Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 639

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1041

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1046

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1518

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1523
قصة الخلق - منتديات شباب فلسطين
نحن مع غزة


الإهداءات

العودة   منتديات شباب فلسطين > محطات عامـة > الــوآحــة الـعــآمّــة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
قديم 05-26-2009, 06:37 PM   #1
theboss
I ♥ AQSA

قوة السمعة: 0 theboss will become famous soon enough

افتراضي قصة الخلق

في البدء.. كان الله ولم يكن شيئا غيره..
ثم خلق الخلق ليُعرف ويُعبد.. واتخذ الله تعالى لنفسه جندا فخلق الملائكة لا يعلم عددهم إلا هو. وخيّر تعالى خلقه أن يعبدوه اختيارا فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (الكهف:29) أو أن يعبدوه إلزاما، منقادين، مجبولين على ذلك، ودون أن يكون الأمر إليهم، وسمى الله الأمر الأول (الأمانة) وعرضها على مخلوقاته جميعا فأبت كلها أن تقبلها، واختارت أن تعبده إلزاما، مجبولة على ذلك وقبل الإنسان الأمانة.. إن شاء يؤمن وإن شاء يكفر.. على أن يجازى بعد ذلك بفعله، يقـول تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً (الأحزاب:72).
ولعظم هذا الاختيار، ولفداحة الأمر، ولخطورة العاقبة، ولأن الإنسان اختار الخيار الأصعب والأشق عليه، والأحب إلى الله تعالى، فقد سخر تعالى كل مخلوقاته التي لم تحمل الأمانة، سخرها للإنسان الذي حملها. ومنحه الله ما لم يمنحه لغيره وميزه عن غيره وفضله تفضيلا.
ورغم صغر خلق الإنسان بالنسبة لغيره من المخلوقات إلا أن الله أولاه من عطاياه ومن فضله، بل وسخر له تعالى كل مخلوقاته سواء في السموات أو في الأرض من الملائكة الكرام إلى البهائم والأنعام، وما بينهما من الموجودات.
ولتسهيل المهمة على الإنسان أرسل إليه رسلاً من جنسه. وأنزل إليه كتباً عرفه فيها كل شيء، إلا ما استثناه تعالى ليخص به نفسه، واعتبره غيبا، وهي من صميم ابتلائه وامتحانه.
وطلب تعالى منه ألا يشغل نفسه بها ولا يجهد عقله في تعريف كنهها، وأن يتفرغ للمهمة التي أختارها بنفسه وارتضاها لـه ربه وخالقه، وهـي أشرف مهمة، وأجمل مهمة، وأخطر مهمة.. أن يعبد الله خالقه، ومربيه، ومفضله ومميزه. يعبده ولا يشرك به شيئا.
ووعده تعالى إن فعل ذلك بجنات ذكر له بعضا من النعم، والمتع التي تنتظره فيها. أما الأعطية الكبرى، والجائزة المستحقة فقد جعلها الله له.. مفاجأة.
فرغم كل ما ذكر من متع ولذائذ، وأعطيات ذكرها تعالى في كتبه وعلى لسان رسله إلا أن أصل المكافأة.. مفاجأة.. قال تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون.
وفيـما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: }أعـ‏ددت لعبادي الصالحين، مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر{ (متفق عليه).
وتوعد الله تعالى من عصاه، ولم يأت بما أمر، وينتهي عما نهى، من لم يؤد الأمانة التي من اجلها كرم وفضل وميز، وسخر له كل شيء، بنار وعذاب أليم يلازمه ما بقى، خالدا لأنه لن يموت بعد ذلك، فلن يكون ثَم موت.
ولخطورة الأمر، وفداحة الخطب يسر الله على الإنسانية الأمر، بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، التي عرفهم فيها بنفسه، تعريفا لا يقبل الشك والريبة وعرفهم بغيرهم من المخلوقات تعريفا دقيقا مفصلاً، لا لبس فيه ولا غموض وضمن لهم الرزق، وزيادة في طمأنتهم فإنه وعدهم بأن رزقه سيجـرى علـيهم آمنــوا أو كفروا، أطـاعوا أو عصوا. ولمـزيد من الطمأنينة جعل رزقهم وما وعدهم به، في السماء، وليس في يد بعضهم البعض.
ولمزيد من التيسير، والسهولة في أداء الأمانة والقيام بالمهمة المختارة وعدهم بأن يغفر لهم ذنوبهم، ويكفَر عنهم سيئاتهم، ويمحو ما سجل من خطاياهم إذا هم طلبوا منه ذلك واستغفروه.
ثم منحةً ومنةً كبرى منه وهو الأكرم، وعدهم بان يتجاوز عنهم مهما بلغت ذنوبهم وإن كانت مثل زبد البحر، أو بلغت عنان السماء، بل ولـو جاءوا بقراب الأرض خطايا، لتجاوز عنهم وعفا، شريطة ألا يشركوا به شيئا. لأن ذلك حقا له تعالى (ألا يشرك به). فهو وحده الخالق والرازق والمعطى والمانع والضار والنافع. فكيف يعطى الولاء لغير مستحق؟
أصعبٌ هذا بعد كل ذلك؟
هل تبقى حجة لمن يخالف؟ هل يبقى عذر بعد كل هذه التسهيلات والتيسيرات؟ لقد وصل الأمر حدا من الكرم من الله. أن من فعل هذا الكم من الذنوب والخطايا وأي ما كان نوعها وخطرها، أنه تعالى يبدلها له. ترى بماذا؟؟ بحسنات.
أمرُُ عجيب، ولكنه كرم الله. تؤتى ذنوب وخطايا.. ومهما بلغت.. فتحول وتستبدل وكأنها جميعا كانت أعمال صالحة؟ نعم.. وما شرط ذلك؟ فقط طلب واحد بالإضافة لعدم الشرك، أن يتوب ويعمل صالحاً.
إذن فمن يوبق نفسه في النار بعد ذلك، فقد ظلم نفسه ظلماً كبيراً. ورغم أن الامتحان لازال فيه بعض الوقت ولم يأت الأجل المسمى، إلا أن بوادر النتيجة قد ظهرت. هذا فضلا عن علم الله المسبق فقد ظهر أن أكثر الناس رغم كل ذلك ورغـم الجهد الهائل المبذول من الرسل لم يؤمنوا، وظلموا أنفسهم، وخانوا الأمانة.
إنه لأمر غريب، وعجيب أمر الإنسان، لقد راح يتعرف على كل المخلوقات وترك الخالق. ولم يكن هذا مطلوبا منه. لم يكن مطلوبا منه أكثر من النظر للاعتبار وللتعرف على الصانع لا المصنوع، الخالق لا المخلوق، الرب لا المربوب.
فتجد الإنسان يفنى عمره لدراسة حشرة، ولا يفكر في خالقها، يفنى عمره في معرفة الذرة، ولا يتعرف على موجدها.
هكذا وصل الحال بالإنسان.. انشغل بالأشياء التي خلقت له، وترك ما خُلق هو له، بل إن الأمر بلغ حداً أن الإنسان توغل في الضلال والجحود بأن نسب الفعل للمفعول به، وجحد الفاعل وراح ينسب كل أمر ليس للآمر بل للمأمور. وتوصل الإنسان إلى اكتشافاته العظمى. ما هي؟ أن الله لم يرسل رياحاً، ولم ينزل مطراً، ولم ينبت زرعاً، ولم يفتق أرضاً وإنما جاء كـل ذلك مصادفة. ولم يبن سماًء ولم يوجد أرضاً ولم يخلق شمساً، ولا قمراً ولا نجوماً وإنما كل هذه جاء نتيجة اصطدامات وانفجارات، وكأن الكون كله بدأ بالدمار مع أن الحق أن كل شيء سينتهي بالدمار، وبدأه الله تعالى بالحكمة والعمار.
واكتشف الإنسان أن الزلازل والبراكين والسيول والعواصف والأعاصير ليست آيات ربانية، فعلها الله، بل إنها ظواهر طبيعية أتت بها الطبيعة.
والسماء والأرض لا يمسكهما الله. بل الجاذبية. والفُلك تجرى في البحر ليس بأمر الله بل بقانون الطفو. والمطر لا ينزل بأمر الله، بل بفعل البخر، والسماء ليست محفوظة بحفظ الله بل محفوظة بخط (فان آلن) والله ليس بيده الأمر، ولا يقلب الليل والنهار وليس هو الدهر بل يحكمنا قانون (النسبية لأينشتاين). وحفظ الأشياء ليست من الله بل بقانون (لويس باستير) واستقرارنا على الأرض ليس بتمكين الله، ولكن بقانون (نيوتن).
وقسم الإنسان ميراث السموات والأرض بين المخلوقات، فبعضها للطبيعة هي صاحبته، والأخر للمكتشفين وهم أولى به، والحسرة كل الحسرة.. أن أكثر الناس على هذا الأمر، وعلى هذه العقيدة، والقلة القليلة هم الذين أدوا الأمانة، ولم يجحدوا حق الله، ولم يكفروا بنعمته، ولم تصرفهم المخلوقات عن الخالق فقد عرفوا الله، ليس من مخلوقاته، بل منه تعالى، فكمال الإيمان: أن تتعرف على المخلوقات من الخالق، لا أن تتعرف على الخالق من المخلوقات وليت الجاحدين فعلوا حتى الثانية.
إن الله ما طلب من الإنسـان أن ينـظر في مخلوقاته تعالى ليتأكد من وجود الله لا.. إنما طلب ذلك منه ليتأكد الإنسان من قدرة الله، وحكمة الله ولطف الله وسائر صفاته الكريمة.
أما المنكرون أصلا لوجوده، فالله تعالى يعاملهم بالمثل، ويجازيهم من جنس عملهم، فلا يعترف بحالهم، ولا يأبه بوجودهم، ويعتبرهم كالعدم.
وأعجب وأغرب ما كان من الإنسان، أنه اتخذ من الأشياء التي سخرت له والتي هو أرقى منها مرتبة من شمس وقمر ونجوم ودواب، آلهة عبدها من دون الله! أليس هذا أمراً غريباً من الإنسان، يستحق ما توعده الله به دون ظلم له؟؟
كان هذا هو حال الإنسان عموما، أما المؤمنين بالله فقد وصلوا الآن إلى ما هو أدهى وأمر.. فقد أصبح إيمانهم بالله مزيج من الشرك والإيمان، إيمان مهجن وعقيدة مختلطة، كما قال تعـالى وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (يوسف:106).
لماذا لا يؤمنون بمحمد
إنني لا أجد سببا لعـدم الإيمان بمحمد  الذي اختاره الله لتبليغ الرسالة الأخيرة والخاتمة للبشر، لماذا لم يصدقوه مع أن الرجل لم يدع لنفسه شيئا، لم يدع إلا لعبادة الله نفس الدعوة التي دعي بها المسيح عليه السلام ونفس الدعوة التي دعي بها موسى عليه السلام. نفس الدعوة التي دعي بها زملاؤه وإخوانه من الأنبياء والرسل؟
لماذا يكذب وهو يدعو إلى مكارم الأخلاق، والصدق، والأمانة، وفعل الخيرات والحب والتسامح، والعفو، والصفح، وإتقان العمل، وإكرام الضيف والإحسان إلى اليتيم والأرملة وابن السبيل، وصلة الرحم، وهي نفس المبادئ التي دعي إليها السابقون من الأنبياء.
لا أدرى.. ما السر في تكذيبه؟ وهو أول المؤمنين بعيسى المسيح نبياً واً وبموسى الكليم نبياً واً، وهو أول المؤمنين بالإنجيل والتوراة. وهو أكثر المعظمين لقدر أم المسيح (مريم ابنة عمران): ولم يقل في أمه (آمنة بنت وهب) ما قاله في أم المسيح. وذكر أن الله تعالى أوحي إليه في مريم وليس في آمنة: يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ.
لست أدرى.. لم يكذب هذا ال الذي يبلغ الناس أن الله ينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، وجاء بقول الله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ (النحل:90) هل يكذب من دعي إلى ذلك؟
لماذا لا يقرءون رسالته ويناقشونها، ويفعلون معها كما يفعلون مع الرسائل العلمية فيولونها اهتماما في البحث والدراسة، بحياد تام، وبالرغبة في الوصول إلى الحق وما من شك في أنهم لن يجدوا في هذه الرسالة مطعنا. لم لا يقرءون الرسالة الأخيرة من الله إليهم؟ نعم هي إليهم لأنها رسالة للعالمين وليس لسكان الجزيرة العربية وحدهم، وهم مخاطبون فيها، ومكلفون بها، وسيسألون عنها مثلهم مثل العرب سواء بسواء. والله تعالى لم يعتبر الذين آمنوا به وبكل الكتب وبكل الرسل ولم يؤمنوا بمحمد اً مؤمنين، فلابد من الإيمان به والإيمان بالكتاب الذي نزل إليه فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا (التغابن:8).
مؤمنون: نعم. متبعون: لا
إن الإيمان بالله، ليس منة من الخلق على الله يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمـوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (الحجرات:17) وليس أي إيمان يقـبل، بل الإيمان الذي حدده الله واشترطه، ولله أن يحدد ويشترط لأنه تعالى هو الخالق. وهو تعالى الذي سيجازى ويكافئ لا غيره. اشترط الله علـى المؤمنين لقبول إيمانهم أن يتبعوا رسوله ويتبعوا كتابه، ودون ذلك لن يغنى إيمانهم شيئا. وعلى ذلك فالمؤمن هو من يؤمن بالله وبأنه خالق الكـون وحـده لا شريك له وأنه تعالى مستحق للعبودية وأن هناك يوم للحساب بعد البعث والنشور، ويؤمن بكل كتبه وكل رسله فهذا هو المؤمن.
والذي يعلم من القرآن، أنه منزل من عند الله، وأنه الرسالة الأخيرة للبشر فليس ثَم كتب أخرى بعده، وأن هذا الكتاب منزل من الله تعالى للإتباع، واتباعه ليس خياراً للمؤمنين به، بل هو حتم وإلزام، وإلا فلا يعد من المؤمنين من لا يتبع.
يقول تعـالى المـص (1) كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلا مـَا تَذَكَّرُونَ (الأعراف ) وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مـِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عـَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (الأنعام) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتقِِ اللَّهَ وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (1) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ( الأحزاب) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصـْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ (يونس 109).
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا (آل عمران:103) وحبل الله: كتابه كما فسره النبي  وقد بين الله تعالى في كتابه حال الذين ورثوا الكتاب فخالفوه، والذين استمسكوا به. فقال تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا...  إلى قوله وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (الأعراف:169).
محاولات التحريف
لقد صفيت البشرية إلى هذه الفئة القليلة، التي تؤمن بالله وآياته وه ويتبعون ما يؤمرون به غير أن هذه الفئة القليلة، لم تتبع كما يريد الله، بل إن الشيطان دخل إليهم من هذا الباب أيضا. فإنه وإن كان هذا الكتاب قد حُفظ من الله تعالى من أن تنال آياته التحريف، كما حدث لغيره من الكتب السابقة، إلا أنه في نفس الوقت، هجر ولم يتبع، واتبع المؤمنون به من دونه أولياء، ونظم وقوانين، وتسابق في هجر آياته واتباع ما دونه، أشد الناس إيماناً به.
ففي مجال الحكم نحيت آيات الله، وفيها أكمل نظام للحكم واتبع غيره من
نظم، ديمقراطية، أو رأسمالية، أو اشتراكية،.... أو غيرها.
وفي مجال القانون نحيت آيات الله، ومـا أكثر تلك الآيات التي تحكم عـلاقات المجتمع، ليتبع غيره من قوانين من وضع الغرب أو الشرق، أو حتى من وضع ذات المؤمنين بالقرآن.
