ملاذاً لأتباعه من المستضعفين والمساكين ، لذلك ركَّز الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته على القبائل ورؤسائها .

فبدأ صلى الله عليه وسلم بعرض نفسه على القبائل في السنة الرابعة للبعثة ، واستمر في عرض الدعوة على القبائل في مواسم الحج مستفيداً من تجمعهم ، حيث تأتي القبائل إلى مكة للحج وتحصيل المنافع من تجارة وغيرها ، وفي كل موسم يجدد الدعوة لهم ، فكان يأتيهم قبيلة قبيلة يعرض عليهم الإسلام ، ويقول : (يا بني فلان ، إني رسول الله إليكم ، يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد ، وأن تؤمنوا بي ، وتصدقوا بي ، وتمنعوني ، حتى أبين عن الله ما بعثني به) .

ولم يكن صلى الله عليه وسلم يسمع بقادم إلى مكة من العرب ، له اسم وشرف ، إلا تصدى له ، فدعاه إلى الله ، وعرض عليه ما عنده .

و كانت قريش تستقبل القبائل والقادمين بسب رسول الله وتوهين أمره حتى لا يقبلوا دعوته للإسلام ، وكان عمه أبو لهب يتبعه ويلاحقه ويرد عليه ويصرف الناس عنه .

ومن تلك القبائل التي دعاها النبي صلى الله عليه وسلم : بنو عامر بن صعصعة ، ومحارب بن خصفة ، وفزارة ، وغسان ، ومرة ، وحنيفة ، وسليم ، وعبس ، وبنو نصر ، وكندة ، وكلب، والحارث بن كعب ، وعذرة .

وكان صلى الله عليه وسلم حكيما يخرج إلى القبائل في ظلام الليل ، بعيداً عن عيون مشركي مكة المعادين للدعوة ، رائعاً في عرضه للدعوة ، حيث يمهد لذلك كما فعل مع بني كلب فبدأ بقوله : ( يا بني عبدالله ، إن الله قد أحسن اسم أبيكم) .

ومع أنه صلى الله عليه وسلم كان يجد الصدود والإعراض ، إلا أنه يصبر ويحتسب الأجر والثواب عند الله ، ويحمل لذلك هماً عظيماً وقلباً رحيماً يظهر من خلال ما روته أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم (يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد فقال لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل ، فناداني فقال إن الله عز وجل قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك ، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم ، قال فناداني ملك الجبال ، وسلم علي ، ثم قال يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال ، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك ، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ) رواه البخاري و مسلم .

وفي موسم حج عام أحد عشر للبعثة التقى الرسول صلى الله عليه وسلم بنفر من شباب يثرب من قبيلة الخزرج ، وكانوا من العقلاء فاستجابوا لدعوته ودخلوا في الإسلام ، وحملوه معهم إلى المدينة.

واستجاب له بعض الأفراد ممن دعاهم أمثال: طفيل بن عمرو الدوسي ، و ضماد الأزدي من أهل اليمن ، ممن رجعوا بالدعوة إلى أقوامهم .

وهكذا يجد الإسلام دين الحق طريقه إلى القلوب السليمة ، ويبقى أصحاب القلوب المظلمة على ضلالهم وكفرهم وعنادهم ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.


  اقتباس المشاركة
قديم 02-23-2008, 05:50 PM   #17
سامي الروسي
I ♥ ISLAM
 
الصورة الرمزية سامي الروسي

لا تاسف على غدر الزمان لطالما
:::::
رقصت على جثث الاسود كلاب
:::::
لا تحسبن برقصها تعلو على اسيادها
:::::
تبقى الاسود اسود والكلاب كلاب
:::::

قوة السمعة: 17 سامي الروسي will become famous soon enough

افتراضي رد: من البعثة الى الهجرة

المستجيبون للدعوة من غير أهل مكة

بدأت دعوة الإسلام المباركة - التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم - في مكة ، ثم أخذت تنتشر خارجها ، وأخذ عدد الذين دخل الإسلام قلوبهم من غير أهل مكة يزداد يوماً بعد آخر ، وكان من أوائل من استجاب لهذه الدعوة المباركة من خارج مكة :

1- سويد بن الصامت
وكان من أهل يثرب ، ومن شعرائها البارزين ، صاحب شرف ونسب ، جاء إلى مكة حاجّاً أو معتمراً ، فالتقى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعرض عليه الإسلام فأسلم ، وكان إسلامه في أوائل السنة الحادية عشرة من البعثة .

