بغداد – الوطن - فوجئ والد ابراهيم برد ابنه الذي لم يتجاوز الخامسة من العمر على ممازحة الحلاق الذي كان يقص له شعره بانه «سيفخخه» اذا ما قص له اذنيه مع الشعر,,, الطفل ابراهيم، لم يطرف له جفن وهو يلقي بكلمته الصاعقة التي ربما لا يعرف معناها ووقعها على الاخرين، بينما التزم الرجلان الصمت وهما يفكران بما آلت اليه الاوضاع الامنية في العراق بحيث أدت الى تغيير المفردات اللغوية للاطفال.
ويمكن ملاحظة بسهولة المفردات الجديدة التي شاعت على السنة الصغار منذ الاحتلال الاميركي، سواء في المنزل او رياض الاطفال وحتى المدارس الابتدائية, وهذه المفردات الغريبة عن قاموس اللهجة العراقية تراوح بين «التفخيخ والعلس»، مفخخة، انخطف، هاون، هامر، أمريكان، تحشيش، انخمط، خمطوه، علاس، علسوه، وغيرها من المفردات التي لم نألفها نحن الكبار من قبل, وما عاد غريباً ان ترى اطفالاً يتحدثون عن اسعار الالعاب او الموبايلات او السيارات بـ «الورق» او الدولار كما يعرفه جميع عباد الله.
وتقول ناهدة عبد الكريم، رئيسة قسم علم الاجتماع في جامعة بغداد، «إن ما يشيع من مفردات تعم في اي مجتمع يمكن ان تعزى الى الظروف الداخلية والخارجية التي يعاني منها وتأثيرها على التركيبة الاجتماعية والبناء الاجتماعي», وتضيف «إن ما تتعرض اليه المؤسسات الاجتماعية المكونة لبيئة الفرد من ضغوط تؤثر على أدائها لوظائفها مما يجعلها تقوم بوظائف بديلة لاشباع حاجات الانسان وبذلك تكون هذه المفردات وسيلة للاشباع»، مشيرة الى ان «انتشار المفردات يكون بنحو سريع في اي مجتمع يشترك أبناؤه بالمعاناة والضغوط نفسها إلا أنها وقتية تستمر لمدة ثم تزول بزوال أسباب وجودها».
واضافة الى المفردات التي سرت كالنار في الهشيم على السنة الاطفال، هناك ايضاً الالعاب التي اتخذت هي الاخرى منحى العنف الذي يخيم على البلاد, وحسب اصحاب محلات الألعاب فان الاسلحة النارية او تلك التي تسمى الموجهة بالليزر والتي ينبعث منها ضوء احمر عند استخدامها, الاكثر رواجاً وتحقق اعلى نسبة مبيعات لديهم.
ويقول صاحب الجيلاوي، الذي يعمل في تجارة اللعب منذ نحو نصف قرن «ان مبيعاتنا من لعب الاطفال التي تشمل المسدسات والرشاشات ولاسيما التي تسمى ام الصجم، ازدادت منذ الاحتلال وحتى الان بأكثر من عشرة اضعاف», ويعزو ذلك الى رغبة الاطفال ولاسيما الاولاد تقليد الجنود الاميركيين، ويضيف انه لاحظ ان اكثر الالعاب التي يمارسها الاولاد في ما بينهم، هي الاشتباك، وفيها ينقسم الاطفال الى فريقين الاول يمثل القوات الاميركية والعراقية، والاخر يمثل الارهابيين او المجاهدين، والتسمية هنا تختلف باختلاف المناطق والانتماءات,,.
وهذه اللعبة التي تعد الاكثر شعبية بين الاطفال نسخة مطورة عن لعبة «عسكر وحرامية» التي كان الاطفال يمارسونها قبل سنوات.
وتؤكد اللافتات التي تملأ ساحات بغداد الرئيسة ما تحدث به الجيلاوي، اذ تنتشر لافتات باحجام كبيرة في عدد من الساحات والتقاطعات المهمة في العاصمة العراقية، تحمل صور اولاد باعمار ( 6 ـ 12) عاماً وهم يحملون العاباً على شكل مسدسات يصوبونها نحو الناظر اليها مكتوب عليها ايهما السلاح الحقيقي وايهما المزيف,,, ويضيف التعليق اللافت للنظر «حتى رجال الشرطة والقوات الاميركية والجيش العراقي لا يمكنه التمييز,,, تصويبك بهذه الطريقة يعرضك للاذى».
واسهم جهاز Play station) وانتشار صالات البلي في احياء بغداد في اذكاء روح العنف لدى الاطفال، بل والاسهام في تغيير مفرداتهم، من خلال الاقراص المدمجة التي تحوي العاباً عنيفة وربما دموية, يقول محمد وليد صاحب محل لبيع العاب البلي، ان الاطفال يقبلون في شدة على الالعاب العسكرية والعاب القتال الوحشي، اي تلك التي تتم بين الانسان وكائنات خرافية على هيئة وحوش, وحسب محمد فان العاب مثل Blade) و((X-men وDin crisis) وResidents) اضافة الى لعبةDesert Storm -2) و((Call Of Duty اللتين يصوران الغزو الاميركي للعراق وافغانستان، تعد من الالعاب الاكثر مبيعاً وتلقى رواجاً واسعاً بين الاولاد والمراهقين.
ويرى فاضل شاكر الساعدي، اخصائي علم النفس في جامعة بغداد، ان «هنالك تاثيرات سلبية تؤثر على الاطفال لدى تعاطيهم مع برامج او ألعاب او حتى افلام كارتون تحمل طابع الدمار والخراب ، والتي تتمثل بالمعارك وتشكيل العصابات او قتل الاشخاص للحصول على شي معين ، وهنا تكمن الخطورة على الاطفال، لانها لاتعكس واقعنا الاجتماعي ولاتعكس قيم وتعاليم ديننا الحنيف، وانما تحمل تقاليد وقيم البلاد التي انتجتها، وبالتالي ينعكس ذلك على قيم اطفالنا».