| الإهداءات |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |

| الإهداءات |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
#11 | |
|
I ♥ AQSA
قوة السمعة: 14
![]() |
في الأرض المقدسة ، لذلك جاء الحديث مجملا في الآية (4) ، وهي الآية الأولى من قصة الإفسادتين ، فذُكرَ الإفساد والعلو لاشتراط وقوعهما في المرتين ، ولم يأتي بأي تفاصيل لأيّ من المرتين فيها .
وخلاصة القول : أن الأرض التي سيتم فيها علو بني إسرائيل وإفسادهم ، هي الأرض على عمومها في المرة الثانية ، وفلسطين بشكل خاص في المرتين . وأن عقابهم في المرتين سيكون في الأرض المقدسة خاصة ، وزوال علوهم في المرة الثانية من الأرض على عمومها بشكل عام ، والله أعلم . مَرَّتَيْنِ : المرة هي الفعلة الواحدة من شيء يُمكن تكراره ، والجمع مِرار ، واعتدنا أن نجمعها على مرّات . وقد أوضح سبحانه بما لا يدع مجالا للشك أنهما مرّتان بصريح اللفظ ، ولا يصحّ أن نُضيف ثالثة ، ومن أفتى بثالثة فقد أفتى بغير علم . وعندما تقول : مرة ومرتان وثلاث مرات ، فأنت في الواقع تَعدُّ فعلة واحدة تتكرّر ولها صفة الاستمرار كالعمرة والحج مثلا ، لتقول اعتمرت مرة ومرتان وثلاث مرات ، والعمرة لها شروط ومناسك خاصة بها ، تميّزها عن غيرها كالحج مثلا ، ولا يصحّ أن تَعدَّ أفعالا مختلفة على أنها مرّات ، كأن تقول مثلا عندما تعتمر مرة وتحجّ مرة ، اعتمرت مرتين أو حججت مرتين . ولا يصحّ أن تُسمّي فعلة غير مكتملة الشروط والمواصفات ، على أنها مرة كعمرة بلا طواف أو سعي . وخلاصة القول : أنّ المرتين تكرار لفعلة واحدة ، تمتلك نفس الشروط والمواصفات ، وبما أن إفساد بني إسرائيل في الأرض ، بدأ منذ نشأتهم قبل حوالي (3) آلاف سنة واستمر لغاية هذه اللحظة ، كان من الضروري لنا أن نستنبط من هذه الآيات شروطا ومواصفات ، تجعل من السهولة بما كان تحديد المرتين وبدقة متناهية وتحديد موقعهما من حيث الزمان والمكان ، وأول شرط من الشروط هو الإفساد المقترن بالعلو ، والشرط الثاني أن يكون في الأرض المقدّسة أي فلسطين دون غيرها . ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا : جاء أي مجيء الوقت المعين أو الموعد المحدّد ، والوعد أي الموعودين به من العقاب والهلاك ، والمعنى إجمالا هو مجيء زمن الاستحقاق لنفاذ الوعد بالعقاب والهلاك ، ومجيء الوعد متعلّق بتحقق الشروط الثلاثة في الآية السابقة ، ويتوضّح هذا المعنى في قوله تعالى ( وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (59 الكهف ) أي ربط الهلاك بموعد معين لا يتأخر ولا يتقدّم ، كما في قوله تعالى ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ(34 الأعراف ) وسرعة مجيء موعد الهلاك وإبطاءه تعتمد على درجة الظلم ، وتجد ذلك في قوله تعالى ( وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا … ( 59 الكهف ) وقوله ( … وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59 القصص ) والظلم المقصود هنا هو الظلم الأممي مع توافر الإصرار . إذ كلما زادت درجة الظلم وزادت وتيرة اقترافه ، كلما أسرع إلى الأمم قدرها المحتوم ، لتمضي فيها سنن الله التي لا تتحول ولا تتبدل . بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ : قال تعالى ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ (2 الجمعة ) وقال ( ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56 البقرة ) ، وقال ( فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ (31 المائدة ) ، ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا (5 الإسراء ) ومن خلال التدبر في الآيات السابقة ، نجد أن المبعوث من قبله سبحانه ، ليس له القدرة على بعث نفسه ، وذلك على حالين : الأولى : هي وجود الإرادة الإلهية وانعدام الإرادة البشرية ، فالرسل عليهم السلام بتلقي الرسالة عن طريق الوحي ، ينتقلون من حال الغفلة والسكون إلى حال الهداية والدعوة ، والموتى ينتقلون بنفخ الروح فيهم من حال الموت إلى حال الحياة . وفي هذه الحالة يكون التدخل الإلهي ظاهرا ، بإحداث البعث عن طريق إرسال الروح والوحي ، سواء كانت وسيلة البعث مادية أو معنوية . والثانية : هي وجود كلتا الإرادتين ، مع تعليق الإرادة الثانية بالأولى ، فالأحياء يملكون الإرادة في بعث أنفسهم ، لتصريف أمورهم الدنيوية ، ولكنّها إرادة معلقة بالمشيئة أو الإرادة الإلهية ، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، فإن توافقت الإرادة البشرية للقيام بأمر ما مع الإرادة الإلهية ، وقع ذلك الأمر وإن لم تتوافق لم يقع ، قال تعالى ( وَمَا تَشَاءُونَ ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30 الإنسان ) . وفي هذه الحالة يكون التدخل الإلهي غير ظاهر ، حيث أنه يتم عن طريق التمكين ، بإزالة المعوقات والمثبّطات وإيجاد التسهيلات والمحفّزات ، سواء كانت الوسائل مادية أو معنوية . وفي كلتا الحالين يكون البعث من عند الله ، ولذلك نسب سبحانه بعث أولئك العباد إلى نفسه ، لأن الله سيُمكّن لهم الأسباب والسبل عند خروجهم ، لتحقيق وعده في بني إسرائيل . وأما هؤلاء العباد فسيخرجون من تلقاء أنفسهم ، ورغبة منهم في ذلك بدفع من أسبابهم الخاصة . ونجد ذلك في قوله تعالى ( وَلَوْ أَرَادُوا الخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ، وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ ، وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46 التوبة ) أي لو أرادوا الخروج لأعدّوا عدة الخروج ، ولكنهم لم يُعدّوا العدّة لأن رغبة الخروج لديهم معدومة أصلا . وبما أن إرادتهم معدومة كره الله انبعاثهم ، فثبّطهم كي لا يخرجوا مكرهين حياءً أو رياءً ، خشية تأثيرهم السلبي على الخارجين . وفي المقابل فإنّ من وُجد لديه الإرادة والرغبة في الخروج ، كان الأولى بإزالة المُثبّطات وإحاطته بالمُحفّزات لتمكينه من الانبعاث والخروج . ـ مفهوم البعث : هو انتقال أو انقلاب أو تحول ، أو تغير من حالة إلى أخرى ، نتيجة مُسبِّب خارجي مادي أو معنوي . وخلاصة القول : أنّ عملية البعث هنا جاءت بمعنى الانتقال المكاني ، أي أن هؤلاء العباد سيأتون من خارج فلسطين ومن مكان بعيد نسبيا ، وعملية البعث معلّقة بالمشيئة الإلهية ، وموعد البعث منوط بهذه المشيئة ، وأن هؤلاء المبعوثين ولو تولدت فيهم الإرادة ، ومهما حاولوا الانقضاض ، مرارا وتكرارا على بني إسرائيل للقضاء عليهم وإفنائهم ، فلن يتمكنوا من ذلك حتى مجيء الموعد الذي حدّده رب العزة . عِبَادًا لَنَا : معظم الناس هذه الأيام ، يعتقدون اعتقادا جازما لا شك فيه ، بأن هؤلاء العباد المُشار إليهم في هذه العبارة هم عباد مؤمنين ، بل من أولياء الله المخلصين . ولبيان خطأ هذا المعتقد سنناقش هذا الأمر من عدة وجوه ، وبما أن هذه العبارة أحد أهم مرتكزات الفهم الخاطئ للنبوءة التي جاءت بها آيات سورة الإسراء ، سنتاولها بالشرح والتفصيل بما يتناسب مع حجم المساحة التي احتلتها في أذهان الناس . أولا : رأي المفسرين القدماء لم يكن فهم هذه العبارة مشكلة للمفسرين القدماء ، وهم الأكثر قربا وفهما لألفاظ العربية وتركيباتها اللغوية ، ولو رجعت إلى تفسيراتهم للعبارة وآرائهم في أصحاب البعث الأول والثاني ، التي أجملناها في الفصل السابق ، لوجدت أنّهم بلا استثناء لم يعيروها أدنى انتباه ، وبما أنّ أنّهم جزموا بأنّ تحقق الوعدين قد تمّ قبل الإسلام ، فهم على الأقل لم يثبتوا لهم صفة الإيمان ، حيث أن بني إسرائيل آنذاك ، كانوا من أهل الكتاب ، وكل من حولهم كانوا عبدة أوثان . بل على العكس من ذلك نجد أنهم بلا استثناء كانوا قد أثبتوا لهم صفة الكفر . ثانيا : كلمة عباد نكرة ، وإضافتها للجار والمجرور لم تعرّفها ، وبالتالي لم توضح ماهية المعتقد وردت هذه عبارة ( عبادا لنا ) في القرآن مرة واحدة فقط ، ولو أمعنّا النظر في تركيبتها لوجدنا أنّه سبحانه نكّر هؤلاء العباد ، ولم ينسبهم إلى نفسه حتى بضمير متصل كأن يقول عبادنا ، وإنما أُضيفت إلى الجارّ والمجرور ( لنا ) لنفهم أنّ تنكيرهم كان غاية بحدّ ذاته ، والإضافة للجارّ والمجرور جاءت هنا لتفيد ملكية الله لهم فقط ، وليس لها علاقة ببيان ماهية المعتقد . وذلك ليعلم بني إسرائيل أن هذا البعث من عند الله وبتمكين منه سبحانه ، فكل ما يجري على الأرض بخيره وشرّه ، لا يكون إلا بمشيئة الله جل وعلا وتقدير منه . ثالثا : الفرق بين العبودية والعبادة لنعلم أن أصل العبودية الخضوع والذل كرها أكثر منها طواعية ، وأصل العبادة الطاعة والولاء طواعية ورغبة لا كراهية فيها . والعبودية لله تجب على الخلائق ، بدافع الربوبية أي المُلكية بأحقية الخلق والإيجاد ، واقرأ سورة الملك إن شئت فهبي تفصل الأمر ، ونجدها في قوله تعالى ( قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ (164 الأنعام ) أي صاحب كل شيء ، وقوله ( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا (17 المائدة ) أي مالك للسموات والأرض ، وقوله ( خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ (102 الأنعام ) مما يعقل ولا يعقل ، والخلق هو الموجب لحقوق الربوبية والملكية ، ولذلك قال جل شأنه ( إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93 مريم ) من الملائكة حتى الذرّة من التراب ، رغما عن أنوفهم لا خيار لهم بأحقية ما سبق من خلقه إياهم . ويندرج تحت العبودية ، عبودية الرقّ بدافع الشراء أو ما شابه ، التي توجب الملكية وحق التصرف بكل شؤون العبد ، ومن هنا جاءت تسمية الرقيق بالعبد ، كما في قوله تعالى ( وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50 يوسف ) والملك هو ملك مصر وهو ربّ الرسول أي صاحبه وسيّده ، والرسول هو نفس الفتى الذي قال : ( إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ) وربوبية المَلِك لهذا الفتى جاءت بدافع ملكيته للفتى . أما العبادة فهي تقديم فروض الطاعة والتقديس والولاء لإله أو لآلهة ، ولا جبرية فيها فالخيار للمخلوق فهو يعبد ما يشاء ، والآلهة التي اتخذها الناس للعبادة كثيرة ومتنوعة ، قال تعالى ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا ، لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31 التوبة ) أما الغاية من خلق الجنّ والإنس فهي عبادة الله ، لقوله تعالى ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56 الذاريات ) . وكلّ الناس يمارسون طقوسا العبادة ، سواء كانوا من أهل الكتب السماوية أو وثنيون أو ملحدون ، أما المؤمنون بالله فهم من نُسبت عبادتهم لله ، وليس من نُسبوا بذواتهم فقط ، قال تعالى ( صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138 البقرة ) . ونجد أنه سبحانه يدعو إلى الإقرار بالربوبية ووحدانية الألوهية ، بأحقية الخلق لكل شيء أولا ، ومن ثم يأمر بالخضوع له ، وإفراده سبحانه بالعبادة والاتكال عليه ، في قوله ( ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ، فَاعْبُدُوهُ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102 الأنعام ) . فلا تستقيم العبادة إلا بإقرار الربوبية لله أولا ، ولا يستقيم الحال بإقرار الربوبية لله وحدها دون القيام بمقتضيات العبادة . وهذا ما كان عليه كفار قريش ، حيث أنهم أقرّوا بربوبية الله لهم ولكنهم أشركوا بالعبادة ، قال تعالى ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87 الزخرف ) بينما عبادتهم للأصنام قالوا فيها ( … مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى … (3 الزمر ) . قال تعالى ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11 فُصّلت ) طوعا من قبيل العبادة ، ولو لم تأتيا طوعا لكان ذلك كرها من قبيل العبودية ، حيث قال تعالى ( تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ، وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ، إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44 الإسراء ) . ومن ذلك يُسمّى من يرزح تحت العبودية كرها عبدا ، فلا خيار في ألا يكون فهو مرغم ، ويُسمى من يقوم بواجبات العبادة طواعية عابدا ، فالخيار في أن يكون أو لا يكون عائد إليه ، وأشدّ الكفر هو ما أُنكر فيه العبودية والعبادة لله معا ، وشتان ما بين المسمّيين مع أن جذرهما واحد وهو كلمة ( عَبَدَ ) . رابعا : الإفراد والجمع عباد وعبيد كلمتان مترادفتان ومفردهما ( عَبْد ) ، والعبد لغة نقيض الُحرّ ، فكلمتيّ ( عباد ) و ( عبيد ) هي صيغة الجمع من كلمة ( عَبْد ) ، وذلك بدلالة النص القرآني في قوله تعالى ( فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65 الكهف ) ، ولو قال ( عابدا من عبادا ) لاختلف الأمر ، وتدبرّ قوله تعالى ( ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3 الإسراء ) ، نجد أنه سبحانه يُخبر أن نوح عليه السلام ، كان عبدا أولا من العبودية ، وعابدا بالشكر لله ثانيا من العبادة . أما كلمة ( عابد ) وهو القائم بالعبادة ، فصيغة الجمع منها هي ( عابدون ) ، وذلك بدلالة قوله تعالى ( وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5 الكافرون ) خامسا : ترادف كلمتي عباد وعبيد في المعنى والاستخدام . وقد أطلق سبحانه لفظ عباد على العبيد بمعنى رقيق ، ونجد ذلك في قوله تعالى ( وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ (32 النور ) نجد أن الضمير المتصل ( كم ) في كلمة ( عبادكم ) يعود على المؤمنين المخاطبين بالنص ، ومما لا يُعقل أو من المستحيل أن نقول بأن كلمة ( عباد ) جاءت لغة من العبادة ، فهي لا تحمل هذا المعنى على الإطلاق ، ولو بدلالة هذه الآية فقط . وأما الترادف في الاستخدام ، فقد جاء في قوله ( وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (31 غافر ) وقوله ( وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46 فصلت ) وقوله ( قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48 غافر ) نجد أن المعنى المستفاد من عباد وعبيد ، هو جملة خلق الله مؤمنهم وكافرهم على السواء . سادسا : كلمة عباد نكرة ، ولا يُعرّفها إلا ما يأتي بعدها من سياق . تشمل العبودية كل من في السماوات والأرض وما بينهما من الخلائق ، وتشمل العبادة كل من يملك العقل والإرادة من خلقه ، ومنهم على سبيل المثال الملائكة والإنس والجن ، وهم المطالبون والمكلفون بإفراده جل وعلا بالألوهية والعبادة والمحاسبون عليها ، فإن جاءت كلمتي عباد أو عبيد معرّفة ، أو غير معرّفة بأل التعريف أو بالإضافة ، فهي تفيد جملة الخلق كقوله تعالى ( إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48 غافر ) ولا تفيد أي معنى آخر على الإطلاق ، إلّا إذا أُضيف إليها ما يفيد ذلك : كقوله تعالى ( إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81 الصافات ) ليُبرز فيهم سبحانه صفة الأيمان فهم عباده المؤمنين وفيها حثّ على الإيمان به . أو دل السياق على غير ذلك من نفي أو إثبات لصفة دون غيرها لتناسب الموقف ، كقوله تعالى ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (28 فاطر ) ليُبرز فيهم صفة العلم وحصر خشية الله بمن يتصف بالعلم فهم عباده العلماء ، وفيها حثّ على طلب العلم ، وقوله ( أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17 الفرقان ) دل السياق على ضلالهم فهم عباده الضالين وفيها تحذير من الضلال ، وقوله ( قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ (53 الزمر ) دل السياق على إسرافهم فهم عباده المسرفين وفيها تنفير من الإسراف ، وكلّهم نسبهم الله إلى نفسه بإضافة ضمير متصل يعود عليه سبحانه . سابعا : التركيب اللغوي للعبارة ، جيء به لتخصيص جزء من كل بصفة معينة وهي المراد إبرازها أصلا . ولتوضيح ذلك ، لاحظ الفرق بين أن تقول ( هذا بيتنا ) وذاك ( بيتٌ لنا ) يفهم المستمع من العبارة الأولى ؛ أنّ هذا البيت مُلك لكم وخاصتُكم وأنّكم مُقيمون فيه ، وأمّا الثانية ؛ فيفهم منها المستمع أنّ ذلك البيت مُلك لكم ولكنّكم غير مقيمين فيه ، وربما يكون فارغا أو مؤجّرا . ومن هنا نجد أن عبارة ( بيت لنا ) تعني أنّ بيتكم هذا هو واحد من جملة بيوت تملكونها ، ولا تعني شيئا أخر على الإطلاق ، وأنّك زدته تنكيرا بمثل هذا اللفظ . وأنك لو قلت ( ذاك بيت لنا ذو غرف كثيرة ) نفهم أنك أبرزت فيه صفة معينة اختص بها دون غيره من البيوت التي تملكونها ، وهي احتوائه على غرف كثيرة ، وميّزته عن باقي بيوتكم التي في معظمها ذات غرف قليلة . وكذلك الأمر بالنسبة لعبارة ( عبادا لنا ) التي جاءت منكّرة أيضا لإبراز صفة ( البأس الشديد ) التي يتميزون بها عن غيرهم من جملة عباد الله مؤمنهم وكافرهم ، ولم يأتي السياق بتصريح أو تلميح عن ماهية معتقدهم . ولتوضيح ذلك أكثر فأكثر ، نطرح هذا المثال ، فيه أربعة أقوال لرجل يُجيب رجلا آخرا يريد عمالا لمزرعته : 1- سأرسل لك ( أولادنا ) غدا للعمل في مزرعتك . 2- سأرسل لك ( أولادا لنا ) غدا للعمل في مزرعتك . 3- سأرسل لك ( أولادنا أولي المهارة والخبرة في الفلاحة ) غدا للعمل في مزرعتك . 4- سأرسل لك ( أولادا لنا أولي مهارة وخبرة في الفلاحة ) غدا للعمل في مزرعتك . فما المعنى الذي أفادته كل عبارة أعلاه ؟ 1- أنه سيرسل جميع أولاده ، مع عدم توضيحه لصفتهم أو ماهيتهم . 2- أنه سيرسل بعضا من أولاده ، مع عدم توضيحه لصفتهم أو ماهيتهم أيضا . 3- أنه سيرسل جميع أولاده ، وأن جميع أولاده لديهم مهارة وخبرة في الفلاحة . 4- أنه سيرسل بعضا من أولاده ، وأن هذا البعض من أولاده فقط ، هو الذي يملك المهارة والخبرة في الفلاحة ، أما البقية فلا . وأخيرا تدبرّ هذه الآيات : ( وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118 النساء ) ( أي أن من جملة العباد المنسوبين إلى الله هناك نصيب لإبليس ) ( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42 الحجر ) ( أي أن سلطان إبليس محصور فقط على أتباعه من الغاوين ، الذين هم من جملة العباد المنسوبين إلى الله ) ( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194 الأعراف ) ( أي أنتم وهم ، أي العابد والمعبود ، سواء في كونكم عباد ) ( قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ ءَامَنُوا (31 إبراهيم ) ( أي أن الخطاب لعبادي الذين آمنوا ، دون عبادي الذين كفروا ) ( تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (63 مريم ) ( أي وأن النار لمن لم يكن تقيا من عبادنا ) ( إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا ءَامَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109 المؤمنون ) ( أي وكان هناك فريق من عبادي ، يقولون غير ذلك ) ( فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85 غافر ) ( أي سبقت في مجمل عباده ، والخاسرون منهم هم الكافرون دون المؤمنين ) ( نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52 الشورى ) ( أي وهناك من لم نهدي من عبادنا ) ( إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا ءَاتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93 مريم ) ( مؤمنهم وكافرهم بلا استثناء ) وفي الحديث الصحيح الطويل ، الذي رواه مسلم وأخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجة وأحمد ، جاء ما نصه … إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى ، إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي ، لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ ( جبال القدس ) ، وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ، وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ … حيث يرد نفس التركيب اللغوي لعبارة ( عبادا لنا ) ، وهو ( عبادا لي ) في وصف يأجوج ومأجوج ، الذين قِيل فيهم ( قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ ، إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ، مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ، فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا ، عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94 الكهف ) . وخلاصة القول : أن كلمة ( عبادا ) جاءت نكرة وأن كلمة ( لنا ) لم تعرّفها وإنما جاءت هنا لتأكيد الملكية فقط ، وكل الخلق ملك لله ، ليؤكد سبحانه لبني إسرائيل أن هذا البعث سيكون من عنده ، وبما أن هؤلاء العباد ملكه فهم رهن إشارته وطوع بنانه ، ويملك حق التصرف بشؤونهم ، فإن شاء بعث وإن شاء أمسك . وأكثر المعاني دقة لهذه العبارة ( عبادا لنا ) هو أنهم ( طائفة من خلقنا ) لا أكثر من ذلك ولا أقل ، وأهم ما يميّز هؤلاء الخلق عن غيرهم أنهم ( أولي بأس شديد ) فقط لا غير . وأن ورود لفظ ( عباد ) في القرآن ، لم يقتصر على أولياء الله وأحباؤه ، وإنما جاء هذا اللفظ في الخطاب القرآني ، منّا على العباد بنعمة خلقه إياهم ورفقه ولطفه بهم مطيعهم وعاصيهم ، والكلمات ( عبادي ، عبادنا ، وعباده ) عادة ما تأتي كتهيئة لما سيأتي بعدها من صفة مميزة أو سياق يدل على صفة وهي المراد إبرازها أصلا ، فإن كانت صفة محمودة كالإيمان والعلم فقد أُبرزت تحببا بها ، وإن كانت صفة مذمومة كالضلال والإسراف فقد أُبرزت تنفيرا منها . وأما صفة البأس الشديد ، فقد أُبرزت تهديدا وتحذيرا وتخويفا لبني إسرائيل ، من سوء عاقبتهم بوقوعهم بين أيدي مثل أولئك الخلق ، الذين لن يرقبوا فيهم إلّا ولا ذمة ، لعلهم ينتهون ويرجعون ويرتدعون عمّا هم عليه من فساد وإفساد واستعلاء في الأرض . أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ : وصف الله هؤلاء العباد بأولي البأس الشديد ، والبأس كما قدمه معظم المفسرون هو القوة والبطش في الحروب ، والشدّة جاءت زيادة في المبالغة ، قال تعالى ( وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ (25 الحديد ) فانظر وتفكر في معدن الحديد ، فهو يحمل في جوهره صفتان قلما تجدهما في معدن أخر ، وهما : أولّا : أنّه يحافظ على طبيعته ، مهما عظم عليه الطرق واشتدّ ، ولا يحترق أي يتحول إلى مادة أخرى ، مهما ازدادت شدة النيران عليه ، وإن انصهر عاد إلى سابق عهده عند البرودة ، وهذه الصفة إن وجدت في البشر ، فهي الجلد والصبر عند وقوع البلاء . وثانيا : أنّه عند تشكيله وشحذه فهو قوي قاتل وقاطع ، لذلك قيل لا يفل الحديد إلّا الحديد وهذه الصفة إن وجدت في البشر ، فهي القوة والبطش عند مواجهة الأعداء . وفي قوله تعالى ( وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا (84 النساء ) نجد أنّه سبحانه قد وصف نفسه بذات الصفة ، وبما أنّ البأس الشديد تعني القوة والبطش ، فأين تستعمل هذه القوة وهذا البطش من قبله سبحانه ؟ وفي أي المواقع والمواقف يصف رب العزة نفسه بهاتين الصفتين ؛ القوة والبطش ؟ دعنا نتتبع هذه الصفات والعلاقة ما بينها ، في الآيات التالية ( إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12 البروج ) ( يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ (16 الدخان ) نجد أنّ الشدة ارتبطت بالبطش ، والبطش بالانتقام . ( إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (52 الأنفال ) ( إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40 الحج ) ( فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (42 القمر ) ( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102 هود ) ( لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4 آل عمران ) ، ونجد أنّ الشدة ارتبطت بالقوة ، والقوة بالعزة ، والعزة بالأخذ ، والأخذ بالشدة ، والشدة بالعزة ، والعزة بالانتقام . ومما تقدم نجد أن الموقف ، الذي يستدعيه جل وعلا لإظهار بأسه الشديد ، هو موقف الانتقام ، وأن الانتقام لا يتأتى إلا ممن هو قوي وعزيز . وخلاصة القول : أنّ هؤلاء العباد المبعوثين من قبله سبحانه على بني إسرائيل ، اختارهم الله لتنفيذ مهمة ، وهي إنزال أبشع انتقام إلهي ممكن في بني إسرائيل ، لذلك تطلب الأمر أن يكونوا أولي بأس شديد ، ويتمتعون بالقوة والعزة ، ذوي صبر وجلد عند وقوع البلاء ، وقوة وبطش عند اللقاء ، بغض النظر عن إيمانهم أو كفرهم ، زيادة في التنكيل وإمعانا في الإذلال لبني إسرائيل ، وما عدا ذلك من صفات العباد ، لا تصلح لتنفيذ هذه المهمة . والفتوحات التي اتخذت الطابع الإسلامي قديما وحديثا ، لم تحمل الطابع الانتقامي بإهلاك الحرث والنسل ، الذي سيكون عليه الأمر الذي تصفه الآيات . فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ : لم ترد كلمة ( جاسوا ) أو أي من مشتقات مصدرها ( جوس ) في مجمل القرآن ، إلّا مرة واحدة فقط في هذا الموضع ، لذلك لجأت إلى معجم لسان العرب ، وهذا مما قيل فيها : الجوس هو مصدر جاس جوسا ، وجوسان تردُّد ، فجاسوا خلال الديار : تردّدوا بينها للغارة والجوسان ؛ أي قتلوكم بين بيوتكم ؛ بمعنى يذهبون ويجيئون ؛ فطافوا خلال الديار ينظرون هل بقي أحد لم يقتلوه ؛ تخللوها فطلبوا ما فيها ، والجوسان : الطوفان بالليل ، ورجل جوّاس أي يجوس كل شيء يدوسه ، والجوس : طلب الشيء باستقصاء ، وكل موضع خالطته ووطئته فقد جسته . ولو جمعنا كل ما قيل فيها من معاني ، وأعدنا تشكيل هذه المعاني وصياغتها ، لخرجنا بالمشهد التالي : ( أغاروا عليكم – ليلا على الأرجح – ودخلوا دياركم ، ووطئوا أرضكم ليقتلوكم وينكّلوا بكم ، وتردّدوا فيها ذهابا وإيابا ، وطافوا خلالها شرقا وغربا ، وتخلّلوا أزقتكم واقتحموا بيوتكم بحثا وتقصيّا ، لعلّهم يجدوا منهم من بقي حيا ليقتلوه ) . نلاحظ هنا أنّ الله جلّت قدرته ، أوجز في وصف فعل هؤلاء العباد في بني إسرائيل أيّما إيجاز ، ليصف كل ما فعلوه في كلمة واحدة فقط ، هي كلمة ( جاسوا ) لتصف مشهدا كاملا ، ولم تكن الإضافة ( خلال الديار ) إلّا لتوضيح ما كان قد جيس . وهذا يُشبه مشهد الغارات الوحشية ، التي كان يقوم بها الأمريكي المدجّج بالسلاح الناري ، على قرى الهنود الحمر شبه العُزّل ، وما يُخلفه وراءه من دمار ومآسي ، مشهد طالما حفلت به أفلام الغرب الأمريكي . والعبارة جاءت لتصف ما قام به عباد البعث الأول عند بعثهم ، قال تعالى ( فجاسوا ) بصيغة الماضي ، أي أن هذا الجوس قد وقع في الماضي ، ولم يقل ( ليجوسوا ) بصيغة الاستقبال ، كما هو الحال في أفعال البعث الثاني التي ستقع في المستقبل . وخلاصة القول : أن هذا الجوس قد وقع في الماضي ، وكان غاية في البشاعة واستباح فيه هؤلاء العباد حُرُماتهم جميعها ، من أرض ومال وعرض ، فوقع فيهم القتل والنهب والسبي . وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا : هذا الخبر جاء كتعقيب على الوعد الأول ، ليؤكد سبحانه تحقق المرة الأولى بعلوها وإفسادها وبعثها ، قد تحقق قبل نزول هذه الآيات ، حيث جاءت صيغة اسم المفعول ( مَفْعُولا ) من الفعل ( فَعَلَ ) ، للدلالة على تمام الفعل ، بمعنى وكان وعدا ( قد فُعِلْ ) فيما مضى من الزمان . ولم تأتي بأي حال من الأحوال بمعنى ( مقضيا ) كما قدّمه معظم المفسرين القدماء ، ومنهم القرطبي أجلّه الله ، حيث قال فيها وكان وعدا مفعولا أي قضاء كائنا لا خلف فيه على اعتبار أن نفاذ الوعدين كان قبل الإسلام . وقد جاءت هذه العبارة كجملة معترضة ، بحيث لو قمت بإسقاطها من السياق ، ومن ثم قرأت الآيتين ( 4و5 ) ، كما يلي : ( … بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد ، فجاسوا خلال الديار . ثم رددنا لكم الكرة عليهم ، وأمددناكم … ) لوجدت أن السياق لم يتأثر بحذفها ، فخبر نفاذ الوعد الأول انتهى عند ذكر الجوس ، أي أن الجوس قد وقع بعد البعث . وجاء التعقيب على الوعد بالجملة المعترضة ( وكان وعدا مفعولا ) لبيان وتأكيد أن الوعد بالبعث الذي تقدّم ذِكره قد تحقّق فعلا ، وكانت نتيجته هي الجوس ومن ثم يبدأ النص بالإخبار عن الوعد الثاني . قال تعالى ( وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ، إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ، وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ ، كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163) … فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ ، قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166 الأعراف ) وهذه الحادثة كما نعلم وقعت في بني إسرائيل قبل مئات السنين ، والآن انظر قوله تعالى ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ءَامِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ، وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (47) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ .. (48 النساء ) جاءت الجملة المعترضة ( وكان أمر الله مفعولا ) زيادة للإيضاح ، ولتؤكد بما لا يدع مجالا للشك أو الظن ، لبني إسرائيل المعاصرين لرسالة الإسلام ، والمتشكّكين منهم والذين خانتهم ذاكرتهم ، وغير المصدّقين بصحة هذا الأمر ، الذي كان الله قد أجراه في أسلافهم ، أن هذا الأمر وهو المسخ قد مضى في أسلافهم حقيقة ، فجاء تعقيبه تعالى على ما تقدم من لعن ومسخ لأسلافهم ، بقوله ( وكان أمر الله مفعولا ) لإزالة الشك ، ولتأكيد أنّ الله قادر على تكرار ذلك الأمر ، إن لم يؤمنوا بما أُنزل من القرآن على وجه التهديد والتحذير . وخلاصة القول : أن الوعد الأول بالبعث كان قد مضى وانقضى قبل نزول هذه الآيات ، وأنّ تعقيبه عز وجل بقوله ( وكان وعدا مفعولا ) جاء لتذكير اليهود الحاليين وتحذيرهم ، وإنباء المسلمين غير العالمين ، بوقوع ذلك في بني إسرائيل بأنه قد وقع فعلا ، وبشرى لهم بأن الوعد الثاني ، سيتحقق كما تحقّق الوعد الأول وأن الله لا يخلف الميعاد ، وما عليهم إلا الصبر والاستمرار في كفاحهم ضد اليهود ، وحسن الظن بالله وبوعده – وعد الآخرة – قال تعالى ( وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ ، أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ ، حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31 الرعد ) . ( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ : قال تعالى ( ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ) أي ثم رددنا الإنسان أسفل سافلين من النار ، وهذا لا يتحصل إلا بعد البعث والحساب ، بدلالة الاستثناء في تكملة السياق ، في قوله تعالى ( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6 التين ) وبالتالي تكون ( ثم رددناه ) بالماضي ، جاءت بمعنى أيضا ( ثم نردّه ) بالمستقبل . وجاءت كلمة ( رددنا ) بمعنى أعدنا من إعادة ، ( والكَرّة ) مصدرها كَرَرَ وفعلها كَرَّ ، والكَرُّ والفرُّ تقنية عسكرية ، ويقولون الحرب كرٌّ وفرُّ وهي تعني الفعل المضاد للفعل السابق ، فالغلبة كانت للعباد والهزيمة لبني إسرائيل ، وردّ الكرة لهم هو العكس تماما ، كالصورة في المرآة ، أي الغلبة والتفوق العسكري لبني لإسرائيل . وليس المقصود بالكرّة العودة إلى فلسطين ، وانتصار اليهود في حروبهم ضد الدول العربية ، لقوله ( الكرّة عليهم ) أي الغلبة العسكرية على العباد أنفسهم دون غيرهم . فضمير الغائب المتصل ( هم ) في (عليهم ) ، يعود على العباد المبعوثين عليهم الذين سبق ذكرهم ، وجميع ضمائر المخاطب المتصلة ( كم ) في هذه الآية ، تعود على بني إسرائيل . قال تعالى على لسان الكافر حين يرى العذاب ( لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ (58 الزمر ) ، فالفعل الذي سبق هو مجيئه من الدنيا إلى الآخرة ، فتمنى الكرة أي العودة من الآخرة إلى الحياة الدنيا ليكون من المحسنين . وخلاصة القول : أن المقصود هو أن يُوقع اليهود بأولئك العباد ، ما كان أولئك العباد قد أوقعوه في أسلافهم من قبل ، من استباحة للأرض والمال والعرض ، وذلك بعد استكمال مظاهر العلو الثاني بالاستقواء على أولئك العباد والعدوان عليهم . وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفيرًا : وأمددنا في ( لسان العرب ) مصدرها مدد ؛ ومدّه غيره وأمدّه ؛ وأمددناهم بغيرنا ؛ والمدد هم العساكر التي تلحق بالمغازي ، والإمداد أن يرسل الرجل للرجل مددا ، تقول أمددنا فلانا بجيش ، قال تعالى ( يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ (125 آل عمران ) وفي المجمل تعني الزيادة والكثرة ، في المساعدة العسكرية المقدمة من قبل الغير ، من مال وأفراد وعتاد أثناء الحرب . عندما يكون الجيش أقرب للهزيمة منه إلى النصر . والنفير هم القوم ينفرون معك ويتنافرون في القتال ، ومنه قوله تعالى ( انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (41 التوبة ) . جاء في ( كتاب النبوءة والسياسة ) ، للكاتبة الأمريكية ( غريس هالسل ) : لقد أغرقنا إسرائيل بالأسلحة : جعلنا من دولة الثلاثة ملايين يهودي ، ماردا عسكريا أكبر من أي دولة منفردة ، مثل ألمانيا أو إنكلترا أو فرنسا ، وأقوى من 21 دولة عربية مجتمعة ، عدد سكانها 150 مليون نسمة أن إسرائيل .. هي المستفيد الأول بلا منازع من برنامج مساعداتنا .. تحصل على ثلث مجمل المساعدات الأمريكية الخارجية وتقول الكاتبة تعقيبا على انتصار إسرائيل في حرب 1967 ، لم يعطِ أحد أي فضل للولايات المتحدة ، لأنها زودت إسرائيل بالأسلحة والتكنولوجيا والدولارات ، وحتى بالعناصر العسكرية الأمريكية التي ساعدت الإسرائيليين في تلك الحرب . لقد ربحت إسرائيل لأن الولايات المتحدة كانت تؤيدها بلا حدود وتقول أيضا أن نسبة العسكريين إلى المدنيين في إسرائيل ، هي ( 1 عسكري من كل 22 مدني ) وهي أعلى نسبة في العالم وتقول أيضا على لسان الأستاذ في الجامعة العبرية ( إسرائيل شاهاك ) إن دافع الضرائب الأمريكي أرسل إلى إسرائيل ، في عام 1985 خمسة مليارات دولار واستمرت أمريكا بدفع هذه القيمة سنويا لغاية الآن ، فضلا عن المساعدات المادية والعينية الأخرى ، انتهى . وفي قوله تعالى ( ثم رددنا لكم الكرة عليهم ، وأمددناكم بأموال وبنين ، وجعلناكم أكثر نفيرا ) ثلاثة أفعال ، جاءت جميعها بصيغة الماضي ، وهي ( رددنا لكم ، أمددناكم ، جعلناكم ) وحُمّلت جميعها أيضا صفة الاستقبال ، بمعنى ( ونردُّ لكم ، ونمدُّكم ، ونجعلكم ) ولكن باختلاف الزمان ، فهذه الأفعال جاءت لتأخذ صفة الاستقبال ، قبل قيام دولة إسرائيل ، فتفيد معنى ( ونردُّ لكم ، ونمدُّكم ، ونجعلكم ) ، ولتأخذ بعد قيام دولة إسرائيل صفة الماضي ، ( رددنا لكم ، وأمددناكم ، وجعلناكم ) . كان المفسرين القدماء أكثر قربا منا وأكثر فهما لمفردات اللغة العربية ، ومع ذلك لم يعطوا هذه الآيات حقها من التفسير والتفصيل ، مما ساهم في إخفاء هذا الأمر العظيم حتى هذه الأيام ، ومردّ ذلك أنهم لم يعاصروا الدولة الحالية لليهود . ولو فُسّرت هذه الآيات تفسيرا دقيقا كما الآن لكشفت هذه النبوءة للمسلمين الكثير من الوقائع ، ولربما كان ضرّ هذا الكشف عنها للمسلمين أكثر من نفعه ، ولكن لم يشأ الله ذلك رحمة بالمسلمين ، حتى لا يتملكهم اليأس والقنوط والتسليم بالأمر الواقع ، بما أنّ الله قد أخبر بذلك وهو الحقّ وقوله حقّ . ولو حصل أن علم المسلمون بتفاصيل هذه النبوءة مسبقا ، فربما ترك معظم الفلسطينيون بلادهم ، مع إطلاق أول رصاصة من قبل برابرة هذا العصر ، إلا من أوتي الحكمة ورَحِمَ ربي ، ولَحُرِمَ المسلمون شرف الشهادة ونيل الأذى في سبيل الله ، لقوله تعالى ( إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ ، فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ، وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140آل عمران ) ولقوله ( مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ ، أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ، لَا يُصِيبُهُمْ ، ظَمَأٌ ، وَلَا نَصَبٌ ، وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ ، وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا ، إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ ، عَمَلٌ صَالِحٌ ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120التوبة ) . ولكن عدم معرفة الفلسطينيون آنذاك بحتمية قيام الدولة اليهودية ، أبقى الأمل بإمكانية منع إقامتها حيّا في نفوس أهلها ، فبقي الكثير منهم فيها ، واستمر باب الجهاد في سبيل الله مشرعا على مصراعيه ، وبقي سجل شرف الشهادة في سبيل الله مفتوحا إلى يوم القيامة ، لمن يرغب منهم في تدوين اسمه ، ولتكون منهم بإذن الله تلك الطائفة التي أخبر عنها رسول الحق عليه الصلاة والسلام . أما بالنسبة لليهود ، فهل كُشفت لهم هذه النبوءة ؟ أقول : نعم بلا شك ، ألم يقل سبحانه ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَـابِ ) وكشفت لهم أيضا نبوءات أخرى ، ويعرفون تفاصيلها كما يعرفون أبناءهم ، قال تعالى ( ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ ، وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً ، لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154 الأنعام ) ( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً ، وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ ، فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ، سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145 الأعراف ) وقد كشفها الله لهم ليعلم ما سيكون منهم ، فعلم العقلاء يزيدهم تواضعا وخضوعا وامتثالا ، وعلم الذين لا يعقلون ( اليهود ) زادهم جهلا واستكبارا وطغيانا وعصيانا وعدوانا ، وسنوضح لاحقا ما كان منهم ، بناءا على معرفتهم لما جاء في كتبهم من نبوءات ، بإذن الله . أما لماذا كُشفت الآن ، نقول : أن لا جدوى من إخفاءها الآن ، فقد اكتملت معالم القدر من ظروف وملابسات ، وفسّر الواقع جزءا كبيرا من نصوصها ، وكل شيء أصبح واضحا للعيان ( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا (115 الأنعام ) وعلم سبحانه ما أراد أن يعلم مما كان من المسلمين ، واتخذ وسيتخذ منهم ما أراد أن يتخذ ، وما كان من اليهود وسيأخذ منهم ما شاء أن يأخذ حطبا لنار جهنم وبئس المصير ( وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8 الإسراء ) . والكشف عن أسئلة الامتحان والبلاء لن يُغيّر شيئا ، فقوائم النتائج والشهادات تُعلن من على شاشات التلفاز ، فقد نجح الكثير من طلاب الآخرة في امتحان ربهم على ( درجة شهيد بامتياز مع مرتبة الشرف ) ولكن أكثر الناس لا يعلمون . ونحن الآن بانتظار أن يُصدر رب العزة ، نتائج أولئك الأوغاد السفلة ، وكأنّي أتخيّل الملائكة يُعدّونها ، في عجلة من أمر ربهم لتكون جاهزة عند موعد التسليم ، فتدبّر في قوله ( وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ ، كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110 … وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ، وَلِيَرْضَوْهُ ، وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ، (113 … وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ، لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115 الأنعام ) ، وموعدهم قريب وعند مجيئه سيكون الباب مشرعا لأولئك العباد بأمر ربهم ، لينقضوا عليهم ويزلزلوا أركانهم ، ويكسروا شوكتهم ويقتلعوها من جذورها ، والبعبع الأمريكي يغطّ في سبات عميق ولن يمنعهم من أمر الله أحد كان . ونقول : أنّ عودة اليهود إلى فلسطين حقّ ، فالذي أخبر عن ذلك هو الحقّ ، وأنّ إخراج أهلها منها حقّ ، بعد أن منّ الله عليهم بالاستضعاف بالأرض ، كما استضعف الذين من قبلهم فأُورثوا الأرض من بعد ، فقد أَخرج رسوله من قبل بالحقّ ( كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5 الأنفال ) وفي إحدى سننه الكونية لمن يُخرج الناس من ديارهم قال الحقّ ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13 إبراهيم ) . وهذه رسالة رب العزة إلى أمة محمد عليه الصلاة والسلام ومن سورة ( محمد ) : ( فَلَا تَهِنُوا ، وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ ، وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ ، وَاللَّهُ مَعَكُمْ ، وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35) … وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38) ، وإن لم نكن نستحق الانتساب لأمّة ( محمد ) عليه أفضل الصلاة والتسليم قولا وعملا ، فسنّة الاستبدال واقعة بنا لا محالة ومن المؤسف أنها على وشك . وخلاصة القول : أنه وبعد نفاذ الوعد الأول فيكم – والخطاب لبني إسرائيل - من قبل هؤلاء العباد ، وقتلِهم وقهرِهم لكم وزوال دولتكم ، وتشتتكم في الأرض بمدة من الزمن طالت أو قصرت - تفيدها ثمّ - سنأذن لكم بالعودة إلى الأرض المقدسة ، وتهزموهم كما هزموا أسلافكم ، وتعود لكم السطوة عليهم وتلحقوا بهم ما ألحقوه بأسلافكم ، ونُمدّكم بالأفراد المدربين على القتال وبالمساعدات المالية والعسكرية ونجعلكم أكثر عددا وعتادا . وهذا من قبيل ( وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بيْنَ النَّاسِ ) بإجراء القضاء والقدر ، وليس من قبيل المكافأة لبني إسرائيل على إحسانهم ونيلهم رضاه سبحانه ، كما يدّعون في توراتهم وكما ذهب إلى ذلك بعض المفسّرين . ( إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7 ) إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا : وهذا على سبيل التخيير ولنفي الجبرية على من يملك العقل والإرادة ، ولدفع الظلم عن نفسه جلّ وعلا ، حيث قال ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46 فصلت ) وجاءت في ظاهرها تحمل الكثير من الترغيب والكثير من الترهيب ، وفي باطنها التهديد والتحذير مما يليها ، لكيلا يكون لهم على الله حجة ، بأنه لم يحذّرهم وينذرهم قبل إنزال عقاب وعد الآخرة فيهم . أما دفع تهمة الإفساد عن النفس فليست بالأماني ومعسول الكلام ولكن بالنظر إلى ما اقترفته الأيادي ، حيث قال سبحانه ( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123 النساء ) . والتغيير من الإفساد إلى الإصلاح ومن الإساءة إلى الإحسان ، لا يأتي عبثا بل يحتاج إلى الكثير من الجهد والعمل ، فالبداية تكون بتحصيل العلم والمعرفة بالله ، بالتفكّر والتدبّر في ملكوت السماوات والأرض ، ومن ثم الأيمان بوجوده وقدرته على الخلق والإيجاد ، ومن ثم ردّ الجميل لصاحب الفضل والمنّة ، بإقرار ربوبيته وملكيته لنا ، ومن ثم الطاعة والتسليم والانصياع ، ومن ثم تحصيل المعرفة بمراده من الخلق ، كما جاء في كتابه ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56 الذاريات ) وبالتالي البحث الحثيث لمعرفة ما يُنال به الرضا ويُدفع به الغضب ، ومن ثم العمل بما تعلم ، فإن لم يكن حبا في ملك الملوك ليكن ولاءً لسبق الفضل ، وإن لم يكن طمعا في الجنة فخوفا من النار . فانظر بربك إلى ربك ما أعدله ، أنعم عليك وأوجدك أولا ، وسيدخلك الجنة إلى