05-13-2009, 01:56 PM
|
#1
|
- تاريخ التسجيل: Feb 2009
- رقم العضوية:21213
- الجنس:آنـثـى
- العمر:31
- المشاركات:437
- التقييم:50
-
مزاجي:
|
قوة السمعة: 10 
|
رد: بطاقة السحرية
سأدافع عن براءتي، وأختلق شهوداً يشهدون بأنني ساعدت الثورة، أعطيت المال والمؤونة مرات عديدة، وأنقذت أهل القرية من الجوع، كنت أبيع للفقراء ديناً، ومات بعضهم دون أن يسدد قسطه من المال، صحيح أنني أخبرت مسيو غوميز عن مكان اختفاء الجريح، ولكنني فعلت ذلك للضرورة، ولم أكن أتوقع أنه سيلفظ أنفاسه تحت التعذيب، كنت أتصور أنهم يستجوبونه أياماً ثم يودعونه السجن، وبتلك الكيفية أنال رضى مسيوغميز، وتزداد ثقته بي ولكن.. أخطأت التوقع ومات الاثنان معاً، الجريح والعجوز التي أخفته في بيتها، حظك سعيد يا السرجان، لقد ماتت الخادمة التي استمعت إلى حديثنا، من باب المطبخ، الشاهدة الوحيدة.. اطمئن ياسي أحمد ولا تقلق نفسك.. في تلك السن، كان مصطفى في الجبال بعيداً عن القرية، فكيف يشهد ضدي/ إن شهادته باطلة لا تؤخذ بعين الاعتبار عند أحد، سيرفضها كل المجاهدين.."
تاه السرجان في ذكريات متشعبة ولم يتابع حديث أصدقائه الذين نسوا الحادثة وانغمسوا في قهقهات متعالية وسرد ملح ونكت لتلطيف الجو والترفيه عن أنفسهم، تفطن بومالح إلى شرود السرجان وعبوسه، هزه من كتفه مستغرباً كيف لا يضحك للنكتة، فطلب من الطبيب اعادة روابتها كي يتمتع بها ويرمي من على كتفيه الأحزان ويضحك بطلاقة، ولكن السرجان لم يستسغ النكتة واكتفى بالابتسامة الصفراء لا غير.
في هذه اللحظة، نزل الصمت على القاعة الواسعة كالصاعقة، جمد الزبائن في أماكنهم لا يحركون ساكناً ولا ينطقون حرفاً، بعد التحقق من هوية القادم نحو المقهى، انتفض الجميع في صخب فوضوي، بازاحة الطاولات واطاحة الكراسي على البلاط قاصدين جميعاً الباب الخارجي لمغادرة القاعة قبل وصول الزائر الخطير، كان مصطفى عمروش يتقدم في الشارع الرئيسي بخطى ثاتبة وقسمات صارمة معولة على فعل رهيب، مصوباً بصره الحاقد الذي تنطلق منه شرارات لامعة تختلط مع الضوء الساطع المنعكس على مأسوأأ ببببأاأسورة البندقية، اللامعة، كان يضغط على أسنانه بقوة مرمرية، تلك القوة الحازمة التي تسربت إلى كل شبر من جسمه النحيل، خاصة في اليدين الذين يمسكان البندقية مصوبة إلى الأمام بثبات الصخر، تصنّم الناس في أماكنهم عبر الشارع الكبير، فاغرين أفواههم من الدهشة والحيرة القاتلة، وتوقفت سيارة صغيرة، غادرت أنظار سائقها قارعة الطريق لتتثبت على البندقية اللامعة تحت الأشعة الشمسية المنثالة بقوة في نهاية هذه الظهيرة، تسارع الناس داخل المقهى في فوضى عارمة، وانسحبوا بخفة تاركين السرجان وجماعته واجمين مبهورين قرب المصرف الخشبي العتيق، كاتمين أنفاسهم، مضربين عن الثرثرة التي أطربتهم طوال الظهيرة، توقف الدم في عروق السرجان بعدما تعرف على القادم وتحقق من البندقية المصوبة تجاهه، وأصبح لو وجهه مصفر كليمنونة ذابلة، ممتقع، أدرك في لمح البصر أن ساعته قد دقت بأجراس فولاذية ضخمة، لما يعرف من جدّ القادم والذي لا يمزح بمثل هذه السلوكات السيركية، بحركات غير ارادية، ابتعد الأصدقاء عن السرجان، بعدما أدركوا بدورهم القصد المهول، وخافوا أن يشملهم الانتقام وتصيبهم الرصاصات الملتهبة، تاركينه مصنماً، جامداً، تائهاً لا يقدر على اتخاذ أي قرار، أو التلفظ بأي حرف، وقف مصطفى عمروش على العتبة، ودون أن يغيّر من حركة البندقية التي استواها قرب حزامه، لفظ السرجان بنظرة شزراء، حاقدة، وقال بنبرة حادة.
