| الإهداءات |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |

|
|
|
|
#1 | |
|
قوة السمعة: 7
![]() |
غرفة علوية
عندما وصل أنطون إلى المكان الذي حدد له خارج أسوار البلدة القديمة، اقترب منه أحد الرجال الذي يرتدي قمبازا ويضع على رأسه كوفية وعقالا، مثل الفلاحين العرب، هامسا في أذنه: -اتبعني يا أخ أنطون..! وسار الفلاح مسرعا وخلفه أنطون يحث الخطى نحو البلدة القديمة، حيث غيبتهما حاراتها وأزقتها، حتى وصل الفلاح إلى أمام أحد الأبواب وبعد أن طرقه بطريقة متعارف عليه صعد الدرج وخلفه أنطون. ودخل الاثنان إلى إحدى الغرف العلوية حيث كان القائد فوزي القطب في الانتظار في هذه الغرفة لأحد منازل القدس القديمة المتلاصقة، وكانت ميزة هذا المكان العلوي أن الموجودين فيه، يستطيعون إذا داهمته الشرطة الإنجليزية الفرار بالقفز من سطح إلى سطح. لم يضيع الرجلان وقتهما، وبدا أنطون بالحديث: -لا بد تعرفون أهمية الوكالة اليهودية، وإن أي استهداف لها هو ضرب في العمق سيصيب العصابات الصهيونية بالضرر الكبير. اخذ فوزي خيط الكلام قائلا: -لأننا نعرف أهمية العملية المقترحة، كان هذا الاجتماع يا أخ أنطون، ولا بد من دراسة الأمور من جميع النواحي. وخلال أكثر من ساعة كان أنطون يجيب على أسئلة فوزي القطب حول المبنى والحراسة التي عليه، والى أي مدى يمكن أن يكون دخوله إلى المبنى آمنا دون أن يثير أية شبهة. وفي النهاية تم وضع خطة الهجوم، التي حملها فوزي القطب إلى القائد العام عبد القادر الحسيني الذي عندما اطلع عليها ربت على كتف فوزي مشجعا: -على بركة الله |
|
|
||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#2 | |
|
قوة السمعة: 7
![]() |
ليل وصباح
لم ينم أنطون في تلك الليلة، وطرد كل الأفكار التي جالت بخاطره حول الوظيفة الثابتة والمرتفعة الأجر والاهم مصير زوجته وأولاده، وقرر أن لا يفكر إلا في شيء واحد فقط. ولا يعرف أحد عدد فناجين القهوة التي تناولها أنطون في تلك الليلة، وفي الصباح حضن زوجته وأولاده بشدة وبعد أن خرج إلى السيارة ليذهب بها إلى عمله عاد مرة أخرى واحتضن زوجته وأولاده وبدت زوجته مندهشة من تصرف زوجها ولاحظت أن هناك ما يشغله. ولكن أنطون لم يكن لديه الوقت أو النية لنقاش زوجته فيما يشغله، فالوقت يمضي بسرعة، وانطلق بسيارة العمل، إلى منزل القنصل لنقله إلى مقر عمله، ووقف يستعد لنقل البريد إلى الوكالة اليهودية في شارع الملك جورج بالقدس الغربية. كانت سيارة القنصل الأميركي، التي يعمل عليها أنطون داود، من نوع فورد موديل عام 1948م، وفي ذلك الصباح كان عليه بعد أن استلم البريد أن يذهب بالسيارة إلى المكان المتفق عليه، وعندما اقترب من المكان أوقف سيارته، ونزل منها متلفتا في كل الاتجاهات ثم سار إلى حيث كان ينتظره رفاقه. وبعد أن ألقى أنطون السلام على الموجودين نظر إلى صناديق كانت جاهزة في أرضية المكان كتب عليها باللغتين الإنجليزية والعبرية (مواد قرطاسية). والتفت إلى رفاقه متسائلا: - ما هذا؟ هل نحن سنلعب معهم ونهديهم قرطاسية..!؟ رد عليه القائد فوزي القطب: -من الواجب أن نرد إليهم ولو قليلا من هداياهم الكثيرة…! اتجه أنطون إلى الباب ونظر منه خشية أن يكون تحت المراقبة، ثم خرج نحو سيارته وقادها قرب الباب. وانشغل رفاقه بإخراج صناديق القرطاسية ووضعها في صندوق السيارة. وحث الخطى إلى مقر الوكالة اليهودية لينفذ مهمته وينقل بريد القنصلية، وعندما وصل الباب ألقى التحية على الحارس الذي رحب به وفتح له الباب. دخل أنطون بسيارته وكان عليه أن يسيطر على أعصابه وترك سيارته في ساحة الوكالة في اقرب نقطة يمكن أن يضعها فيها دون إثارة أية شبهات وعاد إلى الباب ليخرج منه فسأله الحارس: -إلى أين مسيو أنطون؟ فرد عليه: -نسيت أن اشتري علبة سجائر، سأتناول واحدة وأعود حالا. ولم يسمع أنطون رد الحارس عليه، فالوقت كان مهما الآن، فصناديق القرطاسية في السيارة كانت عبارة عن 250 كيلو غرام من المواد المتفجرة صنعها فوزي القطب من مواد محلية، موصولة بساعة موقوتة. وما أن توارى أنطون عن الحارس، حتى قفز يركض من شارع الملك جورج نحو مقبرة (مأمن الله) التي تضم رفات بعض الصحابة وحولها الصهاينة فيما بعد إلى حديقة عرفت باسم حديقة ماميلا. كانت أنفاسه تتسارع عندما سمع دوي الانفجار الهائل..! توقف عن الركض، ونظر خلفه، ولأول مرة انتبه لدقات قلبه التي تخفق بسرعة هائلة. نظر إلى ساعته، كانت تشير إلى التاسعة والدقيقة الخامسة والأربعين. واليوم هو 11/3/1948م. ورغم أنه أدرك أنه لن يستطيع بعد الآن العيش بحرية وانطلاق، إلا أنه شعر بسعادة غامرة، ولن يهمه الآن أي شيء حتى لو مات في هذه اللحظة. لقد نجح. وقال لنفسه مستعرضا عذابات شعبه ونضاله في لحظات: "لقد نجحت…لقد نجحت". ولم يحدث هذا النجاح بسهولة، كان أساسه التنظيم والتخطيط وربما الأهم الاستعداد والجرأة التي تميز بها أنطون، ولم يكن يتصور أبدا أن يقوم بما فعله به ويتحول إلى مطلوب لأكثر من جهاز مخابرات في العالم. ولكن الوطن طلب منه فلبى النداء –كما قال لنفسه يطمئنها. |
|
|
||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#3 | |
|
قوة السمعة: 7
![]() |
في باب الخليل
بعد أن رأى الغمامة الكبيرة تتصاعد وتغطي البناء، تذكر ما فعله، فأطلق ساقيه للرياح من جديد، وعندما لاح أمامه باب الخليل، سرت في جسده اللاهث طمأنينة، فباب الخليل هو أحد أبواب القدس القديمة التي يحيط بها السور، ووصوله إلى هذا المكان يجعله أكثر آمنا نسبيا وسط المواطنين العرب، وبعيدا بمسافة معقولة عن موقع الحادث الذي لا بد انتشرت حوله الشرطة الإنجليزية وأفراد العصابات الصهيونية. عندما اقترب من باب الخليل، نظر إلى المقهى الشهير والذي يطلق عليه المواطنون (القهوة المعلقة) لأنه يقع في مكان مرتفع في أعلى سور القدس، وهو نقطة تجمع لكثير من المواطنين يأتون من مدن فلسطين المختلفة: حيفا، يافا، الخليل، الرملة وغيرها. وبدأ أنطون كأنه يبحث عن شخص يستحثه بالقدوم، فكل دقيقة وربما كل ثانية لها أهميتها الآن، وفجأة كان رجل يرتدي الزي الفلاحي التقليدي الفلسطيني يقترب منه ويرمي إليه بكلمة: -صباح الثورة. فرد عليه أنطون بسرعة: -مساء الوطن..! كانت تلك كلمة السر المتفق عليها بين أنطون والثوار، وأسرع الفلاح نحو البلدة القديمة وأنطون خلفه ودلفا من باب الخليل إلى القدس القديمة وغابا في أزقة وحارات القدس العتيقة. |
|
|
||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#4 | |
|
قوة السمعة: 7
![]() |
في بير زيت
خرج أنطون وصديقه من باب العمود بسيارة كانت تنتظرهما نقلتهما إلى مدينة بير زيت حيث كان عبد القادر الحسيني وقيادة الثوار. وفي مكانه الآمن، في بير زيت عرف من الصحف بأن المتفجرات التي صنعها فوزي القطب من مادتي (الجلنجت) و(ت.ن.