الأبد ثانيا ، لتكون ممن قالوا ( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74 الزمر ) لا من الذين قالوا ( يَوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (97 الأنبياء ) . قال تعالى ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11 الرعد ) فالتغيير يبدأ من العبد وينتهي عنده ، قال تعالى ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5 الصف ) حيث سبق الزيغ منهم فأزاغ الله قلوبهم ، أفلا يستحق الأمر شيئا من العناء … ؟! فلنسارع بتغيير أنفسنا قبل أن تتغير جلودنا مرارا وتكرارا في جحيم جهنم . فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ : فيما روي عنه عليه الصلاة والسلام ، مما قال في دعاءه أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، والآخِر والآخِرة نقيض المتقدم والمتقدمة ، ومن معجم مختار الصحاح : الآخِر بكسر الخاء بعد الأول وهو صفة ، تقول جاء آخِرا أي أخيرا وتقديره فاعل والأنثى آخِرة والجمع أواخر . وخلاصة القول : أنها المرة الثانية في الترتيب والأخيرة في عدد المرات ، ولا ثالثة بعدها ، وإنما هناك أخرى ، ولكنها تختلف في أنها ليست مرة ، ولا يصحّ أن نسميها مرة ثالثة فهي لا تمتلك شروط المرتين السابقتين . بعثناهم عليكم : هذه العبارة غير موجودة أصلا في نص الآية ، وهي جواب شرط إذا الخاص بوعد الآخرة ، وقد حُذفت لدلالة جواب شرط إذا الخاص بوعد أولاهما . ولتوضيح عمل ( إذا ) وما يعنيه شرطها وجوابها ، نقول نستعمل ( إذا ) عادة ، إذا أردنا تعليق فعل معين ( ويسمى جواب شرط إذا ) بفعل آخر ( ويسمى شرط إذا ) ، كأن تقول لزوجتك على سبيل المثال : إذا حصلت على ترقية في نهاية الشهر ، اشتريت لك ذلك الخاتم ، فالذي ذهبت إليه في الواقع ، هو أنك علّقت عملية شراء الخاتم الذي رغبت فيه زوجتك ، بعملية حصولك على الترقية الموعود بها آخر الشهر ، فإن لم تكن هناك ترقية فلن تحصل زوجتك المسكينة على الخاتم . فشرط ( إذا ) هو ( الحصول على الترقية ) وجواب الشرط هو ( شراء الخاتم ) . وبعبارة أخرى نقول أن حصول زوجتك على الخاتم متعلّق بالحصول على الترقية . وبإعادة عبارة ( بعثناهم عليكم ) المحذوفة ، يصبح النص كما يلي ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ – بعثناهم عليكم – لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ ) . وعبارة ( وليسوءوا وجوهكم ) ليست جوابا للشرط لارتباطها بلام كي ، حيث جاءت العبارة لتعليل البعث وتوضيح الغاية من البعث . وضمير الغائب المتصل ( هم ) في ( بعثناهم ) يعود على العباد أنفسهم ، وضمير المخاطب المتصل ( كم ) في ( عليكم ) يعود على بني إسرائيل . وخلاصة القول : أن هذه المرة هي الأخيرة من المرتين ، وأن تحقّق البعث متعلّق بمجيء الموعد المحدّد ، وبما أن الضمير في كلمة ( بعثناهم ) يعود على نفس العباد ، فإن عباد البعث الثاني هم عباد البعث الأول . لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ : إساءة الوجه ، أن يُفعِلَ بِالإنسان ما يَكْرَه ، وأساءه نقيض سَرّه . وفي الواقع ستظهر معالم الذل والهوان على وجوه اليهود ، من جراء سلب أولئك العباد للمكتسبات والمقومات المادية التي مكّنتهم من العلو والاستكبار والاستعلاء على الناس ، ليُحرموا هذه الميزة بتبادل الأدوار مع أولئك العباد . ويكسبوا ميزة جديدة هي الاستضعاف والذل والانخفاض ، بتبادل الأدوار مع الفلسطينيين أيضا ، ومن ثم ليقع فيهم ما أنزلوه بالفلسطينيين طيلة مدة علوهم ، من قتل وأسر وتعذيب وسلب للأراضي والممتلكات وإتلاف وهدم ، وعلى قاعدة الجزاء من جنس العمل ، ( وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14 التوبة ) . وضمير الغائب المتصل ( واو الجماعة ) في ( ليسوءوا ) يعود على نفس العباد ، وضمير المخاطب المتصل (كم ) في ( وجوهكم ) يعود على بني إسرائيل . والذي سيظهر على الوجه هو تعابير الاستياء التي تنتج في الغالب ، عن مشاعر تجيش بها النفس البشرية ، كالألم والحسرة والغيظ والخزي والذل ، عندما تتعرض للأذى النفسي ، الذي غالبا ما يكون ناتج عن فقدان مادي لما هو جيد أو كسب ما هو سيئ أو كلاهما معا ، وتعتمد درجة الاستياء على درجة الفقد أو الكسب ، والذي سيفقده اليهود هو السيادة والغنى والقوة . ونجد وصف لتعابير وجه ، يشعر صاحبه بسوء ألمّ به في قوله تعالى ( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ … (59 النحل ) ، ونجد وصف آخر لتعابير وجوه الذين اقترفوا السيئات ، عندما استيقنوا أن لا مفر ولا عاصم من أمر الله ، وأنهم سينالون جزاء سيئاتهم ، فتملكّتهم مشاعر اليأس والقنوط من النجاة ، في قوله تعالى ( وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (27 يونس ) توحي عبارة ( ليسوءوا وجوهكم ) أن ما سينزل بهم من عقاب على أيدي هؤلاء العباد ، شيء شديد الوقع وبالغ الأثر والتأثير في نفوسهم ، مما سيعكس بالضرورة آثار المساءة على وجوههم ، لدرجة أنه سبحانه أورد نفس التعبير ، في وصفه لحال الكفار عند رؤيتهم لعذاب جهنم ، في قوله تعالى ( فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (27 الملك ) . فالعقاب الذي سيحلّ باليهود قريبا ليس له نظير ، ولا يُمكن أن يتأتى هذا العقاب ، إلا من قبل أناس يملؤهم الحقد والكراهية ، ولديهم رغبة شديدة وملحة للانتقام من بني إسرائيل لسبب أو لآخر . قال تعالى ( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32) إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ، أَنْ يُقَتَّلُوا ، أَوْ يُصَلَّبُوا ، أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ ، أَوْ يُنفَوْا مِنْ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33 المائدة ) تبين الآية الأولى عظم مكانة النفس البشرية عند الله ، إذ ليس لأحد كان إزهاق أرواح الناس سوى خالقها فهو الذي يحيي ويميت ، ومن أزهق روحا بغير نفس أي قصاصا أو لمنع الفساد في الأرض ، كإقامة الحدود الموجبة للقتل فكأنما قتل الناس جميعا ، ومن قام بهذا الأمر خارج نطاق ما تقدّم من موجبات القتل فقد أعلن حربه على الله . وأن من أعلن حربه على الله في الآية الثانية ، حُصر جزاءه من قبل رب العزة بأربعة خيارات تنفّذ فيه في الحياة الدنيا ، من قبل من أوكله الله بذلك حسبما يرتأيه منفذ الحكم ، إذ لا جناح عليه فيما أُنزل به من عقوبة . والملاحظ أن هذا البيان جاء عامّا ، ولكنه ارتبط ببني إسرائيل بشكل خاص ، مما يوحي أن عقابهم في المرتين ، شمل وسيشمل على ما يبدو هذه الخيارات مجتمعه ، بالقتل والصلب والتنكيل والسبي ، وبما أن النتيجة النهائية لهذا العقاب هي زوال علوهم في فلسطين ، فهذا يعني رحيل من بقي حيّا فرارا عن فلسطين نهائيا يجرّ أذيال الخيبة والهزيمة . وستفيض قلوب كل اليهود في كافة أرجاء العالم ، بمشاعر الذل والخزي والعار والهوان ، ، مما يدعو القاصي والداني للشماتة بهم وبمن يشدّ على أيديهم . وهذا ما تؤكده الآيات الكريمة بأن جزاءهم سيكون من جنس عملهم . وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ : يعتقد الكثير من المسلمين هذه الأيام ، أن ذكر المسجد في هذا الموضع ، يترتب عليه أن دخوله وتحريره مقصورا على حملة لواء الإسلام ، أو بتعبير أدق أولياء الله وخاصته ، يوحدهم ويقودهم خليفة يفوقهم ولاءً لله ولدينه ، وفي الأذهان صورة ابن الخطاب ، رضي الله وأرضاه عنه وصلاح الدين رحمه الله ، ومن منا لا يتمنى ذلك . ولكن يحضرني هنا قول الشاعر : ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن فلو عدنا بالذاكرة ، إلى دخوليّ عمر وصلاح الدين سنجد أنهما لا يتفقّان مع ما جاء في سورة الإسراء لسببين ، الأول ؛ كان الدخول على النصارى في المرتين ، والثاني ؛ أن الجوس للديار لم يقع فيهما ، وكذلك الإساءة لوجوه اليهود . بالإضافة إلى أن الدخول في المرتين كان فتحا وليس عقابا لأحد . ويبدو وكأنّ المسألة هي لفظ المسجد ، الذي أورده سبحانه للتعريف والتأكيد على أن الأرض التي ذُكرت في الآية (4) هي الأرض التي تحوي المسجد أي مدينة القدس . والسؤال هنا هل المساجد خاصة بالمسلمين فقط ؟ بكل تأكيد نعم ، ولكن لفظ المسجد لا ! نحن نعلم أن حادثة الإسراء كانت في مكة ، وأن سورة الإسراء أُنزلت فيها أيضا ، وأن الله سبحانه وتعالى لمّا سمّاه بالمسجد الأقصى ، لم يكن للمسلمين فيه ناقة ولا بعير ولم يكن قائما كبناء أصلا . وعبادة السجود لله كانت قد سبقت منذ آدم عليه السلام إلى يومنا هذا ، فاقرأ قوله تعالى ( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَانِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58 مريم ) وقوله تعالى ( لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113 آل عمران ) وكل مكان اتخذوه للسجود سمّاه الله في القرآن مسجدا والمقصود هنا المكان وليس البناء . انظر قوله تعالى ( فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (21 الكهف ) . ومع أن أصحاب الكهف كانوا من أتباع عيسى عليه السلام ، فإن الذين غلبوا على أمرهم في الواقع ، أقاموا عليهم مكانا للعبادة . وجاءت تسمية القرآن له بالمسجد ، على اعتبارهم له والقصد من بنائه ، أما أنه مسجد خاص بالمسلمين فلا ، والصلاة بالنسبة للمسلمين في هذا المسجد منهيٌ عنها ، وبالرغم من ذلك سّماه القرآن مسجدا لأنهم اتخّذوه مكانا للعبادة ، التي أحد أركانها السجود وضمير الغائب المتصل ( واو الجماعة ) في ( وليدخلوا ) يعود على المبعوثين أنفسهم . وخلاصة القول : أن هؤلاء المبعوثين لم يتبين بنص صريح ولا بتلميح بأنهم من خاصة عباد الله ، وأن الله نكّرهم وقصد تنكيرهم ، لأمر اقتضته الحكمة الإلهية التي وضحنا جانبا منها فيما سبق ، وأن معتقدهم غير واضح من حيث الإيمان أو الكفر ، وما زالت كل الاحتمالات قائمة ، فربما يكونوا مؤمنين أو مسلمين أو وثنيين أو ملحدين . ومن قال بعكس ذلك فقد جانبه الصواب بلا أدنى شك . والأمر الأكثر وضوحا هو اتحاد المبعوثين أولا وثانيا ، أي خروجهم من نفس الأرض في المرتين ، مهما طال الزمن أو قصر وتعاقبت عليها الأجيال ، بمعنى أن أصحاب البعث الثاني هم ورثة الأرض من أصحاب البعث الأول ، وأنهم أولي قوة وبطش في الحروب ، وأن عبارة ( وليدخلوا المسجد ) جاءت لتؤكد دخولهم لقلب الأرض المقدسة ( فلسطين ) وسيطرتهم عليها بالكامل . كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ : قوله تعالى ( كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) هو تشبيه للدخول الثاني بالأول ، وفي العادة عندما يروي شخص لآخر قصة ، وقع فيها ذِكرُ حدثٍ يحتاج إلى وصف سواء كان هذا الحدث ، قد وقع ولم يشهده المستمع أو سيقع في المستقبل ، فبدلا من أن يستغرق الراوي في وصف هذا الحدث وسرد حيثياته على حساب مجمل أحداث القصة ، يعمد الراوي إلى تشبيه الحدث المراد وصفه بحدث آخر مألوف ومعروف من الماضي أو الحاضر ، وذلك لتقريب صفة الحدث موضوع الخطاب لذهن المستمع ، ومن ثم يكمل سرد بقية الأحداث . قال تعالى ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا ، كَمَا ، يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ (275 البقرة ) حيث شبه سبحانه قيام آكل الربا يوم القيامة مجهول الصفة بالنسبة لنا ، وهو حدث سيقع مستقبلا بقيام الممسوس أي المجنون ، وهو حدث ومشهد قد رأيناه ونراه في الماضي والحاضر مرارا وتكرارا ، ومعروف ومألوف لذهن المستمع ، ونستطيع استرجاع ذلك المشهد من الذاكرة ، لنرى مشهدا مؤلما ومخزيا لآكل الربا عند بعثه يتميز به عن غيره ، فيقوم مفزوعا متحفزا مشوشا متخبطا ، لا يهدأ له بال ولا تستكين له حال . ولتوضيح الأمر أكثر ، فلو أن زوج مدح زوجته - على سبيل المثال - مُبديا إعجابه بجمال وجهها قائلا : ( وجهك كالمريخ ) فهل ستكون الزوجة قادرة على معرفة مدى حبه لها ، في حال لم تكن عالمة بماهية المريخ وصفته من حيث الجمال والقبح . وهل أبان هذا التشبيه بغير المألوف والمعروف للزوجة ، وظيفته في تعبير الزوج عن مدى إعجابه بها أم أنه زادها حيرة واضطرابا ، لذلك إذا أريد المدح تُشبّه جمال النساء بالقول : ( وجهك كالبدر ليلة تمامه ) وهي صورة معروفة ومألوفة لكل البشر ، تستطيع النساء استرجاعها من الذاكرة وتخيّلها واستيعابها ، ومعرفة مدى إعجاب زوجها بها . واستخدام التشبيه في الآية (7) أفاد أمرين : أولا ؛ أنّ دخول المسجد أي بيت المقدس حاصل في المرتين ، وهذا يدحض قول من ذهب إلى أن أيّ من المرتين ، كانت أو ستكون في غير بيت المقدس . وثانيا ؛ تشابه صفة الدخول في المرتين الأولى والآخرة بالدخول عنوة ، لقوله تعالى في وصف الدخول الأول ( فجاسوا خلال الديار ) وهذا يدحض قول من ذهب ، إلى أن المرة الأولى كانت للمسلمين كون دخولهم إليها لم يحمل صفة الجوس . ولكي يستقيم فهم هذه العبارة ، نود أن نُشير إلى أن الخطاب لبني إسرائيل لم ينقطع بل ما زال موّجها إليهم ، فالمُخاطَب في قوله تعالى ( كما دخلوه أول مرة ) هم بنو إسرائيل ، واقرأ هذه الصياغة للنص ، ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ – بعثناهم عليكم – لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ، وَلِيَدْخُلُوا – عليكم – الْمَسْجِدَ ، كَمَا دَخَلُوهُ – عليكم – أَوَّلَ مَرَّةٍ / انقطاع الخطاب والعودة إلى الجمهور / وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ) . وهذا يعني أن المعرفة بصفة الدخول الأول محصورة ببني إسرائيل فقط ، وهذا يقودنا إلى أن معرفة اليهود المعاصرين المخاطبين ، لصفة هذا الدخول بالضرورة ، تحصّلت لهم مما لديهم من كتب تحكي تاريخهم ، ومجمل تاريخهم القديم موثق في التوراة ، ويعلم سبحانه أن آباءهم القدماء ، قد وثّقوا صفة الدخول في كتبهم فلذلك شبه الدخول الثاني لهم بما يعرفون . وإن أردت معرفة صفته كمسلم ، لا بد لك من الرجوع إلى كتبهم ، وهذا الفهم يقودنا إلى مراجعة تاريخهم كاملا ، لنتعرّف على صفة الدخول الأول ، كما وردت في الآية ( 5 ) وهذا ما سنفعله في الفصول القادمة . والحقيقة أن هذا الحدث المفجع والرهيب الذي نزل بهم ، كان له بالغ الأثر في نفوسهم ، حيث شكّل لهم الكثير من العقد ، فضلا عما كان لديهم في السابق . جعلت منهم شعبا مجرما حاقدا على البشرية جمعاء ، وعلى أولئك العباد الذين ساموهم سوء العذاب في المرة الأولى بشكل خاص . وما جاء التشبيه هنا إلا لتذكيرهم بحدث يعرفونه كما يعرفون أبنائهم ، ومن لم يعرفه منهم أو خانته ذاكرته ، يستطيع الرجوع إلى توراتهم ، قال تعالى ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146 البقرة ) وجاء هذا التشبيه والتذكير لإنذارهم وتحذيرهم من مغبة العودة إلى العلو والإفساد ، وما ينتظرهم من خزي عذاب الدنيا وهول عذاب الآخرة . والعجيب في الأمر ، أنّ الباحثين في هذا الموضوع حديثا من المسلمين ، كانوا قد أهملوا أكبر وأعظم موسوعة تاريخية سماوية ، موجودة بين أيدينا ، أقصد القرآن الكريم الذي ( لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42 فصلت ) ولم يرجع إليها أحد ، مع أنه كاد ألا يترك سورة من سورهِ ، إلا وأرّخ فيها لبني إسرائيل ، فعلوهم الأول ونشأته وإفسادهم في الأرض المقدسة ، ظاهر ماثل للعيان بما لا يترك مجالا للتقوّل أو الاجتهاد . وأما فيما يخص عقاب الوعد الأول ، فقد وردت إشارات كافية في هذه الآيات وفي مواضع أخرى في القرآن تدلّ على تحقّقه قبل الإسلام . وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا : في المُعجم : قال ابن جني : لا يقال له تِبْر حتى يكون في تراب معدنه أو مكسورا ، قال الزجّاج : والتبار الهلاك ، وتبّره تتبيرا أي كسّره وأهلكه ، وتبّره أي كسّره وأذهبه ، وفي التنزيل العزيز ( وَلَا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28 نوح ) قال الزجاج : معناه إلا هلاكا ، ولذلك سمي كل مُكسَّرٍ تِبرا ، وفي قوله عز وجل ( وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (38) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (39 الفرقان ) قال : التتبير التدمير وكل شيء كسّرته وفتّته فقد تبّرته . والمعنى العام للعبارة ، هو ( وليُدمّروا ما علوا تدميرا ) . وقد جاءت صيغة المفعول المطلق ( تتبيرا ) زيادة في المبالغة وتأكيدا للفعل ( وليتبروا ) ، وسواء كانت ( ما ) ظرفية أو اسم موصول بمعنى ( الذي ) فهي تشمل المكان والزمان والكم . وكما أشرنا في تفسير العبارة السابقة ، فقد حصل انقطاع في الخطاب الموجه لبني إسرائيل ، ليصبح الحديث موجها للجمهور ، مضيفا تعقيبا حول مصير علو بني إسرائيل بدلالة ضمير الغائب المتصل واو الجماعة في كلمتي ( وليتبروا ) و ( علوا ) العائد على بني إسرائيل أنفسهم . والعبارة ( وليتبّروا ما علوا تتبيرا ) جاءت للتعقيب على ما فعله بني إسرائيل أنفسهم بمقومات هذا العلو ، مما كان سببا في زواله . ليُصبح المراد هو أن علو بني إسرائيل ، حمل في أحشائه بذرة دماره منذ نشأته ، بعدم الولاء لله وعدم اكتراثهم بِحثِّه لهم على الإحسان وتحذيره لهم من الإساءة . بل اعتمدوا على غير الله ، في تحصيل هذا العلو وإدامته وحمايته من الزوال ، بالفساد والإفساد والإثم والعدوان . ليتبيّن لنا أن الحديث عن الوعد الثاني ، انتهى بقوله ( كما دخلوه أول مرة ) . وأن عبارة ( وليتبّروا ما علوا تتبيرا ) جاءت تعقيبا على قوله تعالى في بداية القصة ( ولتعلنّ علوا كبيرا ) في الآية (4) ، ليؤكد بما لا يدع مجالا للشك ، أن هذا العلو الموصوف بالكبير في الأرض ، والذي تحصّل عليه بني إسرائيل ببعدهم عن الله ، سيصبح هباءً منثورا بما كسبته أيديهم . ومن تعريفنا السابق لمفهوم العلو ، نجد أن العلو مظهر من مظاهر الحياة ، كما الغنى الذي يتحصّل بامتلاك المال الوفير ، وكما الفقر الذي يتحصّل بامتلاك المال القليل ، ويتم تحصيله من خلال امتلاك مقومات مادية ، تتمثّل في السيادة على الأرض وأهلها ، وسياستهم والتحكّم في مختلف شؤونهم ، والقدرة بامتلاك القوة ، والغنى بامتلاك المال والموارد المادية الأخرى . والحقيقة أن اليهود في هذا العصر ، لم يقتصر علوهم على فلسطين فحسب ، بل شمل أمريكا وبريطانيا والكثير من الدول الغربية . فَهُما شكل من أشكال الإفساد اليهودي في الأرض ، وأداة للعدوان على الشعوب بأيدي اليهودية العالمية . وبما أن العلو مظهر ، والمظاهر لا تُدمّر تدميرا ، وإنما تزول زوالا بفقدان أسبابها ومقوماتها ، كما أُزيل علو فرعون بتدمير ما امتلك من مقومات علوه ، في قوله تعالى ( وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137 الأعراف ) . ونلاحظ أن الله تبارك وتعالى لم يأت بالمصدر ( علوهم ) ليقول ( وليتبروا علوهم تتبيرا ) ، وإنما قال ( وليتبروا ما )لأن المقصود تدميره هنا ليس العلو بحدّ ذاته ، وإنما تدمير ( ما ) علا عليه أو به أو فيه بنوا إسرائيل بامتلاكه والسيطرة عليه ، مما مكّنهم من الإفساد في الأرض ، أي تدمير كل ما يقع تحت كلمة ( ما ) مما يمتلكونه من مقومات لعلوهم ، لتشمل المكان والزمان والكم لهذا العلو ، الموصوفة بالتفصيل في الآيتين ( 4و6) ، والتي تتلخص فيما يلي : 1. استلاب أو تدمير القوة العسكرية المتطورة ، والتي مكنتهم من العلو واستمراريته ، ورد الكرة على أعدائهم . 2. ذهاب الأموال والبنين والإمداد ، الذي كان يتوفر لهم في حروبهم السابقة . 3. استلاب أو تدمير الأمكنة التي تمتعوا بالعلو فيها وكانت منطلقا لإفسادهم في الأرض . لذلك جاءت عبارة ( وليتبّروا ما علوا تتبيرا ) في نهاية قصة المرتين ووعديهما ، كتعقيب لتوضيح مآل علو بني إسرائيل الذي ورد ذكره في الآية الرابعة في بداية ، ولم تأتِ للتعقيب على وعد الآخرة بالرغم من ورودها بعد الانتهاء من وصف أحداثه . وقد جاء هذا التعقيب مُتأخرا ، لأن زوال العلو بشكل نهائي ، سيكون كعاقبة أو نتيجة لنفاذ وعد الآخرة فيهم ، ويبدوا لي أن زوال العلو اليهودي في العالم سيأتي على مراحل ، ليبدأ في فلسطين ومن ثم يمتد لأمريكا وبريطانيا وفرنسا والغرب إجمالا ، بإذن الله . وربما يذهب البعض إلى أن هذه العبارة ، جاءت للتعقيب على ما فعله هؤلاء العباد ، بعلو بني إسرائيل في وعد الآخرة ، على اعتبار أن الضمير واو الجماعة في ( وليتبّروا ) عائد على العباد ، وهذا غير صحيح لأن ذلك يعني استمرارية الخطاب ، فلو أن الخطاب لبني إسرائيل استمر لجاءت العبارة على النحو التالي ( وليتبّروا ـ ما علوتم ـ تتبيرا ) هذا من جانب . ومن جانب آخر لم يُذكر في التعقيب شيء يخص وعد الآخرة بذكر كلمة وعد مثلا ، كما جاء في التعقيب على الوعد الأولى ، بقوله ( وكان وعدا مفعولا ) وإنما جاء التعقيب الأخير على بني إسرائيل المذكورين بالاسم في الآية الرابعة ، لعود ضمير الغائب ( واو الجماعة ) عليهم في كلمة ( وليتبروا ) ، وكذلك على علوهم الكبير الموصوف في الآية الرابعة أيضا ، لاتصال ضمير الغائب العائد عليهم ( واو ) في كلمة ( علوا ) . ولو فرضنا جدلا استمرارية الخطاب ، فهل يُعقل أن يُدمّر المسلمون ، ما تحصّلوا عليه من مقومات العلو الصهيوني ، بعد أن يكونوا قد أوقعوا فيهم القتل والتنكيل والسبي والنفي ، وتمّت لهم السيطرة الكاملة |
|
| اقتباس المشاركة |
|
|
#12 | |
|
I ♥ AQSA
قوة السمعة: 14
![]() |
على الأرض بدخول القدس ؟! طبعا لا . بل على العكس تماماسيكونون بأمس الحاجة ، لما تحصّلوا عليه سالما من مال وعتاد لاستخدامه في المواجهة الحقيقة المقبلة مع الغرب .
