مثاليةُ الرياضة حلمٌ خطفه واقع اليوم
لم نكن نعِ معناها، كنا نركض خلف بعضنا واضعين قوانيننا الخاصة، ما من وازع ما دامت المحبة تجمعنا، أحياناً نختلف نتشاجر تعلو أصواتنا نعود لنبتسم، عناق صغير، فنتابع اللعب بمكان اكتظّ إنما لشدة فرحنا اعتقدنا دوماً أن لا حدود له كون سعادتنا لم تعرف إطاراً أو حدوداً فكانت هي ملعبنا والأهم دوماً نجحنا في سن قوانينا، فكانت براءتنا تجمعنا أبداً لم ندرك يوماً معنى ما نفعل أي أننا نمارس الرياضة بقوانيننا الخاصة التي لم تحُل يوماً من استقبال وافد جديد كائناً من كان، يرغب في الانضمام, بل على العكس كنا نزداد فرحاً دون أن نعلم أن الرياضة هي سر تواصلنا ولقائنا واللغة التي كنا نتكلم بها بإجادة تفوق ما تنطق به أفواهنا من كلمات وعقولنا من أفكار الأمس لم يكن إلا براءة طفولة سرقتها الأيام، اليوم ليس بالأمس، لم يعد للبراءة أو المحبة مكاناً، حل العنف ضيفاً محبباً هفت له القلوب استقبلته وقبلته دون تردد، فيما التلاقي بات ساحة وغى كل الوسائل فيها مشروعة، الخسارة ممنوعة، أو ممنوع تقبلها، فإذا سقط فريقنا يكون العنف لغتنا، تبدلت الثقافة وتغيرت المفاهيم, كل شيء لا يتفق مع أهوائنا نطلق له عنان غضبنا دون أي تأنيب ذاتي أو شعور بالذنب ظاهرة العنف والعدائية والغش في الملاعب أمست أمراً شائعاً، تكسرت جميع القيود الأخلاقية والمشاكل آيلة في التفاقم فبات الوازع أساساً, دونه لا تحمد الأمور عقباهاً, وأمست جداول الأعمال لأي اجتماع يعقده اتحاد ما محلي كان أم دولي يتصدرها البحث عن ضوابط جديدة لمكافحة التدهور الحاصل ورأب الصدع الذي يفتك في الرياضة من كل صوب, أملاً للعودة بالرياضة لمفهومها القديم، المفهوم الأخلاقي، كما عهدناها صغاراً وعهدها الكبار فيما مضى من منا لا يملك أعزاء يحيطهم ويرعاهم ويخاف عليهم, من هنا من الغرابة أن نرى أن كل من تسوله نفسه العبث في الرياضة مشجعاً كان أم رياضياً لا يجزع على أقل تقدير على أحبائه، فيرتكب ما حلا له من تعديات غير عابئ بالمسؤوليات الاجتماعية والسلوكية المترتبة على كل واحد فينا, ذلك أنه من الضروري أن نعلم أن أي مسلك نتخذه في حياتنا عموماً له تأثيره غير المباشر على المحيطين, فكيف إن كان شغباً أو عنفاً أو غشاً, حينها ستكون انعكاساته شظايا تفتك ببنية المجتمع الشوائب في الملاعب على اختلافها ليست بجديدة إذ لطالما كانت حاضرة ومرافقة للأحداث، والدلائل كثيرة ومتعددة, بحيث يمكن تفهمها, من زاوية الانفعال الرياضي والولاء الشديد للوطن، وذلك إن أردنا إيجاد المبررات تخفيفاً لوطأة الأحداث, لكن ما لا يمكننا تفهمه التزايد الكبير للأحداث الأليمة والمؤسفة بحيث لم تعد تعرف مكاناً أو زماناً حتى أضحت أخبارها تتصدر الإعلام لطالما تغنى الرياضيون بفكرة أن الرياضة تجمع ما تعجز عنه السياسة وأن الرياضة هي مبادئ وأسس قلباً