وفي مجال الثقافة والعلوم نحيت آيات الله، والتي يقول فيها الله تعالى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ واتبع غيرها من الثقافات والعلوم.
ولم يتخلف عـن هذا السباق علماء المسلمين في شتى العلوم ـ الإنسانية منها والمادية ـ وراحوا يتناقلون في أحاديثهم وكتبهم ما يقوله علماء الغرب من نظريات، وتركوا بل وخالفوا ما يقوله كتابهم، وخالفوا أيضا سلفهم الذين علموا الدنيا وأناروا الظلمات، ويشهد بذلك أهل الغرب أنفسهم.
فأي إيمان هذا؟ والمؤمنون يتركون ما آمنوا به لغيره. والله تعالى أكمل لهم الدين وأتم عليهم نعمته. ورضى الإسلام لهم دينا، وأمرهم بأن يتبعوا الصراط المستقيم ولا يتبعوا السبل فتفرق بهم عن سبيله، وجعل هذه الوصية هي خاتمة وصاياه العشـر، والتي هي جوامع الشرائع التي تضاهي الكلمات التي أنزلها الله على موسى في التوراة وإن كانت الآيات التي أنزلت عليه أبلغ وأكمل.
ولم يقتصر الأمر على مجرد هجر القرآن واتباع غيره، بل أصبح ينادى باتباع أي سبيل غير سبيل الله. بل وصل الأمر إلى أن أصبح كل ما يخالف قول الله تعالى يدرس على أبناء المسلمين في المدارس والجامعات، من علوم مخالفة لتعاليم الله وشرعه. فهم يدرسون ويعلمون وينشرون علوما ونظريات متناقضة تماما مع القرآن.
فيعرفنا الله بأنه أرسل أنبياء ورسلا إلي الناس، من بداية وجودهم علي الأرض، وأن أنبيائه ورسله علموا الناس كل ما يحتاجون إليه لحياتهم ومعايشهم وكيف يستفيدون من وجودهم ومما سخر لهم في الأرض.
وأخبرنا الله في القرآن عن أمم ظهرت فيما يسمونه بالعصر الحجري بلغت من الحضارة مبلغاً ومن الرقي ما لم يخلق مثله في البلاد.
حتى في أبسط الأمور عقلانية وأوضحها في كتاب الله تبياناً: قضية خلق الإنسان. انتشر في بلاد القرآن نظرية تخالف ما جاء به، أكثر مما أنتشر وقيل عنها في بلادها وهي نظرية: (النشوء والارتقاء). وتبنى هذه النظرية ودافع عنها وحللها وناقشها، وأذاعها ودرسها، وعلمها وأيدها، علماء يؤمنون بان الله قال في كتابه المنزل لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (التين:4) وغيرها من الآيات، وفي تطور علمي جديد، وفي اتباع مفرط للغرب، وفي تقليد لهم أعمى،خرجت نظريات من حاملي وحافظي القرآن عن النشوء والارتقاء في الأديان.
ففي كتـاب يعتبر من درر الفكر العربي هو كتاب (الله: في نشأة العقيدة الإلهية) لأحد رموز الفكر الإسلامي المعاصر، وخلاصة المستنيرين (عباس محمود العقاد) يقول رحمه الله في مقدمة هذا الكتاب:" ترقى الإنسان في العقائد كما ترقى في العلوم والصناعات فكانت عقائده الأولى مساوية لحياته الأولى، وكذلك كانت علومه وصناعاته فليست أوائل العلم والصناعة بأرقي في أوائل الأديان والعبادات، وليست عناصر الحقيقة في واحدة منها بأوفى من عناصر الحقيقة في الأخرى. وينبغي أن تكون محاولات الإنسان في سبيل الدين، أشق وأطول من محاولاته في سبيل العلوم والصناعات.
لأن حقيقة الكون الكبرى أشق مطلباً، وأطول طريقاً من حقيقة هذه الأشياء المتفرقة التي يعالجها العلم تارة والصناعات تارة أخرى.
وقد جهل الناس شأن الشمس وهي أظهر ما تراه العيون وتحسه الأبدان، ولبثوا إلى زمن قريب يقولون بدورانها حول الأرض، ويفسرون حركاتها وعوارضها كما تفسر الألغاز والأحلام، ولم يخطر لأحد أن ينكر وجود الشمس لأن العـقول كانت في ظلام من أمرها فوق ظلام ولعلها لا تزال. فالرجوع إلى أصول الأديان في عصور الجاهلية الأولى لا يدل على بطلان التدين ولا على أنها تبحث عن محال. وكل ما يدل عليه أن الحقيقة الكبرى أكبر من أن تتجلى للناس كاملة في عصر واحد. وأن الناس يستعدون لعرفانها عصرا بعـد عصر وطورا بعد طور، وأسلوبا بعد أسلوب، كما يستعدون لعرفان الحقائق الصغرى، بل على نحو أصعب وأعجب من استعدادهم لعرفان هذه الحقائق التي يحيط بها العقل ويتناولها الحس والعيان - وقد أسفر علم المقابلة بين الأديان عن كثير من الضلالات والأساطير، التي آمن بها الإنسان الأول، ولا تزال لها بقية شائعة بين القبائل أو بين أمم الحضارة العريقة، ولم يكن من المنظور أن يسفر هذا العلم عن شيء غير ذلك ولا أن تكون الديانات الأولى على غير ما كانت عليه، من الضلالة والجهالة فهذه هي وحدها النتيجة المعقولة التي لا يترقب العقل نتيجة غيرها، وليس في هذه النتيجة جديدا يستغربه العلماء، أو يبنون عليه جديدا في الحكم على جوهر الدين.
فإن العالم الذي يخطر له أن يبحث في الأديان البدائية، ليثبت أن الأولين قد عرفوا الحقيقة الكونية الكاملة منزهة عن شوائب السخف والغباء، إنما يبحث عن محال".
ثم قال الرجل حاكيا عما توصل إليه علماء الغرب:" يرى كثير من العلماء أن الأساطير هي أصل الدين بين الهمج".
ثم عدد العالم القرآني أسماء بعضا ممن قال عنهم (علماء) وحكى عنهم الأقوال التي تفصل ما قال به في مقدمته حتى قال:" يعرف علماء المقابلة بين الأديان ثلاثة أطوار عامة مرت بها الأمم البدائية في اعتقادهم بالآلهة والأرباب. وهي دور التعدد ودور التمييز والترجيح، ودور الوحدانية".
أرى أن الرجل فيما يقول في كتابه هذا قد نسف أول وأكبر مبدأ نص عليه القرآن في معظم آياته وهو أن الكون كله بما فيه، ومن فيه قام وكان على عبودية الإله الواحد وانسجمت جميع المخلوقات في هذه العقيدة. وبدأتp حياة البشر على الأرض بالعقيدة الصحيحة التي يرضاها الله، وهي التوحيد، وقد كان أول البشر (آدم) موحداً ولم يعبد أربابـا متعددة ولا متميزة، ولم يعبد طوطم ولم يشرك مع الله أحدا. وأن حياة البشر ظلت بعد آدم عشرة قرون على هذه العقيدة التي تقوم على التوحيد.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلها علي الإسلام" فمن نصدق؟؟ هذا ما رواه البخاري عن رسول الله مخالفا ما قال به علماء المقابلة بين الأديان أمثال (رويس، وجيمس، وسانتيانا، والعقاد،.. وغيرهم). والبخاري كتابه أصح الكتب لدى المسلمين - بعد القرآن - والرسول صلى الله عليه وسلم أصدق الناس.
إن القارئ للقرآن يجد أن الأصل في تاريخ البشر، الإيمان بالله الواحد، وأن البشر كلما ابتعدوا عن هذه العقيدة أرسل الله إليهم من يعيدهم إلى التوحيد رسولا من أنفسهم، وإنهم إذا لم يستجيبوا فإن الله تعالى يخلص الأرض منهم ولا يبقى فيها مشرك، ويترك فيها الموحدين فقط، حتى جاءت هذه الأمة التي تركها الله تعالى ولم يؤاخذهم بشركهم لأن القيامة ستقوم بعدهم. كما أن المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن القيامة ستقوم على شرار الخلق. وأن الساعة لا تقوم حتى لا يقال على الأرض: الله.. الله. أي ستقوم وليس لله تعالى بين الناس ذكر ولا فيهم إيمان.
إذن فتاريخ البشرية الذي يخبرنا عنه القرآن مخالف لما يقول به السيد المفكر رحمه الله وعلماء مقارنة الأديان والتاريخ. وأن حقيقة الأمر أن تاريخ البشر يبدأ بالتوحيد وينتهي بالكفر وليس العكس. فلو كان ما يقوله العقاد صحيحاً، وأن البشرية تترقى في دينها وعقيدتها لكان أهل هذا الزمان أفضل إيمانا من صحابة الله صلى الله عليه وسلم ولكان طبقا لقوله أبو جهل كأبى بكر لوجودهما في عصر واحد.
هذا نموذج لترك ما أنزل الله واتباع غيره، وما أنزل تعالى في رسالته الأخيرة للبشر هو الأكمل والأتم في تاريخ الرسائل، فهو سبحانه أنزل القرآن وفيه تبيان لكل شيء، وحذر تعالى في كتابه من اتباع الغير، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بإتباع ما أنزل إليه. والأمر بالطبـع للمؤمنين بالله وبرسالته وبرسوله وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (المائدة).
ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (الجاثية:18).
فأمره تعالى أن لا يتبع أهواءهم عما جاءه من الحق وإن كان ذلك شرعا أو طريقا لغيره من الأنبياء، فإنه قد جعل لكل نبي سنة وسبيلا. وحذره أن يفتنوه عن بعض ما أنزل إليه. فإذا كان هذا فيما جاءت به شريعة غيره فكيف بإتباع بما لا يعلم أنه جاءت به شريعة، بل هو طريقة من لا كتاب له. وكم من الأمور التي ترك فيها المؤمنون بالله ما أمرهم به الله واتبعوا من يجادل في الله بغير هدى ولا كتاب منير.
ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن هذه الأمة تتبع سنن من قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه وجب أن يكون فيهم من يحرف الكلم عن مواضعه. وهذا من بعض أسباب تغيير الملل.
ولأن المبنى محفوظ بالله فإنه يغير ويحرف في المعنى، فيما أخبر الله بـه وبما أمر به. قـال تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر:9) ولأنه لا تزال هناك طائفة ظاهرة على الحق فلم ينله ما نال غيره من الأديان من تحريف كتبها وتغيير شرائعها مطلقا، لما ينّطق الله به القائمين بحجة الله وبيانه، الذين يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنوره أهل العمى فإن الأرض لا تخلوا من قائم لله بحجة لكي لا تبطل حجج الله وبيناته.
تزوير التاريخ
وهذا مثال آخر للتحريف والتزوير، والذي لم يتورع البعض من علمائنا أن يشاركوا الآخرين فيه. فهم يعلمون تلاميذ المدارس، وطلبة الجامعات، أن الإنسان بدأ تاريخه بدائياً لا يعرف الأسرة، ولا الاستقرار ولا الحياة الآمنة. وإن حياته أشبه بحياة الحيوان. لا علم ولا فكر ولا دين ويسمون هذه الحقبة من التاريخ: (العصر الحجري). وهذا مناقض تماما لآيات الله التي تخبرنا أن آدم أول البشرية كان يعلم ما لا نعلمه نحن في عصر الكمبيوتر والفضاء والإنترنت عرف آدم كل معاني الإنسانية والرقي والعبودية الصحيحة لله الواحد. فهذا التاريخ الذي سنرى بعد ذلك أنهم يفسرون به الظواهر التي ينسبها المؤمنون لله، تاريخ مزور، ومحرف. فهو يصور الإنسان في أول مراحله بالبدائية، والسذاجة، بحيث يشبهون تفكيره بتفكير الأطفال، بل أنه كان يتخذ الحيوان قدوة له وأسوة، وأنه الملهم له في كثير من الاكتشافات وهم يصورون الإنسان القديم بصورة أشبه للحيوان في شكله وهيئته وسلوكيــاته وأنه لم يعرف النار إلا بعد حقب طويلة فكان يأكل اللحم نيئا، وكان يعيش على القنص والصيد فلـم يعرف الزراعة ولا الصناعة. بينما يصور لنا القرآن وتصور لنا كتب السنة أن الإنسان عرف الحياة التي نحياها الآن، بل وأرقى منذ أن وطئت أقدام الإنسان الأرض، وأن آدم كان يزرع ويصنع ويحيك الملابس، وأنه بدأ حياته على الأرض في أسرة وكانت له زوجة، ثم أولاد وكان معه كتاب من الله فضلا عن العلم الذي علمه الله له، كان يعيش به على الأرض. كما نعلم أيضا أن أعظم حضارة ظهرت على الأرض كانتا حضارة (عاد) وحضارة (ثمود) وقد كانتا تاريخيا قبل العصر الحجري كما يسمونه. ولكي نؤكد للمؤمنين أن التاريخ فعلا مزور، نورد بعض النماذج على تزوير واضعيه:
إن أكبر تاريخ سجل وبأدق تفاصيله هو تاريخ قدماء المصريين. والقارئ للتاريخ المصري القديم لن يجد أي ذكر ليوسف أو موسى الكريمين، فهل يتصور ذلك؟ يوسف الذي تولى حكم مصر في فترة من أهم فترات التاريخ الإنساني وموسى الذي كان لخروجه من مصر ببني إسرائيل شأن غير به مجرى تاريخ مصر، بعد أن أغرق الله فرعون وجنوده في اليم. هل يتصور عاقل أن المصريين القدماء الذين سجلوا أشياء لا تستحق الذكر يغفلون عن تسجيل أكبر حدثين حدثا في تاريخ مصر منذ أن وجدت إلى قيام الساعة؟..اللهم إلا أن يكونا لم يحدثا..؟!!
وهل يتصور عاقل ألا يذكر التاريخ لبلاد ما بين النهرين أي ذكر لنوح عليه السلام وقد كان له حدث يعتبر الأكبر والأعظم تأثيرا في تاريخ البشر في كل الأرض قاطبة؟.
ألا يذكر التاريخ شيئا عن خليل الله إبراهيم وعن معجزة إلقائه في النار التي كانت بردا وسلاما عليه؟ وعن إسحاق ويعقوب، أكبر شخصيتين في التاريخ الإنساني. الذي يخلوا تماما من أي ذكر لهما؟.
وأن يخلو التاريخ من ذكر شعيب أو لوط؟ هل خفي على سكان الأرض كلها ما حدث لسدوم وعامورية قرى قوم لوط؟
هل قرأ أحد في تاريخ الحضارة الفينيقية ذكر لأعظم ملك كان في الأرض وهو سليمان عليه السلام. أو ذكر لأبيه داود؟
هل قرأ أحد في تاريخ الجزيرة العربية القديم أي ذكر لأنبياء كرام كصالح وهود وإسماعيل؟ اللهم إلا أن لا يكون لهم وجود فعلى كما زعم عميد الأدب العربي (طه حسين) الذي قاله في كتابه" في الشعر الجاهلي" صـ 26 ما نصه" للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثـنا عنهما أيضاً، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفى لإثبات وجودهما التاريخي فضلاً عن إثبات القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعاً من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة وبين الإسلام واليهود والقرآن والتوراة من جهة أخرى..". هذا هو التاريخ الذي يريد علماء الغرب أن نستبدله بالله.
فلا يوجد أي ذكر في التاريخ لنبي مهما بلغ شأنه، ولا لحدث إيماني مهما بلغت قيمته. فهل يعقل أن يخلو تاريخ الصين من نبي أو؟ لا يمكن أن يكون ذلك.هل يعقل ألا يبعث الله تعالى لأوروبا أو روسيا نبي أو؟ لا يمكن لأن الله تعالى قال وهو أصدق القائلين وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خلا فِيهَا نَذِيرٌ (فاطر:24) فأين هذا النذير في تاريخ الصين أو روسيا أو أوربا؟ إذن فالتاريخ مزور. وإذا كان التاريخ وهو أثبت العلوم لأنه واقع، على هذه الدرجة من التزوير فما بالنا بغيره من العلوم.
عصر الإلحاد