وخلاصة القول : أن كل ما علا بنو إسرائيل عليه أو به أو فيه سيصله الدمار لا محالة لعموم لفظ العلو حتى علوهم في الغرب ، إذ أن الذي أبقى علوهم قائما ومستمرا في فلسطين هو علوهم في الغرب ، ولذلك يصبح دمار الدول الغربية أمر محتما ، ليزول علو بني إسرائيل فيها أيضا بشكل نهائي ، وبذلك تنتفي تماما قدرتهم على العلو مرة أخرى ، إذ أن هذا العلو هو علوهم الأخير في الأرض وأن أفعالهم ستكون سببا في زوال علوهم هذا ، وستجد مزيد من تفصيل هذه العبارة في الجزء الثالث من الكتاب . خاتمة السورة : والآن لننتقل إلى خاتمة سورة الإسراء ، حيث ذُكر وعد الآخرة مرة أخرى . أما سبب مجيء هذه الآيات في آخر السورة فهو لسببين : أولا ؛ إظهار الإعجاز العددي في القرآن ، الذي سنظهره بإذن الله لاحقا ، ثانيا ؛ للتعقيب على الوعد الثاني في بني إسرائيل بعد نفاذه ، وما سيكون ممن علموا بتفاصيل هذا الوعد قبل نفاذه ، وما سيكون منهم بعد نفاذه تماما كما جاء به القرآن . ( وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكمْ لَفِيفًا (104) وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا (106) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109) مختصر ما قيل في هذه الآيات ، في تفسير الألوسي : ( جئنا بكم لفيفا ) أي مختلطين ، وفسره ابن عباس جميعا ، وبكم جاءت لتغليب المخاطبين على الغائبين ، ( وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ) ؛ عود إلى شرح حال القرآن الكريم ، فهو مرتبط بقوله تعالى ( لئن اجتمعت الإنس والجن ) وهكذا طريقة العرب في كلامها تأخذ في شيء ، وتستطرد منه إلى آخر ثم إلى آخر ثم إلى آخر ، ثم تعود إلى ما ذكرته أولا والحديث شجون ، فضمير الغائب للقرآن ، وقد حمله بعضهم على هذا ، أو للوعد المذكور آنفا ، أي وعد الآخرة الذي ذُكر في الآية السابقة . والمراد بالحق الأول ؛ على ما قيل الحكمة الإلهية المقتضية لإنزاله ، وبالثاني ما اشتمل عليه من العقائد والأحكام ونحوها ، أي ما أنزلناه إلا ملتبسا بالحق المقتضى لإنزاله ، وما نزل إلا ملتبسا بالحق الذي اشتمل عليه ، وقيل الحق في الموضعين الأمر المحفوظ الثابت ، ( وما أرسلناك إلا مبشرا ) ؛ للمطيع بالثواب ( ونذيرا ) ؛ وللعاصي من العقاب ، فلا عليك إلا التبشير والإنذار لا هداية الكفرة المقترحين . ( وقرءانا فرقناه ) ؛ أي أنزلناه منجما مفرّقا ( على مكث ) ؛ أي تؤدة وتأنّ ، فإنه أيسر للحفظ وأعون على الفهم ، ( ونزلناه تنزيلا ) ؛ على حسب الحوادث والمصالح ، قل للذين كفروا ( آمنوا به ) أي بالقرآن ، ( أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله ) ؛ أي العلماء الذين قرءوا الكتب السالفة ، من قبل تَنزُّل القرآن وعرفوا حقيقة الوحي ، وأمارات النبوة ، وتمكنوا من تمييز الحق والباطل ، والُمحقّ والمُبطل ، أو رأوا نعتك ونعت ما أنزل إليك . ( إذا يتلى ) أي القرآن ( عليهم يخرون للأذقان ) ؛ يسقطون بسرعة على وجوههم ( سجدا ) تعظيما لأمر الله تعالى ، أو شكرا لإنجاز ما وعد به في تلك الكتب من بعثتك ، وقال صاحب الفرائد ، المراد المبالغة في التحامل على الجبهة والأنف ، حتى كأنهم يلصقون الأذقان بالأرض ، وهو وجه حسن جدا ، أي يقعون على الأرض عند التحقيق والمراد تصوير تلك الحالة . ( ويقولون ) ؛ أي في سجودهم أو مطلقا : ( سبحان ربنا ) عن خلف وعده ، أو عما يفعل الكفرة من التكذيب ، ( إن كان وعد ربنا لمفعولا ) ، ( ويخرون للأذقان يبكون ) ؛ كرَّرَ الخرور للأذقان لاختلاف السبب ، فإن الأول لتعظيم أمر الله تعالى أو الشكر لإنجاز الوعد ، والثاني لما أثّر فيهم من مواعظ القرآن ، أي ساجدين باكين من خشية الله تعالى ، ولما كان البكاء ناشئا من الخشية الناشئة من التفكّر الذي يتجدّد ، جيء بالجملة الفعلية ( يبكون ) المفيدة للتجدد ( ويزيدهم ) ؛ القرآن بسماعهم له ( خشوعا ) لما يزيدهم علما ويقينا بأمر الله تعالى ، على ما حصل عندهم من الأدلة . من تفسير الألوسي . جِئْنَا بِكمْ لَفِيفًا : قيل في ( لسان العرب ) في كلمة لفيف ( مُجتَمِع ملتف من كل مكان ) ، واللفيف ( القوم يجتمعون من قبائل شتى ليس أصلهم واحدا ) واللفيف ( ما اجتمع من الناس من قبائل شتى ) واللفيف ( الجَمْع العظيم من أخلاط شتى فيهم الشريف والدنيء والمطيع والعاصي والقوي والضعيف ) . والملاحظ أن معاني الكلمة جاءت بمعنى جَمْع لا جميع ، والحقيقة أن الذي تم على أرض الواقع ، هو المجيء والجمع من أماكن شتى . وأن مجيئهم جميعا لن يتحقق لأنهم يتمتّعون بصفات طفيلية ، لا تمكّنهم من ترك الدول الغربية الغنية والعودة إلى فلسطين . أما الآيات (104-109) وكما عقب سبحانه بعد ذِكره لوعد الآخرة في بداية السورة . جاءت بعد ذِكره تعالى لوعد الآخرة ، في نهاية السورة تعقيبا على إنزاله هذا الوعد بنصه في القران ، كما أُنزل في كتاب موسى عليه السلام من قبل ، حيث قال سبحانه ( وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا (106) أي وبالحق الذي أوجبته الحكمة الإلهية ، أنزلنا خبر هذا الوعد في القران ، الذي نزّله على عبده تنزيلا ، وفرّقه ليُقرأ على الناس على مكث ، وبالحقّ والصدق والخبر اليقين جاء هذا القران ، بهذا الوعد - مما سيكون من شأن بني إسرائيل – بكل تفاصيله وملابساته ، بما لا يدع مجالا للشك أو التقوّل . والحكمة الإلهية التي اقتضت إنزاله ، كما جاء من نص الآيات ، هي : أولا : زفّ البشرى للمؤمنين الصابرين المرابطين المتمسكين بدينهم المخلصين له ( وَيُبشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9 الإسراء ) ، بأن الله لن يخلف وعده الذي وعد ، وأن ما وعدهم الله لا محالة واقع ولو بعد حين ، ليحثهم على التمسك بدينهم والتحلي بالصبر ، وعدم الاستعجال لأمر الله والركون لليأس ، فكلما ادلهمت الخطوب بالمؤمنين وضاقت السبل – كما هذه الأيام – كان الفرج ، قاب قوسين أو أدنى ( حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ، جَاءَهُمْ نَصْرُنَا ، فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ ، وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110 يوسف ) . وثانيا : إنذار بني إسرائيل ( الذين لا يؤمنون بالآخرة ) والمكذبين والمتشكّكين ممن غرتهم الحياة وآمنوا بما يقوله الواقع ، مع عدم قراءتهم له بشكل صحيح ، أكثر من إيمانهم بالله وما جاء في كتابه الذي أنزل ، وتحذير لهم من عقابه في الدنيا والآخرة ( وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (10 الإسراء ) . وثالثا : تحصّل الإيمان لمن لم يؤمن بعد وتجدّد إيمان المؤمنين وزيادةً في اطمئنان قلوبهم ، عند نفاذ هذا الوعد كما جاءت صفته في القرآن . حيث قال سبحانه للناس كافة على وجه التبكيت والتهديد شديد اللهجة ، ( قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا … ) من أمر هذا الوعد وهذا القرآن ، أنّ هذا الوعد لا محالة واقع ، وإيمانكم به وبالقرآن وعدمه سواء . وأن من كانوا قد علموه وسبق لهم الإيمان به وتصديقهم له قبل تحققه ( … إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبلِهِ … ) ، لإيمانهم بمن أنزله وصِدق ما جاء في كتابه ، سيكون هذا حالهم عند تحققه وبعد تحققه ( إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) أي أنهم إذا تُليَ عليهم ذِكر هذا الوعد عند وبعد تحققه خرّوا للأذقان سجدا ، قائلين : ( سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ) وسيكون هذا حالهم مرة تلو مرة ، كلما تُليت عليهم آيات هذا الوعد ( وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109) وما أن يقوموا حتى لا تكاد تحملهم أرجلهم ، وتغلب عليهم مشاعرهم من شدّة التصديق وشدّة الإيمان ، فيعودوا ليقعوا ساجدين خاشعين لمن لا يُخلف وعده . ( عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8 ) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ : بعد نفاذ الوعد الثاني ، يوجه سبحانه الخطاب للبقية الباقية من بني إسرائيل ، الذين نجوا من هذا العذاب ولم يطلهم عقاب وعد الآخرة ، لعلّهم يعتبرون مما حصل بعد أن رأوا ما رأوا مما حلّ في بني قومهم لما علوا وأفسدوا في الأرض . فلعلهم يعودون إلى الله ويصلحون أمرهم فيتوب الله عليهم ويرحمهم . قال تعالى ( وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ، وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ، إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ (56 الأعراف ) ، وعودتهم إلى الله تعني اعتناقهم للإسلام ، لقوله تعالى ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ (81) … ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ (85) … ( إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89 آل عمران ) . وهذا ما لم يفعلوه سابقا ولن يفعلوه مستقبلا ، فهم أعلنوا حربهم على الله قبل أن يعلنوها على أي شيء آخر ، وهيهات أن يتوبوا فقلوبهم كالحجارة ( … أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً … (74 البقرة ) … وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا : لذلك سيستمرون بالإفساد وسيعودون إليه مرة تلو أخرى ، وهذا محمول على الشرط فإن عادوا للإفساد بعد تحقق الوعد الثاني ، عاد الله عليهم بالعقاب ، وستكون هذه العودة باتباعهم للدجال أكبر المفسدين في الأرض وهي العودة النهائية لهم ، ولا تتفق من حيث المواصفات والشروط مع كونها مرة من المرتين ، وستكون نهايتهم على مشارف بيت المقدس بباب ( لُدّ ) على يديّ عيسى عليه السلام ومن معه من المسلمين ، عند هروب الدجال إليها ، كما روي في نفس الحديث الصحيح الطويل من رواية مسلم ، الذي أوردنا بعضا منه في شرحنا لعبارة عبادا لنا ، جاء ما نصه … فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ ( أي الدجال ) إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ … فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلُهُ … . ليعقّب سبحانه على ذلك بقوله ( … وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8) ولا أسف ولا رحمة … ( إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ … وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ ) : قال تعالى في سورة البقرة ( … وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ، وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ، وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61) هذه الآية توضح حكما إلهيا مُلازما لبني إسرائيل ، كان فيما سبق قد صدر بحقهم عند كفرهم وقتلهم الأنبياء ، ونلاحظ أن المسكنة عُطفت على الذلة مباشرة ، وأنهما تلازما في الوقوع تحت الضرب ، في قوله تعالى ( وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ) . وفي سورة آل عمران ، أُعيد نفس النص السابق ، في قوله تعالى ( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا ، إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ ، وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ ، وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنَةُ ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ، وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112) ، ولكن بفصل الذلّة عن المسكنة ، مع ضرب كل منهما على حدة أولا ، ومن ثم إضافة الاستثناء التالي ( إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ ، وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ ) من ضرب الذلّة دون المسكنة ثانيا . ومن هنا نستطيع القول ، بأن الذلّة ستُرفع عنهم في حالتين : الحالة الأولى بحبل من الله ، والحالة الثانية بحبل من الناس ، وأن المسكنة ستبقى ملازمة لهم ، في حال رفعت الذلّة عنهم أم لم تُرفع . جاء في معجم لسان العرب ، الذُّل نقيض العزّة ، وقوله تعالى ( وذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلَاً ) ، بمعنى سويت عناقيدها ودُلِّيت أي خُفِّضت ، وتذلَّلَ له أي خَضَع له ، وأن المعنى المُستفاد من الذّل هو الصغار والخضوع والانخفاض ، والنقيض لهذة الصفات هو الاستكبار والسطوة والارتفاع . وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ : أي أُلزموا الذِّلة والصغار فلا منعة لهم ، بمعنى لا قوة لهم لمنع الغير من استباحة دمائهم وأموالهم وأهليهم . وثبتت فيهم هذه الصفة ولازمتهم على مرّ العصور ولا خلاص لهم منها ، والسبب في ضربها عليهم هو استحقاقهم لغضب الله عليهم ، لكفرهم بآياته وقتلهم الأنبياء ، بالإضافة لما كان من عصيانهم لأوامره واعتدائهم على حدوده . أَيْنَ مَا ثُقِفُوا : أينما وُجِدوا . هنا لا بد لنا من وقفة مع هذه العبارة ، حيث يقول سبحانه ، ( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ ، أَيْنَ مَا ثُقِفُوا ، إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ ) ، فالذلة ملازمة لهم أينما أقاموا أو ارتحلوا ، وهذه الذلة ستُرفع عنهم مرتين لتُستبدل بالعلو ، أينما أقاموا أو ارتحلوا ، على امتداد سطح كوكب الأرض ، فالعلو اليهودي لمرتين حدث عارض في تاريخهم ومصيره إلى الزوال ، أو حالة استثنائية سيعيشها عامة الشعب اليهودي لمرتين أينما وُجد ، وستزول هذه الحالة عن عامة الشعب اليهودي كذلك ، عندما يأذن رب العزة بزوال علوهم في المرة الثانية ، وليعود كل يهود العالم أفرادا وجماعات ، في شتى بقاع الأرض إلى حالة الذلة ، التي هي في الأصل الحالة التي يستحقون بمنظور رب العزة . والسؤال الآن ، لماذا كان هذا الفصل وهذا الاستثناء ؟ إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ ، وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ : الاستثناء هنا يفيد رفع حالة الذّلة ، لتصبح حالهم من ( الذل والصغار والخضوع والانخفاض ) إلى العكس تماما ، أي ( العز والاستكبار والسطوة والارتفاع ) ، وهذا مما يفيد معنى العلو ، وهذا الاستثناء يوضح أن العلو سيكون على حالين ، فالعلو الأول كان بحبل الله ، أي باتكالهم على الله في نشأته وتمكينه من خلال الوحي والنبوة ، وأن العلو الثاني سيكون بحبل الناس ، أي باتكالهم على الناس في نشأته وتمكينه من خلال المساعدات المالية والعسكرية . وتمعنّ في جمال ودقة التعبير القرآني ، واستخدام كلمة ( حبل ) في هذا المقام ، فالحبل يُرفع به دلو الماء ، من قعر البئر إلى قمته ، فهو وسيلة لانتشال الشيء ، من أدنى حالاته وإيصاله إلى أعلاها ، ومن قوله عليه الصلاة والسلام ، لصاحب الناقة اعقل وتوكل ، نجد أنه وسيلة ربط لإحكام الشيء وإبقاءه على حاله . وهذا ما تحقق في الواقع ، فقد استطاع اليهود بعد أن كانوا في القاع ، من تسلق الحبل الأمريكي البريطاني ليصعدوا إلى قمة تمثال الحرية ، ومن ثم تناولوا الحبل وربطوه في قرنيّ التمثال ، وأخذوا طرفه الآخر ولفّوه سياجا منعيا حول دولتهم في فلسطين ، حتى أصبح عامّة الأمريكيين عبيدا لليهود ، يقدّمون لهم القرابين التي نعلمها ، خشية أن يسحب اليهود طرف الحبل الذي يمسكونه بإحكام ، فيهوي رأس التمثال في البحر . وطرف الحبل الآخر ليس ببعيد عن أولئك العباد ، فما زال ينتظرهم ليسحبوه ليغرق التمثال وأهله . نعلم أنّ الله قد حذّرهم من اتخاذ وكلاء غيره ، في افتتاحية السورة قائلا ( أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) . في العلو الأول لهم كانوا قد طلبوا العون من الله ، لإقامة الدولة في الأرض المقدسة ، وكان اتكالهم على الله لإدامة وجودها ، ( إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ (246 البقرة ) فآتاهم الله ما طلبوا ( وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16 الجاثية ) فجمع لهم الملك والنبوة في داود وسليمان عليهما السلام . وأما في العلو الثاني كانوا قد طلبوا العون من ( بلفور ) لإقامة الدولة ، والاتكال على بريطانيا لإيجادها وعلى أمريكا لإدامة وجودها فكان لهم ما أرادوا ( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6 الإسراء ) . ولو لم يأتي هذا الاستثناء في سورة آل عمران ، وبقي على حاله كما هو في سورة البقرة ، لتناقض ذلك مع قوله تعالى في سورة الإسراء ، ( لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ ، مَرَّتَيْنِ ، ولَتَعْلُنِّ عُلُوَّاً كَبِيرَاً ) ، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا . وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنَةُ : أي الحاجة للغير والتسول بلا خجل ، فلا كرامة ولا عزة ولا إباء لهم ، فلا يوجد يهودي - وإن كان غنيا - خاليا من زي الفقر والخضوع والمهانة ( وهكذا تكون الطفيليات ) بارعون في التسلق على ظهور غيرهم بمكرهم ودهائهم ، لقضاء حاجاتهم الدنيوية الدنيئة . مجيء اليهود من الشتات : يظنّ البعض ، بناءا على عبارة ( جئنا بكم لفيفا ) أن وعد الآخرة ما زال بعيدا عن التحقق ، كون تجمّع بني إسرائيل في فلسطين لم يكتمل بعد ، فالكثير منهم – تقريبا النصف – ما زال في الدول الغربية ، وهذا الظنّ في غير محلّه وينمّ عن عدم معرفة بحقيقة الشخصية اليهودية ، فاليهود المنتشرون كالجراد في شرق العالم وغربه ، لن يهاجروا إلى فلسطين إلا في حالة واحدة إذا أُجبروا على ذلك مُكرهين ، أو دُمّر العالم بأسره ولم يبق إلا فلسطين ليهاجروا إليها ، وهذا غير وارد في المنظور القريب ، ودمار إسرائيل القادم سيكون سابقا بل سببا لانهيار العالم الغربي ودماره . فاليهود كائنات طفيلية ، لا تستطيع العيش بمعزل عن الآخرين من غير اليهود ، وحتى الدولة اليهودية تتصف بنفس الصفة ، فهي لا تستطيع البقاء والمحافظة على وجودها وكيانها ، بدون المساعدة الخارجية من الدول الغربية ، والتسوّل الدائم والمستمر . وهذه هي المسكنة التي ضربها الله عليهم ، ولازمتهم على مرّ تاريخهم الطويل ، في غناهم وفقرهم وفي ذلّهم وعلوهم . ولا أدلّ على ذلك التسويق المذلّ والمخزي والمستمر ، للمحرقة النازية والتي جعلوا منها ومن تهمة معاداة السامية ، مسمار جحا في حلق الشعوب الغربية لابتزازها ونهب خيراتها وخاصة ألمانيا ، فهم عالة على كل من آواهم ، وهذا ما يشهد به تاريخهم ، وكان سببا – بالإضافة إلى غدرهم ومكرهم ومؤامراتهم - في اضطهادهم . واليهود هم أول من ابتكر الربا ويعيشون به وعليه ، والآن هم يملكون معظم بيوت المال العالمية إن لم تكن كلها ، حتى البنوك المركزية الأمريكية والبريطانية ، وحق إصدار النقد فيها ، فهل من المعقول أن يتركوا العجل الذهبي ، ويغادروا جنّة إلههم بمحض إرادتهم ؟! طبعا لا ، فهذا ضرب من الخيال ، لذلك أستطيع الجزم – لما تقدم – بأنّ تجمّعهم في فلسطين بكلّهم وكليلهم لن يكون ، وللعلم فإن معظم المهاجرين اليهود ، كانوا من بلدان أوروبا الشرقية المعروفة بفقرها ، وأما الغربيون فأعدادهم قليلة جدا . فضلا عن ذلك ، لم يأتِ في مجمل معاني لفيفا ما يُفيد تجمّع كل اليهود في فلسطين كشرط لتحقّق وعد الآخرة ، والمعنى المستفاد منها هو الاختلاط في الأصول والجمع من أماكن مختلفة وهذا قد تحصّل ، فالدول التي هاجروا منها شملت معظم أرجاء المعمورة وهي غنيّة عن التعريف وهذا هو المراد . أما فيما يخص السنن الإلهية في القرى الظالمة ، فقد وردت في هذا البحث الكثير من الآيات التي توضّحها ، فلا أسرع من الانتقام الإلهي ليحل بها . وظلم اليهود وعلوهم واستكبارهم وعنجهيّتهم وعنصريّتهم ، ومحاربتهم لله ورسوله وأولياؤه وقتل الأبرياء العزّل ، وهدم البيوت واستلاب الأراضي واقتلاع أشجارها واستيطانها ، ومنعهم مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه وتدنيسها فاق كل تصوّر ، وأوجب عقابه سبحانه لهم منذ زمن بعيد . ولولا أن الحكيم العليم جلّت قدرته وعَظُم شأنه ضرب لهم موعد لن يُخلفوه ، وأن أرضه المقدسة تزخر بأوليائه الصالحين ، لأنزل الآن عليهم رجزا من السماء ، كما أنزله على أسلافهم ، لمجرد تبديلهم للقول والهيئة عند دخول القرية ، لعنهم الله بكفرهم قليلا ما يؤمنون . ولكنّ عقابهم سيكون مختلفا رحمة من ربك بعباده الصالحين هناك ، لكيلا يسوءهم العذاب فضلا عمّا أساء لهم أولئك الأوغاد ، فليرتقبوا إنّا مرتقبون ( فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ) ، و ( إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (4 نوح ) . تعني عملية ربط نفاذ وعد الآخرة بتجمّع كل اليهود في فلسطين ، أن وعد الآخرة لن يتحقق حتى قيام الساعة ، وهذا مخالف لما نراه على أرض الواقع ، حيث وصل الظلم اليهودي أقصى مداه ، ومخالف أيضا لما تحكيه النصوص ، إذ أن هناك عودة أخرى للإفساد ، وهناك عقاب آخر سينطق فيه الحجر والشجر قبل قيام الساعة ، التي أصبحت أشراطها الكبرى على الأبواب والناس عنها غافلون . ما تُخبر عنه الآيات في السورة ، ليس وعدا بنصر للمؤمنين ، وإنما وعد استثنائي بعقاب بني إسرائيل : قال تعالى ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ (167 الأعراف ) تقرّر هذه الآية الكريمة ، بأن الله سيبعث على بني إسرائيل ، من يسومهم سوء العذاب إلى قيام الساعة . إذاً هناك استمرارية للبعث وهناك استمرارية للعذاب . وقد وقع العذاب فيهم على أيدي وثنيون ونصارى ومسلمون على مرّ تاريخهم الطويل ، مما يؤكد أن العذاب الخاص بوعدي المرتين ، هو حالة استثنائية خاصة مختلفة عمّا تقرّره الآية أعلاه ، وأن الذين سيُوقعونه بهم أناس استثنائيون أيضا ، وهذا الاستثناء جاء لما يملكونه من صفات على رأسها صفة البأس الشديد ، ذلك أن إفساد بني إسرائيل المقترن بالعلو في كلتا المرتين ، أعظم من أي إفساد سابق أو لاحق ، مما يتطلّب بعث أناس هم أهل لما يريده الله لبني إسرائيل من العذاب الشديد . كانت نصوص هذه النبوءة قد أُنزلت على موسى عليه السلام ، قبل 3 آلاف سنة تقريبا من الآن ، وقبل 1600سنة من مجيء الإسلام تقريبا ، وكُشفت نصوصها لبني إسرائيل بعد نكوصهم عن الدخول إلى فلسطين ، وقبل سنوات التحريم والتيه . وهي في الواقع تحكي حالتين استثنائيتين من تاريخ بني إسرائيل ، يتحصّل لهم فيهما علو أمميّ في فلسطين ، يشترط فيهما سبحانه الإحسان وتجنّب الإساءة ، فإن أحسنوا أحسن إليهم ، وإن أساءوا أزال علوهم وعذّبهم في الدنيا والآخرة ، وقد وعدهم بإطالة أمد هذا العلو إليهم طالما هم محسنون ، والإساءة إليهم بعقابهم وبإزالة هذا العلو طالما هم يُسيئون ويُصرّون على الإساءة . ولعلمه المسبق بإفسادهم بعد التمكن من العلو فيها في المرتين ، أخبرهم سبحانه بما سيكون منهم مستقبلا ، مؤكدا ذلك بِقَسَم تستشعر من خلاله التحدّي الإلهي لهم ، كونهم دائبون على تحدّيه بمحاربة رسله وأولياءه وشرائعه . وأنهم كلمّا علوا في الأرض سيفسدون فيها بالرغم من تحذيرهم هذا ، معلنين حربهم عليه سبحانه ، لينالوا غضبه وسخطه عليهم مما يستوجب انتقامه . وعندما يتحصّل ذلك منهم ، وعدهم ربهم بأن يبعث عليهم في كل مرة عبادا له أولي بأس شديد ، ليعيدونهم إلى موقعهم الحقيقي من الإعراب بين الأمم . لنؤكد هنا على أن ما تُخبر عنه سورة الإسراء حصرا ، هو وعد إلهي بعقاب وعذاب لليهود لإفسادهم واستعلائهم في الأرض ، لا وعدا إلهيا بتحرير فلسطين ، بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى ، وفي التعقيب على هذا الخبر ، كانت إحدى الحكم الإلهية للإخبار عنه ، هي زفّ البشرى للمؤمنين . أما نصر المؤمنين من أهل فلسطين ، الذين نصروا الله بصبرهم ورباطهم وثباتهم ، فالإخبار عنه والوعد به جاء في سنن إلهية عامة بنصر المؤمنين والمستضعفين من عباده في مواضع أخرى من القرآن ، فلا نخلط بين الأمرين . من هم هؤلاء العباد ، ولماذا هم ، وما الذي يجري في الحقيقة ؟ يؤكد النص القرآني ، في الآيات من ( 5-7 ) من سورة الإسراء ، أن العقاب الإلهي لبني إسرائيل سيحلّ بهم على أيدي بشر ، طائفة من خلقه سخّرهم الله جلّت قدرته ، من أجل القيام بهذه المهمة العظيمة ، واختارهم لهذه المهمة لاتصافهم بالبأس الشديد ، وغاية هذه المهمة هي الانتقام ، وهذا الانتقام إلهي الطابع ، وصفته شديد الوقع والتأثير . وبالتالي من الضرورة بما كان أن يمتلك أولئك العباد ، مخزونا هائلا وكمّا ضخما ، من الحقد والكراهية الموجّه لبني إسرائيل لسبب أو لآخر ، مما أوجد لديهم رغبة شديدة وملحة في الانتقام منهم ، حتى يتوافق ذلك مع مقتضى الإرادة الإلهية في الانتقام ، وليتجلى ذلك العذاب في أبشع صوره ، كما لو أنه أُنزل عليهم من السماء . وتوحي الآيات بأن هناك علاقة عدائية ما بين اليهود وأولئك العباد ، نشأت منذ نهاية علوهم الأول وتجدّدت مع بداية علوهم الثاني ، واستمرت وتزايدت مع مرور الزمن ، وأن سبق العداء والاعتداء اليهودي على أولئك العباد ، سيكون السبب في خروج أولئك العباد عليهم ، ولتوضيح ما خفي بين السطور في هذا النص القرآني الكريم ، سنقوم بطرح مثال قريب إلى أذهاننا . لنأخذ مثلا الإرادة أو الرغبة في الأكل وهي عادة لا تأتي عبثا ، وفي الغالب تتحصّل لسببين : الشعور بالجوع أو لوجود صفة الشراهة في الإنسان ، والإنسان الشَرِه يأكل في العادة دون الحاجة للشعور بالجوع ذلك لأنها طبع ملازم له ، فتخيّل أن إنسانا كهذا كان جائعا فضلا عن شراهته ، وعند نزوله من إلى الشارع مرّ بمطعم ، فشاهد من خلال الواجهة الزجاجية دجاجة مشوية ، بالتأكيد ستتولّد لديه رغبة شديدة في التهام تلك الدجاجة الشهية على الفور ، للشعور باللذة والمتعة ولإطفاء تلك الرغبة ، وعندما همَّ بالدخول تبيّن له أن المطعم مغلق للاستراحة ، وحسب اللافتة الموجودة على الباب ، تبين له أن المطعم لن يُفتح قبل عشر دقائق . والذي حصل مع صاحبنا ، أنه لم يترك الأمر ويمضي في حال سبيله ، بل أخذ الأمر على أنه موضوع شخصي كونه ذو طبع شره ، وكأن الدجاجة اعتدت عليه بتعرّضها له في الطريق وطعنته في مقتل ، فاتخذ قرارا بالانتقام منها ، لكي يُزيح عن كاهله عبء ذلك الوضع وذلك الشعور المزري ، الذي فرضته عليه تلك الدجاجة بما سبّبته له من استثارة واستفزاز . ولكن هل يستطيع تنفيذ رغبته في الانتقام من الدجاجة ؟ كلا ! … إذن لا مناص له إلّا الانتظار ، لحين مجيء الموعد المنتظر ، فقرّر الانتظار ريثما يفتح المطعم … والآن تخيل سلوك ذلك الإنسان ، لحظة فتح الباب وحتى لحظة وقوع الدجاجة بين يديه … ! وتخيل ما الذي سيفعله بتلك الدجاجة حتى ينتهي من أمرها … ! وتخيل ما بقي من حطامها … ! وتخيل منظر الطاولة لحظة الانتهاء منها … ! وتخيل منظره لحظة تركه لساحة المعركة … وهو يشعر بنشوة الانتصار … الذي حققه وباقتدار … على تلك الدجاجة المزعجة … ! أخبر سبحانه بأن عقابه لبني إسرائيل ، سيكون من فعل البشر ، والسلوك البشري في بعض من جوانبه ، هو مجموعة من الحوادث المتكررة . وما نحن بصدده في هذا المقام ، هو القانون الفيزيائي ( لكل فعل رد فعل معاكس له بالاتجاه ) ولكن ليس مساو له بالمقدار ، فرد الفعل في السلوك البشري تتدخل فيه عوامل كثيرة تغير من مقدار رد الفعل ، ومن قراءتنا للنص القرآني وفهمنا له ، نجد أن هذا العقاب الإلهي ، سينفذ في بني إسرائيل على أيدي بشر ، وسيكون غاية في البطش والتنكيل والإذلال . وهذا السلوك البشري لا يقوم به إلا من كان يعتمل في صدورهم رغبة شديدة في الانتقام . ورغبة الانتقام لدى البشر لا تنشأ عبثا ، فغالبا ما تكون ردّ فعل لفعل سابق . بمعنى أن الرغبة في الانتقام لدى شخص ما ، تنتج عادة لسبق الاعتداء من قبل شخص آخر ، فغالبا ما يتسبب الشخص المعتدِي ، في إيقاع الأذى بالشخص المعتدَى عليه ، سواء كان هذا العدوان جسديا أو نفسيا ، مما يُشكل خطرا وتهديدا على كيان المعتدَى عليه برمّته ، من حيث الأمن والسلامة النفسية والجسدية ، فيُشكّل هذا العدوان استفزازا واستثارة ، تجعل المعتدى عليه يعيش حالة من التوتر والقلق ، تؤدي به أخيرا إلى القيام برد العدوان بعدوان أشد قسوة وأكثر إيلاما وتنكيلا ، حتى يتخلّص المعتدَى عليه من تلك الحالة ، بالإضافة إلى رد اعتباره أمام نفسه وأمام الآخرين ، ولدرء خطر تكرار العدوان من قبل المعتدِي نفسه أو من قبل غيره . وفي كثير من الأحيان ، يتكرر نفس السلوك البشري لشخص ما ، عند تعرضه لنفس المثير في أوقات مختلفة . وفي أحيان كثيرة يتشابه سلوك شخص ما لدرجة التطابق مع سلوك شخص آخر تعرض لنفس الموقف ، وإن اختلف فالاختلاف إما أن يكون : أولا ؛ في درجة الشدة ، للفعل نفسه من ( شتم ، أو ضرب ، أو إيذاء بليغ أو قتل ) . ثانيا ؛ في درجة الشدة لرد الفعل من ( اكتئاب ، أو امتعاض ، أو شتم أو ضرب أو إيذاء بليغ أو قتل ) . ثالثا ؛ في طبيعة الشخص المعتدى عليه ( فإن كان ذليلا ربما يكتئب ، وإن كان جبانا ربما يمتعض ، وإن كان قويا فيه لين ربما يشتم أو يضرب ، وإن كان عزيزا وقويا ربما يقتل وينكل ) . وبما أن السلوك البشري حدث متكرر فهو قابل للدراسة والمقارنة ، وسورة الإسراء أعطت صورة من صور هذا السلوك ، لأولئك العباد في التعامل مع بني إسرائيل . وتصوير السلوك البشري يظهر في مواضع كثيرة أثناء السرد القرآني للقصة ، الذي يعتمد التصوير بإيجاز شديد ، ليلقي على كاهل القارئ تخيل بقية تفاصيل القصة التي اختفت بسبب الإيجاز ، وما كان المثال السابق إلا لإيضاح الجانب الخفي ، مما تحكيه النصوص من أحداث غير ظاهرة ، تغيب في العادة عن ذهن القارئ أثناء التلاوة العادية للآيات . ما تحصل لدينا من ملامح لسلوك هؤلاء العباد ، ومن أحداث من خلال الآيات ، هو ما يلي : 1. صفة البأس الشديد : اتصاف هؤلاء العباد بالصبر والجلد عند البلاء وبالقوة والبطش عند اللقاء . 2. ردّ الكرّة : قيام بنو إسرائيل بالاعتداء على هؤلاء العباد ، بعد تحصّلهم على العلو الكبير . 3. مجيء الوعد : متعلّق بعِظَم الظلم والإفساد في الأرض ، فكلما ازدادت وتيرته كلما اقترب . 4. البعث : الخروج للغزو والغارة ، يقترب كلما ازدادت وتيرة الاستفزاز والتهديد ، وتناقصت المُعيقات والموانع . 5. دخول المسجد : سلب مقومات العلو اليهودي في فلسطين . 6. إساءة الوجه : عِظَم الانتقام وبشاعته ، بالإيذاء والقتل والتنكيل والتهجير والسبي . تتبع وقارن ما بين معطيات السلوكين : (1) توافر صفة الشراهة 2) استفزاز وإثارة من قبل الدجاجة 3) تولّد الإرادة والرغبة في الأكل 4) الاستعداد والتهيئة وانتظار الظروف المواتية 5) مجيء الموعد الذي حدّده صاحب المطعم بانتهاء فترة الاستراحة 6) الانطلاق نحو الدجاجة : بعد فتح الباب وتمكين الوصول 7) دخول المطعم 8) التلذذ والاستمتاع بالتهام الدجاجة 9) لا وجود للدجاجة . (1) توافر صفة البأس الشديد 2) استفزاز وإثارة بسبق الإيذاء والاعتداء من قبل بني إسرائيل على أصحاب البعث 3) تولّد الإرادة والرغبة في الانتقام 4) الاستعداد والتهيئة وانتظار الظروف المواتية 5) مجيء الموعد : مع ازدياد وتيرة الظلم والإفساد اليهودي في الأرض ، وازدياد خطر العدوان اليهودي على المراد بعثهم 6) الانطلاق نحو بني إسرائيل : بعد زوال الموانع وتوفر الأسباب 7) دخول فلسطين 8) الانتقام بالتلذذ والاستمتاع بالتنكيل ببني إسرائيل 9) لا وجود لإسرائيل . الملامح الخفية التي ظهرت من خلال المقارنة هي : 1. ضرورة سبق الاستفزاز اليهودي لأولئك العباد ، بإضرارهم وإيذائهم بشكل بالغ الأثر ، والتهديد الدائم بإبادتهم واستئصال شأفتهم . 2. تولّد حالة من التوتر والقلق والقهر ، لدى أولئك العباد يُخلّفها ذلك التهديد بالعدوان . 3. تولد الإرادة والرغبة بالانتقام لدى أولئك العباد ، بردِّ الصاع صاعين لدفع الأذى والضرر وردّ الاعتبار . 4. العمل والاستعداد والانتظار ، ريثما تأتي اللحظة المناسبة التي تُمكّنهم من الانقضاض . والآن لنطرح الأسئلة التالية : 1. من الشعب الذي يمتلك صفة الصبر والجلد عند وقوع البلاء ، والقوة والبطش عند مواجهة الأعداء ؟ 2. من الشعب الذي هُزم من قبل اليهود عند نشوء دولتهم ، والوحيد الذي استمر اليهود ، في إيذاءه والاعتداء عليه ، بشكل مباشر وغير مباشر ، وما زالوا حتى يومنا هذا ، وسيستمرون في إيذاءه حتى يُجبروه على الخروج عليهم ؟ 3. من الشعب الذي يُظهر رغبة شديدة وملحة في الانتقام منهم ، والقضاء عليهم وإنهاء وجودهم ، وما بقي عليه إلا أن يُهيئ الله له ، أسباب الخروج والانبعاث ؟ 4. من الشعب الذي بُعث عليهم في المرة الأولى ، ودمّر مملكتهم في فلسطين بالذات ؟ وأين تقع الأرض التي خرج منها الآن ؟ 5. من الشعب العزيز والقوي ، الذي لا يقبل الخضوع والذل والهوان ، ولديه القوة والقدرة ، ليفاجئهم ويكيل لهم الصاع صاعين ، وينزل بهم أبشع انتقام إلهي ، وبتجلّ واقتدار ؟ شروط ومواصفات المرة : والآن لنحاول استنباط الشروط والمواصفات ، التي يجب توافرها في المرة الواحدة ، ليصبح لدينا مقياس ينأى بنا عن التخبط والعشوائية والاجتهاد الخاطئ ، نستطيع من خلاله تقييم كل حالة من الحالات المعروضة بين أيدينا ، لأجل التحقق وبدقة متناهية من كونها إحدى المرتين أم لا :- أوجه التشابه بين المرتين : |
|
| اقتباس المشاركة |
|
|
#13 | |
|
I ♥ AQSA
قوة السمعة: 14
![]() |
. المكان : الأرض المقدسة - فلسطين .
2. صفة الإفساد : أممي جماعي - القتل وسفك الدماء ، إخراج الناس من ديارهم ، محاربة الله وما جاء به رسله . 3. العلو : الاستعلاء - امتلاك الأرض والمال والقوة . 4. صفة المبعوثين : أقوياء وأعزاء - يفضلون الموت على الذل والمهانة ، ولا يقبلون بأقل من ردّ الصاع صاعين ، ومخرجهم من نفس الأرض في المرتين . 5. صفة العقاب : انتقام إلهي - الدخول بالغلبة قسرا وقهرا ، وهدم مقومات الدولة ، وإفناء شعبها ، والشتات لمن ينجو منهم . علامات فارقة تميز كل مرة عن الأخرى : 1. النشأة والاستمرارية : تواكلية - إحداهما بالتواكل على الله ، والأخرى بالتواكل على الناس . 2. المجيء : مختلف - دخول فلسطين كأمة في الأولى ، دخولها كجماعات متفرقة من الشتات في الثانية . 3. الوعد : الأول - تحقق قبل نزول سورة الإسراء ، والثاني - سيتحقق في مستقبل الأمة الإسلامية . هل من المكن أن يبعث الله الكفرة ويُسلّطهم على من شاء من عباده ؟ هذا السؤال كان قد أورده الزمخشري في الكشاف ، حيث قال : ( عبادا لنا ) ، وقُرئ عبيدا لنا ، وأكثر ما يُقال عباد الله ، وعبيد الناس ، سنحاريب وجنوده وقيل بختنصر … فإن قلت كيف جاز أن يبعث الله الكفرة ويُسلّطهم عليهم ؟ قلت : معناه خلينا بينهم وبين ما فعلوا ولم نمنعهم ، على أن الله أسند بعث الكفرة إلى نفسه ، فهو كقوله تعالى ( وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا ، بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129 الأنعام ) انتهى . أما الإمام أحمد فقد قال ردا على نفس السؤال : هذا السؤال إنما يتوجه على قدريّ ، يُوجب على الله تعالى بزعمه ، رعاية ما يتوهمه بعقله مصلحة ، وأما السُنيّ إذا سُئل هذا السؤال أجاب عنه بقوله : ( لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23 الأنبياء ) انتهى . ولا ننسى أن الكلام في المسألة أعلاه ، محمول على أن البعثين قد تحصّلا قبل نزول الآيات ، حيث أجمعت كل الروايات على كفر المبعوثين ، فجاء الكلام ردّا على من قد ينكر على الله بعث الكفرة على فسقة أهل الكتاب ، ويحصر ذلك بالمؤمنين وهما وظنا واتباعا للهوى مُقدّرا بأن في ذلك كل المصلحة والمنفعة مُلزما ربّ العزة برأيه . وبالإضافة لما تقدّم ، نسوق بعض الأدلة من القرآن والسنة ، على تسليط الله الناس بعضهم على البعض ، دون بيان ماهية المعتقد من حيث الإيمان أو الكفر ، وحتى نصرة الدين بالفجار : قال تعالى ( وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251 البقرة ) وقال أيضا ( وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40 الحج ) ومما روى البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أنه قَالَ في معرض حديثه : ( … وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ ) ، وأخرجه مسلم وأحمد والدارمي . فإذا كان الحكيم العليم ينصر دينه بالفجار ، أفلا يُعذّب الكفار بالكفار ؟!! أولم يُسلّط الله التتار على فسقة المسلمين قديما ، ويُسلّط الأتراك والنصارى واليهود على فسقة المسلمين حديثا ، أم أن هذا التسليط كان من عند غير الله ؟!! والسؤال هل هناك منفعة أو مصلحة ، تُرتجى من بعث الريح والحجارة ، أو بعث الطير والضفادع ، على الأقوام السابقة ، طالما أن الغاية هي عقاب الظلمة والمفسدين ؟!! الخلاصة : 1. أن إفساد بنو إسرائيل وعلوهم سيكون كأمّة ، وبقيام دولة لهم في فلسطين لمرتين فقط ، لا ثالث لهما . 2. أن البعث من عند الله ، وأنه عقاب وعذاب لبني إسرائيل لإفسادهم في الأرض بالدرجة الأولى ، بالرغم من كونه نصرا للمستضعفين من أهل فلسطين الذين انتصروا لربهم ودينهم . 3. أن هذا البعث متعلّق بموعد ، والمؤشر على قرب أجله ، هو ازدياد وتيرة الظلم والإفساد اليهودي في الأرض ، وازدياد حدة التهديد اليهودي لأصحاب البعث . 4. أن غاية هذا البعث ، هي الانتقام من بني إسرائيل في الدرجة الأولى ، وليس مكافأة لصلاح المبعوثين أيّاً كانوا . 5. أن الوعد الأول كان قد أُنجز فيما مضى قبل مجيء الإسلام ، بل قبل عيسى عليه السلام . 6. أن تحقق الوعد الثاني ، اشتُرط فيه قبل تحققّه : أولا : مجيئهم من الشتات ؛ ثانيا : هزيمة اليهود للمبعوثين وإلحاق الأذى بهم ؛ ثالثا : اعتماد اليهود على المساعدات المادية والبشرية ؛ رابعا : تفوّق اليهود عسكريا على أعدائهم . 7. أن للبعث الثاني سبب ، وهو سبق الاعتداء اليهودي على المبعوثين ، وأن خروج المبعوثين عليهم ، سيكون لرفع الضرر والانتقام لأنفسهم . 8. أن المبعوثين عليهم في المرة الثانية ، هم نفس المبعوثين عليهم في المرة الأولى . 9. أن هذا البعث سيكون مُفاجئا لهم ، وهم في قمة علوهم وتجبرهم ، وسيأتيهم من حيث لا يحتسبوا ، وسيتم قتل اليهود والتنكيل بهم ، ومن ثم دخول فلسطين والسيطرة عليها ، مع انعدام قدرة اليهود على صدّ المبعوثين . 10. أن الدخول الأول يعرفه اليهود كمعرفتهم لأولادهم ، وليس للمسلمين معرفة بصفته كونهم لم يُعاصرونه ، ولا يمكن معرفته إلا من خلال الإطلاع على كتب اليهود . 11. أن تدمير مقومات علوهم في مشارق الأرض ومغاربها أمر حتمي ولو بعد حين . 12. أن ماهية المعتقد للمبعوثين مُبهمة ، فمن الجائز أن يكونوا كفرة أو مسلمين أو مؤمنين أو من أولياء الله المخلصين ، في كلا المرتين أو في مرة دون الأخرى ، وأن أهمّ ما يُميّزهم في كلا المرتين هو اتّصافهم بالبأس الشديد . كتاب نهاية اسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية --- تاريخ اليهود في التوراه والتلموذ ماهية التوراة : التوراة في ( لسان العرب ) : نجد أن هذه الكلمة ذات أصل عربي ومصدرها وَرِيَ ، والوراء هو ولد الولد ، والواري هو السمين من كل شيء ، وناقة وارية أي سمينة ، وورَيْتُ النار توريةً إذا استخرجتها ، واستوريت فلانا رأياً أي سألته أن يستخرج لي رأيا ، ووريت الشيء وواريته أخفيته ، ووريت الخبر أُورِيه توريةً إذا سترته وأظهرت غيره وكأنه مأخوذ من وراء الإنسان ، لأنه إذا قال وَرَيْته فكأنه يجعله وراءه حيث لا يظهر ، والتورية هي السَتْر . ولو تدبرّنا كل المعاني السابقة ، لوجدنا أن هذ التسمية ( التوارة أو التورية حسب الرسم القرآني لها ) جاءت لتصف بدقة وبشمولية ، حال الكتاب الموجود بين أيدي اليهود ، ولتصف الكيفية التي يتعامل بها اليهود مع هذا الكتاب ، فالتوراة في الواقع كتاب ضخم يحوي بين دفتيه ( 39 ) سفرا ، وإحدى نسخه المترجمة فيها ما يزيد عن 1128 صفحة بمعدل 380 كلمة لكل صفحة ، أي ما يفوق القرآن من حيث عدد الكلمات بستة مرات تقريبا ، جُمع فيه كل ما أُنزل على أنبياء بني إسرائيل المتعاقبين تباعا ، من شرائع وأخبار ونبوءات غيبية وتاريخ وأساطير وخرافات ، وعلى فترات متباعدة ومتتالية ، ولمدة لا تقل عن ألف وخمسمائة سنة . التوراة لم تنزّل على موسى وكتابه جزء منها : وحسب النص القرآني ، في الآية ( يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتْ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65 آل عمران ) ، والآية ( وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ (46 المائدة ) نجد أن نزول التوراة حُصر في الفترة الزمنية الواقعة بين وفاة إبراهيم ونبوّة عيسى عليهما السلام ، ومن قوله تعالى ( إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ (44 المائدة ) نجد أنها أنزلت كمرجع لبني إسرائيل ( بني يعقوب عليه السلام ) لاستنباط واستخراج الأحكام الشرعية منها ، وفي قوله تعالى ( يَأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ (15المائدة ) وقوله ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187 آل عمران ) نجد وصفا لحال اليهود معها وما كان منهم ، في إخفائها وكتمانها وتحريفها وإظهار غير ما جاء فيها ، وكل ما قيل فيها من معاني في المعجم ينسجم مع واقع التوراة الحالي ، وليس على كتاب موسى فقط والذي هو في الأصل جزء منها ، وما كان الفصل بينها وبين موسى عليه السلام في القران إلا ليؤكد هذه الحقيقة . ولو تمعنّا في هذه الآية ( كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ - إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ - مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ - قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93 آل عمران ) ونظرت في قوله تعالى ( تُنَزَّلَ ) ، لوجدت أن التنزيل غير الإنزال ، فالأول على مراحل والثاني لمرة واحدة ، ومن ثم انتقلنا إلى سورة الأنعام ، وتدبرنا الآيات ( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ … (151) … (152) … (153) = ثُمَّ = آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154 الأنعام ) لوجدنا أن هذه الآيات توضح ما كان قد حُرّم عليهم في التوراة ، وأن مجيء أداة العطف ( ثُمَّ ) بعد ذكر ما جاء في التوراة مباشرة ، والتي تفيد لغةً الترتيب والتراخي في الزمن ، ومجيء العبارة ( آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ) بعدها ، يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أمرين ؛ الأول : أن التوراة شيء يختلف عن كتاب موسى عليه السلام ، والثاني : أنها سبقت كتاب موسى عليه السلام في النزول . التوراة كتاب يضمّ بين دفتيه جميع ما أُنزل على أنبياء بني إسرائيل : والأرجح أن التوراة أُنزلت مفرّقة بدءاً من يعقوب أو إسحاق وانتهاءً بزكريا عليهم السلام ، وأنها مجمل ما أُنزل على يعقوب ويوسف وموسى وداود وسليمان وزكريا وبقية أنبيائهم ممن لم تذكر أسمائهم في القرآن ، قال تعالى ( وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136 البقرة ) ولاحظ أن ترتيب أسماء الأنبياء ، في هذه الآية جاء متعاقبا حسب الترتيب الزمني ، ولاحظ أيضا أنّ الإنزال شمل كل من إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وتوقف . وأفرد موسى وعيسى مع أنهم من الأسباط وخصّهما بالإيتاء ، وأفرد النبيين من غير ذرية إبراهيم بالإيتاء أيضا ، والظاهر أن هناك فرق بين الإنزال والإيتاء ، وأما ماهية الأسباط فسنبيّنها في فصل آخر . ولو اطلعت على مجمل النصوص القرآنية ، لوجدت أن ما نُسب إلى موسى عليه السلام بالإيتاء ، هو الكتاب والفرقان والهدى وضياء وذكر والألواح والصحف ، وأن التوراة لم تنسب نصّا إلى موسى عليه السلام ، في أي موضع من المواضع ال (18) في القرآن ، وهي ( 6 مرات في آل عمران ، و7 مرات في المائدة ، ومرة واحدة في كلٍ من الأعراف والتوبة والفتح والصف والجمعة ) وخلاصة القول أن ذكر التوراة في القران يُقصد به الكتاب الذي كان بأيدي اليهود زمن نزول القرآن وحتى عصرنا هذا ، والذي مجمل ما أُنزل على أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام ، وأن المقصود بذكر الكتاب المذكور في سورة الإسراء هو ما أُنزل على موسى وحده ، والله أعلم . وأما ما يُنسب إلى موسى عليه السلام في التوراة الحالية ، فهي الأسفار الخمسة الأولى من مجموع أسفارها ، وهي أسفار التكوين والخروج واللاويين والعدد والتثنية ، وعلى الأرجح أن بعض هذه الأسفار كسفر التكوين ، كان موجودا قبل موسى عليه السلام ، ومن المحتمل أن يكون هذا السفر هو مجموع صحف إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام . حقيقة التوراة على لسان المقدسي : جاء في كتاب ( البدء والتاريخ ) للمقدسيّ ، ما نصه : جاء في كتاب ( البدء والتاريخ ) للمقدسيّ ، ما نصه : وذلك أن ( بختنصر ) لما خرب بيت المقدس وأحرق التورية وساق بني إسرائيل إلى أرض بابل ، ذهبت التوراة من أيديهم حتى جدّدها لهم عزير فيما يحكون ، والمحفوظ عن أهل المعرفة بالتواريخ والقصص أن عزيرا ( عزرا الكاتب ) أملى التوراة في آخر عمره ، ولم يلبث بعدها أن مات ودفعها إلى تلميذ من تلامذته ، وأمره بأن يقرأها على الناس بعد وفاته ، فعن ذلك التلميذ أخذوها ودونوها ، وزعموا أن التلميذ هو الذي أفسدها وزاد فيها وحرفها ، فمن ثم وقع التحريف والفساد في الكتاب وبُدّلت ألفاظ التوراة ، لأنها من تأليف إنسان بعد موسى لأنه يخبر فيها عما كان من أمر موسى عليه السلام ، وكيف كان موته ووصيته إلى يوشع بن نون ، وحزن بني إسرائيل وبكاؤهم عليه ، وغير ذلك مما لا يشكل على عاقل أنه ليس من كلام الله عز وجل ولا من كلام موسى ، وفي أيدي السامرة توراة مخالفة للتوراة التي في أيدي سائر اليهود ، في التواريخ والأعياد وذكر الأنبياء ، وعند النصارى توراة منسوبة إلى اليونانية ، فيها زيادة في تواريخ السنين على التورية