05-13-2009, 01:45 PM
|
#11
|
- تاريخ التسجيل: Feb 2009
- رقم العضوية:21213
- الجنس:آنـثـى
- العمر:31
- المشاركات:437
- التقييم:50
-
مزاجي:
|
قوة السمعة: 10 
|
رد: بطاقة السحرية
أحس جمال بسكينة تغمره ليسبح في فراغ مريح، ويتخلص من التوتر الداخلي الذي يسبق إعلان النتائج وخاصة في الساعات الأخيرة، رغم أنه يجتهد في تحضير دروسه، والاستعداد الجيد للامتحانات إلا أن شعوراً طفيفاً بالمرارة يلاحقه حتى يتأكد من النجاح، في تلك اللحظة، يرتاح تماماً ويعيش أياماً من الخفة والسعادة ويهاجره التعب الأرق الليلي وقلق الانتظار، ما أحلى أن يشعر الانسان بسعادة مطلقة، ويكفي نفسه بنفسه مثل الله تماماً، لا يحتاج في ذلك إلى أي كان حياً أو جامداً، كان جمال يعيش مثل هذه الحالات الصوفية أيام اعتكافه في خلوة الطبيعة، ممداً تحت ظلال شجرة مورقة على الحشيش الأخضر، سارحاً في أحلام وتأملات يرفرف معها بكل كيانه حتى كأنه غادر المكان فعلاً وبجسده لا بخياله فقط، ويمكث على تلك الحالة ساعات طوالاً إلى أن يمزق الجوع أحشاءه أو تلفحه حرارة الشمس أو تلدغه نسمات البرد الثلجي، فيقوم ساخطاً، متمنياً استمرار الحلم إلى ما لانهاية، وقرأ لأحد الفلاسفة قوله أن السعادة الحقة هي حينما يصبح الانسان مثل الله، يكفي ذاته بذاته، فتوقف عندها وأعاد قراءتها مراراً وتكراراً حتى رسخت في ذاكرته، وهو يحاول مقارنتها باللحظات التي عاشها وحده منعزلاً وسط الطبيعة الحيّة، وهل الطبيعة هي مصدر هذا النوع من السعادة، وهل ينبغي اعتبارها رفيقة له، إذا لم يكن منفرداً بنفسه بل صاحبته الطبيعة بأصوتها الزاهية، ثم انغمس في تخيل الانسان الوحيد، المفرد الذي لا يحتاج إلى أي شيء فلم يتصوره الأوسط مجموعة أفراد يشبهونه أو راكضاً وسط أدغال يصطاد فريسة يطفىء بها مغص الجوع، هل يمكن للرجل أن يستغني عنها، وفجأة تداهمه صورة شفيقة، ويدرك بأن كل رجل على وجه الأرض إلا ويحتاج إلى وجود امرأة في حضنه، فأين السعادة التي تحدث عنها الفيلسوف، بمعزل عن الكل، ويسترسل جمال في تأملات عميقة، يقلب مجمل الاحتمالات المكنة، وعادة ما كان يصل إلى وجهين متناقضين يراهما منطقيين ومقنعيين معاً.
كلما اقترب جمال من قرية عين الفكرون عائداً من الثانوية ثم فيم بعد من الجامعة يغمره شعور من الحنين الجذاب إلى أماكنها الجميلة الأليفة التي يستحضر معها ومع كل شجرة وحجر فيها ذكريات طفولية تعمق الكآبة السوداوية والوعي الحقيقي باندثار تلك اللحظات إلى الأبد عبر الزجاج الشفاف للحافلة- وهو يصر دائماً على الجلوس في المكان المحاذي مباشرة للزجاج كي يسرح شارداً عبر المناظر الطبيعية المتتابعة- يطارد الأماكن الأليفة بعينين براقتين بلونهما الأسود الذي يضاعف من قوة الضوء الساطع المنبعث منهما، قالت له أستاذة الرياضيات في الثانوية أن ذكاءه مختزل في بريق عينيه النافذ- ويلهث خلف كل المواقف الجميلة ويطيل في معايشتها إلى أن يباغته مكان آخر بنقله فجأة دون لحظة أو تفكير إلى حادثة سابقة أو لاحقة، كلما اقتربت الحافلة من القرية وعبرت الجسر الفاصل بين السهل والمرتفعات التي تحتمي وسط روابيها وتلالها القرية، وظهر الطريق المثعبن بمنعرجاته المتعدة الباعثة للغثيان والقيء، سكت جمال نهائياً عن الكلام واستغرق في حوار نفسي ثري وسريع مجمداً بصره في الزجاج الشفاف دون أن يكترث بالركاب الثرثارين حوله ولا باندفاعات الحافلة كلما أدركتها دورة ضيقة وأرغمت السائق على الضغط على الفرامل بقوة وادارة المقود دورة كاملة كي تميل الحافلة الغاصة بالركاب وتتفادى التدحرج نحو الهاوية تجاه الوادي عبر المنحدر المغطى بالجنيبات البرية المتداخلة الأغصان من الشوك والنخيل القزم والضرو...
|
|
|
عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
|
|
|
اقتباس المشاركة
|