2- إياس بن معاذ
وقد جاء مع وفد الأوس لمحالفة قريش على الخزرج ، وكان غلاماً حدثاً ، وعندما التقى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، دعاهم إلى الإسلام ، فوجدت كلماته طريقها إلى قلب إياس ، الذي مات بيثرب وهو يوحد الله عز وجل ، وكان ذلك أوائل سنة 11 من البعثة .

3- أبو ذر الغفاري
كان من سكان نواحي يثرب ، ولما سمع بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أرسل أخاه ينظر الخبر ، ثم رحل بنفسه إلى مكة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، وطلب منه عرض الإسلام عليه ، فأسلم ، وأشار عليه النبي بكتم إسلامه ، لكنه فضّل الجهر به وإعلانه على الملأ من قريش ، ولقي بسبب ذلك إيذاءً في قومه ، كما جاء في صحيح البخاري .

4- الطُفيل بن عمرو الدَّوسي
سيد قبيلة دوس ، كان شريفاً في قومه ، وشاعراً لبيباً أريباً، قدم مكة في سنة 11 من البعثة ، فاستقبله أهل مكة وحذروه من محمد صلى الله عليه وسلم ودعوته ، حتى عزم على عدم كلامه ، ولا سماعه ، إلا أنه سرعان ما تراجع ، وأتى النبي وطلب منه عرض الإسلام عليه ، فأسلم ، وعاد إلى قومه داعياً إلى الله ، وما زال بهم حتى جاء بسبعين أو ثمانين بيتاً كلهم قد دخل الإسلام قلبه ، وقد استشهد يوم اليمامة رحمه الله ورضي عنه .

5- ضِماد الأزدي
من أزد شنوءة باليمن ، قدم مكة ، وسمع ما كانت قريش تصف به رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنه شاعر أو مجنون ، وكان يُرقي المرضى والمصابين ، فأتى الرسول صلى الله عليه وسلم وعرض عليه أن يرقيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الحمد لله نحمده ونستعينه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أما بعد ) رواه مسلم .

وكان لتلك الكلمات وقْعٌ في نفسه ، فطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيدها عليه ثانية ، ثم قال: " لقد سمعت قول الكهنة ، وقول السحرة ، وقول الشعراء ، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء ...هات يدك أبايعك على الإسلام ".

وكان من الذين وجد الإسلام طريقاً إلى قلوبهم غير ما تقدم ، نفرٌ لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في موسم الحج سنة 11من البعثة ، وكانوا من شباب الخزرج بالمدينة ، فدعاهم إلى الإسلام ، فاستجابوا له ، وكانوا ستة نفر، هم: أسعد بن زرارة ، و عوف بن الحارث ، و رافع بن مالك بن العجلان ، و قطبة بن عامر ، و عقبة بن عامر ، و جابر بن عبدالله .

وقد رجع هؤلاء إلى المدينة بالدعوة إلى الله ، حتى لم يبق بيت من بيوت الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وهكذا أخذ الإسلام - الدين الخاتم - يشق طريقه في ربوع المعمورة حتى عمَ جزيرة العرب زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم واصل الخلفاء الراشدون العمل على نشره خارج الجزيرة ، وكذلك فعل من جاء بعدهم ، حتى بلغ الإسلام أغلب بقاع الأرض ، وصدق الله إذ يقول : { والله متم نوره ولو كره الكافرون } .


  اقتباس المشاركة
قديم 02-23-2008, 05:51 PM   #18
سامي الروسي
I ♥ ISLAM
 
الصورة الرمزية سامي الروسي

لا تاسف على غدر الزمان لطالما
:::::
رقصت على جثث الاسود كلاب
:::::
لا تحسبن برقصها تعلو على اسيادها
:::::
تبقى الاسود اسود والكلاب كلاب
:::::