العبرانية ، بألف وأربع مائة سنة ونيف ، وهذا كله يدل على تحريفهم وتبديلهم ، إذ ليس يجوز وجود التضاد فيها من عند الله انتهى . أما ما دفعني للبحث في أمر التوراة في البداية ، هو رغبتي في استخراج نص النبوءة منها ، ومقارنته مع نص سورة الإسراء ، واستقراء تاريخهم حسب ما يروونه هم بأنفسهم ، فيما إذا كان هناك ما يفيد تحقق الوعد الأول ، من خلال البحث في التوراة الحالية ، والموجودة تحت اسم العهد القديم ، في الكتاب المقدس الخاص بالنصارى ، حيث توفرت لديّ نسختين عنه واحدة باسم (كتاب الحياة / ترجمة تفسيرية / ط2 1988 / جي سي سنتر القاهرة ) وتقع في (1128) صفحة ، وأخرى باسم ( الكتاب المقدس / دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط ) وتقع في ( 1358 ) صفحة مترجمة عن التوراة اليونانية ، وبما أن عدد الصفحات كبير جدا ، ومن المؤكد أن هذا النص قد اعتراه الكثير من التحريف والتزوير من إضافة ونقص ، فهو يحتاج إلى قراءة مركزة ومتأنية من الألف إلى الياء ، مما يتطلب الكثير من الوقت والجهد ، فضلا عما تُصاب به من دوار كلما حاولت أن تستجمع ما ورد فيها ، من أفكار مشتتة ومضلِّلة ، ولما فيها من إسهاب وإطالة وتكرار ، لذلك كان لا بد لي من تحديد على من أُنزلت هذه النبوة ، وما هو المقصود بقوله سبحانه ( في الكتاب ) على وجه الدقة وفي أي فترة زمنية أُنزلت ، لتكون عملية البحث فيها أقل جهدا ، وعند بحثي عنها فيما نُسب إلى موسى عليه السلام من أسفار وجدتها في سفر التثنية ، وقد اعتراها الكثير من التشويه من حذف وإضافة ، وفيما يلي بعض من بقايا نصوصها التي توزعت على مدى ( 18 صفحة ) : سفر التثنية آخر الأسفار المنسوبة لموسى ، ويضم في ثناياه نصوص نبوءة الإسراء ملاحظة : النص مأخوذ من نسخة ( كتاب الحياة ) حيث أن التركيب اللغوي فيها أكثر قوة وتعبيرا ، إلا في مواضع نادرة نلجأ فيها للأخذ من النسخة الأخرى ( الكتاب المقدس ) وهو ما يرد بين [ … ] ، وما يرد بين ( … ) فهو تعقيب من المؤلف . ( وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2 الإسراء ) إصحاح 26: آية 16: لقد أمركم الرب إلهكم هذا اليوم ، أن تعملوا بهذه الفرائض والأحكام ، فأطيعوا واعملوا بها من كل قلوبكم ومن كل نفوسكم ، 17: … وأن عليكم طاعة جميع وصاياه ،19: فيجعلكم أسمى من كل الأمم [ مستعليا على جميع القبائل ] التي خلقها في الثناء والشرف والمجد ، ( العلو ) ، … . إخبار موسى عليه السلام بنص النبوءة كان قبل دخولهم إلى الأرض المقدسة : 27: 1-9: وأوصى موسى وشيوخ إسرائيل الشعب قائلين : أطيعوا جميع الوصايا التي أنا أمركم بها اليوم . فعندما تجتازون نهر الأردن ، إلى الأرض التي يهبها الرب إلهكم لكم ، تنصبوا لأنفسكم حجارة كبيرة ، … وتكتبون عليها جميع كلمات هذه الشريعة ، … ثم قال موسى والكهنة واللاويون لجميع شعب إسرائيل : سفر الخروج : 20 : 2: أنا هو الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر ديار عبوديتك ، 3: لا يكن لك آلهة أخرى سواي ، 4: لا تنحت لك تمثالا ولا صورة ، … ، 5: لا تسجد لهن ولا تعبدهن ، … ، 7: لا تنطق باسم الرب باطلا ، … ، 12: أكرم أباك وأمك ، … ، 13: لا تقتل ، 14: لا تزن ، 15: لا تسرق ، 16: لا تشهد على قريبك شهادة زور ، 17: لا تشته بيت جارك ، … ، ولا شيئا مما له . وهذا ما يُسمّونه بالوصايا العشر ، واخترت النص من سفر الخروج ، كونه أكثر وضوحا ومطابقة للقرآن ، حيث ورد نص الميثاق والوصايا في والبقرة ( 83 – 84 ) والأنعام ( 151 – 153 ) والإسراء ( 22 – 39 ) . ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4 الإسراء ) 31: 16-21: و قال الرب لموسى : ما إن تموت وتلحق بآبائك ( مستقبلا ) … حالما أدخلهم إلى الأرض التي تفيض لبنا وعسلا ، … ، فيأكلون ويشبعون ويسمنون ، فإنهم يسعون وراء آلهة أخرى ويعبدونها ويزدرون بي وينكثون عهدي . فيحتدم غضبي عليهم في ذلك اليوم ، وأنبذهم وأحجب وجهي عنهم ، فيكونوا فريسة ، … ،: فمتى حلّت بهم شرور كثيرة ومصائب جمّة ، يشهد هذا النشيد عليهم ، لأنه سيظل يتردّد على أفواه ذريّتهم ، إذ أنني عالم بخواطرهم التي تدور بخلدهم الآن ، قبل أن أُدخلهم إلى الأرض كما [ أقسمت ] . ( وهذا يعني أن الله أخبرهم من سابق علمه بما سيكون منهم بعد دخولهم للأرض المقدّسة ) ( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ (7 الإسراء ) 28: 1-13: وإن أطعتم صوت الرب طاعة تامة ،حرصا منكم على تنفيذ جميع وصاياه فإن الرب إلهكم يجعلكم أسمى من جميع أمم الأرض . وإذا سمعتم لصوت الرب إلهكم ، فإن جميع هذه البركات تنسكب عليكم وتلازمكم ، … ، كما تتبارك ذُرّيّتكم ، وغلّات أرضكم ، ونتاج بهائمكم ، ويهزم الرب أمامكم أعدائكم القائمين عليكم ، فيقبلون عليكم في طريق واحدة ، ولكنّهم يُولّون الأدبار في سبع طُرق ، فيفتح الرب كنوز سمائه الصالحة ، فيمطر على أرضكم في مواسمها ، ويُبارك كل ما تنتجه أيديكم ، … ، فإنّه يجعلكم رؤوسا لا أذنابا ، متسامين دائما ( علو ) ، ولا يُدرككم انحطاط أبدا ( ذلّة ) … . ( مثوبة الإصلاح ) ( وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا (7 الإسراء ) 28: 15 ولكن إن عصيتم صوت الرب إلهكم ، ولم تحرصوا على العمل بجميع وصاياه وفرائضه ، التي أنا آمركم اليوم بها ، فإن جميع هذه اللعنات تحل بكم وتلازمكم ، … ، وتحلّ اللعنة بأبنائكم ، وغلّات أرضكم ، ونتاج بهائمكم ، ويصبّ الربّ عليكم اللعنة والفوضى والفشل ، حتى تهلكوا وتفنوا سريعا لسوء أفعالكم إذ تركتموني ، ويتفشى بينكم الوباء حتى يُبيدكم ، وتصبح السماء من فوقكم كالنحاس ، والأرض من تحتكم كالحديد ، 25: ويهزمكم الربُّ أمام أعدائكم ، فتقبلون عليهم في طريق واحدة ، وتولون الأدبار أمامهم متفرقين في سبع طرق ، وتصبحون عبرة لجميع ممالك الأرض ، 26: وتكون جثتكم طعاما ، لجميع طيور السماء ووحوش الأرض ، ولا يطردها أحد [ وليس من يزعجها ] ، 28: ويبتليكم الرب بالجنون والعمى وارتباك الفكر [ وحيرة القلب ] ، 29: فتتحسّسون طرقكم في الظهر ، كما يتحسّس الأعمى في الظلام ، وتبوء طرقكم بالإخفاق ، ولا تكونون إلا مظلومين مغصوبين كل الأيام ، 32: يساق أولادكم وبناتكم إلى أمة أخرى … وما في أيديكم حيلة ، … ، 36: ينفيكم الرب أنتم ومَلِككم إلى أمة أخرى ، لا تعرفونها أنتم ولا آباؤكم ، … ، 37: وتصبحون مثار دهشة وسخرية وعبرة في نظر جميع الشعوب ، … ، 43: [ الغريب الذي في وسطك ، يستعلي عليك متصاعدا ، وأنت تنحط متنازلا ] ( عودة الذل وزوال العلو ) ، 44: … ، وهم يكونون رؤوساً وأنتم تكونون ذنبا . ( عقوبة الإفساد ) النصوص الخاصة بالمرة الأولى : ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ … (5 الإسراء ) 28: 49 ويجلب الرب عليكم أمة من بعيد ، من أقصى الأرض ، فتنقضّ عليكم كالنسر ، 50: أمّة [ جافية الوجه ] يثير منظرها الرعب ، لا تهاب الشيخ ولا ترأف بالطفل ، ( صفة البأس الشديد ) 51: فتستولي على نتاج بهائمكم ، وتلتهم غلات أرضكم حتى تفنوا ، ولا تُبقِ لك قمحا ولا خمرا ولا زيتا ، … حتى تفنيك ، 52: وتحاصركم في جميع مدنكم ، حتى تتهدم أسواركم الشامخة الحصينة ، التي وثقتم بمناعتها ، … ، ( الجوس خلال الديار ) 58: فإن لم تحرصوا على العمل بجميع كلمات هذا الشريعة المكتوبة في هذا الكتاب ، … ، 59: فإن الرب يجعل الضربات النازلة بكم وبذرّيتكم ، ضربات مخيفة وكوارث رهيبة دائمة ، … ، 63: وكما سُرّ الرب بكم ، فأحسن إليكم وكثّركم ، فإنه سيُسرّ بأن يفنيكم ويهلككم فتنقرضون [ فتستأصلون ] من الأرض التي أنتم ماضون إلى امتلاكها ، 64: ويشتّتكم [ ويبددكم ] الرب بين جميع الأمم ، من أقصى الأرض الى أقصاها ، … ( الشتات في كافة أرجاء الأرض ) 65: ولا تجدون بين تلك الأمم اطمئنانا ولا مقرّا لقدم ، بل يعطيكم الرب قلبا هلعا ، وعيونا أوهنها الترقب ، ونفوسا يائسة ( الذلة والمسكنة بين الأمم ) ، 66: و تعيشون حياة مفعمة بالتوتر ، مليئة بالرعب ليلا و نهارا . النبوءة جاءت بِقَسَم ولمرتين ( تكرار للنص السابق مع الإسهاب ) : 29: 1 وهذه هي نصوص العهد ، الذي أمر الرب موسى ، أن يقطعه مع بني إسرائيل في سهول موآب ، فضلا عن العهد الذي قطعه معهم في حوريب ، 2: ودعا موسى جميع إسرائيل ، … ، 29: 4 و لكن الرب لم يعطكم حتى الآن ، قلوبا لتعوا [ لتفهموا ] وعيونا لتبصروا و أذانا لتسمعوا ، … ، 9: فأطيعوا نصوص هذا العهد واعملوا بها ، [ لكي تفلحوا في كل ما تفعلون ] ، … ، 14: ولست أقطع هذا العهد وهذا القسم معكم وحدكم ، 15: بل … أُبرمه أيضا مع الأجيال القادمة ( حيث سيقع منهم الإفساد مرّتين مستقبلا ) ، … ، 18: فاحرصوا أن لا يكون بينكم ، من تأصّل فيه الشرّ ، فيحمل ثمرا علقما سامّا ، 19: فإن سمعَ كلام هذا القَسم يستمطر بركة على نفسه ( أي يزكّي نفسه ) قائلا : سأكون آمنا ، حتى ولو أصررت على الاستمرار في سلوك طريقي ( الإصرار على المعصية ) ، إن هذا يُفضي إلى فناء الأخضر واليابس ، على حد سواء ، 20: إن الرب لا يشاء الرفق بمثل هذا الإنسان ، بل يحتدم غضبه وغيرته عليه ، فتنزل به كل اللعنات المدوّنة في هذا الكتاب ، ويمحو اسمه من تحت السماء ، 22: فيشاهد أبناؤكم من الأجيال القادمة ، والغرباء الوافدون من أرض بعيدة ، بلايا تلك الأرض ، … ، 23: إذ تصبح جميع الأرض كبريتا محترقة لا زرع فيها ، … ، كانقلاب سدوم ( قوم لوط ) ، التي قلبها الرب من جراء غضبه وسخطه ، … ، 28: واجتثّهم من أرضهم ، بغضبٍ وسخطٍ وغيظٍ عظيم ، وطوّح بهم إلى أرض أخرى ( السبي والشتات ) ، … . النصوص الخاصة بالمرة الثانية : ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104 الإسراء ) 30: 1 وعندما تحلّ بكم هذه البركات واللعنات ( تحقق الوعد الأول من علو وإفساد وعقاب ) كلها التي وضعتها نُصب أعينكم ، وردّدتموها في قلوبكم بين الأمم ، حيث شتّتكم الرب إلهكم ، 2: ورجعتم إلى الرب إلهكم أنتم وبنوكم ، … 3: فإن الرب إلهكم يردّ سبيكم ويرحمكم ، ويلّم شتاتكم من بين جميع الشعوب ، التي نفاكم الرب إلهكم إليها ، … ( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6 الإسراء ) 30: 5: ويعيدكم إلى الأرض التي امتلكها آباؤكم فتمتلكونها ، ويحسن إليكم ويكثّركم أكثر من آبائكم ، 30: 7: و يُحوّل الرب إلهكم كل هذه اللعنات ( العقاب الذي سيكون قد نزل بهم في المرة الأولى ) على أعدائكم ، وعلى مبغضيكم الذين طردوكم ( الذين أنزلوا بهم العقاب الإلهي في المرة الأولى ) ،30: 8 و أما أنتم فتطيعون صوت الرب من جديد ( في المرة الثانية ) ، وتعملون بجميع وصاياه التي أنا أوصيكم بها اليوم ، 9: فيفيض الرب عليكم خيرا ، في كل عمل ما تنتجه أيدكم ، ويكثّر ثمرة أحشائكم ، ونتاج بهائمكم ، أرضكم ، … ( وكل ما تقدم مشروط بالإحسان ) ( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ( 7 الإسراء ) ( تكرار ) 30: 10: هذا إن سمعتم لصوت الرب إلهكم ، وحفظتم وصاياه وفرائضه المدوّنة في كتاب الشريعة هذا ، ( أي تعاليم شريعة موسى في التوراة ، وليس تعاليم التلمود التي خطّها أحبارهم وكهنتهم ) ، وإن رجعتم إلى الرب إلهكم ، من كل قلوبكم ومن كل نفوسكم ، 11: إن ما أوصيكم به اليوم من وصايا ، ليست متعذّرة عليكم ولا بعيدة المنال ، … ، 15: انظروا : ها أنا قد وضعت أمامكم اليوم ، الحياة والخير والموت والشر ، 16: … أوصيتكم اليوم أن تُحبّوا الرب إلهكم ، وأن تسلكوا في طرقه ، وتطيعوا وصاياه وفرائضه وأحكامه ، لكي تحيوا وتنمو ، فيبارككم الرب ، في الأرض التي أنتم ماضون إليها لامتلاكها ، 17: ولكن إن تحوّلت قلوبكم ولم تطيعوا ، بل غويتم وسجدتم لآلهة أخرى وعبدتموها ، 18: فإني أنذركم [ أُنبّئكم ] اليوم أنكم لا محالة هالكون ، ولا تطول الأيام على الأرض ( أي مقامكم ) التي أنت عابر ( نهر ) الأردن لتدخلها وتمتلكها … 19: ها أنا أُشهد عليكم اليوم السماء والأرض ، قد وضعت أمامكم الحياة والموت ( أي وضحت لكم طريق النجاة وطريق الهلاك ، واستبدالها بكلمتي الحياة والموت من خلال النقل أو التحريف ، ترتّب عليه إنكار الحياة الآخرة ، واليوم الآخر من بعث وحساب ، فالجزاء عندهم دنيوي فقط ، فالثواب هو إطالة الحياة ، والعقاب هو قصرها ) ، البركة واللعنة ( أي الجزاء في الدنيا ) ، فاختاروا الحياة ( أي الشريعة ) لتحيوا ( لتنجوا من عذاب الدنيا والآخرة ) أنتم ونسلكم ، 20: إذ تحبّون الرب إلهكم و تطيعون صوته ، وتتمسّكون به لأنه هو حياتكم ( أي نجاتكم ) والذي يُطيل أيامكم لتستوطنوا [ لكي تسكنوا ] الأرض التي حلف الرب لآبائك ، إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن يعطيها لكم . الدخول أول مرة كان بحبل من الله : 31: 1: ومضى موسى يقول لبني إسرائيل : 2: … وقد قال لي الرب : لن تعبر هذا الأردن ( المقصود نهر الأردن ) 3: ولكن الرب إلهكم هو عابر أمامكم ، وهو يبيد تلك الأمم من قدّامكم فترثونهم ، … ، 6: [ تشدّدوا ] وتشجّعوا ، لا تخشونهم ولا تجزعوا منهم ، لأن الرب إلهكم سائر معكم ، لا يهملكم ولا يترككم . حتمية إفسادهم وعقابهم في المرة الثانية : 31: 28 اجمعوا إليّ جميع شيوخ أسباطكم و عرفاءكم ( النقباء ) ، لأتلو على مسامعهم هذه الكلمات ، وأشهد عليهم السماء والأرض ، 29: لأنني واثق أنكم بعد موتي ، تفسدون وتضلون عن الطريق الذي أوصيتكم بها ، فيصيبكم الشرّ في آخر الأيام ( المرة الثانية تكون آخر الزمان ) ، لأنكم تقترفون الشر أمام الرب ، حتى تثيروا غيظه بما تجنيه أيديكم ، 30: فتلا موسى في مسامع كل جماعة إسرائيل [ بكلمات ] هذا النشيد ، … ( أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2 الإسراء ) 32: 3: باسم الرب أدعو فمجّدوا عظمة إلهنا ، 4: هو الصخر ( الوكيل ) [ الكامل صنيعه ] ، سبله جميعها عدل ، هو إله أمانة لا يرتكب جورا ، صديق وعادل هو ، 5: لقد اقترفوا الفساد أمامه ، ولم يعودوا له أبناء ، بل لطخة عار ، إنهم جيل أعوج وملتو ، 6: أبهذا تكافئون الرب ، أيها الشعب الأحمق الغبيّ ، أليس هو أباكم وخالقكم ، الذي عملكم وخلقكم ، 7: اذكروا الأيام الغابرة ، وتأملوا في سنوات الأجيال الماضية ، اسألوا آبائكم فينبئوكم ، وشيوخكم فيخبروكم ، 10: وَجَدَهم في أرض قفرٍ وفي خلاء موحشٍ ، فأحاط بهم ورعاهم وصانهم ، 12: … وحده قاد شعبه ، وليس معه إله غريب ( أي آخر ) ، 13: أصعدهم على هضاب الأرض ، فأكلوا ثمار الصحراء ، وغذّاهم بعسل من حجر ، وزيتا من حجر الصوّان ، و … و … الدخول الثاني كان بحبل من الناس ، إذ لا حاجة بهم إلى الله : 15: فسمن بنو إسرائيل ورفسوا ، سمنوا وغلظوا واكتسوا شحما ( كناية عن الترف ) ، فرفضوا الإله صانعهم وتنكّروا لصخرة خلاصهم ، 16: أثاروا غيرته بآلهتهم الغريبة ، وأغاظوه بأصنامهم الرجسة ، 17: لآلهة غريبة لم يعرفوها بل ظهرت حديثا ( المال والقوة والناس ) ، آلهة لم يرهبها آباؤهم من قبل ، 18: لقد نبذتم الصخر الذي أنجبكم ونسيتم الله الذي أنشأكم ( وهذا حالهم وحال دولتهم الحالية ) . ( لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ … (7 الإسراء ) 19: فرأى الرب ذلك ورذلهم ، إذ أثار أبناؤه وبناته غيظه ، 20: وقال : سأحجب وجهي عنهم فأرى ماذا سيكون مصيرهم ؟ إنهم جيل متقلب وأولادُ خونة ، 21: … ، لذلك سأثير غيرتهم بشعب متوحش ( أولي بأس شديد ) ، وأغيظهم بأمة حمقاء [ أمة لا تفهمون لغتها ] 22: فها قد أضرم غضبي نارا ، تُحرق حتى الهاوية السفلى ، وتأكل الأرض وغلّاتها ، وتحرق أسس الجبال ، 23: أجمع عليهم شرورا ، وأُنفذ سهامي فيهم ، 24: أجعل أنياب الوحوش ، مع حمّة زواحف الأرض تنشب فيهم ، 25: يثكلهم سيف العدو في الطريق ، ويستولي عليهم الرعب داخل الخدور ، فيهلك الفتى مع الفتاة ، والرضيع مع الشيخ ( الجوس الثاني ) 26: قلت : أشتّتهم في زوايا الأرض ، وأمحو من بين الناس ذكرهم ( أي في المرة الأولى ) ، 27: لولا خوفي من تبجح العدو ، إذ يظنون قائلين : إن يدنا قد عَظُمت ( أعداء بني إسرائيل ) وليس ما جرى من فِعل الرب . ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ (7 الإسراء ) 32: 28 إن بني إسرائيل أمة غبية ولا بصيرة فيهم ( لا يعقلون ولا يفقهون ) ، 29: لو عقلوا لفطنوا لمآلهم وتأملوا في مصيرهم ، 32: إذ أن كرمتهم من كرمة سدوم ، ومن حقول عمورة ، ( تشيه إفسادهم وإصرارهم ، بإفساد قوم لوط وإصرارهم ) وعنبهم ينضح سمّا ، وعناقيدهم تفيض مرارة ، 33: خمرهم حمّة الأفاعي ، وسمُ الثعابين المميت 32: 34 أليس ذلك مدخرا عندي ، مختوما عليه في خزائني ، 35: لي النقمة وأنا أُجازي ، في الوقت المعين ( مجيء الوعد ) تزلّ أقدامهم ، فيوم هلاكهم بات وشيكا ، ومصيرهم المحتوم يُسرع إليهم ، ( كلما أمعنوا في الإفساد كلما اقترب موعد هلاكهم ) . ( عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ … ( 8 الإسراء ) 36: لأن الرب يدين شعبه ( بني إسرائيل ) ويرأف بعبيده ، عندما يرى أن قوّتهم قد اضمحلت ( زالت بعد المرة الثانية ) … . ( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56 الإسراء ) 32: 37 عندئذ يسأل الرب : أين آلهتهم ؟ أين الصخرة التي التجأوا إليها ؟ 38: لتهبّ لمساعدتكم وتبسط عليكم حمايتها 39: انظروا الآن : إني أنا هو وليس إله معي ، أنا أميت وأحيي ، أسحق وأشفي ولا منقذ من يدي ، … 41: إذا سننت سيفي البارق ، وأمسكتْ به يدي للقضاء ، فإني أنتقم من أعدائي وأجازي مبغضيّ ، 42: أُسكر سهامي بالدم ويلتهم سيفي لحما بدم القتلى والسبايا ، ومن رؤوس قواد العدو ( قادة إسرائيل ) … . موسى عليه السلام يُخبر بنص النبوءة قبل موته : 32: 45 وعندما انتهى موسى ، من تلاوة جميع كلمات هذا النشيد على الإسرائيليين ، 46: قال لهم : تأمّلوا بقلوبكم في جميع الكلمات ، التي أنا أشهد عليكم بها اليوم ، لكي توصوا بها أولادكم ، ليحرصوا على العمل بكلمات هذه التوراة كلها ، 47: لأنها ليست كلمات لا جدوى لكم منها ، إنها حياتكم وبها تعيشون طويلا ، في الأرض التي أنتم عابرون نهر الأردن إليها لترثوها … 34: 5: فمات موسى عبد الرب ، في أرض موآب [حسب ] قول الرب . نلاحظ هنا أن النبوءة ، اعتراها بعض التشويه من حذف أو إضافة أو تبديل ، ولكنها حافظت على خطوطها العريضة ، ونلاحظ أيضا أنها فصلت المرتين كل منهما على حدة . حيثيات نفاذ الوعد الأول في الأسفار الأخرى التوراة كمرجع تاريخي غير موثوق به : رجّح كثير من الناقدين والباحثين الغربيون ، من الذين وضعوا التوراة تحت المجهر ، كونها العهد القديم من كتابهم المقدس ، أنها كتبت بأيدي بشر ، وذلك لما تحفل به من خرافات وأساطير ، ولتناقضها مع العهد الجديد ( الإنجيل ) ، وتناقضها مع المنطق والواقع ، وتناقضها أيضا مع المصادر التاريخية الأخرى في مواضع عديدة ، ويُجمع الكثير منهم أن كتابتها وجمعها قد تم بعد السبي البابلي ، وجاء القرآن ليكشف الكثير من أكاذيبها وافتراءاتها ، ومن خلال اطّلاعي عليها تبين لي أن من قام بإعادة كتابة التوراة ، هم أشخاص مشبعون بمشاعر الحقد والقهر والنقمة والرغبة في الانتقام ، وكل هذه المشاعر موجهة بالترتيب نحو : 1. رب العزة جلّ وعلا ، ( يقولون أن يعقوب عليه السلام صرع الله في البرية ، واستطاع الله النجاة بعضّ يعقوب في فخذه ، فسبب له عرق النساء ، ومن أجل ذلك لا يأكل اليهود عرق النساء الذي في الفخذ ، سفر التكوين 32: 24-32 ، ويقولون عنه سبحانه أنه كثير البكاء وكثير الندم على ما أنزله بشعبه المقدس ، ولذلك كانوا وما زالوا يعتقدون ، أن الله سيصلح خطأه معهم ، بإعادتهم إلى وطنهم ، الذي طُردوا منه بلا ذنب أو خطيئة ، فالخطأ منسوب إلى الله ورسله وملائكته والشعوب المجاورة ، أما شعب الله المقدّس ، فليس له خطيئة فهو حمل وديع ، وهذا نوع من الإسقاط النفسي ، لعظم الخطيئة ، وفداحة العقاب الذي وقع منهم وبهم ) . 2. الرسل والأنبياء ، ( يقولون أن موسى وهارون خانا الرب وسط الشعب التثنية ؛ 32: 50-51 ، وهارون هو الذي صنع العجل الذهبي ، الخروج 32: 1-6 ، وداود ارتكب خطيئة الزنا مع زوجة الجندي ؛ صموئيل الثاني ، 11: 1-27 ، وسليمان عبد آلهة أخرى ، وفعل الشرّ في عيني الرب ، كما فعل أبوه ؛ ملوك أول 11: 1-8 ) . 3. الكنعانيون القدماء وورثتهم الجدد ( الفلسطينيون ) ، ( سفر التكوين 9: 20-27: واشتغل نوح بالفلاحة وغرس كرما ، وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خيمته ، فشاهد حام أبو الكنعانيين عُريّ أبيه ، فخرج وأخبر أخويه اللذين كانا في الخارج ، فأخذ سام ويافث ، رداءً ووضعاه على أكتافهما ، ومشيا القهقرى إلى داخل الخيمة ، وسترا عورة أبيهما من غير أن يستديرا بوجهيهما نحوه فيُبصرا عورته . وعندم أفاق نوح من سكره ، وعلم ما فعله ابنه الصغير ، قال : ليكن كنعان ملعونا ، وليكن عبد العبيد لأخوته ، ثم قال : تبارك الله إله سام ، وليكن كنعان عبدا له ، ليوسع الله ليافث ، وليكن كنعان عبدا له ) . 4. الكلدانيون في بابل ، وورثتهم الجدد ( العراقيون ) ، ( وأحقادهم على بابل وأهلها ، أُفرد الحديث عنها في موضع آخر ) . 5. جميع شعوب الأرض ما عدا اليهودي الصرف . ( والأمثلة على ذلك موجودة في أسفار موسى ، ونصوص التلمود ) . 6. سبط بنيامين الأخ الشقيق ليوسف عليه السلام . وكل مشاعر الحقد والرغبة في الانتقام ممن ذُكروا أعلاه ، أفرغها الكتبة ( الكهنة والحكماء ) في كتابهم المقدس ( التوراة ) ، فأعادوا جمعها ونسخها تحت وطأة انفعالات نفسية رهيبة ، وتمت فبركة جميع أسفارها بما يتناسب مع تلك المشاعر التي خلفها السبي البابلي في عقولهم وقلوبهم ، والتي كانت أكبر فاجعة أُصيب بها بنو إسرائيل والأكثر إيلاما على مرّ التاريخ . وقد تبين لي أن هناك تطويل وتكرار غير مبرر لنفس الحدث أو الموضوع ، وأحيانا يكون هذا التكرار لنفس السفر كاملا تحت مسميين ، مثل أسفار أخبار الأيام وأخبار الملوك مع اختلاف بسيط ، وأحيانا لنفس الفقرة في نفس السفر ، وهذا التكرار يدل على أن نصوص التوراة جُمعت على الأقل من مصدرين مختلفين ، وأُخذت النصوص منهما وجُمعت في كتاب واحد دون تفضيل نص على آخر ، فالحدث الواحد أحيانا يتكرّر مرتين وثلاثة دون وجود فارق جوهري في المضمون . |
|
| اقتباس المشاركة |
|
|
#14 | |
قوة السمعة: 169
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
عالعموم أنا حفظت الصفحة لأقرا الكتاب براحتي
ومشكووووووووووووووووووووووووووووووو ووور يا أخي الشاعر الحزين ( كل حياتنا حزن ) ابكي بالدنيا تبكي لوحدك ......... ابتسم تبتسم الدنيا معاك |
|
أعشق كل ذرة من رمالك حبيبتي ............ وأعشق في ظلامك القمر فلسـ الحبيبة ـطين |
||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#15 | |
|
I ♥ AQSA
قوة السمعة: 14
![]() |
. المكان : الأرض المقدسة - فلسطين .
