البناء الثاني للمسجد النبوي :
================
أما البناء الآخر للمسجد النبوي فكان في السنة السابعة من الهجرة وتخلط كثير من الكتب بينه وبين البناء الأول بعد الهجرة مباشرة ، كما هو متواتر عند المحدثين كذلك ثبوت عمل تمامه بن أثال رضي الله عنه مع الرسول في البناء وكان إسلامه متأخراً ، وكذلك عمل أبوهريرة رضي الله عنه معهم في بناء المسجد النبوي وورد ذلك في أحاديث كثيرة ، وهذا يدل على أن البناء الذي شهده أبوهريرة وقع متأخراً لأن أبا هريرة رضي الله عنه لم يسلم بعد الهجرة مباشرة وإنما اسلم متأخرا عنها ، والأرجح أن إسلام أبي هريرة رضي الله عنه كان في السنة السابعة عام فتح خيبر وفي هذا البناء الثاني زاد الرسول صلى الله عليه وسلم من مساحة المسجد ، فأصبح 100 ذراع في 100 ذراع وجعل أساسه من الحجارة ، وحيطانه من اللبن ، وزاد في ارتفاع السقف فأصبح سبعة أذرع أي ( 15و3 مترا ) .
وقد عمل الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في جمع اللبن وكان قد وجه القبلة بنفسه على الاتجاه الصحيح نحو الكعبة ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يحمل اللبن في هذا البناء أيضاً حتى ظنّ بعض الصحابة أنه تعب فأراد أن يحمله عنه فقال صلى الله عليه وسلم : خذ غيره ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يرتجز مع الصحابة في البيت الذي يقول :
لا عيش إلا عيش الآخرة ****** فارحم الأنصار والمهاجرة
وكان هذا الرجز مما يسلي العاملين في البناء ، من المهاجرين والأنصار ، وكان بعضهم يرتجز بالبيت القائل :
لئن قعدنا والنبي يعمل ****** لذاك منا العمل المضلل
وآخرون منهم يرددون :
لا يستوي من يعمر المساجدا ****** يدأب فيها قائما وقاعدا
وقد كان من أكثر الصحابة حماسا وعملا في بناء المسجد عمار بن ياسر رضي الله عنه ، وقد دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير ، وهو يعمل عمل رجلين حيث أنه يحمل لبنتين لبنتين بينما غيره يحمل لبنة لبنة ، وإضافة الى نشاط عمار في بناء المسجد فإن الصحابة كلهم اشتركوا في العمل كل حسب جهده وعلى رأسهم أبوبكر وعمر رضي الله عنهما ، وكان هذا التطور في بناء المسجد تبعا لكثرة الداخلين في الإسلام ولزيادة عدد المصلين منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وللنشاط الإسلامي العام بعد فتح الرسول لخيبر .
وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم توجيهات أثناء عملية البناء استفاد منها الصحابة رضي الله عنهم ، كما أخذ عنها الفقهاء بعض الأحكام الفقهية مثل تقديم من يجيد العمل على من لا يجيده بصرف النظر عن تقوى كل منهما فقد وفد رجل من بني حنيفة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان الرجل ممن يحسنون خلط الطين وعمل مع الصحابة في المسجد فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( دعوا الحنفي والطين فإنه أضبطكم للطين ) فأخذ الحنفي المسحاة وأخذ يعالج الطين ويخلطه والرسول صلى الله عليه وسلم ينظر إليه ويقول أن هذا الحنفي لصاحب طين ، وقد كان المسجد بسيطا وتم فرشه بالرمل والحصباء . وقد اكتمل بناء المسجد واستمر يؤدي دوره في الحكومة النبوية .