قوة السمعة: 17 سامي الروسي will become famous soon enough

افتراضي رد: من البعثة الى الهجرة

الأنصار وبيعة العقبة الأولى

بعد سنين طويلة قضاها النبي - صلى الله عليه وسلم- في جهاد دائم ، وعمل متواصل لا يعرف الكلل ولا الملل ، وهو يطوف على القبائل ، مبلغاًُ دعوة ربه ، ملتمساً الحليف والنصير ، ملاقياً في سبيل ذلك صنوف الأذى والصد والإعراض ، أراد الله إتمام أمره ، ونصر دينه ، وإعزاز نبيه ، فكانت البداية ، ونقطة التحول الحاسمة ، وبصيص النور الذي أطلَّ من بين ركام الظلمات ، عندما قيض الله أولئك النفر الستة من أهل المدينة ، فالتقى بهم - صلى الله عليه وسلم - في موسم الحج من السنة الحادية عشرة للبعثة ، وعرض عليهم الإسلام ، فاستجابوا لدعوته ، وأسلموا - ، وكان هذا الموكب أولَ مواكب الخير التي هيأت للإسلام أرضاً جديدة ، وملاذاً أميناً ، حيث لم يكتف هؤلاء النفر بالإيمان ، وإنما أخذوا العهد على أنفسهم بدعوة أهليهم وأقوامهم ، ورجعوا إلى المدينة وهم يحملون رسالة الإسلام ، حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم- .

فلما كان موسم الحج من العام التالي جاء إلى الموسم اثنا عشر رجلًا من المؤمنين ( عشرة من الخزرج واثنان من الأوس ) فالتقوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم- عند العقبة بمنى ، وبايعوه البيعة التي سميت " بيعة العقبة الأولى " ، وكانت بنود هذه البيعة نفس البنود التي بايع الرسول - صلى الله عليه وسلم- عليها النساء فيما بعد ، ولذلك عرفت أيضاً باسم " بيعة النساء " ، وقد روى البخاري في صحيحه نص هذه البيعة وبنودها في حديث عبادة بن الصامت الخزرجي رضي الله عنه – وكان ممن حضر البيعة – وفيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال لهم ‏:‏ ( تعالوا بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا ، ولا تسرقوا ، ولا تزنوا ، ولا تقتلوا أولادكم ، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ، ولا تعصوني في معروف ، فمن وفي منكم فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة ، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله فأمـره إلى الله ، إن شاء عاقبه ، وإن شاء عفا عنه ) ،قال :‏ " فبايعته " ، وفي رواية " فبايعناه على ذلك " .

ثم بعث النبي - صلى الله عليه وسلم- معهم مصعب بن عمير ، يعلمهم شرائع الإسلام ، ويفقههم في الدين ، ويقرؤهم القرآن ، وينشر الإسلام في ربوع المدينة ، فأقام رضي الله عنه في بيت أسعد بن زرارة يعلم الناس ، ويدعوهم إلى الله ، وتمكن خلال أشهر معدودة من أن ينشر الإسلام في سائر بيوت المدينة ، وأن يكسب للإسلام أنصارًا من كبار زعمائها ، كسعد بن معاذ ، و أسيد بن الحضير ، وقد أسلم بإسلامهما خلق كثير من قومهم ، ولم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون .

وعاد مصعب رضي الله عنه إلى مكة قبيل الموسم التالي ، يحمل بشائر الخير ، ويخبر النبي - صلى الله عليه وسلم- بما لقيه الإسلام في المدينة من قبول حسن ، وأنه سوف يرى في هذا الموسم ما تقر به عينه ، ويسر به فؤاده، فكانت هذه البيعة من أهم المنعطفات التاريخية في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم- وصحبه الكرام .

ومن خلال أحداث هذه المرحلة وما سبقها من عرض الإسلام على القبائل يمكن استخلاص العديد من الدلالات والمعاني المهمة ومنها :

الحكمة الربانية والتدبير الإلهي لهذا الدين في أن يكون الذين يستجيبون للرسول - صلى الله عليه وسلم- ويدافعون عنه وعن دينه ، من خارج قريش ، ومن غير أهله وعشيرته ، من أجل أن تقطع كل الشكوك حول طبيعة هذا الدعوة الجديدة ومصدرها وأهدافها ، ولئلا يقع أي التباس بينها وبين غيرها من الدعوات والمطامع الدنيوية .

