| الإهداءات |
|
|||||||
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |

|
|
#1 | |
|
قوة السمعة: 0
![]() |
فكرة هذا العنوان استحضرتها لتلاءم الواقع الذي يعتاشه الآن الشعب الفلسطيني، المنكوب والمغلوب على أمره. المحشور بين المطرقة والسندان، ولا يستطيع الفكاك منهما، فإن أرضى إحداهما أغضب الثانية. هاتان الآلتان الحادتان هما بمثابة الآلهة الجدد، المفروض على هذا الشعب المكلوم، أن يعبدهما شاء أم أبى.
الشعب الفلسطيني ورغماً عنه، عايش عدداً كبيراً من الفصائل والتنظيمات منذ منتصف الستينات من القرن الماضي. وكان المفترض بهذه الفصائل ما دامت اتخذت النهج الثوري هدفاً لها، لتحرير كامل التراب الفلسطيني، أن تكون جميعاً على قلب رجل واحد. صحيح أن الهدف المعلن لنشأتها واحد، لكن إيديولوجياتها متعددة متباينة، فعند نشأتها لم يكن هواها فلسطينياً، بل تابع للنظام العربي الذي أوجدها، ومنحها أسباب الحياة والبقاء؛ لذا وجدنا كافة الفصائل الفلسطينية تُرفد مالياً ولوجستياً، على حسب مصلحة هذا النظام العربي أو ذاك. وكان من الطبيعي أن ينحرف مسار البندقية شيئاً فشيئاً، إلى أن تراكمت الانحرافات وازداد انحرافها، حتى أصبحت أمراً اعتيادياً مألوفاً. هذه الفصائل والتنظيمات، هي الآلهة البديلة لكافة أطياف الشعب الفلسطيني، بعد أن كان يعبد إلهاً واحداً، وأضحى لكل إله مُريدين وأتباع، يُسِّبحون بحمده. ومع الإخفاقات الثورية المتواصلة لهذه الآلهة، ازداد عدد الوصوليين الذين يعبدون هذا الإله أو ذاك، وتناسوا قضيتهم المصيرية. ويبدو أن هذه الآلهة على كثرتها، لم تستطع الصمود أمام المتغيرات الدولية المتلاحقة، فبدا بعضها يتهاوي ويتساقط زرافات، على مذبح النظام العالمي الجديد، ووجدنا أن العديد من تلك الآلهة الفلسطينية، لم يعد صوته عالياً ومدوياً يهزَّ العالم كما كان في السابق، بل اقتنع ورضي بالنذر القليل من الدعم الذي يكفيه لسد رمقه وبقاءه حياً، بعد أن كان ملء الأفئدة الفلسطينية يوماً ما، ومحظياً بالإعجاب الشعبي. ونتيجةً للتراكمات التي مرّت بها الساحة الفلسطينية، سواء في الداخل أم الشتات، انحسرت المنافسة بين هذه الآلهة، على إلهين اثنين فقط. وهنا لا بد أن تكون الزعامة الرسمية لإله واحد فقط من تلك الآلهة، فدارت بين الإلهين مساجلات سياسية ووقائع عسكرية، لم تُسفر بعد عن نتيجة حاسمة، تحسم الأمر لمصلحة واحد منهما، كما كان شأن الآلهة الكنعانية القديمة، التي تتصارع فيما بينها ليكون لإحداها الزعامة المطلقة على كافة الآلهة. غير أن الصراعات بين الآلهة الكنعانية في التاريخ القديم، ترتَّب عليها ضعف وهوان بلدهم (كنعان)، وبالتالي تقسيم وطنهم إلى ممالك صغيرة متناثرة، لا حول لها ولا قوة، تتصارع فيما بينها، من أجل النفوذ واستلاب ممتلكات غيرها من الممالك الكنعانية. فماذا كانت النتيجة والمحصلة؟ لقد ذهبت ريحهم هباءً منثوراً، وهان أمرهم على أعداءهم، بعد أن هانوا على أنفسهم. ومع الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة عام 2005م، وبعد ظهور النتائج غير المتوقعة للانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006م، تبدّلت الظروف وتغيّرت تركيبة السياسة الفلسطينية رأساً على عقب. وهنا بدأت العباد تكفر بالإله الواحد عمداً وعن عند، وإن شئنا الدقة عن سابق إصرار، وما دام الوضع وصل بالعباد إلى هذه الدرجة من العناد، فلا بد إذن أن يتفرقوا شِيعاً وفِرقاً، وعلى كل فريق منهم أن يختار لنفسه إلهاً جديداً يتبعه، يختلف عن الإله الذي عليه الفريق الآخر. وبقيت فئة حرة مستقلة في هذا الشعب على نقاءها، تتمسك