وقالباً قبل أن تكون مهارة وقدرات، وتأكيداً على ذلك أن التربية الرياضية في المدارس ليست بعمقها إلا مجموعة من رسائل أخلاقية تهذب النفس قبل البدن لبناء مجتمع قويم يرتكز على الاحترام وتقبل فكرة التنافس الشريف بكل نتائجه، لكن أين نحن اليوم من تلك المبادئ إذا التحول الكبير الذي يدور في فلكنا اليوم ما هو إلا خروج الرياضة من دائرة المنافسة الشريفة, إذ نرى فضائح المنشطات تطل علينا من كل حدب، فشرّع الكثير من الرياضيين لنفسهم كل شيء لبلوغ قمم مزيفة، وهم يعلمون أنهم يخدعون أنفسهم قبل أي شخص آخر, كما أنهم يخونون أمانة من أحبهم واتخذهم مثالاً, علماً أن هنالك من يسخر معارفه وتفوقه العلمي في سبيل تطوير عقاقير تعجز المختبرات عن تحليلها، إذاً الجريمة أبعد من تناول رياضي لمنشط ما أشهر هذه الفضائح فضيحة مختبر بالكو الأميركي، الذي لا يكاد يمر شهر إلا ونصحو على غش جديد لبطل أو بطلة صُنعوا في المختبر, بحيث بات تقبل سلوك الطرق الملتوية, مع كثرة الأحداث, عادياً وليس بحاجة لتبرير، فتخف وطأة فداحة الجرم مع تكرار حصوله, فيصبح بغير دخيل بل حتى عادي, فأي قدوة يقدم أشباه الأبطال لجيل الشباب الصاعد أما للعنف بين الجماهير داخل أو خارج الملاعب فحكاية أخرى, إذ ما من حل جذري استطاع القضاء عليه حتى الآن، رغم كثرة الطروحات والأفكار والإجراءات بهذا الشأن والأخطر في الموضوع سقوط أي وجود لأي مبدأ فباتت لغة العنف حاضرة ودخلت في الجسم الرياضي بين أبناء الشعب الواحد, كحاضر مرافق للأحداث لدرجة أنها تشتت انتباهنا عما يدور في الملاعب، وكأنها جزء على جدول الأحداث إنما بطريقة مستترة إلى ذلك لم يبخل اللاعبون الذين هم في المبدأ قدوة رياضية وأخلاقية، أو على الأقل يجب أن يكونوا، في تعزيز الانحطاط الذي يتفشى في الجسم الرياضي، كيف لا وهم محط أنظار الملايين, فكم من لاعب نراه يعتدي على منافسه بحقد ملحوظ بعيداً عن أعين الحكام، وكم من لاعب نراه يعصي قرارات الحكم بصرف النظر عن صحتها، وكم منهم نراهم يتمردون على مدربيهم, دون أن نغفل من يستخدم كافة الوسائل الشرعية منها والغير شرعية لتسجيل الأهداف, وطبعاً لكل ما ذكر وقعه السلبي المباشر والغير مباشر خصوصاً على النشء آنفاً قالوا الرياضة للجميع, أما اليوم فالمخافة أن يكون العنف للجميع, مفهوم جديد للرياضة قاب قوسين من التبلور في المجتمعات, يكاد يمسي حقيقة وواقع، أمر يصعب تقبله لكنه يحصل، بدليل عدم القدرة على ضبط السلوك السلبي لرياضي أو مشجع إلا بأقصى العقوبات بحيث يستحيل العيش دونها، علماً أنه في الواقع يجب أن يكون الاحتكام للضمائر لتوجيه التصرفات، لكن في عصر باتت الرياضة مكاناً لاستثمار الأموال بمبالغ خيالية سقطت المفاهيم, سقط الوفاء والإخلاص فبتنا نبحث عن مثالية الرياضة في الدفاتر القديمة وإن كان الغبار قد كساها وواقع اليوم خطفها.