2-الترجمة :
تعتبر الحجاز في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم من أكثر بلاد العرب اتصالاً بالأمم الأخرى , وبمن يتكلمون لغات خاصة غير العربية , فقد كانت تجارة قريش المتجهة إلى الشام تحتّم عليهم وجود من يعرف لغة الروم وهذا أمر طبيعي في الاتصالات بين الأمم والشعوب .
يقول الأستاذ أحمد أمين في حديثه عن تجارة قريش مع الروم ( لا نستطيع أن نصدق إن قافلة كبيرة كهذه تنتقل بتجارتها العظيمة لتتعامل مع أمة أجنبية من غير أن يكون فيها أفراد يعرفون لغة الذين يتعاملون معهم ويكونون واسطة للتعارف بينهم وقد نقول إنهم كانوا يعرفون اللغة الأجنبية كما يعرفها التراجمة اليوم .
وكما هو معروف حين ظهر الإسلام كان هناك الكثير من اليهود يسكنون في الحجاز في يثرب وغيرها وكانت لهم لغة خاصة بالإضافة إلى معرفتهم باللغة العربية وبهذا فهم يتحدثون العبرانية فيما بينهم ويكتبون بها , وكان الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة لا يأمن غدرهم فأمر زيد بن ثابت رضي الله عنه أن يتعلم كتاب اليهود , يقول زيد بن ثابت ( أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلم له كتاب يهود وقال لي إني لا آمن يهود على كتابي فلم يمرّ نصف شهر حتى تعلمته فكنت اكتب له إلى يهود ) .
ويدل على معرفة بعض الصحابة رضي الله عنهم بلغة يهود أن الرسول صلى الله عليه وسلم حينما أراد أن يقتل ( أبا رافع سلامّ بن أبي الحقيق ) كبير يهود خيبر أرسل ثلاثة من أصحابه وأرسل معهم عبدالله بن عتيك لانه يتكلم بلغة اليهود فلما سمعته زوجة سلامّ اطمأنت وفتحت له الباب وتمكن الصحابة من قتل اليهودي سلام بن أبي الحقيق , ومن هذا يتبين معرفة بعض الصحابة بالترجمة وبلغة يهود كما يفيد أن اليهود كانوا يتخاطبون فيما بينهم بلغتهم تعصباً للغتهم ثم تعمية على المسلمين مع علمهم بالعربية , وقد كان في مكة بعض من يعرف اللغة العبرانية وغيرها من أمثال ورقة بن نوفل الذي تنصر وقرأ الكتب العبرانية وعرف الكتابة بها فكتب عن الأناجيل وقد كان أمثاله كثيرين .
كما أن وجود جاليات غير عربية في مكة والمدينة وغيرها من مدن الحجاز وقراها إما من أصل فارسي أو رومي أو حبشي , ساعد على وجود معرفة للغة هؤلاء الأقوام , ومعروف كثرة الموالي في ذلك العصر و انتشارهم في قرى الحجاز وبهذا يعتبرون مترجمين من لغاتهم الأصلية إلى اللغة العربية وبالعكس .