بأهداب هذا الوطن الذي هان على المجموع الفلسطيني. هذا المجموع الذي رضي بعبادة الآلهة الفصائلية عوضاً عن الوطن الواحد الموحد. هذه الفئة المستقلة، التي رأت عيوب الآخرين بعيونها الاثنتين، لأنها لم تتشبه بغيرها، ولم ترتضِ لنفسها إلهاً آخر غير إلهها، فرأت من خلاله أن الولاء يجب أن يكون للوطن فلسطين بعده مباشرة. هذه الفئة جاهدت ولا زالت في سبيل وطنها بطريقتها التي تختلف عن مريدي الآلهة المغايرين لإلههم. ومع ذلك ففئة المستقلين في الساحة الفلسطينية، باتوا مهددين من مريدي الآلهة الأخرى، لأن المطلوب منهم أن يرتدوا ويتبعوا آلهة لا تتماشي ومبادئهم التي تربوا عليها، وإلاَّ فالويل والثبور لهم. ومن هول الصدمة التي تعرَّض لها هذا الشعب، لم يعد ثمة محرمات يقف عندها، فاختلط الحابل بالنابل. وما كان بالأمس يسمى خطاً أحمراً، بات اليوم خطوطاً بكل ألوان الطيف السياسي منه والاجتماعي. وكنت منذ حوالي العامين قد حذَّرت في مقالٍ لي، من أن الساحة الفلسطينية ستشهد وضعاً شبيهاً بما حدث بالجزائر مطلع التسعينات من القرن المنصرم، وقلتُ أننا سنشهد حالة من جزئرة أراضي السلطة الفلسطينية، وها نحن قد شهدنا جزءاً منها، وفي انتظار مشاهدة بقية فصول السيناريو المُعد لذلك بدقة وإحكام. وبعد،،، فإذا أراد الفلسطينيون أن يستعيدوا مجدهم الثوري الغابر، فعليهم أخذ العِبر مما حدث لأجدادهم الكنعانيين، وأن يُحطِّموا ويُكْسِّروا تلك الآلهة المفروضة عليهم، ويعبدوا إلهاً واحداً، يكون معه طوق النجاة لتحقيق الآمال الوطنية في الحرية والإنعتاق من القيود الاستعمارية الاستيطانية. وإن لم يفعلوا - وأخشى أن يحدث ذلك – فسوف تذهب ريحهم سداً، ولن ترحمهم وقتئذ الأجيال القادمة، ولا بني جلدتهم من بني عمومتهم، ولا حتى عدوهم المتربص بهم في كل زمان ومكان. وإذا أراد الفلسطينيون تجاوز الصعاب، والوصول إلى بر السلامة والآمان، فعليهم إتباع النصيحة التي صاغها شاعرنا الكبير إبراهيم طوقان رحمة الله عليه في قصيدته الرائعة "غايتي": إنَّ قلْبي لبِلادي لا لِحِزْبٍ أَوْ زَعيـمِ لَمْ أَبِعْهُ لِشَقيقٍ أوْ صَديقٍ ليْ حَميمِ وكأني بشاعرنا الكبير قد عانى الشيء نفسه خلال فترة الاحتلال البريطاني لفلسطين، عندما انتشرت وبكثرة الأحزاب السياسية في الساحة الفلسطينية، التي لم تكن على قدر المسئولية، فأراد بذلك أن يحذرنا من خطورة هذا الأمر، لكنه رحل عن عالمنا ولم يستوعب أبناء شعبه الدرس الذي خلّده له في قصيدته الشعرية السالفة الذكر. ووقعنا في المحظور، وأصبح ولائنا للأحزاب والتنظيمات عوضاً عن وطننا السليب، وليت بني جلدتي يتنبهون لخطورة ما يقومون به من تصرفاتٍ سيكون لها عواقب وخيمة لا على قضيتهم المركزية، وهي تخليص وطنهم من براثن الاحتلال، بل عواقب اجتماعية قد تؤدي إلى المزيد من التناحر والتقاتل فيما بينهم، خدمة لأغراضٍ حزبية أو تنظيمية. ولنجعل ولائنا أولاً وأخيراً لله ثمَّ لفلسطين كوطنٍ نحيا على ترابه، لا أن نُحيي نعرات حزبية جاهلية نحن في غنىً عنها، ولنُعِدْ ترتيب حساباتنا من جديد بناءً على ما تمَّ ذكره لكي تزاد اللُحمة بين كل أطياف الشعب الفلسطيني على اختلاف مشاربه، ولكي نتفاخر بالقول أننا فلسطينيين فحسب لا أن نكون أبناء التنظيم هذا أو ذاك، ولنمحو من بيننا الحزبية البغيضة المقيتة التي لا يجوز تواجدها بين أبناء شعبٍ يرزح تحت نير الاحتلال. وعندما يتنفس الفلسطينيون عبق الحرية بإمكانهم تشكيل ما يحلو لهم من أحزابٍ يتنافسون من خلالها من أجل الحكم والسلطة. |
|
| اقتباس المشاركة |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|