ت) دمرت الجناح الشمالي لمبنى الوكالة اليهودية والذي يضم مكاتب بيت المال اليهودي (كيرن هايسود) ومكتب المجلس المالي اليهودي (عاد لئومي)، وتضرر من الانفجار كامل مبنى الوكالة واحترقت معظم الملفات والسجلات. وتباينت الأنباء حول القتلى ووصلت في بعض التقديرات الموثوقة إلى 36 قتيلا من أفراد العصابات الصهيونية الذين يديرون المبنى، من بينهم: المدعو (يافة) مؤسس بيت المال اليهودي المعروف باسم (الكيرن هايسود)، وبن زفي، ومويل دوب، ويائيل متس وغيرهم من زعماء العصابات الصهيونية (شتيرن، الهجاناة، الارغون) الذين كانوا أثناء التفجير مجتمعين في المبنى. وكان من بين المصابين الكثر في الحادث: ادوين صموئيل مدير دار الإذاعة الفلسطينية التي يشرف عليها الاحتلال الإنجليزي وهو ابن أول مندوب سامي على فلسطين: هربرت صموئيل الذي كان معروفا بصهيونيته وعدائه للسكان العرب. ولم تطل إقامة أنطون في بلدة بير زيت، وفوجئ أنطون بقرار القيادة بترحيله للعاصمة المصرية القاهرة: وعندما تبلغ بالقرار سأل أنطون: -إلى مصر؟ بعيدا عن ارض الوطن.. أجابه عبد القادر الحسيني: -مصر أيضا وطننا… ثم تابع: -أنت أديت واجبك بأفضل ما يكون ويتوجب أن تختفي فأنت المطلوب الأول الآن والخطر يحدق بك من كل مكان. حاول أنطون أن يناقش القرار ولكن الحسيني قال له: -هناك خطر حقيقي على حياتك، يجب أن تفلت من حبل المشنقة، وستعود قريبا بعد أن ندحر المحتلين. تمتم أنطون الذي كان يدرك في قرارة نفسه صواب قرار القيادة: -إنشاء الله يحدث كل خير ثم قال بنبرة جادة -وعائلتي..؟ -اطمئن يا أنطون..، ستكون عائلتك بأمان وسنحميها بأرواحنا. وتعانق الرجلان قبل أن يقول عبد القادر: -..المهم الآن أن تذهب وتأخذ قسطا من الراحة استعدادا للرحيل.. |
|
|
||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#5 | |
|
قوة السمعة: 7
![]() |
في بيت لحم
في الوقت الذي كان فيه أنطون داود في طريقه إلى مصر بمساعدة المتطوعين المصرين الذين هبوا لنصرة إخوانهم في فلسطين، كان رفاقه من الثوار يضعون خطة حماية عائلته في تلك الظروف المضطربة من تاريخ فلسطين. كانت العائلة التي فوجئت بما قام به داود، أخذت حذرها بعد شيوع نبأ العملية، وانتقلت من بيتها إلى بيت أكثر آمنا خوفا من الانتقام الإنجليزي والصهيوني. وفي تلك الليلة، من ليالي مدينة بيت لحم المعتمة، فتحت زوجة أنطون الباب بعد أن أيقنت هوية الواقف خلف الباب من الطرقات المتفق عليها: -أهلا أبو احمد، تفضل بالدخول. دخل عبد الله الصمرين المعروف باسم (أبو احمد) وقبل أن يجلس سألته أم جورج: -ها..طمأنني.. قال أبو احمد بحماس وهو يتخذ له مكانا قرب المدفأة: -سيكون أنطون بأمان، اطمأني وأكثر من هذا، ستكونون عنده في الأسبوع المقبل. سألت أم جورج باستغراب: -أين، في القاهرة؟ أجاب أبو احمد بثقة: -نعم يا أختي، استعدي أنت والأولاد نحن الآن نعمل على تجهيز كل شيء، وستسافرون إنشاء الله بأسماء مستعارة كي لا نلفت انتباه الإنجليز والصهاينة. وبعد أن تناول أبو احمد كوبا من الشاي هم بالخروج وهو يوصي أم جورج بأن تأخذ الحيطة والحذر. |
|
|
||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#6 | |
|
قوة السمعة: 7
![]() |
في القاهرة
لم تكن أم جورج تعلم مثل غالبية المواطنين بأن (أبو احمد) المعروف بميوله الوطنية ونشاطه مع الثوار، هو في الواقع أحد الذي يهربون السلاح من مصر للثوار الذي كانوا يعانون من شح الأسلحة في مقابل الدعم الإنجليزي غير المحدود للعصابات الصهيونية وإمدادها بالسلاح. وكان كثير الغياب عن مدينته وعائلته وسر ذلك أنه يقوم بمهمات نقل السلاح من إخوانه في مصر إلى إخوانه في فلسطين. وعندما غادر متوجها إلى القاهرة هذه المرة، كان شيء أخر يشده غير السلاح وهو وجود رفيقه أنطون داود الذي أصبح بطلا في عيون الفلسطينيين والعرب، والذي لم يضيع وقتا منذ وصوله إلى مصر، فبدا نشاطه بالاتصال مع جميع ممثلي الثوار الذي يمرون من العاصمة المصرية لشرح القضية الفلسطينية، وكان يتعاون بذلك مع زعيم فلسطين المفتي أمين الحسيني. كان أبو احمد يفكر كيف سيرقص الفرح في عيني أنطون عندما يحمل له المفاجأة، وعندما دخل عليه وتعانقا، سأله أنطون عن أخبار زوجته وأولاده، فقال له أبو احمد: -هل تريد أن تراهم الآن؟ أجابه أنطون بلهفة: -اتركنا من المزح يا أبو احمد واخبرني كيف الصغار. وبدا أنطون يذكر أسماء أبنائه واحدا واحد وما كاد ينطق بأسماء أولاده حتى كانوا يدلفون من باب المنزل واحدا اثر الآخر وخلفهم والدتهم. وكان لقاء فيه كثير من المشاعر والدموع والقبلات. ولم يكن التئام الأسرة من جديد نهاية آلام أنطون الذي كان مرتبطا بوطنه وقضية شعبه. |
|
|
||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#7 | |
|
قوة السمعة: 7
![]() |
في كوبا
تطورت الأوضاع في فلسطين على نحو أصاب العرب بصدمة، وقامت دولة لليهود الصهاينة على الجزء الأكبر من أراضى فلسطين بمساعدة من بريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأميركية وغيرها من دول وقفت مع الباطل ضد الحق. وكان قيام هذه الدولة يعني تشريد آلاف من السكان العرب الذي اجبروا على ترك منازلهم وأرضهم وشوارعهم ومدارسهم، وسمي ذلك بالنكبة، وأصبح جزء كبير من الشعب الفلسطيني لاجئين. وبالطبع اثر كل ذلك على أنطون داود وأبطال المقاومة والمجاهدين، وكان أن اتخذ أنطون قرارا هاما في مسيرة حياته، وتوجه من جديد إلى أميركا اللاتينية حيث ولد في إحدى مدن تلك القارة التي كانت تتململ للتخلص من مستعمريها وأنظمتها العدوانية، وكان يعتقد بأن التخلص من تلك الأنظمة الحليفة لأميركا وبريطانيا وانتصار الثورة هناك سيساعد على تحرير فلسطين وإعادة الحق لأصحابه. وقبل كل شيء كان لا بد أن يؤمن عائلته في مكان آمن، فدبر سفر عائلته إلى إحدى الدول باسمها المستعار الذي خرجت فيه من فلسطين، أما هو فظهر مع فيدل كاسترو قائد الثورة الكوبية، حيث أصبح برتبة كولونيل في تلك الثورة التي شكل انتصارها فرحا للثوار والأحرار في مختلف دول العالم. وبعد انتصار تلك الثورة، التي أثرت كثيرا على أميركا التي أخذت تدعم كل الأنظمة الفاسدة والتي تضطهد شعوبها، ذهب مع الثائر العالمي تشي غيفارا إلى دولة بوليفيا لإطلاق الثورة هناك، وخاض أنطون وجيفارا ومجموعة قليلة من الثوار معركة مع القوات الخاصة للمخابرات الأميركية التي تمكنت من قتل تشي غيفارا، وإجهاض الثورة، ولكن أنطون تمكن من النجاة. وفي هذه الأثناء كانت أجيال جديدة من المقاومين العرب بدأت برص صفوفها لتحرير الأرض ودحر الغزاة الصهاينة وأطلقوا شرارة الثورة الفلسطينية المعاصرة عام 1965م وبعد نجاته من الموت في غابات بوليفيا ومن محاولات عديدة لاغتياله من قبل جهاز المخابرات الإسرائيلي المعروف باسم الموساد، قرر أنطون العودة للمشاركة في هذه الثورة وكان يردد بينه وبين نفسه المثل الشعبي الفلسطيني: "البلاد طلبت أهلها" وفعلا عاد أنطون، ليندمج مع الجيل الجديد من الثوار، وفي حوزته خطط لإطلاق حرب عصابات ضد المحتلين الصهاينة، وليضع خبرته تحت تصرفهم وتصرف الوطن، ووصل إلى دولة الكويت في بداية سبعينات القرن العشرين، ولكن الموت عاجله بشكل مفاجئ، وبقيت طريقة موته فيها كثير من الألغاز. أما عائلته فما تزال تعيش حتى الآن في إحدى الدول باسمها المستعار، على أمل أن يأتي اليوم الذي يستعيد فيه عرب فلسطين أرضهم وتستعيد عائلة أنطون داود اسمها. ودمتم بخير |
|
|
||
| اقتباس المشاركة |
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|