| الإهداءات |
|
|||||||
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |

|
|
#1 | ||||
|
قوة السمعة: 107
![]() ![]() |
مقلاع وزهرة ![]() تسارعت دقات فؤاده الغض الطري مع تسارع خطواته ، بعد أن فرغ من المدرسة متجها ً إلى بقالة العم ( أبو سعدو ) ، وهو يهفو لشراء علكة النعناع رغم امتلاكه لبضعة دنانير تفوق ثمن العلكة ، والتي كان قد ادخرها على مدى العام الدراسي السابع له. كان منصور صبيا تذلل طموحاته الصعاب ، وتتراءى أمام عينيه حبه لوطنه ، وطنه الذي يطحن المستعمر الغاشم فيه شعبه ، ويفتك بأطفاله ، ويمزق الثكلى والمشايخ إلى أشلاء صغيرة ؛ فيكونوا فريسة سهلة للأقراش ووحوش البحر ، وطنه الذي شُرِّح بمشارط العدوان الغير المسننّة ونهش بأضراس الذئاب الجائعة وخدش بمخالب السباع النهمة خدوشا ً غائرة. وصل إلى البقالة حين تناهى إلى سمع صاحبها بضعة كلمات ، " كيف حالك يا عمي ؟ " أجابه العم مرحبا ً بقدومه : " أنا بخير ما دمت أنت في حالة طيبة يا منصور ... " ثم راح العم يتحدث مع منصور كالعادة عن أحداث تغيّب عن حضورها خلال ساعات الدراسة ، وتكاد لا تكون هذه الساعات ثابتة ؛ فهي تتغير بتغير الأحوال في المنطقة ، ولطالما كان لهذا السيد الفاضل الأثر الكبير على فتانا الناضج ، حيث يجره في الحديث وينسيه ما جاء لأجله عادة. ساعتها دخل شاب يبدو عليه الحزم ، وطلب من أبو سعدو مقلاعا ، فهبّ الأخير ليلبي طلبه ومنصور غارقٌ في تأمله للشاب اليافع ، ساعدين قويين ، طوله الفارع وبشرته السمراء ، ورغم ذلك إلا أن عينيه كانتا مختلفتين .. مختلفتين تماما ً ، وأبحر منصور فيهما وقلبه يتوقد حرارة وتجرفه دوامة الحزن الواضح لتهز كيانه كله. وعاد ليستيقظ من غفوته على صوت أبو سعدو وهو يناديه ، نهض قائلا: " هل عندك مقلاع آخر ؟ " أجابه باستغراب : " نعم " ثم ناوله إياه ، وإذا بساقي الصبي تحمله بعيدا ً وهي لا تسع فرحته الغامرة. رمى العلكة وكل ما شغل تفكيره وراء ظهره ولولا الحقيبة لطار غبطة ً وسرورا ً . اقترب من الدار وعندما رأى أمه تغسل الثياب خبأ مقلاعه في جيب بنطاله ، تناول طعام الغداء مع أمه وحينما فرغا من الطعام أسرع منصور إلى الباب إثر سماعه لصوت طرقه المتتابع ، كان خاله هو الطارق ، حمل عنه الكيس الذي كان يحمله في يده وجرى إلى أمه مخبرا ً إياها عن قدوم خاله. كان الخال واجما ً حتى أنه لم يسأل منصور عن دراسته اليوم ، وعندما دخل هذا الأخير عليهما ذ ُهل من هول ما وصل إليه من تهامسهما ، لقد هُدم بيت الحاج محمد بحجة عدم وجود ترخيص ، وأنظار الأوغاد تتجه إلى بيت منصور في هذه الأسابيع ، وتتغامز لتكشف للجيران عن عزمهم على تدمير البيت ، صرخ منصور : " لا .. لا يمكنهم ذلك. إن أرادوا أن يهدموا بيتي فليفعلوا ولكن على جثتي وإن لم يوقفهم مقلاعي فجسدي سيتلقّى طلقاتهم ، ألا يكفيهم أن سلبوا أرضي ، أن قتلوا أبي ، أن شتتّوا أهلي ، أيريدون أن يهدموا بيتي بعد كل ما فعلوا ؟ " جرى منصور خارجا ً وخاله يصرخ عليه مناديا ً ، وما كان من الأم إلا أن تذرف دموعا ً كلها أسا ً وندما ً ، ولكن علام ؟ هي لا تدري على ماذا تبكِ ، لكثرة المآسي والأحزان فمآقي عينيها غارت من شدة البكاء ، ولم يبق لروحها إلا شيء من رمق . اتجه منصور هائما على وجهه وهو لا يفكر إلا ببيته ، وجعبته مُلأت بحقد جامح يغلي بين عروقه ويشع من عينيه البراقتين ، وحملته الريح إلى حيث لا يدر ِ. وجد أصدقاؤه يلعبون الكرة في الزقاق الضيقة ، طلبوا منه اللعب إلا أنه أبى ، وإلى جانب آخر كانت البنات يلعبن بالحصى . هنا تذكر منصور ( سارة ) تلك الفتاة الصغيرة العرجاء التي تبلغ من العمر سبع سنين . في هذا المكان تعود اللعب معها ، فهي تسكن في بداية الحي الآخر . اتجه بخطوات تائهة وضاع بين الدروب ، دهش عندما رأى حشدا من الناس يقبلون وهم يحملون على أكتافهم شهيدا ً جديدا ً من شهداء الانتفاضة وما كان منه إلا أن هتف مع الهاتفين ، ورددّ مع المرددين وتأثر لمرأى أهالي الضحية . رأى ذاك الشخص الذي كان في دكان العم أبو سعدو اليوم ، وآثر أن لا يضيع الفرصة على نفسه . كان الشاب جامدا ً توشك الدمعة أن تنساب على خده ، إلا انه يحاول حبسها بشجاعة. فحادثة قائلا ً : " كيف استشهد ؟ " ردَّ عليه بتهكم : " بل قل كيف استشهدت ، قتلها الأوغاد عندما كانت تلعب في الحي المقابل ." أراد أن يستفسر أكثر ، وهو يدرك أنها طفلة صغيرة ، فقال : " أتراهم رأوها وحدها ؟ " أجاب : " سارة لم تعتد اللعب وحدها إلا أنهم يأتون ويسلبون منا كل شيء على غفلة ." عندها ما كان للحديث مجال ، وران الصمت في نفس منصور ، ليسلب منه في لحظات كل شيء حتى عقله. وقف جامدا والجموع تدفعه من جانبيه ، وخلا الحي ليبقى وحيدا ً . تراودت إلى أذهانه صورة الطفلة البريئة التي سلب منها الأوغاد بسمتها وطفولتها وروحها قبل كل شيء. جثم على ركبتيه . في أثناء ذلك ، وقع المقلاع من جيبه ووضع يده على الحجر ، ووجدانه ينزف دما ً ، وانسابت دموعه ، وكل دمعة تنطق بالثأر من أنذال قست قلوبهم حتى نطق الحجر من أفعالهم فما نطقت قلوبهم .. منقولة .. للكاتبة ::Most wanted |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|