بدأ منذ القرن السابع عشر الميلادي يبدو الضجر والضيق لمبادئ الفلسفة التي كانت هي مزيج من الاستنباط العقلي، والاستنتاج الحسي، لظواهر الكون بتفسيرها ووضع قوانين لها، واستعان الفلاسفة في تحليلهم للموروث من علوم الوحي لكن ليس باعتبارها وحيا، بل باعتبارها فروضا علمية لا أكثر، تقبل الأخذ والرد والتعديل والتحوير. ولكنهم على أي حال لم يتناقضوا تماما فيما استنبطوه من أعمال الفكر، مع الكتب المقدسة، بحالتها الموجودة آنذاك.
ومن الجهة الأخرى لم يقبل الإسلام هذه المبادئ الفلسفية حتى ولو اتفقت مع الدين لأن المبادئ الإسلامية لا تقبل شريكا مع الله فيما يخلق أو يأمر. وهي توصى المؤمنين باتباع آيات الله وحدها. وتحذر بقوة من اتباع غيرها أو حتى معها أي أفكار أو مبادئ.
وأطلق جاليليو الشرارة الأولى للمعركة مع الفلسفة والفلاسفة عندما قال سنة 1605م معبرا عن المذهب الجديد للتجريبيين:" ترى ما هي العلاقة بين الفلسفة وقياس كمية معينة؟" وقد صار هذا السؤال جوهريا بالنسبة لنشأة العلوم الطبيعية في القرن السابع عشر.
وبدأت معركة بين الفلاسفة وخاصة أتباع أرسطو معلمهم الأكبر، وبين التجريبيين الذين أرادوا إحلال طريقة التفكير التجريبي المعملي محل التفكير المبنى على الاستنباط العقلي.
ولم تتدخل الكنيسة في هذه المعركة، فهي ليست ضد العلم، ولا هي حامية حمى الفلسفة، غير أن الكنيسة أدخلت اضطرارا عندما أظهر التجريبيون آراء تتعارض مع الدين، ولا يمكن أن يعتبر ما يعارض الدين علماً بأي شكل من الأشكال لأن الدين هو العلم، وهنا تدخلت الكنيسة بالموعظة الحسنة تنبه على مخالفة التجريبيين للكتب المقدسة. غير أن الآخرين لم يتعظوا ولم ينتهوا بل تمادوا في موقفهم، وقد عبر (يوهانس كبلر) عن موقف زملائه بتعليقه الشهير: (إن الكتاب المقدس ليس كتابا في علم الضوء ولا علم الفلك). وهنا ظهرت الكنيسة كجبهة أقوى من الفلاسفة ولكن للدفاع عن الدين، الذي لا يعارض أبداً علم الضوء أو أي علم، ولكن يعارض تكذيب آيـات الله.
وكان هذا هو بداية الخلاف بين ما يقوله رجال الدين ورجال العلم في أوربا وهنا يبدو للمشاهدين من بعيد أن الكنيسة ضد العلم والحقيقة كانت عكس ذلك.
وقد هب رجال الكنيسة للدفاع عن آية واحدة خالفها التجريبيون تقول بحركة الشمس حول الأرض، بينما التجريبيون يقولون بعكس ذلك. جاءت هذه الآية على لسان (يوشع بن نون) في سفر (يـوشع) الإصحاح العاشر الآية رقم 13مـن (العهد القـديم) وهي تقول: " حينئذ كلم يوشع الرب، يوم أسلم الرب الأموريين أمام بنى إسرائيل، وقال أمام عيون بنى إسرائيل يا شمس دومي على جعٌبون، ويا قمر على وادى أيلون. فدامت الشمس، ووقف القمر حتى انتقم الشعب من أعدائه. أليس هذا مكتوباً في سفر ياشر، فوقفت الشمس في كبد السماء ولم تعجل للغروب نحو يوم كامل".
والقارئ للتاريخ لا يجد أن الكنيسة قد اعترضت على أي علم من العلوم المادية، ولكنها وقفت وبشدة لكفر من كفر وإشاعة كفره في العلوم الكونية، والحق أن الكنيسة تصدت بشدة لكل زندقة في الأمور الكونية حتى أنها حكمت على" جردانو برونو" بالإعدام حرقا لقوله بأن الفضاء لا نهائي.
لا أشك لحظة في أن وراء هذا التغيير في مفاهيم البشر تجاه الكون وعلومه خطة إبليسية. ورغم أن الخطة معادة ومكررة إلا أنها نجحت تماما كما نجحت مع أبى البشر وزوجه في تعريتهما وإنزالهما إلى الأرض وإخراجهما من الجنة. فهو الثأر القديم والعداء المبين بينه وبيننا. فصمم عليه اللعنة وأقسم على أن يغوى البشر، ووضع خطته. ولأنها نجحت مرة فإنه لا يني في تكرارها لتغيير خلق الله من حال إلى حال.
وأكبر وأخطـر تغيير يظفر به إبليس أن يحول البشر من الإتباع إلى الابتداع ولأنه لعنه الله علم أن القرآن محفوظ من التحريف، فقد عمل ألا يضيع جهده في هذا الأمر وأن يتركه على ما أنزله الله، ولكنه يعمل جاهدا على ألا يتبع، ويفتن بنى آدم علاوة على تركهم تطبيق آيات الله إلى المخالفة والعمل بنقيض الآيات.
يقـول تعالـى: وَلَقدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (سبأ:20) وكجزء من الخطة الإبليسية يغير إبليس الأسماء المحرمة والمنفرة إلى أخري خادعة مقبولة تماما كما استبدل اسم الشجرة المحرمة بـاسم شَجَرَةِ الْخُلْدِ  (طه:120) ونجحت الخديعة في إغواء آدم فكررت هنا، وسمى هذا العصر الذي شهد أكبر عملية انسلاخ من الدين في العصر الحديث وسماه (عصر النهضة) والحقيقة أنه كان عصر السقوط والانتكاس.
أبطال عصر الإلحاد
لقد سموا هذا العصر الذي انسلخ فيه العلم عن الدين وكأن أحدهما نقيضا للآخر (عصر النهضة) وكذلك سموا الملاحدة الذين أحدثوا هذا الانقلاب بالرواد وأسبغت عليهم أسماء وصفات الأبطال والعظماء وقد شارك بعضنا في هذا العمل الأخير ووصفوا جاليليو بالرائد ونيوتن بالعظيم وأينشتاين بالعبقري، بينما كان هؤلاء هم طلائع جيش إبليس الذين نجحوا في تغيير القوانين الإلهية بقوانين طبيعية.
سنطوف مع أبطال عصر النهضة، الذين خلدتهم مدارسنا وجامعاتنا وكتبنا ونقرأ مقتطفات من أقوالهم التي عبروا فيها دون خجل أو مواربة أنهم معاول لهدم الدين الذي أنزله الله لعباده، وجاءوا بدين جديد أسموه زوراً (العلم) و(العلمانية).
ولنبدأ بالعبقرية الفذة أينشتاين الذي قـال مدافعاً عن جاليليو في حربه ضد رجال الكنيسة: " لقد منحت جاليليو موهبته الخارقة القدرة على الحوار الواعي مع مثقفي عصره فاستطاع التغلب على ذلك الفكر المبنى على الخرافات وعلى اعتبار الإنسان مركز الأشياء في هذا الكون".
وقال أيضـا:" وربما نستطيع القول: بأن التخلف الناتج عن سيطرة التقاليد الجامدة التي انتشرت في العصور المظلمة كانت قد خفت وطئته في القرن السابع عشر. وأن البقية الباقية من التقاليد الثقافية الموروثة لم يكن لها القدرة على الصمود إلى الأبد إزاء التقدم الحضاري. سواء ظهر جاليليو أم لم يظهر".
هذه الكلمات نقرأها لأينشتاين مع الوضع في الاعتبار أنه كان حذراً من إثارة رجال الكنيسة عليه.
(والتير) تجريبي آخر من رواد عصر النهضة قال ليقطع الصلة تماما بين الكون وخالقه:" إن الكون كالساعة يرتب صانعها آلاتها الدقيقة في هيئة خاصة ويحركها، ثم تنقطع صلته بها".
وجاء زميله (هيوم) بجرأة أكثر ليتخلص من هذا الإله الميت على حد قوله: " لقد رأينا الساعات وهي تصنع في المصانع لكننا لم نرى الكون وهو يصنع فكيف نسلم بأن له صانعا".
أما (هكسلى) فقد قال:" إذا كانت الحوادث تصدر عن قوانين طبيعية فلا ينبغي أن ننسبها إلى أسباب فوق الطبيعة". وأضاف" فإذا كان قوس قزح مظهرا لانكسار أشعة الشمس على المطر، فماذا يدعونا إلى القول بأنها آية الله في السماء".
ولمزيد من الإفصاح عن المنهج الإبليسي لهدم الدين يقول (هكسلى):" لقد خلق العقل الإنساني الدين وأتم خلقه، في حالة جهل الإنسان وعجزه عن مواجهة القوى الخارجية، فالدين نتيجة لتعامل خاص بين الإنسان وبيئته.
إن هذه البيئة قد فـات أوانها أو كاد وقد كانت هي المسئولة عن هذا التعامل. أما بعد فنائها وانتهاء التعامل معها فلا داعي للدين". ويضيف:" لقد انتهت العقيدة الإلهية إلى آخر نقطة تفيدنا وهي لا تستطيع أن تقبل الآن أي تطورات. لقد أخترع الإنسان قوة ما وراء الطبيعة لتحمل عبء الدين، جاء بالسحر، ثم بالعمليات الروحية ثم بالعقيدة الإلهية، حتى اختراع فكرة الإله الواحد. وقد وصل الدين بهذه التطورات إلى آخر مراحل حياته. ولا شك أن هذه العقائد كانت في وقت ما جزءاً مفيداً من حضارتنا بيد أن هذه الأجزاء قد فقدت اليوم ضرورتها، ومدى إفادتها للمجتمع الحاضر المتطور".
ويقول(إنجلز):" إن كل القيم الأخلاقية هي في تحليلها الأخير من خلق الظروف الاقتصادية".
ويقول أستاذ أمريكي في طب الأعضاء:" لقد أثبت العلم أن الدين كان أقسى وأسوأ خدعة في التاريخ".
يقـول الدكتور (تامس ديود باركس):" لقـد أجمع علماء هذا العصر على صدق نظـرية " النشوء والارتقاء" وقد بدأت هذه النظرية تسود فعلا جميع فروع العلوم الحديثة. فكل مشكلة تحتاج (إلها) في تفسيرها توضع مكانه هذه النظرية بغير تردد".
أرأيتم هذه النظرية المسماه بالعلمية ما هو دورها؟
(أرثركيث) يقول:" إن نظرية النشوء والارتقاء، غير ثابتة علميا، ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان ونحن لا نؤمن بها إلا لأن الخيار الوحيد بعد ذلك هو (الإيمان بالخالق الخاص المباشر) وهذا ما لا يمكن حتى التفكير فيه".
يقول: (برتراند راسل):" والإنسان وليد عوامل ليست بذات هدف. إن بدأه ونشوءه وأمانيه ومخاوفه وحبه وعقائده كلها جاءت نتيجة ترتيب رياضي اتفاقي في نظام الذرة والقبر ينهي حياة الإنسان ولا تستطيع أي قوة إحياءه مرة أخرى. إن هذه المجهودات الطويلة، والتضحيات والأفكار الجميلة، والبطولات العبقرية كلها سوف تدفن إلى الأبد مع فناء النظام الشمسي".
يقول محرر دائرة المعارف (العلوم الاجتماعية) تحت اسم (الدين):" وبجانب المؤثرات الأخرى التي ساعدت في خلق الدين فإن إسهام الأحوال السياسية والمدنية عظيم جداً في هذا المجال. إن الأسماء الإلهية وصفاتها خرجت من الأحوال التي كانت تسود على ظهر الأرض. فعقيدة كون الإله (الملك الأكبر) صورة أخرى من صور الملكية الإنسانية، كذلك الملكية السماوية صورة طبق الأصل للملكية الأرضية وكان الملك الأرضي القاضي الأكبر، فأصبح الإله يحمل هذه الصفات. ولقب (القاضي الأكبر الأخير) الذي يجازى الإنسان على الخير والشر من أعماله، هذه العقيدة القضائية التي تؤمن بكون الإله محاسباً ومجازياً لا توجد في اليهودية فحسب وإنما لها مقامها الأساسي في العقائد الدينية المسيحية والإسلامية".
وهــذا فارس أخر من فرسان عصر النهضة، عصر العلم، أستاذ البيولوجيا (هيكل) يهزي في كفره فيقول:" إإتوني بالهواء وبالماء وبالأجزاء الكيماوية وبالوقت، وسأخلق إنسانا". المضحك أن هذا (الشيء) عاجز عن أن يأتي وحده بما طلب ويطلب العـون، فكيف سيخلق إنسانا؟
هؤلاء بعضهم وهذى بعضاً من أقوالهم، ونهضتهم، التي راح علمائنا يلهجون بذكرهم ويسبحون بحمدهم، ويقدسونهم تقديساً، وتدرس أقوالهم وعلومهم كبديل كما قالوا هم... للدين.
وما قلناه وذكرناه من أقوالهم غيض من فيض وإلا فإنه لم يشذ من رجال عصر النهضة إلا النذر القليل، وهذا القليل كان أغلبهم، منتهى إيمانه، أن يعترف - بالكاد - بوجود خالق للكون وكفي، وهو إيمان لا يرقى في أحسن أحواله عن إيمان أبى جهل، وأبى لهب. فقد كانا يؤمنان بوجود الله وبأكثر من ذلك ورغم هذا فلم يعتبرا من المؤمنين طبقاً للقواعد الإسلامية.
وللأسف لم يخل علم من العلوم سواء الإنسانية أو المادية إلا وظهرت فيه نهضة على مثال ما ذكرنا. وقد كان أكبر علم حظي بنهضة فائقة هو علم الفلك يقول كبيرهم (جيمس جينز) معبراً عن مدى العلم الذي وصلوا إليه:" لا غرابة إذا كانت أرضنا قد جاءت صدفة نتيجة بعض الحوادث، وإذا بقى كوننا على حالته الراهنة لمدة طويلة مماثلة (لمدة حدوثه صدفة) فلا نستبعد حدوث أي شيء يمكننا قياسه على الأرض".
الدين والعلم
" الدين يتعارض مع العلم" فرية افتراءها الملحدون من التجريبيين وهم يشكلون غالبية علماء هذا العصر. ولأنه لا يمكن الجمع بين الاثنين في منطقهم، فقد اختاروا العلم وفضلوه على الدين وأعلنوا ذلك صراحة وبذلك ظهر المذهب الجديد (العلمانية).
والمؤمنون بالله يوقنون بأن الدين لا يمكن أن يتعارض مع العلم ويوقنون بأن العلم (الصحيح) لا يمكن أن يتعارض مع الدين. وأعتقد أن هذا هو الإيمان الحقيقي، ولو تعارض علم مع الدين أو العكس فالمؤمن يختار الدين والملحد سيختار العلم، ليس حباً فيه ولكن حباً في الكفر.
وإنني كواحد من المؤمنين بالتوراة والإنجيل والقرآن جميعاً لدي هذا اليقين أن هذه الكتب الثلاثة لا تتعارض أبداً مع العلم، وأن أي نظرية سليمة تثبت ستكون دون شك متوافقة مع هذه الكتب.
هناك فرق بين العلم والنظريات
العلم هو ما علم بالفعل وثبت بطرق الإثبات، ولم يعد سبيل إلى نقضه في أي وقت أو بأي وسيلة. وطرق الإثبات عديدة منها الحواس ومنها العقل ومنها التجربة ومنها الوحي.
المهم في هذه الطرق كلها: الصدق. وأعلى هذه الطرق مرتبة هو الوحي.
فالأمور التي نسميها علماً وثبتت بطريق الإثبات من المستحيل أن تتعارض مع الدين. أما الأمور التي نسميها نظريات فإنها قد لا تكون علماً ثابتاً وإنما مجرد وجهات نظر. وقد نختلف معاً في أمر واحد، ولا غضاضة بل لابد أن يحدث ذلك، لأن عمر الإنسان قصير، وقدراته محدودة، والناس فيما بينها فضلا عن اختلاف القدرات مختلفة الأهواء، فما أراه جميلا قد تراه أنت غير ذلك وما تراه أنت مفيدا قد أراه أنا غير ذلك.. وهكذا.
أما الحواس فقد تخدع، وجميع طرق الإثبات ما عدا الوحي تعتمد على الحواس. فقـد أقسم لك إنني شاهدت ماء في مكان ما وتكتشف أنت أنه سراب وتقسم أنت أنك شاهدت فلانا ثم لا يكون هو. وتقاطع فلانا لأنه مر أمامك وعينه في عينك ولم يبادلك التحية بينما هو يقسم أنه لم يرك وهو صادق رغم أن عينه فعلا وقعت عليك، لشرود ذهنه مثلا أو ضعف بصره.. أو غير ذلك.
حتى الدراسات التي يجريها الباحثون والاستطلاعات والاستفتاءات كل ذلك قد يخلص الباحثون فيها إلى نتيجة خاطئة غير سليمة رغم أنها أجريت على آلاف من الناس.
إذن فلو تعارض رأي إنسان أو وجهة نظره مع الدين فلا نكفر بالدين. ولكن نكفر بالنظرية أو الرأي أو التجربة أو المشاهدة لأن كل ذلك قد يكون فيه كذب أو خداع ولا نسميه أبدا علماً لأنه يتعارض مع الدين، أما الوحي فإنه صادق.
والدين هو العلم. هذا بالنسبة للمؤمنين - لأن الله تعالى هو الخالق وهو العليم فإن ورد شيء عن طريق الوحي فهو العلم. حتى لو تعارض هذا مع بعض النظريات لأن الأخيرة مجرد نظريات اعتمدت على الحواس التي تخدع والناس التي قد تكذب أو تجامل أو تخالف.
