فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18)
قَوْلُهُ تَعَالَى : * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * ؛ قال ابنُ عبَّاس : " لَمَّا قَالَ أبُو جَهْلٍ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم : ألَمْ أنْهَكَ عَنِ الصَّلاَةِ ، انْتَهَرَهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وَأغْلَظَ لَهُ وَتَهَدَّدَهُ ، فَقَالَ أبُو جَهْلٍ : أتُهَدِّدُنِي وَأنَا أكْبَرُ أهْلِ الْوَادِي ، وَاللهِ لأَمْلأَنَّ عَلَيْكَ الْوَادِي خَيْلاً جُرْداً وَرجَالاً مُرْداً " ، فأنزلَ اللهُ تعالى * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * أي فيلدعُ قومَهُ وعشائرَهُ ليعاونوهُ ، سندْعُ الزبانيةَ ليأخذوهُ.
والنَّادي في اللغة : المجلسُ ، والمراد بالمجلسِ هاهنا أهلُ المجلسِ. والزبانيةُ : هم الملائكةُ الموكَّلون بتعذيب أهل النار ، واحدُهم زَبْنٌ ، والزَّبْنُ الدفعُ ، يقالُ : زَبَنْتِ الناقةَ الحالبَة إذا ركضَتْهُ برجلِها ، قال صلى الله عليه وسلم : " لَوْ نَادَى نَادِيَهُ لأَخَذتْهُ الزَّّبَانِيَةُ عَيَاناً ".

كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)
وقولهُ تعالى : * كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب * ؛ هذا قسَمٌ من اللهِ ، ويجوزُ أن يكون معناهُ : ليسَ كما يقولُ أبو جهلٍ ، لا تُطِعْهُ فيما يأمُركَ به من تركِ الصَّلاة ، وصلِّ لله واقترِبْ إلى رحمتهِ بالسُّجود على رغمِ مَن ينهاكَ عنه.
رُوي : " أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يُصلي بعدَ هذه السُّورة ، فأتاهُ أبو جهلٍ ليُؤذيَهُ على عادتهِ ، فوجدَهُ يقرأُ هذه السُّورة ، فخافَ وانصرفَ. فقيل له : أخِفْتَهُ؟! وما الذي منعَكَ أن تفعلَ به ما هَمَمتَ به ؟ قال : وجدتُ عنده حارساً يحرسهُ ، وسَمعتهُ يهدِّدُنِي بالزَّبانية ، أما الحارسُ فهو فحلٌ أهوَى إلَيَّ أرادَ أن يَأكُلَني ، واللهِ ما أدري ما زَبانِيَتهُ فهربتُ ".