في بعض الأحيان تسكن دموعنا مشاعر مختلطة، تجعل الحروف والكلمات غير ذات جدوى، لتدرك بأننا وبالرغم من مئات السنين، عجزنا أن نطور كلمات نطرح من خلالها بعضا مما يتعب تفكيرنا، عبء ثقيل هو أن لا تجد سبيلا آخر، سوى أن تبحث عما أرهق كل من سبقوك ممن وطئت أقدامهم يوما ثرى هذا الحيز الغامض من التفكير، لتفتح أمامك أبواب دروب لم يعد ممن قد سلكوها احد، ليس شعور الوحدة حين تكون بين الحشود بالشيء البسيط، تشعر بغربتك عن هذا الزمان، تعاني من ضياع المكان، مجبر أنت على إيجاد جواب لحياة ترفض فضولك، فضول يجعل نجومها اقل عددا، ويجعل تشابك أحداث دمارها اقل شانا.
غريبة هي هذه الدموع التي تعانق النجوم في ترحالها، تجعل الألوان في أضدادها، تسام الوضوح، لتبحث عما يسابق أحلامها، ذبحنا لأحلامنا هو رد فعل عنيف لخوفنا من أن نفرح، على أنقاض حياة آيلة للانتحار في أية لحظة، دموعنا على ارض مسلوبة، على أناس يستمتعون بموت غيرهم، من شدة آلامهم، على أنفاس ينقصها رغبة بالحياة، على وضوح لم ير يوما ذاته، على ذات تجهل الفرق بين الموت والحياة، قتل الصمت حقنا بالوجود، نفني حياتنا بالهرب (منا)، نضحك بشكل مثير للشفقة، لأننا قد نسينا أي معنى تحمله مفردة الكرامة.
بلاد الكبت، سلامك نار، أرضك تنسى صوت الحياة، تضحك خطوات هروب الغد من ماض معقد بشكل مخيف، تحرك أنامل موتك سكون الحروف الفارغة، حروف غريبة، تدندن أناشيد موت الدفء من عالم تسكنه زرقة السماء، ولون الدماء، عالم يشتاق لان يعود أي شيء كما لم يكن يوما، يشتاق فيه لون الحديد تردي لون النحاس، بعدك عن أسرارهم بتلك الطريقة، يقتل فضول شعور لم تحياه، يحرك دمع ألوانهم نهايات أحلام مقفلة، يذيب غرور لون برتقالي تسكنه بضع ذكريات لم تحصل أحداثها يوما، تزورنا أحيانا مشاهد أيام، كأننا لم نعشها من قبل، كأن تلك ذكريات (سراب) سوانا، ضعف غرورنا، أو هروبنا المتواصل من هويتنا، يجعلنا نعيش الألم مرتين، مرة حين نحسه بغموضنا، وأخرى حين نتسبب به بملء إرادة خائفة، لقتل انتظار غيرنا.
أوطاننا ترينا الكثير من ظلال الصور، تنعكس على نبض جدران سجوننا، تكسو حياتنا، كم كثيرة حين ننساها، وكم بعيدة حين نحياها، صور نستيقظ فيها من نومنا، متمنين لو كانت بعض أحلامنا حقيقة، تجعلنا نتململ في فراش وحدتنا، ضجرين من اللحظة التي انتهت فيها دموعنا، وننام أحيانا هروبا من جفاف دماء قلوبنا، صور تجعلنا نعترف أمام جلادنا، كم مرة بكينا، ثم بكينا، كم مرة نصرخ من أعماقنا، حين نسترق السمع من بلاد عالية، فنسمع حروف اسمنا، نفس اسمنا، مع تاريخ موت غيرنا.
http://www.najah.edu/?page=3134&news_id=5554