فهل يمكن أن يكون هناك تعارض بين العلم والدين لو ثبت عن طريق الوحي أن الأرض ليست جزاءًا من الشمس؟
ليس هناك تعارض، لأن العلم والحواس والتجربة والعقل لم يثبتوا أن الأرض جزء من الشمس ولم ير أحد من القائلين بهذه النظرية الأرض وهي تتكون.
ولو قال الوحي بأن الأرض ثابتة لا تدور فلا تعارض مع العلم لأنه لم يثبت بأي طريق من طرق الإثبات أنها تدور بل إن الحواس ترى الشمس هي التي تدور. ولم ير أحد الأرض وهي تدور فيخبرنا الخبر... وهكذا... ولا يخفي علي أحد أن ما نشاهده من دوران الكرة الأرضية في التليفزيون أو وسائل العرض المختلفة ما هو إلا من صنع الإنسان ذاته باستخدام أجهزة تقنية حديثــة كالكمبيوتر وغيره. فالإيمان يقتضي إذن أن اعتبر ما يتعارض مع الدين ليس علما. أما أن أكفر بالدين فهذا ليس حبا في العلم بل حبا في الكفر.
وهذا (ميريت ستانلى كونجدن) عالم طبيعي وفيلسوف يعترف ويقول:
" إن العلوم حقائق مختبرة، ولكنها مع ذلك تتأثر بالخيال الإنساني وبأوهام الإنسان ومدى بعده عن الدقة في الملاحظة وعدم الدقة في أوصافه واستنتاجاته ونتائج العلوم مقبولة داخل هذه الحدود. فهي بذلك مقصورة على الميادين الكمية في الوصف والتنبؤ وهي تبدأ بالاحتمالات وتنتهي بالاحتمالات كذلك، وليس باليقين. ونتائج العلوم بذلك تقريبية وعرضية للأخطاء المحتملة في القياس والمقارنات، ونتائجها اجتهادية، وقابلة للتعديل بالإضافة والحذف وليست نهائية. وإننا لنرى أن العالم عندما يصل إلى قانون أو نظرية يقول إن هـذا هو ما وصلنا إليه حتى الآن، ويترك الباب مفتوحا لما يستجد من التعديلات.
إن العلوم تبدأ بقضايا أو بديهيات مسلم بصحتها برغم أنها لا تستند على حقيقة فيزيائية ملموسة. وعلى ذلك فإن العلوم تقوم على أساس فلسفي. والخبرة الشخصية في العلوم كما في الفلسفة والدين هي المحك النهائي والملاذ الأخير الذي تختبر به جميع الحقائق في العلوم كما في الفلسفة والدين.
وبرغم أنه لابد أن تكون الحقائق والنظريات التي يصل إليها رجال العلوم قابلة للاختبار والتحقيق على أيدي غيرهم من العلماء فإن إدراكنا الشخصي للظواهر الطبيعة يعتبر أمرا نسبيا ويتوقف على ظروف خاصة بنا".
كما يعترف الدكتور (بول كلارنس ابد) كذلك بأن الحواس والتجارب والوسائل التي يتبعونها في معاملهم لا توصلهم إلى الحقيقة التي يفتقدها الإنسان فيقول:" وقد أدرك رجال العلوم أن وسائلهم وإن كانت تستطيع أن تبين لنا بشيء من الدقة والتفصيل كيف تحدث الأشياء فإنها لا تزال عاجزة كل العجز عن أن تبين لنا لماذا تحدث الأشياء".
إن العلم والعقل الإنساني وحدهما لن يستطيعا أن يفسرا لنا: لماذا وجدت الذرات والنجوم والكواكب والحياة والإنسان بما أوتي من قدرة رائعة. وبرغم أن العلوم تستطيع أن تقدم لنا نظريات قيمة عن السديم ومولد المجرات والنجوم والذرات وغيرها من العوالم الأخرى فإنها لا تستطيع أن تبين لنا مصدر المادة والطاقة التي استخدمت في بناء هذا الكون، أو لماذا اتخذ الكون صورته الحالية ونظامه الحالي".
هذان اعترفان من قطبين من أقطاب العلوم التجريبية يشهدان بأن وسائلهم لا توصل إلى الحقيقة، وعلى ذلك فيظل الإنسان في حاجة إلى الوحي ليعلم، ومفتقراً إلى الله ليعرف.
غير أن علماء الأرض الآن.. إلا من رحم ربك - استغنوا بعلومهم ووسائلهم ولم يعودوا بحاجة إلى الله، كبرا وعلوا. رغم أن هؤلاء قد رأوا بأنفسهم آيات الله، ولابد أنهم تيقنوا من قدرته تعالى ومن أنه الحق. يقول تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الأفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ (فصلت:53).
(إيرفنج وليام توبلوتش) دكتوراه في العلوم الطبيعية يكشف لنا عن نفسية بعض زملائه وشعورهم تجاه الدين فيقول:" يميل بعض المشتغلين بالعلوم - في ظل ثقتهم الكبيرة... إلى الاعتقاد بأن العلوم قادرة على حل جميع المشكلات. فالحياة من وجهة نظرهم ليست إلا مجموعة من القوانين الطبيعية والكيماوية التي تعمل في مجال معين. وقد أخذ هؤلاء يفسرون الظواهر الحيوية المختلفة الواحدة تلو الأخرى، تفسيرات تقوم على إدراك السبب والنتيجة، والوجود من وجهة نظرهم لا يستهدف غاية وسوف ينتهي الأمر بعالمنا إلي الزوال عندما ينضب معين الطاقة الشمسية، وتصير جميع الأجسام هامدة باردة، تبعاً لقوانين الديناميكا الحرارية".
والرجل لم يكذب فيما قال، وقد أوردنا أقوالا لمثل هؤلاء تبين ما في نفوسهم قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ (آل عمران:118).
وانظروا إلى ما وصل إليه أحدهم من التطرف، يقول برتراند راسل:" ليس وراء نشأة الإنسان غاية أو تدبير. إن نشأته وحياته وآماله ومخاوفه وعواطفه وعقائده، ليست إلا نتيجة لاجتماع ذرات جسمه عن طريق المصادفة ولا تستطيع حماسته أو بطولته أو فكره أو شعوره أن تحول بينه وبين الموت. وجميع ما قام به الإنسان عبر الأجيال من أعمال فذة وما اتصف به من ذكاء وإخلاص مصيره الفناء المرتبط بنهاية المجموعة الشمسية ولابد أن يدفن جميع ما حققه الإنسان من نصر وما بناه من صروح المدنية تحت أنقاض هذا الكون إن هذه الأمور جميعا حقائق لا تقوى فلسفة من الفلسفات على إنكارها".
إن (برتراند) صاحب هذه النظرية وغيرها من النظريات ليلقى احتراما ومكانة بين علماء المسلمين تفوق ما يلقاه كثير من الأنبياء والمرسلين.
هذا هو حال كثير أو أغلب علماء هذا العصر من التجريبيين، اغتروا بما معهم من وسائل وما وصلوا إليه من علوم، هي في النهاية ومن وجهة نظر الإسلام كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ (النور:39) وهي كذلك فعلا حتى عند النابهين من هؤلاء التجريبيين يقول إيرفنج وليام:
" إن العلوم مهتمة بتحسين نظرياتها، وهـي تحاول أن تكشف عن كنه الحقيقة ولكنها، كلما اقتربت من هذين الهدفين زاد بعدها عنهما.
إن فكرتنا عن هذا الكون قائمة على أساس حواسنا القاصرة وعلى استخدام ما لدينا من الأدوات غير الدقيقة نسبيا".
ثم قلة منهم هي التي شهدت بوجود الله، لكن هذه القلة استنكفت أن تقيد نفسها بدين أو نحلة، ومن أمثال هؤلاء" أينشتاين" الذي ذكرنا كلمته التي يعتبر فيها أن مجرد الشعور الديني دون التقيد بنحلة أو ملة غاية العبقرية وهو يدعو لأن يقوم العلم والفن بإحياء هذا الشعور على الدوام عبر الأجيال.
يـقول (جـورج هـربرت بلونت) كبير المهندسين بجامعة كاليفورنيا وأستاذ الفيزياء التطبيقية" مجرد الاقتناع بوجود الله، لا يجعل الإنسان مؤمنا، فبعض الناس يخشون من القيود التي يفرضها الاعتراف بوجود الله على حريتهم، وليس هذا الخوف قائما على غير أساس فإننا نشاهد أن كثيرا من المذاهب المسيحية حتى تلك التي تعتبر مذاهب عظمى تفرض نوعا من الديكتاتورية على العقول. ولا شك أن هذه الديكتاتورية الفكرية إنما هي من صنع الإنسان، وليست بالأمر اللازم في الدين، فالإنجيل مثلا يسمح بالحرية الفكرية حينما يقول:" قال الرب: أقبل علينا ودعنا نفكر معا" ثم يقول مختتماً" وأعتقد أنني قد آمنت بالله بهذه الطريقة".
وإنني أعتقد أن هذا هو إيمان معظم علماء العصر الذين يدينون بالعلمانية والذين تدرس أقوالهم ونظرياتهم في مدارس وجامعات المؤمنين بالكتب المقدسة.
القرآن والعلم
المؤمنون بالقرآن، يعلمون جيدا أن القرآن يحض على العلم، ويحث على التعليم ولا خوف من العلماء لأنهم كما قال: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (فاطر:28). أي أن أكثر الناس خشية لله وتوقيرا له هم العلماء وفي الحديث المروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" إن العالم أشد على الشيطان من ألف عابد".
وعلى ذلك فالتجريبيون ليسوا بعلماء لأنهم لا يخشون الله، بل لا يؤمنون به. لذلك أجدني متحرجاً أن أذكرهم بلفظ العلماء. لأن العالم هو المؤمن بالله، ولا يمكن أن يكون هؤلاء علماء، ومن الخطأ إطلاق هذا اللفظ عليهم، إن لم يكن أيضا مخالفة لقول الله هذا.
ولقد نبغ رجال أيام السلف في علم الفلك دون الدين، فلم يسمهم الفقهاء بعلماء الفلك وإنما كانوا يلقبونهم بلفظ (أهل الهيئة) أي أهل الفلك. لأن العالم لابد أن يكون عالما بالله كأمــر سلم به.
إن أول آية وأول كلمة وردت في القرآن - الرسالة الأخيرة للبشر- الأمر بالتعليم قال تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ  (سورة:العلق). بل إن الآية رقم 9 من سورة الزمر لم تسو بين المؤمنين في المكانة بل فرقت بينهم، يقول تعالى قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ  يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ (المجادلة:11). وأخبر الله تعالى المؤمنين بأنه أنعم على آدم أبى البشر بالعلم قبل أن ينزل إلى الأرض وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا (البقرة:31) هكذا فعل تعالى مع أول الأنبياء وأما آخر الأنبياء فقد أوحي إليه وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (طه:114) ولم يوح إليه أن يطلب الزيادة في شيء إلا في العلم، ولذلك قال " طلب العلم فريضة على كل مسلم". وقال" من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة". والآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي توصى وترغب في العلم وتعلي مكانة العلماء أكثر من أن تحصى، فكيف يقال بعد ذلك إن الدين يتناقض مع العلم؟
الحق أن الذي أتى به العلمانيون والتجريبيون لا يسمى علماً، لأنه لا يعد علماً، وأقولها وأعلنها لكل أهل الأرض: أن كل علوم العصر منذ بداية عصر النهضة إلى الآن باطلة، ولا تمت للحقيقة بصلة، أعنى بذلك العلوم الكونية. أما غيرها من العلوم فإني أشهد لهم بها، ولم لا أشهد وقد شهد الله لهم بذلك حيث قال تعالى يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ( الروم:7). فهم علماء في الماديات المتعلقة بالحياة الدنيا ومتعتها ووسائل عمرانها وزخارفـها، فهم عالمون في الهندسة والرياضة والمواصلات والاتصالات والكيمياء والكهربائيات والأدوات المنزلية، وعموما كل ما هو متعلق بشئون دنياهم ووسائل تمتعهم بها ورغم ذلك فهم لا يعدون من العالمين فقد وصفهم الله تعالى بأنهم غَافِلُونَ .
أكرر: كل علوم أهل الغرب أو الشرق المتعلقة بالكونيات: باطلة.
لذلك فإنني اتباعا لأمر الله وآياته أطلق لفظ العالم على علماء الدين. أما أهل المعامل والتجارب فأسميهم (التجريبيون). فالأولون أتباع الوحي الإلهي والآخرون أتباع التجارب المعملية، ثم هناك أهل التفكير العقلي وهم (الفلاسفة).
وعلى الرغم من كل ما أوتيَ هؤلاء من وسائل وتقدم في الآلات والأجهزة وعلى ما عندهم من كم هائل من المعارف على ما فيها من الغث والسمين، والنافع والضار، فإنهم لا يقدرون على تخطئة الكتب المقدسة أو يثبتون تناقضها مع الدين، لأن العلم الثابت لا يتناقض البتة مع الدين، إنما التناقض بينه وبين نظرياتهم الكونية الخاطئة.
يؤيدني في ذلك عالم الرياضيات والفيزياء (ايرل تشستر ريكسى) بقوله:" إنني أجد بوصفي من المشتغلين بالعلوم أن النتائج التي وصلت إليها بدراستي العلمية عن الكون وعن الله تتفق كل الاتفاق مع الكتب المقدسة التي أومن بها وأعتقد في صدق ما جاءت به عن نشأة الكون وتوجيه الله له وقد يرجع ما نشاهده أحيانا من التعارض بين ما توصلت إليه العلوم وبين ما جاء في هذه الكتب المقدسة إلى نقص في معلوماتنا".
" والنظريات الحديثة التي تفسر نشأه الكون والسيطرة عليه بصورة تخالف ما جاء في الكتب السماوية، تعجز عن تفسير جميع الحقائق وتزج بنفسها في ظلمات اللبس والغموض. وإنني شخصياً أومن بوجود الله وأعتقد في سيطرته على هذا الكون".
حقا إن النظريات الحديثة التي تفسر الكون والسيطرة عليه تخالف ما جاء في الكتب السماوية، وكنت أود لو درس المنصفون من أتباع عيسى روح الله أو موسى كليم الله القرآن الكريم، نعم وددت لو درسوه دراسة الرسالات العلمية التي يناقشونها فلو كان ذلك قد تم لما كانت النظريات الحديثة بهذه المخالفة الصارخة للدين، ذلك أن نص الإنجيل ونص التوراة الموجودين الآن بأيدي الناس ليس فيهما هذه الاستفاضة التي في القرآن من علوم ومعارف هذا العصر.
كذلك لا يشك منصف أن بعض آيات الكتابين لحقهما تأليف وتحريف، ليس من أبناء هذا العصر، ولكن ذلك منذ قرون عديدة، قرون قريبة من نشأة الكتابين.
أما القرآن فهو الكتاب الوحيد الذي لا يحتوى على حرف من كلام البشر، وليس ذلك بسبب حرص المسلمين على سلامة نصه، لا.. لا.. فلو ترك الأمر لهم، للحقه تحريف وتأليف أضعاف الموجود الآن بالعهدين القديم والجديد، هذا إن بقيت منه آيات على هيئتها التي أنزلت بها من عند الله. ولكن عناية الله سبقت، ورحمته حفظت. قال تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر:9).
كنت أود أن يفعل علماء الغرب ذلك، وأن يدرسوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتراث المسلمين. ولو فعلوا ذلك لغيروا من العلوم والمعارف الموجودة الآن أما لو كان للإسلام علماء لقاموا هم بذلك.. ولكن أين هم الآن؟
إن ببلاد الإسلام كثيراً من الأسماء التي تسمى بالعلماء، وهناك مئات الآلاف في ربوع الأرض يحفظون القرآن عن ظهر قلب، بينما كان في عصر رسول صلى الله عليه وسلم عدد من يحفظون القرآن أربعة، ليس أربعة آلاف بل أربعة رجال فقط ومع ذلك كان كل الرجال والنساء في عهده  علماء.
أما الآن فهذه الآلاف التي تحفظ القرآن لا يطلق عليهم علماء. وإلا لكان لدى المسلمين مئات الآلاف من العلماء، ولما أصبح حالهم هذا الحال. حفظة القرآن الآن يتبعون برتراند رسل وهيكسلى وجيمس جينز وجاليليو ونيوتن وأينشتاين. فما فائدة القرآن الذي معهم؟
