| الإهداءات |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |

|
|
|
|
#1 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
إنه يحبك يا بني...
-وما دخل المختار يا أمي؟! أنا لن أتزوج خطيبته! -كن عاقلاً وأجل الموضوع. لم تنته أربعينية الحاجة.. ولا أظنه سيوافق على زواجك.. -يا أمي، مختارنا أعقل مما تتصورينه. أمه عجوز، ماتت بعد أوانها بخمسين عاماً. -عجوز!! أنت لا تحبها. وربما ماتت بسببك أنت... لقد آذيتها كثيراً.. ضحكت.. أدركت قصد أمي، غرضها الواضح، سعيها لعرقلة زواجي. فهي لم تكن في يوم ما على وفاق مع العجوز المتوفاة. تذكرت شعيرات شارب المرحومة. ولحيتها الناتئة ببشاعة والتي كانت تغريني على أذيتها بكل السبل. وتدفعني إلى اقتلاعها بيدي نتفاً كنت أتسلل خفية إلى مطرحها، أثناء غفوتها. وانتزع الشعيرات انتزاعاً، غير مبال بصراخها وبالألم الذي أسببه لها.. وآخرها قبل ثلاثة أشهر، حين جئت في آخر إجازة عسكرية. قبل تسريحي من الجيش... تذكرتها وتذكرت جلادة المختار... ومرقت أمامي صورة أحمد، الذي ذبحه. ليحافظ على شرفه، وليبقي رأسه مرفوعاً...! لم أجد الرغبة في الخوض بما لا أحب. ولم أكن مستعداً لكشف أوراقي وفضح أسراري لأحد، حتى لأمي. انتهى كل شيء... انتهى حسب توقعاتي... انتهت أيام النعيم والشقاء، ولم يبق إلا مسك الختام، والحمد للّه الذي لا يحمد على مكروه سواه. ثم أن ما جرى لي يخصني وحدي، وحالتي لا تسمح لي بمزيد الكلام والتوضيح. فأنا متعب وجائع. مشيت مسافة طويلة ووجب أن أخلد إلى الراحة. أستريح وأهدأ، فمشواري القادم أطول... مشوار العمل والجهد.. عدت لأعمل لا لأتحدث وأضيع وقتي... أمي تريد قتل ساعاتها الطوال في اللغو والثرثرة. كأرامل قريتنا الشابات، الجميلات. وأنا لا وقت عندي.. لا وقت. أزحتها جانباً ودخلت. اتجهت إلى غرفتي، فواجهتني لوحة الميداليات. القديفة الحمراء المزركشة المؤطرة. وتحتها انتصب رف الكؤوس... كدليل ساطع على بطولاتي. وحولها توزعت عشرات الصور التذكارية، صور المسابقات والمهرجانات الرياضية وفي الوسط علقت صورتي الكبيرة في إطار من خشب. حفرت في جانبيه أغصان وورود ملونة.. بقايا ذكريات بادت وأيام قضت. تحسرت على الشباب... وندمت لأني لم أحسن التصرف. دسست الملف تحت الفراش، غطيته جيداً. وأبدلت ملابسي ثم استلقيت على سريري، أنفس عن كربي وأتنفس الصعداء. جالت عيناي في أرجاء الغرفة الصغيرة. لم يكن هناك ما هو غريب خزانة ملابسي، سريري، مشجب، منضدة وضع عليها راديو أبي الكبير العاطل، وساعة دائرية لا تعمل. كان لها جرس تنبيه أخرسته ذات يوم بضربة كف. وعلى الأرض بساط صوفي حاكته أمي قبل زفافها، وتقويم قديم ملون. لحقت بي أمي مع مغزلها. جلست عند رأسي تسأل وتستفسر. وتوقعت أن تستمر أسئلتها. وخفت أن تستدرجني وتكشف ما بي. كما خفت أن يزل لساني دون إرادة مني، فيبوح لها بما يؤذيها ويجرح فؤادها. وربما يزيد في آلامي.. وأنا الذي أقسمت على الصمت ما دام أحد لم يعرف شيئاً بعد... استويت قاعداً وخاطبتها بلهجة صريحة وقاطعة: -اسمعي يا أمي، اذهبي الآن إلى الخانم. أبلغيها سلامي وخذي منها ثوبين صالحين، لفيهما بكيس. واذهبي إلى عم مصطفى. اخطبي لي هدهد. وأخبريه عن لساني، بأني قررت أن أخصي له ثور السلماني وأحفر البئر بنفسي. وسأزوره غداً لأزف له بشرى خاصة. لم تفهم ما عنيت. ضربت الأرض بقدمها وصاحت موبخة: -أأجننت؟ أتتصورني طفلة أتصرف بمشورتك. أتظن الذهاب إلى الخانم أمراً سهلاً. ثم من قال لك إن مصطفى سيقبل بك؟ -سيقبل يا أمي، فإذا أطعمت الفم تستحي العين. قولي له إن كاكاحمه يسلم عليك بسند الجمولي، وسيكسر رأسك!! إذا امتنعت... -سند الجولي!! أي سند؟ ماذا تعني؟ -لا يعنيك الأمر يا أمي، أرجوك اذهبي... هيّا.. انتابها الشك في سلامتي. فهذا أمر لم يكن في الحسبان اطلاقاً. مسكت رأسها بحيرة وقالت: -يا بني، العرس لا يتم هكذا... فلا تستهن بتقاليدنا. فاردمي، شعرت بنوع غريب من التمرد النفسي، فضربت وبشدة حافة السرير بقبضتي وصحت: -تقاليدنا!! تقاليدنا!! مالي وتقاليدكم؟ كل ما أرغب فيه، أن يتم زواجي بسرعة... بسرعة! هل كفرت؟! أردت القول "فلا وقت لديّ كي أضيعه" لكني سكْتّ. بانت حيرتها، وكنت حائراً مثلها. ويعتريني شعور دفين بالحزن عليها أكثر من الحزن على شبابي. فضلت التراجع عن غضبي كي لا أجعلها تغوص مثلي في أوحال عذاب مستديم. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|