ومن الدلالات أيضاً : أهمية وجود أرضية خصبة ، وسند قوي يحمي الدعوة ويحوطها ، ويحفظها من أن توأد في مهدها ، ولذا كان - صلى الله عليه وسلم- حريصاً على البحث عن قبيلة تسمح بنشر الدعوة بين ظهرانيها ، وتعلن حمايتها لها ، لأن الذين آمنوا به في مكة كانوا غرباء بين أقوامهم ، وكانوا نُزَّاعًا متفرقين في القبائل ، فكانوا بحاجة إلى ملاذ يفيؤون إليه ، وقبيلة تدفع عنهم وتحميهم ، وتمكنهم من نشر رسالتهم في العالمين ، وهو ما فعله - صلى الله عليه وسلم- .

ومن دلالات هذه البيعة ودروسها أن اختيار الرسول - صلى الله عليه وسلم- للمدينة وأهلها ، لحمل الرسالة ، ونيل شرف النصرة ، لم يكن اعتباطاً ، وإنما وقع الاختيار عليها لأن المدينة كانت تعيش ظروفًا خاصة رشحتها لاحتضان دعوة الإسلام ، فقد كان التطاحن والتشاحن بين الأوس والخزرج على أشده حتى قامت بينهم الحروب الطاحنة ، التي أنهكت قواهم ، وأوهنت عزائمهم ، كيوم بعاث وغيره ، مما جعلهم يتطلعون إلى أي دعوة جديدة تكون سببًا لوضع الحروب والمشاكل فيما بينهم ، ويمكن أن نلحظ ذلك من خلال قول أولئك النفر الستة : " إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم ، فعسى أن يجمعهم الله بك ، فسنقدم عليهم ، فندعوهم إلى أمرك ، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين ، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك " .‏

كما أن هذا الحروب كانت قد أفنت كبار زعمائهم وقادتهم ، ممن كان نظراؤهم في مكة والطائف وغيرهما حجر عثرة في سبيل الدعوة ، ولم يبق إلا القيادات الجديدة الشابة المستعدة لقبول الحق ، أضف إلى ذلك عدم وجود قيادة بارزة معروفة يتواضع الجميع على التسليم لها ، فكانوا بحاجة إلى من يأتلفون عليه ، ويلتئم شملهم تحت ظله .

ومن المعروف أن اليهود كانوا يسكنون المدينة مما جعل الأوس والخزرج على اطلاع بأمر الرسالات السماوية– بحكم الجوار- ، فكانوا اليهود يهددونهم بنبي قد أظل زمانه ، ويزعمون أنهم سيتبعونه ، ويقتلونهم به قتل عاد وإرم ، ولذا فبمجرد أن وصلت الدعوة إليهم ، قال بعضهم لبعض ‏:‏ " تعلمون والله يا قوم ، إنه للنبى الذي توعدكم به يهود ، فلا تسبقنكم إليه " .

ومن الدلالات أيضاً : أهمية معرفة الداعية والمربي لخصائص الناس وشخصياتهم ، ومن يصلح منهم لهذه المهمة أو تلك ، ندرك ذلك من خلال حسن اختياره - صلى الله عليه وسلم- لمصعب بن عمير للقيام بمهمة الدعوة ، ونشر الإسلام في المدينة ، لما كان يمتاز به رضي الله عنه - بجانب حفظه لما نزل من القرآن - من لباقة ، وهدوء ، وحكمة وحسن خلق ، فضلاً عن قوة إيمانه ، وشدة حماسه للدين ، ولذلك نجح أيما نجاح في دعوته ، واستطاع أن يتخطى الصعاب والعقبات الكثيرة التي واجهته باعتباره أولاً نازحاً وغريباً ، وثانياً يحمل رسالة جديدة تخالف ما عليه الناس ، وتريد أن تنقلهم من موروثاتهم التي ألِِفُوها ، وألْفَوا عليها آباءهم وأجدادهم ، ولعل في قصة إسلام سعد بن معاذ ، و أسيد بن حضير ما يبين ذلك بجلاء .

وهكذا مهدت هذه البيعة لما بعدها من الأحداث التي غيرت مجرى التاريخ ، وكانت إيذاناً بأن عهد الذل والاستضعاف قد ولى إلى غير رجعة ، وسيكون بعدها للإسلام قوته ومنعته ، ، وستتوالى على مكة مواكب الخير ، وطلائع الهدى والنور التي هيأها الله لحمل رسالته ، وتبيلغ دعوته ، والعاقبة للمتقين .


  اقتباس المشاركة
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:01 PM.