- أصبحت حورية الشهيدة عندك ساقطة هل أنت الذي افتض بكارتها، يا واحد الحلوف.. جيفة.. كان من المفروض أن تذبح من الرقبة قبل الاستقلال كي تستريح روح سي السعيد ولالة فطومة.. اعترف بأنك خائن وحركي..
أراد أن يقول كلاماً كثيراً، تزاحم في ذهنه، ولكنه سكت فجأة، خاف أن يضعف ويتراجع عن قراره، الكلام الكثير مجلبة للشفقة والعطف، ينبغي أن لا يلين.
حرك فكه الأسفل، ضاغطاً على أسنانه حتى بانت عروق خديه، فيما كان السرجان واجماً مسنداً ظهره على المصرف، يريد الدفاع عن نفسه بالرد واقناع قاتله المؤكد ببراءته، فغمغم عبارات لم تتجاوز شفتيه، ورفع ذراعيه على مستوى وجهه كأنه يردّ بها ضربة أو صفعة، حينئذ، تحركت سبابة اليد اليمنى لمصطفى، ضاغطة على الزناد بدون شفقة، فانطلقت الرصاصة الأولى مدوية واستقرت في صدر السرجان الذي أطلق صيحة حادة، وارتكز على ركبتيه، فأضاف له المنتقم رصاصة ثانية في الرقبة حيث انفجر الدم المتوقف فوق البلاط المغطى بالغبار بحركة خفيفة، طوى عمروش مصطفى البندقية وأخرج الخرطوشين المدخنين، وملاء غرفة النار بخرطوشين جديدين، بلونهما الأحمر مثل لون الدم السائل على البلاط، ثم رفع بصره من البندقية وصوّبه على الجثة التي ما زالت أطرافها- الذارعين والرجلين- تتخبط وسط الدم، أصدرت شخيراً بطيئاً ضاعف من الحركة العشوائية، ثم فجأة همدت وانقطعت عن الحركة.
تسمرت عينا مصطفى عمروش على الجثة لثواني ثم أبعد بصره ومسح به القاعة تجاه بومالح الذي انكمش في زاوية تحت الطاولة، ينتظر خائفاً مرتجفاً، خاصة بعد أن شاهد بعينيه المذعورتين انفجار الدم من الرقبة الهامدة على الأرض، اقترب مصطفى خطوات تجاهه وقف وخاطبه بغضب متدفق من نبراته:
- انهض يا واحد الكلب.. يدنس دم الشهداء أمامك وأنت تسمع كالطحان.. مجاهد تاع قلاوية.. واش رأيك لو نفرغ فيك هذه المكحلة.. أتكلم..
كاد يضغط على الزناد، ولكنه ترددّ في آخر ثانية، لقد تخلص من الخائن الحقيقي ولم يرد أن يتحول إلى مجرم يقتل بدون سبب، التفت كلية تجاه الشارع تاركاً بومالح بين الحياة والموت، خائفاً، يشعر بسائل ساخن ينهمر مع رجليه، يكاد دمه يتوقف عن الجريان، وقلبه ينفلت من صدره.
في الشارع، توقفت الحركة وتحاشر الناس مبحلقين، مذعورين، لا يعرفون ماذا يفعلون بأجسامهم الساكنة على الرصيفين والقارعة، ينتظرون دون أن يجرأ أحدهم عن الكلام أو حتى عن القيام بحركة يد خفيفة، توقف مصطفى عمروش على العتبة، يتفرس هذه الوجوه المجهولة وهذه العيون الحائرة المتسائلة عن سبب هذه الجريمة، والبندقية في قبضة يده اليمنى تتدلى في ارتخاء كامل، وشعر بالنظرات المتهمة المعاتبة، فجمع أنفاسه، أراد أن يخبرهم بالسبب الذي دفعه إلى قتل السرجان، ترددّ، وفكر مع نفسه أنهم يعرفون بدون شك ومنذ زمن بعيد، الناس تعرف كل شيء وتتكلم في الخفاء وتشير بأصابع اتهامية في الخفاء والعلانية، في مثل قرية عين الفكرون، الكل يعرف الكلّ عن الكل، شعر بتعب مباغت وبجسمه ينهار كأن حملاً ثقيلاً تسلط على كتفيه، ومن بين الوجوه الكثيرة الحائرة تعرف على ابنه جمال بجانب وجه صغير، جميل كوجه طفلة بريئة، لم يصدق عينيه، أرجع ذلك إلى التعب، أغمض عينيه، فتحهما، مازال وجه جمال يحدقه، يعاتبه متسائلاً عن هوية المقتول، حائراً وخائفاً، يدير وجهه في صمت بين حبيبته وبين العيون المذعورة المحلقة حولهما، شعر مصطفى عمروش بالبندقية تنفصل من يده وصوت غليظ يأمره بالمشي تنبه إلى رجال الدرك الذين يحيطونه بحذر، ابتسم ابتسامة انتصار ولا مبالاة واستسلم دون مقاومة.
|
|
|
عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
|
|
|
اقتباس المشاركة
|