لقد أخبر الله تعالى بأن هذا القرآن نور فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرسولهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا (التغابن:8) وأخبر تعالى بأن الذين كذبوا به في الظلمات، وأخبرنا تعالى بأنه جازى الذين كفروا بهذا النور بأنه ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ (البقرة:17).
أليس هذا كلام الله؟ أليست هذه آيات الله؟ هل يعقل أن الذين يحملون النور يسيرون وراء الذين تركهم الله في ظلمات لا يبصرون؟ هل يعقل هذا؟
أو ليس هذا هـو الذي يحدث من كل من نطلق عليهم علماء، سواء أكانوا في الكيمياء، أو الطبيعة، أو الفلك، أو الرياضيات، أو الزراعة، أو الجغرافيا، أو الفلسفة أو المنطق أو القانون أو التاريخ، أو العلوم الشرعية الإسلامية، هل هناك علم من هذه العلوم أو غيرها لا يتبع الرءوس فيها والأساتذة نظريات علماء الغرب؟ يا رباه.. كيف يسير حاملو النور خلف الذين لا يبصرون؟ إنه لأمر عجاب !!
كيف يتبع المؤمنون الكافرين ويسايرونهم؟ هل هؤلاء الذين ذكرنا أسماءهم من علماء الغرب يؤمنون بالقرآن؟ هل يؤمنون بالإسلام؟ هل يؤمنون بمحمد ؟ إنهم فِي ظُلُمَاتٍ لايُبْصِرُونَ (البقرة:17) لقد وصف الله تعالى هؤلاء وصفا دقيقاً في سورة (النور) حتى نعرفهم ونعلم أمرهم ومدى علمهم وحقيقة أعمالهم. يقول تعالى وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءه لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَاب ِ(39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُور ٍ(40) فماذا نقول الآن عن علمائنا– في كل مجال–الذين يتبعون هؤلاء، وكلهم يفعل ذلك دون استثناء؟ ماذا يفعل العوام والجهلة الذين أحالهم الله إلى هؤلاء العلماء ليتعلموا منهم فقال: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (النحل:43).
أخرج الإمام أحمد بإسناده عـن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم يهتدي بها في ظلمات البر والبحر فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة".
وكما أن انطماس النجوم من علامات القيامة فذهاب العلم كذلك من علاماتها روى البخاري عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن من أشراط الساعة، أن يرفع العلم ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا" وروي البخاري أيضا عن عبد الله بن عمرو ابن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا".
وأحسب أن نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تحققت ونحن الآن نعيش فعلا مقدمات يوم القيامة. وإلا فأين هم العلماء المتبعون لكتاب الله وسنة رسوله؟ أين علماء الإسلام الذين يوجهون علماء الغرب إلى الصواب لأن معهم النور؟.. أين هم؟
سأل (فرقد السبخي) الحسن البصري عن شيء فأجابه فقال:" إن العلماء يخالفونك" فقال الحسن البصري:" ثكلتك أمك فريقد، وهل رأيت عالما بعينك؟ إنما العالم الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المداوم علي عبادة ربه، الكاف عن أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم الناصح لجماعتهم".
ترى أيها السادة: هل ترون علماء؟؟
عموما سنتغاضى عن التعريف الدقيق للفظ العالم وسنعتبر من نراهم حولنا فعلا علماء، عليهم إذن قدر استطاعتهم أن يخرجوا بنا من الظلمات إلى النور، ولا يتبعوا الذين لا يبصرون.
تلفيق لا توفيق
إن مجرد الإيمان بوجود الله لا يعتبر إيمانا، وأن الإيمان الذي ينفع صاحبه، لابد أن يكون كما يريد الله لا كما يريد المؤمن، والله تعالى يريد من المؤمنين به أن يلتزموا التزاما كاملا بكلامه، وأن يتبعوا آياته، وفي نفس الوقت لا يتبعون غيرها، بل إنه تعالى حذر الذين لا يستجيبون لكلامه أنه سوف يستبدل بهم غيرهم. وهو تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها، وليس فيما طلبه الله مشقة على الأنفس يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ (البقرة:185) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ (النساء:28) فإذا ما اتبع المؤمنون آيات الله نالوا رضاه، ليس من المهم بعد ذلك أن يذنبوا أو يخطئوا فإنه تعالى سيغفر لهم إن تابوا. المهم اتباع منهج الله يقول تعالى في سورة النساء وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ ال لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.
إن الله تعالى يقسم فَلا وَرَبِّكَ إنهم لا يؤمنون ولا يعتبرون مؤمنين إلا إذا كمل إيمانهم باتباعهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورضاهم بما يقول ويأمر، وتسليم أمرهم تماما لله.
لقد وصل الحال بعلماء الأرض الآن إلى أنهم اغتروا بمجرد الاعتراف بوجود الله. أو بمجرد الإيمان بأن محمدا الله والقرآن كتاب الله وكفي وكأنهم يمنون على الله بإيمانهم. إن الله تعالى لا يريد من عباده أن يمنوا عليه بإيمانهم بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُم (الحجرات:17) إنه يريد عبادا متعلقة أرواحهم به تعالى، خالصة قلوبهم بحبه، متذللة أجسادهم بعبادته، مطيعين لأوامــره، مستمسكين بكتابه، متبعين لآياته، يرجون رحمته ويخافون عذابه وليس مجرد شعارات تردد وكلمات يلقى بها. ولا يريد من أوليائه أن يكلفوا أنفسهم ما لا يطيقون، ولا فيما أمر مفرطون أو مفرَطون. ولا يريد من الدعاة إلى دينه أن يسلكوا في الدعوة إليه سبيلا غير السبيل الذي حدده لهم ودون تملق لأحد أو مداهنة أو تنازل عن مبدأ لقبول مبدأ آخر، وهو تعالى يأمر الدعاة أن يدعوا الناس ليسلموا له دون قيد أو شرط، لأن الإسلام حق له تعالى، ثم إن فيه سعادةً للناس وخيراً في الدنيا والآخرة.
وإن الداعية مطالب ببذل عناية، وليس بتحقيق غاية. والقاعدة الإلهية تنص على إِنَّكَ لاتَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين (القصص:56). غير أن علماء المسلمين وأقول حرصا منهم على الدين، راحوا ينشرون ويدرسون مبادئ (إسحاق نيوتن) في الجاذبية، ونظرية (تشارلز دارون) في النشوء والارتقاء و(ألبرت أينشتاين) في قانونه للنسبية، وهذه كلها ما وضعت إلا لمعارضة الدين، وقد أقنع هؤلاء وغيرهم أهل الأرض أن الكون مرتبط بقوانين ثابتة، تتحرك في نطاقها الأجرام السماوية وكل شيء في الكون من الأرض إلى السماء خاضع لقانون معلوم سموه (قانون الطبيعة) وإن الكون لا يحتاج - لقيامه بهذه القوانين - لإله يحكمه ويحركه.
وقد شهدوا هم بذلك واعترفوا فقال (تاس ديودباركس):" لقد أجمع علماء هذا العصر على نظرية النشوء والارتقاء وقد بدأت هذه النظرية تسود فعلا جميع فروع العلوم الحديثة، فكل مشكلة تحتاج (إلها) في تفسيرها توضع مكانه - أي مكان الإله - هذه النظرية بغير تردد".
بينما يقول (أرثركيث) ليكشف سر هذا الإجماع أيضا:" إن نظرية النشوء والارتقاء غير ثابتة علميا، ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان ونحن لا نؤمن بها، إلا أن الخيار الوحيد بعد ذلك هو (الإيمان بالخالق الخاص المباشر) وهذا مالا يمكن حتى التفكير فيه".
كيف إذن نقول بأن هذه النظريات متوافقة مع الكتب المقدسة وهي - كلها - لم توضع إلا لنقض الدين؟
في شجاعة يعترف العالم المسلم (وحيد الدين خان) ويقول في كتاب (الإسلام يتحدى) إنه وقع في هذا الخطأ عندما كان يحاضر في إحدى الجامعات باستعراض نظرية علمية أراد إثبات توافق الدين معها وأشار إلى مقال لفرويد فقال:" فوقف أستاذ لعلم النفس، أثناء فترة الأسئلة وقال: لقد أشرتم إلى مقال لفرويد تأييداً لنظرية دينية، على حين يعارض فرويد معارضة كاملة تلك النظرية التي تمثلونها".
إن هذا النهج سلكه علماء المسلمين الآن، يستدلون على أمور دينية بأقوال لرجال تجريبيين، بينما هؤلاء يعارضون الدين بالكلية، بل إن ما قالوا به كان بديلاً عن الدين كما رأينا.
ولم يترك علماؤنا نظرية من النظريات إلا أتوا بها وعرضوها كثبت علمي ثم جاءوا بآيات ما على أنها سبق ديني. وهكذا توافقت جميع النظريات، ما ثبت منها وما لم يثبت مع قرآنهم.
أليست كارثة أن نقرأ ما يقوله بعض علمائنا الأفاضل: إن العلم أثبت أن الشمس ستكف عن إرسال أشعتها بعد 50 بليون سنة وأن الأرض ستكف عن الدوران عند ذلك، ويقولون: وهكذا أثبت العلم الحديث أن هذا الكون سينتهي وهو ما أخبر عنه القرآن منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة.
هـل يعقل هذا؟ هل قال الدين ذلك؟ إن هذا تكذيب صــريح لله تعالى الذي قال اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ (القمر:1) أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ (النحل:1) اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (الأنبياء:1). هذا مثال.. وغيره كثير.
والغريب أننا لم نسمع أن أحدهم مرة واحدة استخرج من القرآن حقيقة علمية يجهلها الناس ثم يثبتها العلم بعد ذلك، بل إنهم يقفون بالمرصاد لأي نظرية تقال ويستخرجون لها بعد ذلك ما يثبتها ويؤيدها من القرآن.
ويحلل (وحيد الدين خان) ما يقوم به علماؤنا فيقول:
" هناك من علمائنا من يدركون موقف الفكر الحديث من قضية الدين ولكنهم لشدة تأثرهم بالفكر الحديث، يرون أن كل ما توصل إليه أئمة الغرب يعد من (المسلمات العلمية) ومن ثم تقتصر بطولاتهم على أساس أن هذه النظريات التي قالها علماء الغرب هي نفس ما ورد بالقرآن الكريم، وكتب الأحاديث الأخرى، وهذه الطريقة في التطبيق والتوفيق بين القرآن وغيره هي نفس الطريقة التي تتبعها شعوب الحضارات المقهورة تجاه الحضارات القاهرة وأية نظرية تقدم على هذا النحو يمكنها أن تكون تابعة ولكنها لا يمكن أن تكون رائدة ولو خيل إلى أحدنا أنه يستطيع تغيير مجال الفكر في العالم بمثل هذه المحاولات التوفيقية، ليشرق على البشرية نور الحق فهو هائم ولا شك في عالم خيالي، لا يمت إلى الحقائق بسبب، فإن الأفكار والمعتقدات لا تأتى من طريق التلفيق. بل عن طريق الثورة الفكرية".
وسنرى في طيات هذا الكتاب العجب العجاب لمحاولات التوفيق بين نظريات هذا العصر والقرآن.
الكتب المقدسة والمعطيات العلمية
ليس معنى قولنا بتناقض النظريات المعاصرة مع الكتب المقدسة أن هذه الكتب لا تحتوى على علوم ومعارف كونية، بل الأمر عكس ذلك تماما فكل ما في السموات والأرض مذكور في الكتب من بداية الخلق حتى نهايته، بل فيها علم عما فوق السموات حتى العرش وما تحت الأرض حتى أسفل سافلين.
وقد عاتبت علماء الغرب من المؤمنين أنهم لم يتناولوا بالدراسة الكتاب الأخير الذي أنزله الله على محمد. ولو كانوا فعلوا ذلك لتغيرت نظريات كثيرة من المعروضة علينا الآن، وقد قام واحد فقط من هؤلاء العلماء، ليس فقط بدراسة القرآن، بل وأيضا بمقارنته مع الكتب المقدسة الأولى، ثم بمقارنتهم جميعا مع المعطيات العلمية الحديثة، وسأورد خلاصة ما توصل إليه العالم ليس لاتفاقي الكامل معه، بل لانفراده وريادته لهذا النهج الذي كان ينبغي أن يفعله من يريد العلم والوصول إلى الحقائق.
(موريس بوكاي) عالم فرنسي شهير. قال في مقدمة كتابه القيم: (دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف العلمية الحديثة):
" لقد كانت مقابلة النصوص للكتب المقدسة أمراً لازماً لصحة النص المقدس، ولكن تطور العلم كشف للمفكرين عن وجود نقاط خلاف بين الاثنين وبهذه الطريقة خلق ذلك الوضع الخطير الذي جعل اليوم مفسري التوراة والإنجيل، يناصبون العلماء العداء إذ لا يمكن في الحقيقة أن نقبل بأن رسالة إلهية منزلة تنص على واقع غير صحيح بالمرة".
أما عن الإسلام كرسالة فيقول بوكاي:
" إن الإسلام قد اعتبر دائما، أن هناك اتفاقا بين معطيات الكتاب المقدس والواقع العلمي. وإن دراسة نص القرآن في العصر الحديث لم تكشف عن الحاجة إلى إعادة النظر في هذا. فالقرآن يثير وقائع ذات صفة علمية، وهي وقائع كثيرة جداً، خلافاً لقلتها في التوراة، إذ ليس هناك أي وجه للمقارنة بين القليل جدا لما أثارته التوراة من الأمور ذات الصفة العلمية وبين تعدد وكثرة الموضوعات ذات السمة العلمية في القرآن، وأنه لا يتناقض موضوع ما من مواضيع القرآن العلمية مع وجهة النظر العلمية. وتلك هي النتيجة الأساسية التي تخرج بها دراستنا".
يقول أيضا:
" إن الدراسة التي نقدمها الآن تختص بما تنبئنا به الكتب المقدسة فيما يتعلق بالظواهر الطبيعية الكثيرة ولابد من الملاحظة أن الوحي القرآني غنى جداً في تعدد هذه المواضع وذلك على خلاف ندرتها في العهدين القديم والجديد".
ثم يذكر ما توصل إليه من دراسته قائلا:
" لقد قمت أولاً بدراسة القرآن الكريم وذلك دون أي فكر مسبق وبموضوعية تامة، باحثاً عن درجة اتفاق نص القرآن ومعطيات العلم الحديث. وكنت أعرف قبل هذه الـدراسة أن القرآن يذكر أنواعا كثيرة من الظواهر الطبيعية لكن معرفتي كانت وجيزة.
وبفضل الدراسة الواعية للنص العربي استطعت أن أحقق قائمة أدركت بعد الانتهاء منها أن القرآن لا يحتوي علي أي مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم، في العصر الحديث.
وبنفس الموضوعية قمت بنفس الفحص على العهد القديم والإنجيل، أما بالنسبة للعهد القديم فلم تكن هناك حاجة للذهاب إلى أبعد من الكتاب الأول أي سفر التكوين، فقد وجدت مقولات لا يمكن التوفيق بينها وبين أكثر معطيات العلم رسوخا في عصرنا وأما بالنسبة للأناجيل فما نكاد أن نفتح الصفحة الأولى منها حتى نجد أنفسنا دفعة واحدة في مواجهة مشكلة خطيرة ونعنى بها شجرة أنساب المسيح. ذلك أن نص إنجيل (متى) يناقض بشكل جلى إنجيل (لوقا)، وإن هذا الأخير يقدم لنا صراحة أمرا لا يتفق مع المعارف الحديثة الخاصة بقدم الإنسان علي الأرض.
