سديروت.. مدينة التطوير في إسرائيل التي تحولت هدفاً لصواريخ القسام
غزة-دنيا الوطن
في اواسط الخمسينات من القرن الماضي، كان قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول ديفيد بن غوريون حازما، اذ لا بد من توطين عشرات الآلاف من اليهود الشرقيين الذين هاجروا من الدول العربية في تجمعات سكنية تقام خصيصاً لهم في أطراف الدولة الوليدة. كان هدف بن غوريون الذي كان يوصف بـ «سيد الأمن» الاسرائيلي، أن تلعب هذه التجمعات السكانية دور رأس الحربة في مواجهة «العدو»، لكونها قريبة جداً من الحدود مع الأطراف العربية. وأطلق على هذه التجمعات «مدن التطوير». وبلدة سديروت كانت واحدة من هذه المدن التي أقيمت في أقصى الطرف الغربي من منطقة النقب الشمالي المتاخمة لقطاع غزة عام 1955.
تبعد سديروت مسافة 72 كيلومترا جنوب تل ابيب و20 كيلومترا جنوب عسقلان و40 كيلومترا شمال غربي مدينة بئر السبع, واسمها ذكر في التوراة حسب الرواية الاسرائيلية.
وحتى موجات الهجرة الروسية الكبيرة التي غمرت اسرائيل، في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، كان جميع سكان هذه المدينة الصغيرة التي يبلغ تعداد سكانها حوالي ثلاثين الف نسمة، هم من اليهود الشرقيين، وتحديداً من المهاجرين من المغرب العربي. ومثلها مثل بقية مدن التطوير كانت سديروت تعد معقل تأييد لحزب العمل الإسرائيلي حتى انقلاب عام 1977، الذي جاء لأول مرة بحزب الليكود لزعامة الدولة. وتحول سكان سديروت لتأييد الليكود، وحركة شاس لليهود الشرقيين.
وكاد حزب العمل ان يفقد في أواسط الثمانينيات رئاسة المجلس المحلي في البلدة، فما كان من قيادة الحزب إلا أن عرضت على احد عناصر الحزب الشابة من أصول مغربية أن يتنافس أمام مرشح الليكود، وكان هذا الشاب هو عمير بيريتس، وزير الدفاع الحالي، وبالفعل أصبح بيريتس رئيساً لبلدية سديروت، لكنه بعدما ترك رئاسة البلدية لكي يتنافس على مقعد على قائمة حزب العمل، سيطر الليكود على المدينة وما زال.
تبعد سديروت حوالي خمسة كيلومترات عن قطاع غزة، وحتى مطلع الانتفاضة كانت هذه المدينة من أكثر مناطق الدولة العبرية هدوءاً، ولم يحدث أن تم تنفيذ أي عملية تفجيرية داخل هذه المدينة أو في مثيلاتها من مدن التطوير. وفي مطلع عام 2002 نجح الجهاز العسكري لحركة «حماس» المعروف بـ «كتائب عز الدين القسام» في تطوير قذائف صاروخية لأول مرة في تاريخ المقاومة الفلسطينية داخل الضفة الغربية وقطاع غزة، وأطلق على هذه الصواريخ اسم «القسام»، وهي صواريخ بدائية غير موجهة. وعند البدء في تطويرها كانت هذه الصواريخ تسقط بعد مسافة قصيرة من اطلاقها. ولما كانت «سديروت» هي التجمع السكاني الإسرائيلي الأقرب لقطاع غزة، فإنها تلقت العدد الأكبر من الصواريخ. وحسب الشرطة الإسرائيلية، فإن ما يقارب الف صاروخ قسام سقطت على المدينة أو في تخومها، وأدت عمليات اطلاق الصواريخ الى مقتل اثنين من سكانها وجرح العشرات. ومع ان المحصلة صغيرة جداً مقارنة بما تتمخض عنه العمليات التفجيرية، فإن اثرها كان كبيراً، اذ أنها أدت للمس بمعنويات السكان هناك والوضع الاقتصادي، الأمر الذي دفع بعضهم للرحيل عن المدينة. ولأن بيريتس مازال يسكن في البلدة فقد تحول منزله مكاناً يتوجه اليه المتظاهرون والمحتجون في كل مرة يسقط فيه صاروخ على المدينة. وقامت البلدية في المدينة بتحصين المدارس والمؤسسات الجماهيرية خوفاً من التسبب في حدوث اضرار اكبر في الأرواح. وبسبب الضائقة التي يعيشها سكان المدينة، فقد جاءت تهديدات بيريتس بشن حملة واسعة النطاق على قطاع غزة لوقف اطلاق الصواريخ.