| الإهداءات |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |

|
|
|
|
#1 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
و عندما خرجت وجدته واقفا بالضبط عند نفس النقطة !
عدنا إلى تلك الكابينة و طلب لي وليد وجبة كبيرة، مليئة بالبطاطا المقلية ! لا أعرف أي شهية تلك التي تفجرت في جوفي، و التهمتها تقريبا كاملة..! و لو كان طلب طبقا آخر بعد ، لربما التهمته أيضا عن آخره.. يكفي أن يكون وليد قريبا مني، حتى أشعر برغبة في التهام الدنيا كلها... بعد العشاء.. قام وليد بجولة في المنطقة، بين المزارع.. و أراني بعض معالم المدينة، و كذلك المعهد الذي يدرس فيه، و السوق الذي تباع فيه الخضراوات... منذ زمن.. و أنا حبيسة الشقة و المستشفى، لا أرى الشمس و لا أتنفس الهواء النقي.. لذلك فإن الجولة السريعة هذه روحت عن نفسي كثيرا... كان كلما تحدّث عن أو أشار إلى شيء، أصغيت له باهتمام.. ودققت بتمعن، و كأنه درس علي حفظه قبل الامتحان! قبيل وصولنا إلى المزرعة، سألني : " أتودين بعض البوضا..؟" و كان ينظر إلي عبر المرآة ... قلت منفعلة مباشرة : " ماذا !؟ البوضا مجددا ! كلا أرجوك ! أنا يتيمة بلا مأوى الآن !؟؟ " و ليد، حدق بي برهة ، ثم انفجر ضاحكا ! أنا كذلك، لم أقو على كبت الضحكة في صدري، فأطلقتها بعفوية... نعم ! فلن تغريني البوضا مرة أخرى و لن أنخدع بها! عندما وصلنا إلى المزرعة كانت الساعة تقريبا التاسعة مساءا... مباشرة توجهنا إلى المنزل، و قرع وليد الجرس، ففتح العجوز الباب... تهلل وجهه لدى رؤية وليد و صافحه و عانقه، ثم رحب بي ترحيبا كريما... قال وليد : " ابنة عمي .. تحت وصايتي الآن.. و إن لم يكن في ذلك أي إزعاج.. فهي ستبقى معي هنا حتى نجد حلا آخر.." شعرت أنا بالحرج، لكن ترحيب العجوز خفف علي ذلك، قال : " عظم الله أجرك يا بنيتي، على الرحب و السعة، و إن لم تتسع المزرعة لكما نحملكما على رؤوسنا.." ابتسمت للعجوز و شكرته.. قال العجوز مخاطبا وليد، الذي كان يجول ببصره فيما حوله : " في المطبخ.. تفضلا " لم يتغيّر في ذلك المنزل أي شيء... سرت تابعة لوليد الذي تقدّم نحو إحدى الغرف، و التي يبدو أنها المطبخ... و العجوز خلفنا هناك.. وجدنا أروى و أمها تجلسان على الأرض حول سفرة العشاء... و بادرتا بالنهوض بمجرد رؤيتنا... و حانت اللحظة التي كنت أخشى حينها... ما أن وقع نظري على أروى... حتى شعرت بشيء ما يتفجر في صدري... شيء حارق موجع.. كانت تجلس ببساطة على الأرض، مرتدية بنطالا ضيقا و بلوزة قصيرة الكمين واسعة الجيب، و شعرها الذهبي الأملس الطويل مربوط بخصلة منه، و ينساب على كتفيها و ظهرها كذيل الفرس ! رحبت الاثنتان بنا ، ثم توجهت أروى نحو المغسل، و غسلت يدها و نشفتها ، ثم أقبلت نحو وليد و مدّت يدها لتصافحه ! وليد ببساطة مدّ يده و صافحها ! " حمدا لله على سلامتكما ! كيف حالكما ؟ " قالت ذلك و هي تشد على يد وليد، و وليد يبتسم و يطمئنها، و أنا أسلط أنظاري على يديهما ، ثم عينيهما ، ثم أعود إلى يديهما، ثم أعض على شفتي السفلى بغيظ... إلى متى ستظل هذه ممسكة بيد ابن عمّي؟؟ هيا ابتعدي ! " مرحبا بك يا رغد، عظم الله أجرك " رفعت بصري عن يديهما و نظرت إليها ببغض، و مددت يدي لأصافحها.. أعني لأجبرها على ترك يد وليد... " أجرنا و أجركم، غفر الله لنا و لكم " قالت : " كيف صحتك الآن ؟ " " بخير و لله الحمد " عادت تنظر إلى وليد ، و تخاطبه : " هل كانت رحلتكما متعبة ؟ " قال : " لا ، كانت ممتعة " نظرت إلى وليد فرأيته ينظر إلي و يبتسم... قالت أروى : " تفضلا.. شاركانا العشاء " و كررت أمها الجملة ذاتها قال وليد : " بالهناء و العافية، تناولنا عشاءنا في أحد المطاعم.. أتموا أنتم طعامكم و نحن سنجلس في المجلس " و على هذا ذهبنا إلى المجلس، وبقي الثلاثة حول السفرة.. و يبدو أن وليد صار يتحرك في المنزل بحرية كيفما يشاء... جلس على أحد المقعدين الكبيرين المتقابلين الموجودين في المجلس، فجلست أنا إلى جواره.. و سكنا عن أي كلام أو حركة لبضع دقائق... ثم قال وليد : " رغد" نظرت إليه.. فرأيت ملامح الجدية و القلق على وجهه... قال : " أنا آسف و لكنني في الوقت الحالي لا أستطيع توفير سكن آخر.. كما و أن الظروف لن تمكننا من العيش في شقة مستقلة، لأن عملي هنا و أقضي كل ساعات النهار هنا.. " لم أعلّق ، فقال : " هل هذا يروق لك ؟ " قلت : " أخشى أن يسبب وجودي الضيق لهم .." قال : " لا ، إنهم أناس طيبون جدا.. و كرماء لأقصى حد..، لن يزعجهم وجودك، أريد أن أعرف .. هل يزعجك أنت ذلك؟؟ " قلت : " سأبقى حيث ما تبقى أنت..، ألست المسؤول عني الآن؟ " بدا الضيق جليا على وليد، مال بجدعه للأمام و قال : " رغد يا صغيرتي.. الأمر ليس متروكا لظروفي بل هو حسب رغبتك أنت.. إذا رغبت بأي شيء آخر فأبلغيني و سأنفذه حتما " قلت : " حقا وليد ؟؟ " قال : " طبعا، بدون شك.. تعرفين أنني من أجلك أفعل أي شيء..." شعرت بالصدق ينبع من عينيه.. و آه من عينيه .. لو تعرف يا وليد.. أنا لا أريد من هذه الدنيا غيرك أنت.. لقد فقدت كل شيء.. والداي ماتا. .و تيتّمت مرتين.. و أختي رحلت.. و سامر تركته جريحا متألما.. و خالتي و عائلتها ظلوا بعيدين عني.. لم يبق لي إلا أنت.. أنت الدنيا في عيني.. أنا أريد أن أبقى معك، قريبة منك و تحت رعايتك و حبك ما حييت.. أينما كنت.. هنا أو في أي مكان في المجرّة.. فقط أبقني قربك.. و أشعرني باهتمامك و حبك.. " وليد .." همست بصوت أجش... وليد أجابني مسرعا : " نعم صغيرتي ؟ " قلت : " أنا.. أنا..." و لم أتم، إذ أن أروى أقبلت الآن، تحمل أقداح الشاي... " تفضلا.." لم تكن لدي أدنى رغبة في احتساء الشاي لكنني فعلت من باب المجاملة.. أروى جلست على المقعد المجاور، قرب وليد... تبادلا حديثا قصيرا، ثم قالت مخاطبة إياي : " يمكنك استخدام غرفتي، و أنا سأنام مع أمي لحين ترتيب غرفة خاصة بك " نظرت إلى وليد و قلت : " و أنت ؟ " قال : " في غرفتي ذاتها " هززت رأسي اعتراضا.. وليد قال : " لا تخشي شيئا يا رغد.. المكان آمن هنا و موثوق كبيتنا تماما " " لا ! لن أبقى وحدي هنا " قال : " يمكن لأروى البقاء معك في الغرفة.. " قلت : " إذن خذني لمكان آخر " تبادل وليد و أروى النظرات، ثم نظر إلى المقعد الذي نجلس عليه، ثم قال : " حسنا.. سأبات أنا على هذا.. داخل المنزل" لم تعجبني الفكرة أيضا.. فنظرت إليه باعتراض و عدم اقتناع.. قال : " هذه الليلة على الأقل.. ثم نجد حلا آخر" فاستسلمت للأمر... ذهبت أروى بعد ذلك لإعداد فراش لي في غرفتها... عندها قلت لوليد : " وليد.. لا تبتعد عني أرجوك " وليد نظر إلي بعطف و قال : " لا تخشي شيئا صغيرتي.. أتظنين أنه، لو كان مكانا غير آمن، كنت تركتك تباتين فيه ؟ " قلت : " لكني أخاف.. أخاف كثيرا.. المكان غريب و الناس كذلك.. لا تبتعد عني " كنت أقول ذلك و أنا متوترة.. و لما لحظ وليد حركة أصابعي المضطربة.. قال : " اطمئني رغد.. و لسوف أبقي الباب مفتوحا " ذهبنا أنا و وليد و أروى للتعرف على أرجاء المنزل و انتهينا إلى غرفة أروى.. غرفة بسيطة كسائر المنزل، لا تحوي شيئا مميزا ... كان الفراش دافئا.. و جسدي متعبا لكن القلق لم يسمح لي بالنوم.. أروى نامت بسرعة.. أما أنا فتلاعبت بي الهواجس حتى بدأت أوصالي ترتعد خوفا.. ارتديت عباءتي.. و خرجت من الغرفة بحذر.. شققت طريقي بهدوء تام نحو المجلس.. كان الباب شبه مغلق، و وليد كان نائما على المقعد الكبير.. و بصيص خفيف من الضوء يتسلل إلى الغرفة عبر فتحة الباب.. و عبرها تسللت أنا أيضا إلى الداخل...و أوصدت الباب من بعدي ! لأنه طويل جدا، فإن قدميه الكبيرتين كانتا تبرزان من فوق ذراع المقعد.. أما ذراعاه فقد كانتا مرفوعتين فوق رأسه، إذ أن مساحة المقعد لا تكفي لضمهما على جانبيه ! مسكين وليد! لابد أن جسده غير مرتاح في نومته هذه البتة ! و مع ذلك كان يغط في نوم عميق... ! جلست أنا على المعقد الكبير الآخر... لبضع دقائق.. شاعرة بالأمان و الطمأنينة، و الدفء أيضا.. فبقرب وليد يطيب لقلبي البقاء و لعضلاتي الاسترخاء و لعيني الإغماض.. استلقيت على المعقد.. و سمحت للنوم بالسيطرة علي.. بكل سهولة ! ~ ~ ~ ~ ~ وضعت المنبه على المنضدة قرب المقعد، و نمت بعد أرق، لأنني كنت قلقا على رغد.. أفكر..هل ستتقبل الحياة هنا..؟ هل ستألف الأوضاع و ترضى بها؟ هل سيسرّها العيش في منزل متواضع، و حال متوسطة، و هي ابنة العز و الدلال و الغنى ..؟؟ إن علي ّ أن أجد أكثر من أجل تحسين وضعي المالي و العام..فرغد لم تعتد حياة الفقر و الحاجة... و لا تستحق حياة كهذه... استيقظت بسرعة على رنين المنبه المزعج... كنت قد ضبطته لإيقاظي وقت الفجر لأصلي... حينما جلست، لمحت شيئا يتحرك على المقعد الكبير الآخر و الموازي للمقعد الذي نمت عليه ..! و ذلك الشيء جلس أيضا دققت النظر فيه ..أظنه خيال رغد! أو ربما هوسي بها جعلني أتهيأ خيالها في كل مكان !؟ في اليقظة و المنام ! قلت متسائلا : " رغد ؟" ذلك الشيء تكلم مصدرا صوتا ناعسا ، يشبه صوت رغد ! " نعم " قلت : " رغد صغيرتي ! أهذه أنت ؟؟ " " نعم، أريد أن أنام " و استلقت على المقعد مجددا ! نهضت أنا عن مقعدي و وقفت أمدد أطرافي.. شاعرا بالإعياء ... إن هذا المقعد صغير و لا يتسع لجسد رجل مثلي ! تقدمت نحوها " رغد ! ما الذي تفعلينه هنا ؟ " قالت و هي شبه نائمة : " كنت خائفة " " مم ؟ " " من الأشباح " ماذا !؟ أهي نائمة أم تهذي ؟؟ " أي أشباح ؟؟ " جلست رغد فجأة و نظرت من حولها يمينا و شمالا... و هي تقول : " أشباح؟؟ أين ؟ أين ؟ " و يبدو أنها استفاقت أخيرا .. ثم نظرت إلي .. ثم قالت : " وليد .. " قلت : " نعم.. " قالت : " نحن في منزل أروى أليس كذلك ؟ " " نعم صغيرتي، هل كنت تحلمين ؟ " أخذت تفرك عينيها... قلت : " لم أنت هنا ؟ " قالت : " لم أشعر بالطمأنينة هناك.. " " لم صغيرتي؟ " قالت و هي تنظر إلي برجاء : " أريد أن أبقى معك .. المكان غريب علي.." " ستعتادينه.. لا تقلقي " " لكن يا وليد... " هنا طرق الباب و سمعت صوت العم يناديني... " وليد .. انهض بني ..الصلاة " و كاد يفتح الباب، إلا أنه كان موصدا ! إنها رغد ! صغيرتي المجنونة ! أجبت : " نعم عمي أنا مستيقظ " قال : " هيا إذن " قالت رغد : " إلى أين ؟ " " إلى المسجد " قالت معترضة : " و تتركني وحدي ؟؟ سآتي معك " كنت أعرف أنها ستقول ذلك ! ذهبت إلى الباب مسرعا و فتحته فرأيت العم إلياس يسير نحو المخرج... و كنا قد اعتدنا الذهاب للصلاة في المسجد المجاور سيرا على الأقدام... قلت : " عمّي .. اذهب أنت سأصلي هنا " تعجّب العم و قال : " لم يا ولدي ؟ " " أخبرك لا حقا.. تقبل الله منكم " جعلت الباب شبه مغلق و عدت إلى رغد التي بادرتني بالسؤال : " الحمام قرب الغرفة أليس كذلك ؟ " " بلى " و همّت بالخروج قاصدة إياه ... " انتظري رغد " نظرت إلي باستغراب... قلت : " حتى يخرج العم ... " و عدت أنظر من فتحة الباب حتى إذا ما غادر العم خارجا، فتحته و استدرت إلى رغد قائلا : " تفضلي ... " رغد سارت ببطء و هي تنظر إلى الأرض بخجل.. تنحيت أنا جانبا .. و لما صارت قربي .. رفعت رأسها إلي و قالت : " أنا آسفة " ... توترت، و لم يتجرأ لساني على النطق بشيء... فأخفيت نظري تحت الأرض.. منتظرا منها الخروج... إلا أنها بقيت واقفة قربي هكذا لوهلة... و أنا شديد الحرج، ثم قالت : " لكنك..أصبحت أبي الآن ! أليس كذلك ! " رفعت نظري إليها بسرعة مندهشا، و ارتفع حاجباي تعجبا ! كانت تنظر إلي، و الآن.. ابتسامة مرسومة على شفتيها أستطيع أن أرى عذوبتها رغم الظلام... قالت : " بابا وليد ! " و أسرعت خارجة من الغرفة ... تاركة إياي في ذهول و جنون ! إذا كانت ..هذه الفتاة.. اليتيمة المدللة.. الحبيبة الغالية.. ستعيش معي و تحت رعايتي أنا في بيت واحد.. فإنني و بدون أدنى شك.. سأفقد عقلي و أتحول خلال أيام، بل خلال ساعات.. إلى مجنون لم يخلق الله مثل جنونه جنونا... و أنتم الشاهدون ! |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|