غير أن وجود هذه الأمور المتناقضة وتلك التي لا يحتملها التصديق، وتلك الأخرى التي لا تتفق مع العلم، لا يبدو لي أنها تستطيع أن تضعف الإيمان بالله ولا تقع المسئولية فيها إلا على البشر".
ثم وصل (بوكاي) إلى القرآن. وبعد دراسته الدراسة المستفيضة التي بلغت به إلى أن يتعلم اللغة العربية حتى يفهم النص القرآني من مصدره دون الاعتماد على الترجمات حتى أنه سافر إلى مهبط الوحي ليتحرى الدقة في المعلومات فقال:
" الواقع أننا إذا استثنينا اليوم بعض الحالات النادرة نجد أن غالبية العلماء وقد تشربوا النظريات المادية لا يكنون في غالب الأحيان إلا عدم الاكتراث أو الاحتقار للمسائل الدينية. وكثيرا ما يعتبرونها مؤسسة على أساطير. وزيادة على ذلك فإننا، عندما نتحدث في بلادنا الغربية عن العلم والدين نغفل ضم الإسلام إلى اليهودية والمسيحية. فالأحكام غير الصحيحة والمؤسسة على مفاهيم مغلوطة والتي صدرت ضد الإسلام هي من الكثرة بحيث يصعب جدا علي المرء أن يكون فكرة سليمة عما عليه الإسلام في الواقع".
ثم خلـص بوكاي مـن دراسته للقرآن ومقارنته مـع المفاهيم العلمية الحديثة إلى أن قـال:" وتناولت القرآن منتبها بشكل خاص إلى الوصف الذي يعطيه عن حشد كبير من الظاهرات الطبيعية. لقد أذهلتني دقة بعض التفاصيل الخاصة بهذه الظاهرات وهي لا يمكن أن تدرك إلا في النص الأصلي. أذهلتني مطابقتها للمفاهيم التي نملكها اليوم عن نفس هذه الظاهرات والتي لم يكن ممكناً لأي إنسان في عصر محمد  أن يكون عنها أدنى فكرة.
إن أول ما يثير الدهشة في روح من يواجه هذا النص لأول مرة هو ثراء الموضوعات المعالجة، فهناك: الخلق وعلم الفلك وعرض لبعض الموضوعات الخاصة بالأرض وعالم الحيوان وعالم النبات والتناسل الإنساني وعلى حين نجد في التوراة أخطاء علمية ضخمة.. لا نكتشف في القرآن أي خطأ. وقد دفعني ذلك لأن أتساءل:" لو كان كاتب القرآن إنسانا، كيف استطاع في القرن السابع الميلادي المسيحي أن يكتب ما اتضح أنه يتفق اليوم مع المعارف العلمية الحديثة؟".
وعن صحة نص القرآن يقول (موريس بوكاي):" صحة القرآن التي لا تقبل الجدل تعطي النص مكانة خاصة بين كتب التنزيل ولا يشترك مع نص القرآن في هذه الصحة لا العهد القديم ولا العهد الجديد".
ومع تقديري الشديد لإجراء الأستاذ بوكاي لهذه المقارنة الفريدة وما توصل إليه من نتائج فإنني لا أوافقه على التسليم بأن القرآن متفق تماما مع المعطيات العلمية الحديثة، ولا أن التوراة والإنجيل مختلفة تماما معها، فيما هو متعلق بالعلوم الكونية وسنرى ما يؤيد ذلك. وبالطبع ليس الخطأ في القرآن أو التوراة أو الإنجيل بل.. في العلوم الحديثة.
القرآن تبيان لكل شيء
لقد وصف الله تعالى الذين كذبوا بآياته وبه - والتجريبيين منهم – بأنهم (غافلون، لا يعلمون، لا يبصرون، لا يفقهون، لا يوعون)، هكذا وصفهم الله في
القرآن. وأخبر تعالى أنهم يعيشون في الظلمات، وأن أعمالهم كسراب.
وصرف الله تعالى أمثال هؤلاء عن آياته فلا يستفيدون منها.. ولا يعلمون فمن ثم لا أقتنع أبدا - ولو اقتنع أهل الأرض - أن هؤلاء والقرآن يتوافقون.
ومع ما يقوله الله تعالى عنهم فكيف، وبأي عقل تنطبق آيات الله مع علومهم؟
عقيدتي التي أرجو أن يكون عليها آخرون، أن القرآن لديه رؤية صادقة وصحيحة عن الكون تختلف جملة وتفصيلا عما يقوله الآن علماء الأرض.
وعقيدتي أن القرآن فيه كل شيء عن هذا الكون مفصلاً تفصيلاً دون إبهام ودون غموض، وأنه يعطى الباحثين عن الحقيقة ما يريدون ماداموا يريدون اتباع آيات الله، وليس مجرد الرغبة في حفظه، لأن القرآن أنزله الله ليتبع ويعمل به: ومن أجل ذلك فصّل الله آياته تفصيلاً.
هذا هو دور الكتاب الذي أنزله الله تعالى، العليم الخبير، على عباده وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (النحل:44) وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ( النحل:64) وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ (النحل:89) أما أن يكون الغرض من القرآن أن يقرأ في السرادقات على الأموات. أو أن يعلق على صدور الكاسيات العاريات، أو على الجدران في البيوت والمحلات، أو خلف الراكبين في السيارات، أو يترنم ببعض آياته في الافتتاحيات، أو يتبرك به في المناسبات أو حتى تردد آياته في الصلوات، أو يتثبت من صدقه بتطابقه مع النظريات، كل هذا ليس دور الكتاب ولا له نزل.
لقد صرف الكتاب عما أنزل له، واقتصر دوره على هذه الأمور. والأصل أنه نزل لتتبع آياته ويعمل بما فيها، فالإتباع هو المهمة الأساسية والجوهرية من الكتاب، ومن أجل ذلك جاء أن الكتاب تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ونزل الوحي على الله صلى الله عليه وسلم بتفسير لكل شيء. وعلم الصحابة منه كل شيء.
ومن قال بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفسر القرآن فقد كذب على الله واتهم الله بعدم تبليغ الرسالة وأداء الأمانة ولم يفعل ما أمره الله به يقـول تعالى وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون (النحل:44) وقـال: وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ (النحل:64) فالذكر في الآية الأولى غير الكتاب في الآية الثانية. فيكون معنى الذكر في الآية الأولي: ما أوحاه الله تعالى له من أحاديث نطق بها، فقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أبهم فهمه على بعض الناس بما أنزله الله عليه من الذكر وهي الأحاديث.
وقد يقول البعض إن الكتاب إنما نزل للتعبد ومن ثم فليس من الضرورة أن يحتوى على علوم الفلك والهندسة والفيزياء والزراعة والطب.. وغيرها، وهذا لأن القرآن رسالة تعبدية فلا ينتظر أن يعطينا أي قواعد تتعلق بهذه العلوم.
إن الآيات التي بين أيدينا تفيد أن الله تعالى فصل كل شيء، وبين كل شيء هكذا تقول الآيات، وهو ما يفهم منها أيضا ولذا يقول تعالى:
الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (هود:1)
كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (الأعراف:2)
وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (النحل:89)
وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا (الإسراء:12).
إذن فالله تعالى لم يحدد في الكتاب أنه فصل أمور العبادة والتقرب فقط، فالآيات تطلق التفصيل والتبيين، وكذلك أحاديث النبي  مفصلة ومبينة كذلك. لكن ترى أيكون كل ما في الكون من كبير وصغير، وجليل وحقير، وحلال وحرام، وخير وشر، وفنون وعلوم، وأفعال وأسماء، وأحداث وتاريخ، كل ذلك مبين في كتاب الله؟
إن الآيات مطلقة. لكن ما قول علماء المسلمين والمفسرين في هذه الآيات؟
قال الشوكاني في تفسير قوله تعالى وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا أي كل ما تفتقرون إليه في أمر دينكم ودنياكم بيناه تبيينا واضحا لا يلتبس. وعند ذلك تزاح العلل وتزول الأعذار ليهلك من هلك عن بينة.
وعـن معنى وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ قال: ومعنى كونه تبيانا لكل شيء أن فيه البيان لكثير من الأحكام والإحالة فيما بقى منها على السنة وأمرهم بإتباع رسوله صلى الله عليه وسلم فيما يأتي من أحكام وطاعته، كما في الآيات القرآنية الدالة على ذلك. وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:" إني أوتيت القرآن ومثله معه".
فتفسير الآية الأولى يدل على أن الله تعالى فصل في كتابه وفي سنة رسوله كل ما يحتاج إليه الناس في دنياهم وآخرتهم، حيث يقعون في الحرج والضيق والمشقة والاختلاف لو تخلف بيان شيء مما يفتقرون إليه.
والآية الثانية تفيد أن الكتاب والسنة بينا كل الأحكام، التي يحتاج إليها الناس ولكن هذا البيان سيكون فيه هُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ وخص المسلمين بهذه الثلاثة لأنهم هم المنتفعون بهذا التفصيل وهذا البيان. غير أن الله تعالى في عدة آيات يبين أن هذا التفصيل ليس لعموم الناس وإنما لفئات معينة حددها تعالى في آياته وهم وحدهم الذين يفهمون هذا التفصيل بإعمال القلب والفكر والتدبر حتى تستخلص الآيات والمنافع أياً كانت.
وقد حدد الله سبعة أصناف إذا وجدت فسيكون كل شيء مفصلا لهم وهم: (العلماء، الفقهاء، المؤمنون، والمذكرون، المفكرون، العاقلون، المتقون) فهؤلاء السبعة فقط هم الذين يتفهمون تفصيل الآيات:
(1) قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (الأنعام:97)
(2) قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ( الأنعام: 98)
(3) بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (الأعراف:52)
(4) قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (الأنعام:126)
(5) كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( يونس:24)
(6) كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (الروم:28)
(7) إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمـَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضِ لآيات
لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (يونس:6).
فإذا توافرت صفة من هذه في أحد فلا شك أن آيات الله في الكتاب وفي الكون ستكون مفصلة مبينة له. ولكن لأي أمر فصل الله آياته وبينها هذا البيان الشامل؟ إنه تعالى أراد بأن يستفاد من هذه الآيات في الدنيا ويستفاد بها للآخرة. المهم أن تكون الغاية في سبيل الله، لأنه تعالى ما أوجد خلقه إلا ليعبدوه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إلا لِيَعْبُدُون (الذاريات:56) ويقول تعالى قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (الأنعام:162). فلا تكون الآيات مفصلة ومبينه لأمور يعمل بها في الترف أو السرف، أو الشر أو الضر. قـال تعالى عـن علة تفصيل الآيات: وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (الأعراف:174) بعـد قوله تعالى كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (يونس:24) لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (الرعد:2) بعد قوله تعالى يُفَصِّلُ الآيَاتِ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (الأنعام:55). والمتبع للآيات الواردة قبل قوله تعالى قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ (الأنعام:126) أو وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ (الأنعام:55) يجد أن الله تعالى لم يدع شيئا مما يهم الإنسان إلا وفصله وبينه تبياناً.
بعد ذلك يتملكنا العجب من قوم بين أيديهم آيات مفصلة لكل شيء ومبينه لكل شيء ثم يتسولون العلوم والمعارف ممن أخبر تعالى أنه سيصرفهم عن آياته سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (الأعراف:146).
أليـس من العجب أن أقواما بين أيديهم نور ومن خلفهم نور وعن يمينهم نور وعن شمائلهم نور ومن فوقهم نور ومن تحتهم نور ويلتمسون العلم والنور ممن يعيشون في الظلمات؟ لقد سمى الله كتابهم (نور) وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (النساء:174) وسمى هم (نور) قَدْ جَاءكمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (المائدة:15) ودينهم (نور) وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ (المائدة:16) وطريقهم (نور) أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ (الأنعام:122) وربهم تعالى (نور) اللَّهُ نُورُ السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضِ (النور:35). أما هؤلاء الذين يلتمسون منهم العلم والنور فهم في الحقيقة الأكيدة في الظلمات: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ (الأنعام:39).
إن كل علم يأتي من غير المؤمنين هو في الحقيقة جهل وضلال وكذب. وكل ما يتخيل أنه نور هو في الحقيقة وهم وسراب. وكل اتباع لمثل هذا يقابله ترك لآيات الله. وكل عدم إتباع يقابله ابتداع وفي الحديث" كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار".
أناشد المؤمنين بالله الواحد الأحد الفرد الصمد، وخاصة العلماء، أن يكفوا عن إتباع صناع عصر الإلحاد، وإلا فإنهم سيتبرءون منهم يوم القيامة. وأن يكفوا عن عمليات التوفيق بين ما يسمونه علما، وبين آيات القرآن العظيـم لأن ذلك - حقيقة - تلفيق لا توفيق، ولا تستوي الظلمات والنور.
علماؤنا الأجلاء
خذوا ما آتاكم الله بقوة، وكفى تمييعاً لقضايا الدين.. وانتبهوا أيها السادة للأمر الجلل الذي أنيط بكم وأنتم ورثة الأنبياء، وأنتم الذين أحالنا الله إليكم في فهم ديننا ودنيانا حيث قال تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (النحل:43) فاتقوا الله فينا نحن (الأميين).
وأذكركم والذكرى تنفع المؤمنيـن: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ (آل عمران:187). وأحـذركم أن تفعلوا فعل من قبلكم يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ (المائدة:13) وأعتذر إليكم.. إن كان في كلامي جرأة فما هو إلا حماس الشباب، والغيرة على الدين، والنصح للمؤمنين.
واستأذن أساتذتي العلماء في كل جنبات الأرض أن أعرض على سكان الأرض كيف بدء الخلق كما ورد في الكتب المقدسة والسنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأقوال الصحابة والتابعين وتابعي التابعين. وما ورد بحضارات السابقين وهذا الذي سيطوح بكل نظريات العصر الحديث.

