| الإهداءات |
|
|||||||
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |

|
|
#4 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
كل المساجين قالوا له:
-غناؤك يعيننا على وحشة السجن وعذاباته. يقول لهم بهدوء الواثق: -هو الوحيد الذي ما خانني. يقولون له برجاء: -إنه نافذتنا على الدنيا، فلا تحرمنا منه. قبل أن يطلقوا سراحه حذروه من ثلاثة: الغناء، والحلم، والرحيل ثم وقعوه على وثيقة بذلك، وقالوا له: -أينما تكن، نكن نحن معك. وكان يعرف ذلك. فكثيراً ما شعر بهم يتحركون تحت جلده، أو في داخل رأسه، وكثيراً ما رآهم في الليل ينسلون من داخله كاللصوص، محتمين بالعتمة، ليتناقشوا فيما سيكتبونه عنه في تقاريرهم. لقد حذروه من ثلاثة. والثلاثة فصول العمر ومطره. ربيعه وشذاه. بها يصبح لحياته معنى، وبدونها يعمها الخراب. ومع هذا: فالنداء المنبعث من داخله، يجتاحه كالسيل، يحسه أقوى من كل أوامرهم وتحذيراتهم، ويمده بعزيمة عجيبة، وقدرة على المواجهة، مع أنه يعرف أن صدره مكشوف، وظهره مكشوف، فكل الذين كانوا حوله خانوه، أو خذلوه، أو ساوموا عليه، حتى زوجته قالت له: -لقد أفسدت حياتنا. -والحل؟ -أن تتوقف عن الغناء. -سأموت. -خير من أن نموت كلنا. شم رائحة الخيانة تفوح من كلامها، فأحس بنصل صدئ يعبر تجاويف الصدر، ثم يغور في القلب، ويفتك بكل الأشياء الجميلة في داخله، وحتى يقطع الشك باليقين، ارتفع صوته يغني، فوثبت في وجهه كاللبؤة المسعورة، وهي تصرخ بتحد: -طلقني أيها المجنون، فأنا ما عدت أستطيع العيش معك. وقتها انهار كل شيء في داخله. وتدثرت روحه بالسواد والخيبة والمرارة، وازداد اندفاع النصل الصدئ شراسة ووحشية، فتحشرج صوته وتحول إلى ما يشبه البكاء، ثم لم يلبث أن اختنق في حلقه وانطفأ، وشعر وقتها أنه راح يتكسر مثل آنية زجاجية ارتطمت بأرض صلبة وقاسية. ولأول مرة رأى كم كان وجه امرأته دميماً، قبيحاً، وشريراً، وكم كان يشبه وجوه الرجال الذين كانوا يقتلعونه من فراشه، أو يحققون معه ويعذبونه. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|