2. صفة الإفساد : أممي جماعي - القتل وسفك الدماء ، إخراج الناس من ديارهم ، محاربة الله وما جاء به رسله . 3. العلو : الاستعلاء - امتلاك الأرض والمال والقوة . 4. صفة المبعوثين : أقوياء وأعزاء - يفضلون الموت على الذل والمهانة ، ولا يقبلون بأقل من ردّ الصاع صاعين ، ومخرجهم من نفس الأرض في المرتين . 5. صفة العقاب : انتقام إلهي - الدخول بالغلبة قسرا وقهرا ، وهدم مقومات الدولة ، وإفناء شعبها ، والشتات لمن ينجو منهم . علامات فارقة تميز كل مرة عن الأخرى : 1. النشأة والاستمرارية : تواكلية - إحداهما بالتواكل على الله ، والأخرى بالتواكل على الناس . 2. المجيء : مختلف - دخول فلسطين كأمة في الأولى ، دخولها كجماعات متفرقة من الشتات في الثانية . 3. الوعد : الأول - تحقق قبل نزول سورة الإسراء ، والثاني - سيتحقق في مستقبل الأمة الإسلامية . هل من المكن أن يبعث الله الكفرة ويُسلّطهم على من شاء من عباده ؟ هذا السؤال كان قد أورده الزمخشري في الكشاف ، حيث قال : ( عبادا لنا ) ، وقُرئ عبيدا لنا ، وأكثر ما يُقال عباد الله ، وعبيد الناس ، سنحاريب وجنوده وقيل بختنصر … فإن قلت كيف جاز أن يبعث الله الكفرة ويُسلّطهم عليهم ؟ قلت : معناه خلينا بينهم وبين ما فعلوا ولم نمنعهم ، على أن الله أسند بعث الكفرة إلى نفسه ، فهو كقوله تعالى ( وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا ، بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129 الأنعام ) انتهى . أما الإمام أحمد فقد قال ردا على نفس السؤال : هذا السؤال إنما يتوجه على قدريّ ، يُوجب على الله تعالى بزعمه ، رعاية ما يتوهمه بعقله مصلحة ، وأما السُنيّ إذا سُئل هذا السؤال أجاب عنه بقوله : ( لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23 الأنبياء ) انتهى . ولا ننسى أن الكلام في المسألة أعلاه ، محمول على أن البعثين قد تحصّلا قبل نزول الآيات ، حيث أجمعت كل الروايات على كفر المبعوثين ، فجاء الكلام ردّا على من قد ينكر على الله بعث الكفرة على فسقة أهل الكتاب ، ويحصر ذلك بالمؤمنين وهما وظنا واتباعا للهوى مُقدّرا بأن في ذلك كل المصلحة والمنفعة مُلزما ربّ العزة برأيه . وبالإضافة لما تقدّم ، نسوق بعض الأدلة من القرآن والسنة ، على تسليط الله الناس بعضهم على البعض ، دون بيان ماهية المعتقد من حيث الإيمان أو الكفر ، وحتى نصرة الدين بالفجار : قال تعالى ( وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251 البقرة ) وقال أيضا ( وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40 الحج ) ومما روى البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أنه قَالَ في معرض حديثه : ( … وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ ) ، وأخرجه مسلم وأحمد والدارمي . فإذا كان الحكيم العليم ينصر دينه بالفجار ، أفلا يُعذّب الكفار بالكفار ؟!! أولم يُسلّط الله التتار على فسقة المسلمين قديما ، ويُسلّط الأتراك والنصارى واليهود على فسقة المسلمين حديثا ، أم أن هذا التسليط كان من عند غير الله ؟!! والسؤال هل هناك منفعة أو مصلحة ، تُرتجى من بعث الريح والحجارة ، أو بعث الطير والضفادع ، على الأقوام السابقة ، طالما أن الغاية هي عقاب الظلمة والمفسدين ؟!! الخلاصة : 1. أن إفساد بنو إسرائيل وعلوهم سيكون كأمّة ، وبقيام دولة لهم في فلسطين لمرتين فقط ، لا ثالث لهما . 2. أن البعث من عند الله ، وأنه عقاب وعذاب لبني إسرائيل لإفسادهم في الأرض بالدرجة الأولى ، بالرغم من كونه نصرا للمستضعفين من أهل فلسطين الذين انتصروا لربهم ودينهم . 3. أن هذا البعث متعلّق بموعد ، والمؤشر على قرب أجله ، هو ازدياد وتيرة الظلم والإفساد اليهودي في الأرض ، وازدياد حدة التهديد اليهودي لأصحاب البعث . 4. أن غاية هذا البعث ، هي الانتقام من بني إسرائيل في الدرجة الأولى ، وليس مكافأة لصلاح المبعوثين أيّاً كانوا . 5. أن الوعد الأول كان قد أُنجز فيما مضى قبل مجيء الإسلام ، بل قبل عيسى عليه السلام . 6. أن تحقق الوعد الثاني ، اشتُرط فيه قبل تحققّه : أولا : مجيئهم من الشتات ؛ ثانيا : هزيمة اليهود للمبعوثين وإلحاق الأذى بهم ؛ ثالثا : اعتماد اليهود على المساعدات المادية والبشرية ؛ رابعا : تفوّق اليهود عسكريا على أعدائهم . 7. أن للبعث الثاني سبب ، وهو سبق الاعتداء اليهودي على المبعوثين ، وأن خروج المبعوثين عليهم ، سيكون لرفع الضرر والانتقام لأنفسهم . 8. أن المبعوثين عليهم في المرة الثانية ، هم نفس المبعوثين عليهم في المرة الأولى . 9. أن هذا البعث سيكون مُفاجئا لهم ، وهم في قمة علوهم وتجبرهم ، وسيأتيهم من حيث لا يحتسبوا ، وسيتم قتل اليهود والتنكيل بهم ، ومن ثم دخول فلسطين والسيطرة عليها ، مع انعدام قدرة اليهود على صدّ المبعوثين . 10. أن الدخول الأول يعرفه اليهود كمعرفتهم لأولادهم ، وليس للمسلمين معرفة بصفته كونهم لم يُعاصرونه ، ولا يمكن معرفته إلا من خلال الإطلاع على كتب اليهود . 11. أن تدمير مقومات علوهم في مشارق الأرض ومغاربها أمر حتمي ولو بعد حين . 12. أن ماهية المعتقد للمبعوثين مُبهمة ، فمن الجائز أن يكونوا كفرة أو مسلمين أو مؤمنين أو من أولياء الله المخلصين ، في كلا المرتين أو في مرة دون الأخرى ، وأن أهمّ ما يُميّزهم في كلا المرتين هو اتّصافهم بالبأس الشديد . كتاب نهاية اسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية --- تاريخ اليهود في التوراه والتلموذ ماهية التوراة : التوراة في ( لسان العرب ) : نجد أن هذه الكلمة ذات أصل عربي ومصدرها وَرِيَ ، والوراء هو ولد الولد ، والواري هو السمين من كل شيء ، وناقة وارية أي سمينة ، وورَيْتُ النار توريةً إذا استخرجتها ، واستوريت فلانا رأياً أي سألته أن يستخرج لي رأيا ، ووريت الشيء وواريته أخفيته ، ووريت الخبر أُورِيه توريةً إذا سترته وأظهرت غيره وكأنه مأخوذ من وراء الإنسان ، لأنه إذا قال وَرَيْته فكأنه يجعله وراءه حيث لا يظهر ، والتورية هي السَتْر . ولو تدبرّنا كل المعاني السابقة ، لوجدنا أن هذ التسمية ( التوارة أو التورية حسب الرسم القرآني لها ) جاءت لتصف بدقة وبشمولية ، حال الكتاب الموجود بين أيدي اليهود ، ولتصف الكيفية التي يتعامل بها اليهود مع هذا الكتاب ، فالتوراة في الواقع كتاب ضخم يحوي بين دفتيه ( 39 ) سفرا ، وإحدى نسخه المترجمة فيها ما يزيد عن 1128 صفحة بمعدل 380 كلمة لكل صفحة ، أي ما يفوق القرآن من حيث عدد الكلمات بستة مرات تقريبا ، جُمع فيه كل ما أُنزل على أنبياء بني إسرائيل المتعاقبين تباعا ، من شرائع وأخبار ونبوءات غيبية وتاريخ وأساطير وخرافات ، وعلى فترات متباعدة ومتتالية ، ولمدة لا تقل عن ألف وخمسمائة سنة . التوراة لم تنزّل على موسى وكتابه جزء منها : وحسب النص القرآني ، في الآية ( يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتْ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65 آل عمران ) ، والآية ( وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ (46 المائدة ) نجد أن نزول التوراة حُصر في الفترة الزمنية الواقعة بين وفاة إبراهيم ونبوّة عيسى عليهما السلام ، ومن قوله تعالى ( إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ (44 المائدة ) نجد أنها أنزلت كمرجع لبني إسرائيل ( بني يعقوب عليه السلام ) لاستنباط واستخراج الأحكام الشرعية منها ، وفي قوله تعالى ( يَأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ (15المائدة ) وقوله ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187 آل عمران ) نجد وصفا لحال اليهود معها وما كان منهم ، في إخفائها وكتمانها وتحريفها وإظهار غير ما جاء فيها ، وكل ما قيل فيها من معاني في المعجم ينسجم مع واقع التوراة الحالي ، وليس على كتاب موسى فقط والذي هو في الأصل جزء منها ، وما كان الفصل بينها وبين موسى عليه السلام في القران إلا ليؤكد هذه الحقيقة . ولو تمعنّا في هذه الآية ( كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ - إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ - مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ - قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93 آل عمران ) ونظرت في قوله تعالى ( تُنَزَّلَ ) ، لوجدت أن التنزيل غير الإنزال ، فالأول على مراحل والثاني لمرة واحدة ، ومن ثم انتقلنا إلى سورة الأنعام ، وتدبرنا الآيات ( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ … (151) … (152) … (153) = ثُمَّ = آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154 الأنعام ) لوجدنا أن هذه الآيات توضح ما كان قد حُرّم عليهم في التوراة ، وأن مجيء أداة العطف ( ثُمَّ ) بعد ذكر ما جاء في التوراة مباشرة ، والتي تفيد لغةً الترتيب والتراخي في الزمن ، ومجيء العبارة ( آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ) بعدها ، يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أمرين ؛ الأول : أن التوراة شيء يختلف عن كتاب موسى عليه السلام ، والثاني : أنها سبقت كتاب موسى عليه السلام في النزول . التوراة كتاب يضمّ بين دفتيه جميع ما أُنزل على أنبياء بني إسرائيل : والأرجح أن التوراة أُنزلت مفرّقة بدءاً من يعقوب أو إسحاق وانتهاءً بزكريا عليهم السلام ، وأنها مجمل ما أُنزل على يعقوب ويوسف وموسى وداود وسليمان وزكريا وبقية أنبيائهم ممن لم تذكر أسمائهم في القرآن ، قال تعالى ( وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136 البقرة ) ولاحظ أن ترتيب أسماء الأنبياء ، في هذه الآية جاء متعاقبا حسب الترتيب الزمني ، ولاحظ أيضا أنّ الإنزال شمل كل من إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وتوقف . وأفرد موسى وعيسى مع أنهم من الأسباط وخصّهما بالإيتاء ، وأفرد النبيين من غير ذرية إبراهيم بالإيتاء أيضا ، والظاهر أن هناك فرق بين الإنزال والإيتاء ، وأما ماهية الأسباط فسنبيّنها في فصل آخر . ولو اطلعت على مجمل النصوص القرآنية ، لوجدت أن ما نُسب إلى موسى عليه السلام بالإيتاء ، هو الكتاب والفرقان والهدى وضياء وذكر والألواح والصحف ، وأن التوراة لم تنسب نصّا إلى موسى عليه السلام ، في أي موضع من المواضع ال (18) في القرآن ، وهي ( 6 مرات في آل عمران ، و7 مرات في المائدة ، ومرة واحدة في كلٍ من الأعراف والتوبة والفتح والصف والجمعة ) وخلاصة القول أن ذكر التوراة في القران يُقصد به الكتاب الذي كان بأيدي اليهود زمن نزول القرآن وحتى عصرنا هذا ، والذي مجمل ما أُنزل على أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام ، وأن المقصود بذكر الكتاب المذكور في سورة الإسراء هو ما أُنزل على موسى وحده ، والله أعلم . وأما ما يُنسب إلى موسى عليه السلام في التوراة الحالية ، فهي الأسفار الخمسة الأولى من مجموع أسفارها ، وهي أسفار التكوين والخروج واللاويين والعدد والتثنية ، وعلى الأرجح أن بعض هذه الأسفار كسفر التكوين ، كان موجودا قبل موسى عليه السلام ، ومن المحتمل أن يكون هذا السفر هو مجموع صحف إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام . حقيقة التوراة على لسان المقدسي : جاء في كتاب ( البدء والتاريخ ) للمقدسيّ ، ما نصه : جاء في كتاب ( البدء والتاريخ ) للمقدسيّ ، ما نصه : وذلك أن ( بختنصر ) لما خرب بيت المقدس وأحرق التورية وساق بني إسرائيل إلى أرض بابل ، ذهبت التوراة من أيديهم حتى جدّدها لهم عزير فيما يحكون ، والمحفوظ عن أهل المعرفة بالتواريخ والقصص أن عزيرا ( عزرا الكاتب ) أملى التوراة في آخر عمره ، ولم يلبث بعدها أن مات ودفعها إلى تلميذ من تلامذته ، وأمره بأن يقرأها على الناس بعد وفاته ، فعن ذلك التلميذ أخذوها ودونوها ، وزعموا أن التلميذ هو الذي أفسدها وزاد فيها وحرفها ، فمن ثم وقع التحريف والفساد في الكتاب وبُدّلت ألفاظ التوراة ، لأنها من تأليف إنسان بعد موسى لأنه يخبر فيها عما كان من أمر موسى عليه السلام ، وكيف كان موته ووصيته إلى يوشع بن نون ، وحزن بني إسرائيل وبكاؤهم عليه ، وغير ذلك مما لا يشكل على عاقل أنه ليس من كلام الله عز وجل ولا من كلام موسى ، وفي أيدي السامرة توراة مخالفة للتوراة التي في أيدي سائر اليهود ، في التواريخ والأعياد وذكر الأنبياء ، وعند النصارى توراة منسوبة إلى اليونانية ، فيها زيادة في تواريخ السنين على التورية العبرانية ، بألف وأربع مائة سنة ونيف ، وهذا كله يدل على تحريفهم وتبديلهم ، إذ ليس يجوز وجود التضاد فيها من عند الله انتهى . أما ما دفعني للبحث في أمر التوراة في البداية ، هو رغبتي في استخراج نص النبوءة منها ، ومقارنته مع نص سورة الإسراء ، واستقراء تاريخهم حسب ما يروونه هم بأنفسهم ، فيما إذا كان هناك ما يفيد تحقق الوعد الأول ، من خلال البحث في التوراة الحالية ، والموجودة تحت اسم العهد القديم ، في الكتاب المقدس الخاص بالنصارى ، حيث توفرت لديّ نسختين عنه واحدة باسم (كتاب الحياة / ترجمة تفسيرية / ط2 1988 / جي سي سنتر القاهرة ) وتقع في (1128) صفحة ، وأخرى باسم ( الكتاب المقدس / دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط ) وتقع في ( 1358 ) صفحة مترجمة عن التوراة اليونانية ، وبما أن عدد الصفحات كبير جدا ، ومن المؤكد أن هذا النص قد اعتراه الكثير من التحريف والتزوير من إضافة ونقص ، فهو يحتاج إلى قراءة مركزة ومتأنية من الألف إلى الياء ، مما يتطلب الكثير من الوقت والجهد ، فضلا عما تُصاب به من دوار كلما حاولت أن تستجمع ما ورد فيها ، من أفكار مشتتة ومضلِّلة ، ولما فيها من إسهاب وإطالة وتكرار ، لذلك كان لا بد لي من تحديد على من أُنزلت هذه النبوة ، وما هو المقصود بقوله سبحانه ( في الكتاب ) على وجه الدقة وفي أي فترة زمنية أُنزلت ، لتكون عملية البحث فيها أقل جهدا ، وعند بحثي عنها فيما نُسب إلى موسى عليه السلام من أسفار وجدتها في سفر التثنية ، وقد اعتراها الكثير من التشويه من حذف وإضافة ، وفيما يلي بعض من بقايا نصوصها التي توزعت على مدى ( 18 صفحة ) : سفر التثنية آخر الأسفار المنسوبة لموسى ، ويضم في ثناياه نصوص نبوءة الإسراء ملاحظة : النص مأخوذ من نسخة ( كتاب الحياة ) حيث أن التركيب اللغوي فيها أكثر قوة وتعبيرا ، إلا في مواضع نادرة نلجأ فيها للأخذ من النسخة الأخرى ( الكتاب المقدس ) وهو ما يرد بين [ … ] ، وما يرد بين ( … ) فهو تعقيب من المؤلف . ( وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2 الإسراء ) إصحاح 26: آية 16: لقد أمركم الرب إلهكم هذا اليوم ، أن تعملوا بهذه الفرائض والأحكام ، فأطيعوا واعملوا بها من كل قلوبكم ومن كل نفوسكم ، 17: … وأن عليكم طاعة جميع وصاياه ،19: فيجعلكم أسمى من كل الأمم [ مستعليا على جميع القبائل ] التي خلقها في الثناء والشرف والمجد ، ( العلو ) ، … . إخبار موسى عليه السلام بنص النبوءة كان قبل دخولهم إلى الأرض المقدسة : 27: 1-9: وأوصى موسى وشيوخ إسرائيل الشعب قائلين : أطيعوا جميع الوصايا التي أنا أمركم بها اليوم . فعندما تجتازون نهر الأردن ، إلى الأرض التي يهبها الرب إلهكم لكم ، تنصبوا لأنفسكم حجارة كبيرة ، … وتكتبون عليها جميع كلمات هذه الشريعة ، … ثم قال موسى والكهنة واللاويون لجميع شعب إسرائيل : سفر الخروج : 20 : 2: أنا هو الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر ديار عبوديتك ، 3: لا يكن لك آلهة أخرى سواي ، 4: لا تنحت لك تمثالا ولا صورة ، … ، 5: لا تسجد لهن ولا تعبدهن ، … ، 7: لا تنطق باسم الرب باطلا ، … ، 12: أكرم أباك وأمك ، … ، 13: لا تقتل ، 14: لا تزن ، 15: لا تسرق ، 16: لا تشهد على قريبك شهادة زور ، 17: لا تشته بيت جارك ، … ، ولا شيئا مما له . وهذا ما يُسمّونه بالوصايا العشر ، واخترت النص من سفر الخروج ، كونه أكثر وضوحا ومطابقة للقرآن ، حيث ورد نص الميثاق والوصايا في والبقرة ( 83 – 84 ) والأنعام ( 151 – 153 ) والإسراء ( 22 – 39 ) . ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4 الإسراء ) 31: 16-21: و قال الرب لموسى : ما إن تموت وتلحق بآبائك ( مستقبلا ) … حالما أدخلهم إلى الأرض التي تفيض لبنا وعسلا ، … ، فيأكلون ويشبعون ويسمنون ، فإنهم يسعون وراء آلهة أخرى ويعبدونها ويزدرون بي وينكثون عهدي . فيحتدم غضبي عليهم في ذلك اليوم ، وأنبذهم وأحجب وجهي عنهم ، فيكونوا فريسة ، … ،: فمتى حلّت بهم شرور كثيرة ومصائب جمّة ، يشهد هذا النشيد عليهم ، لأنه سيظل يتردّد على أفواه ذريّتهم ، إذ أنني عالم بخواطرهم التي تدور بخلدهم الآن ، قبل أن أُدخلهم إلى الأرض كما [ أقسمت ] . ( وهذا يعني أن الله أخبرهم من سابق علمه بما سيكون منهم بعد دخولهم للأرض المقدّسة ) ( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ (7 الإسراء ) 28: 1-13: وإن أطعتم صوت الرب طاعة تامة ،حرصا منكم على تنفيذ جميع وصاياه فإن الرب إلهكم يجعلكم أسمى من جميع أمم الأرض . وإذا سمعتم لصوت الرب إلهكم ، فإن جميع هذه البركات تنسكب عليكم وتلازمكم ، … ، كما تتبارك ذُرّيّتكم ، وغلّات أرضكم ، ونتاج بهائمكم ، ويهزم الرب أمامكم أعدائكم القائمين عليكم ، فيقبلون عليكم في طريق واحدة ، ولكنّهم يُولّون الأدبار في سبع طُرق ، فيفتح الرب كنوز سمائه الصالحة ، فيمطر على أرضكم في مواسمها ، ويُبارك كل ما تنتجه أيديكم ، … ، فإنّه يجعلكم رؤوسا لا أذنابا ، متسامين دائما ( علو ) ، ولا يُدرككم انحطاط أبدا ( ذلّة ) … . ( مثوبة الإصلاح ) ( وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا (7 الإسراء ) 28: 15 ولكن إن عصيتم صوت الرب إلهكم ، ولم تحرصوا على العمل بجميع وصاياه وفرائضه ، التي أنا آمركم اليوم بها ، فإن جميع هذه اللعنات تحل بكم وتلازمكم ، … ، وتحلّ اللعنة بأبنائكم ، وغلّات أرضكم ، ونتاج بهائمكم ، ويصبّ الربّ عليكم اللعنة والفوضى والفشل ، حتى تهلكوا وتفنوا سريعا لسوء أفعالكم إذ تركتموني ، ويتفشى بينكم الوباء حتى يُبيدكم ، وتصبح السماء من فوقكم كالنحاس ، والأرض من تحتكم كالحديد ، 25: ويهزمكم الربُّ أمام أعدائكم ، فتقبلون عليهم في طريق واحدة ، وتولون الأدبار أمامهم متفرقين في سبع طرق ، وتصبحون عبرة لجميع ممالك الأرض ، 26: وتكون جثتكم طعاما ، لجميع طيور السماء ووحوش الأرض ، ولا يطردها أحد [ وليس من يزعجها ] ، 28: ويبتليكم الرب بالجنون والعمى وارتباك الفكر [ وحيرة القلب ] ، 29: فتتحسّسون طرقكم في الظهر ، كما يتحسّس الأعمى في الظلام ، وتبوء طرقكم بالإخفاق ، ولا تكونون إلا مظلومين مغصوبين كل الأيام ، 32: يساق أولادكم وبناتكم إلى أمة أخرى … وما في أيديكم حيلة ، … ، 36: ينفيكم الرب أنتم ومَلِككم إلى أمة أخرى ، لا تعرفونها أنتم ولا آباؤكم ، … ، 37: وتصبحون مثار دهشة وسخرية وعبرة في نظر جميع الشعوب ، … ، 43: [ الغريب الذي في وسطك ، يستعلي عليك متصاعدا ، وأنت تنحط متنازلا ] ( عودة الذل وزوال العلو ) ، 44: … ، وهم يكونون رؤوساً وأنتم تكونون ذنبا . ( عقوبة الإفساد ) النصوص الخاصة بالمرة الأولى : ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ … (5 الإسراء ) 28: 49 ويجلب الرب عليكم أمة من بعيد ، من أقصى الأرض ، فتنقضّ عليكم كالنسر ، 50: أمّة [ جافية الوجه ] يثير منظرها الرعب ، لا تهاب الشيخ ولا ترأف بالطفل ، ( صفة البأس الشديد ) 51: فتستولي على نتاج بهائمكم ، وتلتهم غلات أرضكم حتى تفنوا ، ولا تُبقِ لك قمحا ولا خمرا ولا زيتا ، … حتى تفنيك ، 52: وتحاصركم في جميع مدنكم ، حتى تتهدم أسواركم الشامخة الحصينة ، التي وثقتم بمناعتها ، … ، ( الجوس خلال الديار ) 58: فإن لم تحرصوا على العمل بجميع كلمات هذا الشريعة المكتوبة في هذا الكتاب ، … ، 59: فإن الرب يجعل الضربات النازلة بكم وبذرّيتكم ، ضربات مخيفة وكوارث رهيبة دائمة ، … ، 63: وكما سُرّ الرب بكم ، فأحسن إليكم وكثّركم ، فإنه سيُسرّ بأن يفنيكم ويهلككم فتنقرضون [ فتستأصلون ] من الأرض التي أنتم ماضون إلى امتلاكها ، 64: ويشتّتكم [ ويبددكم ] الرب بين جميع الأمم ، من أقصى الأرض الى أقصاها ، … ( الشتات في كافة أرجاء الأرض ) 65: ولا تجدون بين تلك الأمم اطمئنانا ولا مقرّا لقدم ، بل يعطيكم الرب قلبا هلعا ، وعيونا أوهنها الترقب ، ونفوسا يائسة ( الذلة والمسكنة بين الأمم ) ، 66: و تعيشون حياة مفعمة بالتوتر ، مليئة بالرعب ليلا و نهارا . النبوءة جاءت بِقَسَم ولمرتين ( تكرار للنص السابق مع الإسهاب ) : 29: 1 وهذه هي نصوص العهد ، الذي أمر الرب موسى ، أن يقطعه مع بني إسرائيل في سهول موآب ، فضلا عن العهد الذي قطعه معهم في حوريب ، 2: ودعا موسى جميع إسرائيل ، … ، 29: 4 و لكن الرب لم يعطكم حتى الآن ، قلوبا لتعوا [ لتفهموا ] وعيونا لتبصروا و أذانا لتسمعوا ، … ، 9: فأطيعوا نصوص هذا العهد واعملوا بها ، [ لكي تفلحوا في كل ما تفعلون ] ، … ، 14: ولست أقطع هذا العهد وهذا القسم معكم وحدكم ، 15: بل … أُبرمه أيضا مع الأجيال القادمة ( حيث سيقع منهم الإفساد مرّتين مستقبلا ) ، … ، 18: فاحرصوا أن لا يكون بينكم ، من تأصّل فيه الشرّ ، فيحمل ثمرا علقما سامّا ، 19: فإن سمعَ كلام هذا القَسم يستمطر بركة على نفسه ( أي يزكّي نفسه ) قائلا : سأكون آمنا ، حتى ولو أصررت على الاستمرار في سلوك طريقي ( الإصرار على المعصية ) ، إن هذا يُفضي إلى فناء الأخضر واليابس ، على حد سواء ، 20: إن الرب لا يشاء الرفق بمثل هذا الإنسان ، بل يحتدم غضبه وغيرته عليه ، فتنزل به كل اللعنات المدوّنة في هذا الكتاب ، ويمحو اسمه من تحت السماء ، 22: فيشاهد أبناؤكم من الأجيال القادمة ، والغرباء الوافدون من أرض بعيدة ، بلايا تلك الأرض ، … ، 23: إذ تصبح جميع الأرض كبريتا محترقة لا زرع فيها ، … ، كانقلاب سدوم ( قوم لوط ) ، التي قلبها الرب من جراء غضبه وسخطه ، … ، 28: واجتثّهم من أرضهم ، بغضبٍ وسخطٍ وغيظٍ عظيم ، وطوّح بهم إلى أرض أخرى ( السبي والشتات ) ، … . النصوص الخاصة بالمرة الثانية : ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104 الإسراء ) 30: 1 وعندما تحلّ بكم هذه البركات واللعنات ( تحقق الوعد الأول من علو وإفساد وعقاب ) كلها التي وضعتها نُصب أعينكم ، وردّدتموها في قلوبكم بين الأمم ، حيث شتّتكم الرب إلهكم ، 2: ورجعتم إلى الرب إلهكم أنتم وبنوكم ، … 3: فإن الرب إلهكم يردّ سبيكم ويرحمكم ، ويلّم شتاتكم من بين جميع الشعوب ، التي نفاكم الرب إلهكم إليها ، … ( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6 الإسراء ) 30: 5: ويعيدكم إلى الأرض التي امتلكها آباؤكم فتمتلكونها ، ويحسن إليكم ويكثّركم أكثر من آبائكم ، 30: 7: و يُحوّل الرب إلهكم كل هذه اللعنات ( العقاب الذي سيكون قد نزل بهم في المرة الأولى ) على أعدائكم ، وعلى مبغضيكم الذين طردوكم ( الذين أنزلوا بهم العقاب الإلهي في المرة الأولى ) ،30: 8 و أما أنتم فتطيعون صوت الرب من جديد ( في المرة الثانية ) ، وتعملون بجميع وصاياه التي أنا أوصيكم بها اليوم ، 9: فيفيض الرب عليكم خيرا ، في كل عمل ما تنتجه أيدكم ، ويكثّر ثمرة أحشائكم ، ونتاج بهائمكم ، أرضكم ، … ( وكل ما تقدم مشروط بالإحسان ) ( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ( 7 الإسراء ) ( تكرار ) 30: 10: هذا إن سمعتم لصوت الرب إلهكم ، وحفظتم وصاياه وفرائضه المدوّنة في كتاب الشريعة هذا ، ( أي تعاليم شريعة موسى في التوراة ، وليس تعاليم التلمود التي خطّها أحبارهم وكهنتهم ) ، وإن رجعتم إلى الرب إلهكم ، من كل قلوبكم ومن كل نفوسكم ، 11: إن ما أوصيكم به اليوم من وصايا ، ليست متعذّرة عليكم ولا بعيدة المنال ، … ، 15: انظروا : ها أنا قد وضعت أمامكم اليوم ، الحياة والخير والموت والشر ، 16: … أوصيتكم اليوم أن تُحبّوا الرب إلهكم ، وأن تسلكوا في طرقه ، وتطيعوا وصاياه وفرائضه وأحكامه ، لكي تحيوا وتنمو ، فيبارككم الرب ، في الأرض التي أنتم ماضون إليها لامتلاكها ، 17: ولكن إن تحوّلت قلوبكم ولم تطيعوا ، بل غويتم وسجدتم لآلهة أخرى وعبدتموها ، 18: فإني أنذركم [ أُنبّئكم ] اليوم أنكم لا محالة هالكون ، ولا تطول الأيام على الأرض ( أي مقامكم ) التي أنت عابر ( نهر ) الأردن لتدخلها وتمتلكها … 19: ها أنا أُشهد عليكم اليوم السماء والأرض ، قد وضعت أمامكم الحياة والموت ( أي وضحت لكم طريق النجاة وطريق الهلاك ، واستبدالها بكلمتي الحياة والموت من خلال النقل أو التحريف ، ترتّب عليه إنكار الحياة الآخرة ، واليوم الآخر من بعث وحساب ، فالجزاء عندهم دنيوي فقط ، فالثواب هو إطالة الحياة ، والعقاب هو قصرها ) ، البركة واللعنة ( أي الجزاء في الدنيا ) ، فاختاروا الحياة ( أي الشريعة ) لتحيوا ( لتنجوا من عذاب الدنيا والآخرة ) أنتم ونسلكم ، 20: إذ تحبّون الرب إلهكم و تطيعون صوته ، وتتمسّكون به لأنه هو حياتكم ( أي نجاتكم ) والذي يُطيل أيامكم لتستوطنوا [ لكي تسكنوا ] الأرض التي حلف الرب لآبائك ، إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن يعطيها لكم . الدخول أول مرة كان بحبل من الله : 31: 1: ومضى موسى يقول لبني إسرائيل : 2: … وقد قال لي الرب : لن تعبر هذا الأردن ( المقصود نهر الأردن ) 3: ولكن الرب إلهكم هو عابر أمامكم ، وهو يبيد تلك الأمم من قدّامكم فترثونهم ، … ، 6: [ تشدّدوا ] وتشجّعوا ، لا تخشونهم ولا تجزعوا منهم ، لأن الرب إلهكم سائر معكم ، لا يهملكم ولا يترككم . حتمية إفسادهم وعقابهم في المرة الثانية : 31: 28 اجمعوا إليّ جميع شيوخ أسباطكم و عرفاءكم ( النقباء ) ، لأتلو على مسامعهم هذه الكلمات ، وأشهد عليهم السماء والأرض ، 29: لأنني واثق أنكم بعد موتي ، تفسدون وتضلون عن الطريق الذي أوصيتكم بها ، فيصيبكم الشرّ في آخر الأيام ( المرة الثانية تكون آخر الزمان ) ، لأنكم تقترفون الشر أمام الرب ، حتى تثيروا غيظه بما تجنيه أيديكم ، 30: فتلا موسى في مسامع كل جماعة إسرائيل [ بكلمات ] هذا النشيد ، … ( أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2 الإسراء ) 32: 3: باسم الرب أدعو فمجّدوا عظمة إلهنا ، 4: هو الصخر ( الوكيل ) [ الكامل صنيعه ] ، سبله جميعها عدل ، هو إله أمانة لا يرتكب جورا ، صديق وعادل هو ، 5: لقد اقترفوا الفساد أمامه ، ولم يعودوا له أبناء ، بل لطخة عار ، إنهم جيل أعوج وملتو ، 6: أبهذا تكافئون الرب ، أيها الشعب الأحمق الغبيّ ، أليس هو أباكم وخالقكم ، الذي عملكم وخلقكم ، 7: اذكروا الأيام الغابرة ، وتأملوا في سنوات الأجيال الماضية ، اسألوا آبائكم فينبئوكم ، وشيوخكم فيخبروكم ، 10: وَجَدَهم في أرض قفرٍ وفي خلاء موحشٍ ، فأحاط بهم ورعاهم وصانهم ، 12: … وحده قاد شعبه ، وليس معه إله غريب ( أي آخر ) ، 13: أصعدهم على هضاب الأرض ، فأكلوا ثمار الصحراء ، وغذّاهم بعسل من حجر ، وزيتا من حجر الصوّان ، و … و … الدخول الثاني كان بحبل من الناس ، إذ لا حاجة بهم إلى الله : 15: فسمن بنو إسرائيل ورفسوا ، سمنوا وغلظوا واكتسوا شحما ( كناية عن الترف ) ، فرفضوا الإله صانعهم وتنكّروا لصخرة خلاصهم ، 16: أثاروا غيرته بآلهتهم الغريبة ، وأغاظوه بأصنامهم الرجسة ، 17: لآلهة غريبة لم يعرفوها بل ظهرت حديثا ( المال والقوة والناس ) ، آلهة لم يرهبها آباؤهم من قبل ، 18: لقد نبذتم الصخر الذي أنجبكم ونسيتم الله الذي أنشأكم ( وهذا حالهم وحال دولتهم الحالية ) . ( لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ … (7 الإسراء ) 19: فرأى الرب ذلك ورذلهم ، إذ أثار أبناؤه وبناته غيظه ، 20: وقال : سأحجب وجهي عنهم فأرى ماذا سيكون مصيرهم ؟ إنهم جيل متقلب وأولادُ خونة ، 21: … ، لذلك سأثير غيرتهم بشعب متوحش ( أولي بأس شديد ) ، وأغيظهم بأمة حمقاء [ أمة لا تفهمون لغتها ] 22: فها قد أضرم غضبي نارا ، تُحرق حتى الهاوية السفلى ، وتأكل الأرض وغلّاتها ، وتحرق أسس الجبال ، 23: أجمع عليهم شرورا ، وأُنفذ سهامي فيهم ، 24: أجعل أنياب الوحوش ، مع حمّة زواحف الأرض تنشب فيهم ، 25: يثكلهم سيف العدو في الطريق ، ويستولي عليهم الرعب داخل الخدور ، فيهلك الفتى مع الفتاة ، والرضيع مع الشيخ ( الجوس الثاني ) 26: قلت : أشتّتهم في زوايا الأرض ، وأمحو من بين الناس ذكرهم ( أي في المرة الأولى ) ، 27: لولا خوفي من تبجح العدو ، إذ يظنون قائلين : إن يدنا قد عَظُمت ( أعداء بني إسرائيل ) وليس ما جرى من فِعل الرب . ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ (7 الإسراء ) 32: 28 إن بني إسرائيل أمة غبية ولا بصيرة فيهم ( لا يعقلون ولا يفقهون ) ، 29: لو عقلوا لفطنوا لمآلهم وتأملوا في مصيرهم ، 32: إذ أن كرمتهم من كرمة سدوم ، ومن حقول عمورة ، ( تشيه إفسادهم وإصرارهم ، بإفساد قوم لوط وإصرارهم ) وعنبهم ينضح سمّا ، وعناقيدهم تفيض مرارة ، 33: خمرهم حمّة الأفاعي ، وسمُ الثعابين المميت 32: 34 أليس ذلك مدخرا عندي ، مختوما عليه في خزائني ، 35: لي النقمة وأنا أُجازي ، في الوقت المعين ( مجيء الوعد ) تزلّ أقدامهم ، فيوم هلاكهم بات وشيكا ، ومصيرهم المحتوم يُسرع إليهم ، ( كلما أمعنوا في الإفساد كلما اقترب موعد هلاكهم ) . ( عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ … ( 8 الإسراء ) 36: لأن الرب يدين شعبه ( بني إسرائيل ) ويرأف بعبيده ، عندما يرى أن قوّتهم قد اضمحلت ( زالت بعد المرة الثانية ) … . ( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56 الإسراء ) 32: 37 عندئذ يسأل الرب : أين آلهتهم ؟ أين الصخرة التي التجأوا إليها ؟ 38: لتهبّ لمساعدتكم وتبسط عليكم حمايتها 39: انظروا الآن : إني أنا هو وليس إله معي ، أنا أميت وأحيي ، أسحق وأشفي ولا منقذ من يدي ، … 41: إذا سننت سيفي البارق ، وأمسكتْ به يدي للقضاء ، فإني أنتقم من أعدائي وأجازي مبغضيّ ، 42: أُسكر سهامي بالدم ويلتهم سيفي لحما بدم القتلى والسبايا ، ومن رؤوس قواد العدو ( قادة إسرائيل ) … . موسى عليه السلام يُخبر بنص النبوءة قبل موته : 32: 45 وعندما انتهى موسى ، من تلاوة جميع كلمات هذا النشيد على الإسرائيليين ، 46: قال لهم : تأمّلوا بقلوبكم في جميع الكلمات ، التي أنا أشهد عليكم بها اليوم ، لكي توصوا بها أولادكم ، ليحرصوا على العمل بكلمات هذه التوراة كلها ، 47: لأنها ليست كلمات لا جدوى لكم منها ، إنها حياتكم وبها تعيشون طويلا ، في الأرض التي أنتم عابرون نهر الأردن إليها لترثوها … 34: 5: فمات موسى عبد الرب ، في أرض موآب [حسب ] قول الرب . نلاحظ هنا أن النبوءة ، اعتراها بعض التشويه من حذف أو إضافة أو تبديل ، ولكنها حافظت على خطوطها العريضة ، ونلاحظ أيضا أنها فصلت المرتين كل منهما على حدة . حيثيات نفاذ الوعد الأول في الأسفار الأخرى التوراة كمرجع تاريخي غير موثوق به : رجّح كثير من الناقدين والباحثين الغربيون ، من الذين وضعوا التوراة تحت المجهر ، كونها العهد القديم من كتابهم المقدس ، أنها كتبت بأيدي بشر ، وذلك لما تحفل به من خرافات وأساطير ، ولتناقضها مع العهد الجديد ( الإنجيل ) ، وتناقضها مع المنطق والواقع ، وتناقضها أيضا مع المصادر التاريخية الأخرى في مواضع عديدة ، ويُجمع الكثير منهم أن كتابتها وجمعها قد تم بعد السبي البابلي ، وجاء القرآن ليكشف الكثير من أكاذيبها وافتراءاتها ، ومن خلال اطّلاعي عليها تبين لي أن من قام بإعادة كتابة التوراة ، هم أشخاص مشبعون بمشاعر الحقد والقهر والنقمة والرغبة في الانتقام ، وكل هذه المشاعر موجهة بالترتيب نحو : 1. رب العزة جلّ وعلا ، ( يقولون أن يعقوب عليه السلام صرع الله في البرية ، واستطاع الله النجاة بعضّ يعقوب في فخذه ، فسبب له عرق النساء ، ومن أجل ذلك لا يأكل اليهود عرق النساء الذي في الفخذ ، سفر التكوين 32: 24-32 ، ويقولون عنه سبحانه أنه كثير البكاء وكثير الندم على ما أنزله بشعبه المقدس ، ولذلك كانوا وما زالوا يعتقدون ، أن الله سيصلح خطأه معهم ، بإعادتهم إلى وطنهم ، الذي طُردوا منه بلا ذنب أو خطيئة ، فالخطأ منسوب إلى الله ورسله وملائكته والشعوب المجاورة ، أما شعب الله المقدّس ، فليس له خطيئة فهو حمل وديع ، وهذا نوع من الإسقاط النفسي ، لعظم الخطيئة ، وفداحة العقاب الذي وقع منهم وبهم ) . 2. الرسل والأنبياء ، ( يقولون أن موسى وهارون خانا الرب وسط الشعب التثنية ؛ 32: 50-51 ، وهارون هو الذي صنع العجل الذهبي ، الخروج 32: 1-6 ، وداود ارتكب خطيئة الزنا مع زوجة الجندي ؛ صموئيل الثاني ، 11: 1-27 ، وسليمان عبد آلهة أخرى ، وفعل الشرّ في عيني الرب ، كما فعل أبوه ؛ ملوك أول 11: 1-8 ) . 3. الكنعانيون القدماء وورثتهم الجدد ( الفلسطينيون ) ، ( سفر التكوين 9: 20-27: واشتغل نوح بالفلاحة وغرس كرما ، وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خيمته ، فشاهد حام أبو الكنعانيين عُريّ أبيه ، فخرج وأخبر أخويه اللذين كانا في الخارج ، فأخذ سام ويافث ، رداءً ووضعاه على أكتافهما ، ومشيا القهقرى إلى داخل الخيمة ، وسترا عورة أبيهما من غير أن يستديرا بوجهيهما نحوه فيُبصرا عورته . وعندم أفاق نوح من سكره ، وعلم ما فعله ابنه الصغير ، قال : ليكن كنعان ملعونا ، وليكن عبد العبيد لأخوته ، ثم قال : تبارك الله إله سام ، وليكن كنعان عبدا له ، ليوسع الله ليافث ، وليكن كنعان عبدا له ) . 4. الكلدانيون في بابل ، وورثتهم الجدد ( العراقيون ) ، ( وأحقادهم على بابل وأهلها ، أُفرد الحديث عنها في موضع آخر ) . 5. جميع شعوب الأرض ما عدا اليهودي الصرف . ( والأمثلة على ذلك موجودة في أسفار موسى ، ونصوص التلمود ) . 6. سبط بنيامين الأخ الشقيق ليوسف عليه السلام . وكل مشاعر الحقد والرغبة في الانتقام ممن ذُكروا أعلاه ، أفرغها الكتبة ( الكهنة والحكماء ) في كتابهم المقدس ( التوراة ) ، فأعادوا جمعها ونسخها تحت وطأة انفعالات نفسية رهيبة ، وتمت فبركة جميع أسفارها بما يتناسب مع تلك المشاعر التي خلفها السبي البابلي في عقولهم وقلوبهم ، والتي كانت أكبر فاجعة أُصيب بها بنو إسرائيل والأكثر إيلاما على مرّ التاريخ . وقد تبين لي أن هناك تطويل وتكرار غير مبرر لنفس الحدث أو الموضوع ، وأحيانا يكون هذا التكرار لنفس السفر كاملا تحت مسميين ، مثل أسفار أخبار الأيام وأخبار الملوك مع اختلاف بسيط ، وأحيانا لنفس الفقرة في نفس السفر ، وهذا التكرار يدل على أن نصوص التوراة جُمعت على الأقل من مصدرين مختلفين ، وأُخذت النصوص منهما وجُمعت في كتاب واحد دون تفضيل نص على آخر ، فالحدث الواحد أحيانا يتكرّر مرتين وثلاثة دون وجود فارق جوهري في المضمون . |
|
| اقتباس المشاركة |
|
|
#16 | |
|
I ♥ AQSA
قوة السمعة: 14
![]() |
الكتاب كبير جدا لذلك ساقوم بوضعه على مراحل
|
|
| اقتباس المشاركة |
|
|
#17 | |
قوة السمعة: 169
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
طب ما ابتقدر اتنزلو على شكل ملف مرفق مرة وحدة
|
|
أعشق كل ذرة من رمالك حبيبتي ............ وأعشق في ظلامك القمر فلسـ الحبيبة ـطين |
||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#18 | |
|
I ♥ AQSA
قوة السمعة: 14
![]() |
حجمة كبير اخي ابو الوليد حاولت وفشلت
حاول انك تنسخ الموجود و مشكور على مرورك الطيب |
|
| اقتباس المشاركة |
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
new notificatio by 9adq_ala7sas
Powered By atyaf.co





العرض العادي