* * * * *

























بدء الخلق











ففي البدء كان الله

ولم يكن شيء قبله..

ولم يكن شيء معه..

ولم يكن شيء غيره..

وكان عرشه على الماء،

وكتب في الذكر كل شيء

وخلق السموات والأرض.

روى البخاري عن عمران بن الحصين رضى الله عنهما قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعقلت ناقتي بالباب، فأتاه ناس من بنى تميم فقال:" اقبلوا البشرى يا بني تميم" قالوا: بشرتنا فاعطنا مرتين). ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن فقال:" اقبلوا البشرى يأهل اليمن إن لم يقبلها بنو تميم" قالوا: قد قبلنا يارسول الله. قالوا: جئنا نسألك عن هذا الأمر. قال" كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض" فنادى مناد: ذهبت ناقتك يا بن الحصين. فانطلقت فإذا هي يقطع من دونها السراب. فوالله لوددت أنى كنت تركتها.
يروى البخاري، وهو أوثق جامع لأحاديث الرسول الصحيحة، هذا الحديث الذي مع عمران بن الحصين أحد صحابة النبي صلى الله عليه وسلم بأنه دخل عليه ذات يوم بعدما ربط ناقته أمام الباب، وبينما هو جالس إذ جاء ناس من بنى تميم عندما بدأ رسول الله يحدث الحاضرين عن بدء الخلق والعرش فقال لوفد بنى تميم" اقبلوا البشرى" أي اقبلوا منى ما يقتضي لو عملتم به أن تنالوا الجنة. ويبدو أن الوفد لم يبد اهتماما بهذا الأمر، على الرغم من جلالته، مما غير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم أسفا عليهم لإيثارهم الدنيا فلما جاء أهل اليمن، قال لهم مثل قوله لوفد بنى تميم، فقبلوا البشرى وأظهروا اهتمامهم بالأمر، بل إنهم صرحوا له أنهم جاءوا من بلادهم ليتعلموا العلم وخاصة السؤال عن امر الخلق والعرش الذي توافق أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحدث فيه. فقالوا: قد قبلنا وقد جئناك نسألك عن هذا الأمر، أي الذي تتحدث فيه الآن. فقالصلى الله عليه وسلم:
" كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض" عند هذا الحد سمع عمران بن الحصين - راوي الحديث - مناديا ينادى من الخارج: ذهبت ناقتك يا بن الحصين فانطلق عمران ليدرك ناقته التي تفلتت وشردت بعيدا كبعد السراب لمن يراه. ولما عاد عمران مرة أخرى إلى مجلسه، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنتهي من حديثه فندم عمران على قيامه وقال: فوالله لوددت أنى كنت تركتها. أي ذهبت ولم أقم. تأسفا على ما فاته من العلم في هذا الأمر الذي في سبيله قدم وفد اليمن من بلادهم إلى المدينة ليسألوا عن بدء الخلق، والعرش، وما شابه ذلك.
إلى هذا الحد بلغ الحرص بهؤلاء أن يقطع قوم شهراً ذهابا ومثله إيابا من اليمن إلى المدينة ليسألوا في هذا الأمر. وإلى أن يتمنى الرجل أن يفقد ناقته وهي من كرائم أموالهم في مقابل ألا يفوته هذا الباب من العلم. وقد تكرر شرح هذا الأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أكثر من مرة، لتشوق الناس إلى معرفته ولأداء المهمة المنيطة به. وقد بلغ من عظم الأمر، ولــرغبة الناس في المعرفة أنه صلى الله عليه وسلم خطبهم يوما كاملا لا يقطعه إلا الصلاة فحدثهم عن كل شيء متعلق بأمور الخلق.
روى مسلم وأحمد عن أبى زيد الأنصاري قال:" صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ثم صعد على المنبر فخطبنا حتى حضرت صلاة الظهر، ثم نزل فصلى صلاة الظهر، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت صلاة العصر، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غابت الشمس، فحدثنا بما كان وما هو كائن، فأعلمنا احفظنا".
وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال:" قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة، وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظ ونسيه من نسيه" رواه البخاري.
وعن أبى ذر رضى الله عنه قال:" توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يطير بجناحيه إلا أذكرنا منه علماً" رواه البخاري.
إن هذه الآثار تخبرنا أن الله صلى الله عليه وسلم أخبر الصحابة بكل شيء في الكون منذ بدء الخلق حتى دخول الجنة أو دخول النار. واستفاضة الأحاديث تدلنا على أن هذا الإخبار تم في أكثر من مرة وأكثر من مناسبة، منها مرة خطبهم يوما كاملا فحدثهم عن كل شيء. ونقل الصحابة للتابعين ما حفظوه، ونقلوه جيلا بعد جيل، وأثبتوا ما علموه في الكتب والمصنفات. وهذه الأحاديث ما هي إلا شرحا وتبياناً لآيات القرآن الكريم. وأصبح لدى المسلمين ذخيرة كبيرة من العلوم والمعارف عن الكون وما فيه. فلماذا إذن نستورد علوم الكون من الكافرين؟
إن نظرة في بضع ورقات من أي كتاب لعالم من علماء الإسلام في قرونه الأولى تعطى علماً لا يبلغ بكل رحلات الفضاء.
ولقد شجعت الآيات المستفيضة المؤمنين والكافرين على السواء أن ينظروا في السماء، ويسيروا في الأرض ويتفكروا في أنفسهم ليعلموا أن الله هو الحق المبين، وأن هذا الخلق خلقه، وأن كل شيء يأتمر بأمره، وأنه على كل شيء قدير وأن كل ما في الكون يشهد بذلك.
كان المسلمون الأوائل يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم أسئلة عن السموات والأرض، وعن بدء الخلق. غير أن المسلمين اليوم أحجموا أن يسألوا مثل هذه الأسئلة من ضمن الكم لهائل من المسائل التي يستفتون فيها، إنهم لا يقربون بفكرهم ولا أسئلتهم إلى هذه المنطقة (بدء الخلق) و(أول الأمر) و(السموات والأرض) و(العرش) وليس ذلك لأن السؤال فيها محرم بل عكس ذلك هو الصحيح، ولكن منعهم من ذلك الآن أمران:
الأول: أن علماء الفلك - مسلمين وغيرهم - صوروا للناس كوناً لا نهائياً وفضاء ما بعده فضاء وأن التفكير في أجرام السماء ضرب من الخبل والجنون فأين تذهب في هذه البلايين  المبلينة التي يلقى بها المتخصصون في علم الفلك والمحتكرون لعلم السماء من أحجام، وأبعاد وأعداد للأجرام السماوية. وهذه البلايين لا يغرمها أحد ولا يحاسب عليها أحد، وإنما هي تلقى جزافاً، الغرض منها عندما تسمعها تربأ بعقلك عن الخوض فيها. استطاع التجريبيون أن يبلغوا بالناس عموما والمؤمنين منهم خصوصاً أن ينزهوا عقولهم من الغياب في متاهات الفضاء، ولوجه الله نقول أن علماء المسلمين شاركوا في هذا الإثم بتعطيلهم أعظم عبادة للإنسان وهي التفكر في آيات الله والنظر في السماء، ونسخوا العمل بكل الآيات المتعلقة بهذا الأمر كقوله تعــالى:
(1)  إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهَار لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(آل عمران).
(2)أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شـــَيْ
(الأعراف 185)
(3) قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ
(4) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (ق:6)
(5) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَل اَلشَّمْسَ سِرَاجًا(نوح).
(6) أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ ُفِعَتْ(الغاشية).
(7) إن فِي السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ(الجاثية:3).
هل يزعم أحد أن هذه العبادة تمارس الآن من قبل المؤمنين، وهل يزعم أحد أن كتب الفلك تقرأ من غير المتخصصين.
إن صفحة السماء أصبحت بعد عصر النهضة تيه لا يدركه العقل ولا يطيق النظر فيه. فضلا عن التـأمل. وقد نصحت من بعض الناصحين بعدم قراءة كتب الفلك حفاظاً على عقلي، وأشفق البعض على حالي لأنني بالتطلع في السماء، أسافر إلى المجهول، وأحلق في اللامحدود. والبلايين المبلينة تحاصرني من كل مكان.
لقد كانت السماء فيما سبق متعة للناظرين، وواحة للحائرين، ومرشداً للتائهين، وهداية للمصلين، ومحرابا للضالين وعلما للسائلين، وملتقىً للعاشقين، وإلهاما للحالمين، وشغلا للمهمومين، وقسماً للحالفين، ومقياساً للمحبين، وملهىً للساهرين وملجأ للمكروبين، وقبلة للمؤمنين وأنيسا للمسافرين، وزينة للناظرين، وساحة للمسبحين، ورجما للشياطين.
كان ذلك قديماً..
أما الآن فأصبحت السماء مستعمرة للروس والأمريكيين. ومن ثم منع عنها من ذكرنا من السابقين، واستثنوا فئة واحدة هم السادة الفضائيين، وبذلك أغلقت أبواب السماء تقريبا إلى يوم الدين. ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.
الأمر الثاني: الـذي منع الناس من النظر في ملكوت السموات والأرض انهم شغلوا بزينة الأرض، التي أصبحت من الكثرة والافتتان، والسحر والاستحواذ درجه يستخسرون فيها رفع رؤسهم إلى السماء ولو للحظه.
لقد كان السابقون الأولون للإسلام شغوفين بمعرفة الأشياء التي تقشعر أبداننا لمجرد التفكير فيها، وما أوصلنا إلى ذلك إلا التجريبيون واتباعهم من علماء المسلمين الذين باعدوا بيننا وبين هذه الأشياء بملايين السنين الضوئية لا بل باعدوا بيننا وبين أقرب النجوم إلينا، فهل يعقل أن نسأل فيما هو أبعد من ذلك؟
لذلك كان الأعراب من المسلمين الأوائل أعلم بعلوم الكون من جاليليو ونيوتن وأينشتاين فما بالنا بالصحابة؟
يقول مسروق (أحد تلاميذ ابن عباس) ما سئل أصحاب محمد عن شيء إلا وعلمه في القرآن ولكن علمنا قصر عنه.
هكذا كانت معرفة الصحابة والسلف بعلوم الكون، وكانوا يتحدثون فيها لمن بعدهم، وتناقلتها الأجيال جيلا بعد جيل. حتى انتهي الحديث في هذا العلم الآن واصبح حكرا على المتخصصين الغربيين، ولم يعد بيننا من يسأل عن هذه الأمور ولا يمكن أن يسمع شيء من ذلك في وسائل الإعلام بل ولا حتى الكتب الدينية التي اقتصرت الآن على الحديث في السحر والحسد والجن والقبر والدجال والموت إلى آخر هذه الأمور، ولو ذكر شيء من علوم الكون فإنما يذكر أقوال التجريبيين فيها والمخالفة جميعها للحق.
أما أن يذكر الآن شيء عن بدء الخلق برؤية دينية، أو يذكر شيء عن السموات أو العرش أو الكرسي، أو الاستواء أو شيء من هذه الأمور التي كان الأولون على استعداد للتضحية بنفيس أموالهم في سبيل معرفتها. فهذا لا يكون.
ومنذ عصر النهضة حتى الآن لم يكتب في هذه الأمور كتابا، ولم تقال مقالة، ولم يذكر حديث، مما يعد الآن فرضا على المؤمنين أن يقوم منهم من يذكر الناس بهذا العلم قبل أن يندثر، وهو من أهم أمور العقيدة، رغم عدم حرص الناس على هذه العلوم وزهدهم الشديد في إدراكها.
ونظرا لهذا الفرض ولخطورة الأمر فأننا سنذكر في بحثنا هذا، حقيقة هذه العلوم الكونية التي تخالف تماما النظريات الموجودة الآن في كتب أهل الأرض والتي هم على قناعة كاملة بها لأنها من الغرب المتقدم.
وما سنطرحه بين يدي المسلمين هي الرؤية الدينية للعلوم الكونية التي وردت في القرآن والسنة ولذلك فسنعتمد بإذن الله على هذين المصدرين وعلى إجماع علماء المسلمين قبل عصر الإلحاد أو ما تسمونه أنتم بعصر النهضة. والكتب المقدسة عند أهل الكتاب ، والله يهدى إلى الحق وإلي سواء السبيل.
* * * * *
العــــــرش
عندما سئل صلى الله عليه وسلم، أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ وفي حديث آخر بصيغة أخرى: قبل أن يخلق خلقه؟ قال:" كان في عماء ما فوقه هواء، وما تحته هواء ثم خلق عرشه على الماء".
روى ذلك أحمد بن حنبل، وابن ماجه، وأخرجه الترمذي وقال حديث حسن ومعنى الهواء هنا: الفراغ والفضاء والخواء.
وجمهور العلماء على أن العرش هو أول مخلوقات الله، لهذا الحديث ولما رواه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال" كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وكان عرشه على الماء". وفي حديث البخاري المذكور آنفا عن عمران، ترتيب المخلوقات" كان عرشــه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض". أما ابن جرير فقد حكى عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بعضهم قال" إن الله كان عرشه على الماء ولم يخلق شيء قبل الماء".
قدر العرش
لا يقدر قدره إلا الله، وقد وردت آيات وأحاديث وأقوال للصحابة تصف عظمة العرش، وقد وردت (5) آيات تصف العرش منها (3) آيات تصفه بالعظمة رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (النمل:26) وآية واحدة هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (المؤمنون:116) وآية أخرى ذو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (البروج:15). وقال تعالى عن كرسيه وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضَ (البقرة:255) وقال أبو ذر عن العرش:" ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض" أي أن هذا الكرسي الذي يسع السموات والأرض نسبته إلى العرش كنسبة الحلقة الحديد في وسط أرض فضاء.
ووصف العرش بالعظمة لأنه أعظم المخلوقات.
زنة العرش
ثبت في صحيح مسلم عن (جويرية بنت الحارث): أنالنبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وكانت تسبح بالحصى من صلاة الصبح إلى وقت الضحى فقال:" لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلتيه لوزنتهم:
سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله رضى نفسه، سبحان الله مداد كلماته". وهنا يبين أن زنة العرش أثقل الأوزان.
حملة العرش
ذكر الغزالي في مكاشفة القلوب: عن ابن عباس: أن الله تعالى لما خلق حملة العرش قال لهم" احملوا عرشي" فلم يطيقوا. فخلق لكل واحد منهم مثل قوة من في السموات السبع من الملائكة فقال:" احملوا عرشي" فلم يطيقوا. فخلق لكل واحد منهم مثل قوة ما خلق في السموات من ملائكة ومن في الأرض من الخلق، وقال:" احملوا عرشي" فلم يطيقوا. فقال:" قولوا لا حول ولا قوة إلا بالله" فلما قالوها، حملوه فنفذت أقدامهم في الأرض السابعة على متن الريح فلما لم تستقر أقدامهم على شيء تمسكوا بالعرش، ولم يفتروا عن قولهم:" لا حول ولا قوة إلا بالله" خيفة أن ينقلب أحدهم، فلا يعرف أين يهوى فهم حاملون العرش، وهو حاملهم، والكل محمول بالقدرة.
يقول تعالى: الَذين يَحْمـِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ (غافر:7) فأثبت للعرش حملة. وفي سورة الحاقة أثبت عددهم وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (الحاقة:17).
قال شهر بن حوشب: أربعة منهم يقولون" سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك". وأربعة يقولون:" سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك".
وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله أنالنبي صلى الله عليه وسلم قال:" أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله عز وجل من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام".
وفي رواية أخرى له، ولأبى حاتم قال" مخفق الطير سبعمائة عام".

صفة العرش
قـال البيهقي في (الأسماء والصفات): اتفقت الأقاويل على أن العرش هو سرير الملك. وأنه جسم خلقه الله. وأمر ملائكته بحمله، وتعبدهم بتعظيمه والطواف به. كما خلق في الأرض بيتاً وأمر بنى آدم بالطواف به. واستقباله في الصلاة.
وقال قتادة وغير واحد من العلماء:" إن العرش من ياقوتة حمراء" وقال ابن حجر شارح صحيح البخاري:" إن العرش خلق مخلوق تحمله الملائكة فلا يستحيل أن يماسوا العرش إذا حملوه، وإن كان حامل العرش وحامل حملته هو: الله".
العرش مقبب
روى أبو داود عن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال:
أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال: يارسول لله، جهدت الأنفس، وجاعت العيال ونهكـــت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسق الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ويحك أتدرى ما تقول" وسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فمازال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه. ثم قال:" ويحك أتدرى ما الله؟ إن عرشه على سمواته لهكذا" وقال بأصابعه مثل القبة عليه" وأنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب" قال أبو داود والحديث صحيح.
وقال ابن بشار:" إن الله فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته، وسماواته فوق أرضه".
وفي حديث آخر:" إن أهـل الفردوس يسمعون أطيط العرش وهو تسبيحه وتعظيمه" وما ذاك إلا لقربهم منه.
فالعرش كالقبة على العالم وهو سقف المخلوقات. ثبت في صحيح البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:" إذا سألتم الله الجنة، فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة وفوقه عرش الرحمن".
قال ابن مسعود:" إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور العرش من نور وجهه" وقد كان من دعاءالنبي:" أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات".
قال ابن تيمية:" والعـرش مقبب، وأنه أوسط الجنة وأعلاها هو الفردوس وإن فوقه عرش الرحمن. والأوسط لا يكون الأعلى إلا في المستدير. وهو كالقبة، مثل أن وجه الأرض فوق النصف الأعلى من الأرض، وإن لم يكن محيطا بذلك".
وقال ابن كثير في تفسيره:" العرش مقبب كما روى في السنن ولم يثبت أنه مستدير، كما أن له قوائم، كما جاء في صحيح البخاري ومسلم عن أبى سعيد قال جاء رجل من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد لطم وجهه فقال: يا محمد إن رجلا من أصحابك لطم وجهي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم" ادعوه" فدعوه. فقال:" لم لطمت وجهه؟" قال: يا رسول الله إني مررت بالسوق وهو يقول: والذي اصطفي موسى على البشر. فقلت: يا خبيث وعلى محمد؟ فأخذتني غضبه فلطمته. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" لا تخيروا بين الأ:اء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا بموسى، آخذ بقائمة من قوائم العرش. فلا أدرى أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور".
مسافة العرش
ذكر ابن كثير، وغير واحد من المفسرين في قوله تعالى تَعرُجُ الملائكة وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ( المعارج:4) قالوا: أنه بُعد ما بين العرش إلى الأرض مسيرة خمسين ألف سنة. واتساعه خمسون ألف سنة.
عندما اهتز العرش
اتفق المسلمون على ما وردهم من العلم أن العرش هو أعظم المخلوقات وأثقلها وأنه سقف المخلوقات، وعلى عظمته هذه وثقله ومكانته فإنه اهتز مرة لموت أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه (سعد بن معاذ) الذي مات بعد غزوة الأحزاب على أثر جرح أصيب به في هذه الغزوة وقد كان هذا الشاب ذو مكانة عند الله ورسوله وكان له كبير فضل على دعوة الإسلام. وهو الذي نزل المهاجرون من مكة في حماه وفي ضيافته بالمدينة. ورغم أن الله كان من شدة حبه له يطببه بنفسه في مسجده إلا أنه في الليل نزل جبريل عليه السلام وسأل محمداً عليه الصلاة والسلام:" من رجل من أمتك مات هذه الليلة استبشر بموته أهل السماء؟" ولم يدر  إلا ومنادٍ ينادى:" ألا إن سعدا قد مات".
وسجلت كتب الأحاديث هذا الحدث الجلل، عندما قال  للناس:" لقد اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ". وعندما شعر المشيعون بخفة جنازته أخبرهم  بما رواه عنه الترمذي" إن الملائكة كانت تحمله".
أما كيفية هذا الاهتزاز.. فلا يعلمه إلا الله تعالى.
أمور متعلقة بالعرش
يقول تعالى وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء (هود:7) قال ابن عباس إنما سمى العرش عرشاً لارتفاعه. ولما سئل على أي شيء كان الماء؟ قال: على متن الريح.
وفي الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله".
وروى البخاري عن أبى هريرة رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قــال:" لما قضى الله الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبى".
أدعية بذكر العرش
في سنن أبى داود والترمذي بإسناد صحيح عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من عاد (زار) مريضا لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرات:" أسأل الله العظيم.. رب العرش العظيم.. أن يشفيك" إلا عافاه الله سبحانه وتعالى من ذلك المرض".
وعن أبى الدرداء رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من قال في كل يوم حين يصبح وحين يمسي: حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات كفاه الله تعالى ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة" رواه مسلم.
وفي كتاب ابن السني عن طلق بن حبيب قال: جاء رجل إلى أبى الدرداء فقال: يا أبا الدرداء قد احترق بيتك فقال ما احترق. ما كان الله ليفعل ذلك بكلمات سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم من قالها أول نهاره لم تصبه مصيبة حتى يمسي، ومن قالها آخر النهار لم تصبه مصيبة حتى يصبح:" اللهم أنت ربى لا إله إلا أنت، عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم. ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. أعلم أن الله على كل شيء قدير. وأن الله قد أحاط بكل شيء علما. اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر كل دابة أنت أخذ بناصيتها. إن ربى على صراط مستقيم" وقد قلتها اليوم. ثم قال: انهضوا بنا. فقام وقاموا معه فانتهوا إلى داره وقد احترق ما حولها ولم يُصيبها شيء.
الكرسي
إن أعظم آيه في القرآن هي آية الكرسي، ويعلم المسلمون ذلك مما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بل إن من الصحابة من استشعر بقيمة هذه الآية قبل أن يخبر بذلك. فقد أخرج أحمد ومسلم عن أبى ابن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم سألـه:" أيُ آي الله أعظم؟" فقال أبى: آية الكرسي. قال" ليهنك العلم أبا المنذر".
وأخرج سعيد ابن منصور، والحاكم والبيهقي في الشعب عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" سورة البقرة فيها سيدة آي القرآن، لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج". كما ورد أن في هذه الآية اسم الله الأعظم. وقد تواتر المسلمون على قراءتها دبر كل صلاة لما علموا ما فيها من الفضل.
والآية هي رقم 255 من سورة البقرة اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَــوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ.
هذا الكرسي الذي وسع السموات والأرض والذي قال عنه ابن عباس فيما رواه عنه ابن جرير وابن أبى حاتم:
" لو أن السموات السبع والأرضون السبع بسطن ثم وصلن بعضهن ببعض ما كان في سعة الكرسي، إلا بمنزلة الحلقة في مفازة" والمفازة: الأرض الوعرة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن جريرح:" ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس".
والذي سمع أبو ذر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول:
"ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض".
هـذا الكرسي بهذه العظمة ما هو إلا موضع قدميه عز وجل: فقد أخرج الدارقطني في الصفات، والخطيب في تاريخه، والـحاكم وصححه أن رسـول الله صلى الله عليه وسلم سئل عـن قـول الله: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ قال:" كرسيه موضع قدمه. والعرش لا يقدره إلا الله عز وجل".
وقال السدي عن أبى مالك: الكرسي تحت العرش، والسموات السبع والأرض في جوف الكرسي. والكرسي بين يدي العرش.
وقال ابن كثير: قال غير واحد من السلف: الكرسي بين يدي العرش كالمرقاة إليه.
وقد روى ابن ماجة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في معناه.
وفي مكاشفة القلوب للغزالي قـال: روى عن على كرم الله وجهه: أن الكرسي لؤلؤة. وروى عن مكرمة قال: نور الشمس جزء من سبعين جزء من نور الكرسي، ونور الكرسي جزء من سبعين جزء من نور العرش، ونور العرش جزء من سبعين جزء من نور الحجب.
القلم واللوح
روى أحمد وأبو داود والترمذي عن عبادة بن الصامت رضى الله عنه قال: قال رســول الله: صلى الله عليه وسلم" إن أول ما خلق الله: القلم، ثم قال لـه: } أكتب { فجرى القلم في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة".
وذهب جمهور العلماء على أن المقصود بقوله :" إن أول ما خلق الله القلم" على أنه أول المخلوقات من هذا العالم، أي لما يخص خلقه فقد خلق قبل السموات والأرض والملائكة وسائر مخلوقاته عز وجل.
قال السيوطي بسند جيد عن عباس أنه قال:" خلق اللوح المحفوظ كمسيرة مائة عام فقال للقلم قبل أن يخلق الخلق: } أكتب علمي في خلقي{، فجري بما هو كائن إلى يوم القيامة".
إذن فقد خلق اللوح بعد القلم.
ذكر اللوح المحفوظ في القرآن مرة واحدة كان ذلك في سورة (البروج) والبروج معناها واضح من مبناها فهي قصور مشيدة في السماء الدنيا لتحفظها، مما يوحي بأن اللوح فعلا محفوظ من أن يطلع عليه أي شيطان مارد.
بل أخبر  أن اللوح عند الله فوق العرش. فلا يعلم ما فيه سواه تعالى. والأحاديث تخبر بأن الكتابة في اللوح تمت فور خلقه وخلق القلم، وأنها تمت قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ويعنى هذا أن القلم واللوح خلقا قبل خلق السموات والأرض وسائر المخلوقات بخمسين ألف سنة وجف القلم بما هو مكتوب فلا يزاد على ذلك ولا ينقص، ولكن ينقل منه ما سيجرى في الخلـق أولاً بأول.

أسماء وصفات اللوح
ذكر بالقرآن الكريم للوح المحفوظ سبعة أسماء له، هي في نفس الوقت صفاته وهي: (الكتاب - أم الكتاب - كتاب مكنون - كتاب مسطور - كتاب حفيظ - كتاب مبين - إمام مبين).
وقد وردت في قوله تعالى:
(1) إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ (التوبة:36)
(2) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (الزخرف:4)
(3) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (الواقعة)
(4) وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ ( الطور)
(5) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ( ق:4)
(6) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ  (النمل:75)
(7) وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (يس:12).
وقد ورد ذكر الكتاب في القرآن 230 مرة منها 24 مرة عن اللوح المحفوظ.
المكتوب في اللوح
لدينا عدة آيات، وعدة أحاديث توضح ما هو المكتوب في هذا اللوح أو (الكتاب).
فمن قراءة الآيات الأربعة والعشرين التي وردت عن اللوح المحفوظ نجد أنه قد سجل فيه كل شيء، ولتفصيل أدق نستعرض بعض الآيات: يقول تعالى:
وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (الأنعام:59).
تخبرنا هذه الآية أنه سبحانه وتعالى عنده مخازن الغيب، والمفاتيح التي تفتح بها لا يعلمها إلا هو، وأنه لا علم لأحد من خلقه بشيء من الأمور الغيبية التي استأثر الله بعلمها وفي هذا ما يدفع أباطيل الكهان والمنجمين والرمليين والعرافين وقراء الأبراج والحظ والكف والفنجان وغيرهم مما ليس من شأنهم ولا يدخل في قدرتهم ولا يحيط به علمهم. وقد قال " من أتى كاهنا أو منجماً فقد كفر بما أنزل على محمد".
وهو سبحانه يعلم ما في البر والبحر من حيوان وطير وحشرات وأسماك وجماد علم لا يخفي عليه منهم شيئا ً مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا أي: من ورقة شجر إلا يعلم بزمن سقوطها ومكانها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ  أي باطنها أو الأمكنة المظلمة منها إلا يعلمها سبحانه وتعالى  وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ ويشمل هذا الوصف جميع الموجودات.
قال عبد الله بن الحارث: ما في الأرض من شجرة ولا مغرز إبرة إلا وعليها ملك يأتي الله بعلم رطوبتها إذا رطبت ويبوستها إذا يبست.
فلو ابتل جزء مـن الأرض حتى لو مغرز إبرة ثم جف لأخبر الملك ربه إذا ابتل وإذا يبس. وفي هذه الآية يخبر عز وجل بنى آدم أنه يعلم كل الكائنات فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ويعلم كـل الحركات وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ ويعلم كل الجمادات وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ  وكل النباتات وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ  وكل ذلك مدون فِي كِتَابٍ مُبِينٍ.
ويقول تعالى: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (يونس:61).
وإذا كانت الآية الأولى تصف علم الله في الكائنات فهذه الآية تصف علم الله فيما تعمله الكائنات من الأعمال والعبادات..
فيخبر تعالى رسوله أنه يعلم بكل عمل يقوم به هو أو أمته مهما كان صغر هذا العمل أو دقته وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ أي في أمر من الأمور وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وبدأ بأعظم الشئون وهو تلاوة القرآن وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ أياً ما كان ومهما كان إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا أي شهودا عليكم وعلى أعمالكم إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ إذ شرع فيه وعمل وَمَا يَعْزُبُ عَن رَبِّكَ مـا يغيب عنه أو يبعد مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ أي وزن ذرة وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ والذرة هي أصغر الأوزان. ومع ذلك لو كان أصغر منها أو أكبر فكل ذلك معلوم ومسجل فِي كِتَابٍ مُبِينٍ  إذن فكل الأعمال مهما صغرت مدونة في هذا الكتاب.
وَمـَا مـِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (هود:6) أي ما من حيوان يدب على الأرض إلا وقد أوجب الله على نفسه أن يرزقه ويأتيه رزقه في أي مـكان في طين الأرض أو في صخر الجبال أو في مياه البحر أو في جو السماء، أو أي مكان يكـون فيه. ثم هو سبحانه وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا فمستقرها هو قرارها في الأصلاب أو الأرحام. ومستودعها أي الموضع الذي تموت فيه، وقيل مستقرها: منتهى ما تصل إليه في الأرض ومستودعها: وكرها وحيث تأوي.
وقد روى عن عبد الله بن مسعود أنه قال: مستقرها: في الأرحام ومستودعها: حيث تموت، ويؤكد هذا ما رواه الترمذي والحاكم وصححه وابن مردوية والبيهقي عن ابن مسعود عن النبي قال" إذا كان أجل أحدكم بأرض أتيحت له إليها حاجة، حتى إذا بلغ أقصى أثره منها فيقبض، فتقول الأرض يوم القيامة: هذا ما استودعتني".
إذن ففي الكتاب المبين مدون أرزاق الدواب أيا كانت وفي أي مكان كانت ومدون فيه أيضا أماكن بداياتها ونهاياتها.
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ (التوبة:36).
تبين هذه الآية أن الله عز وجل اثبت في اللوح المحفوظ قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة مقدار الزمان. وحدد السنة باثني عشر شهراً وأن ترتيب وأسماء هذه الأشهر في اللوح وأنه تعالى حدد منها أربعة أشهر حرم وهي: (ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب) وقوله تعالى ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ أي أن هذا هو الدين المستقيم، والحساب الصحيح، والعدد المستوفي. وقال تعالى تكملة لهذه الآية فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُم أي في هذه الأشهر الحرم بارتفاع القتال فيها والهتك لحرمتها. إذن فمقدار الزمان (السنة، والشهر، واليوم، والساعة، والدقيقة، والثانية) قد حدده الله تعالى وأثبته في اللوح المحفوظ وذلك قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.
مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (الحديد:22).
تبين هذه الآية أن ما يصاب به الناس من المصائب قد سبق بذلك قضاؤه وقدره وثبت جميع ذلك في أم الكتاب فقوله مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ من قحط مطر، وضعف نبات، ونقص ثمار. وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ بالأمراض والأسقام وضيق المعاش والهم والغم والحزن إِلا فِي كِتَابٍ إلا وهي ثابتة في اللوح المحفوظ وقوله مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا أي من قبل أن نوجد المصيبة والأنفس والأرض كلها بخمسين ألف سنة إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ وإثبات ذلك، والعلم به على كثرة أمره يسير على الله غير عسير. إذن كل مصائب الأرض وابتلاءات الأنفس لكل الخلق مثبته في اللوح المحفوظ.
قال تعالى: قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى (51) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى (52) (طه).
عندما أخبر موسى عليه السلام فرعون بأن ربه هو الذي أرسله، وهو الذي خلقه ورزقه وقدر فهدى ودعاه للإيمان، شرع فرعون يحتج بالقرون الأولى أي الذين لم يعبدوا الله فقال فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى أي ما بالها وهي لم تقر بالرب الذي تدعو إليه يا موسى، بل عبدت الأوثان ونحوها من المخلوقات فأجابه موسى قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي أي إن علم هؤلاء الذين عبدوا الأوثان ونحوها محفوظ عند الله في كتابه سيجازيهم عليها فهي مثبته في اللوح المحفوظ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى أي لا يشذ ولا يغيب عنه شيء ولا يفوته صغير ولا كبير ولا ينسى شيئا، فعلمه تعالى بكل شيء محيط، تبارك وتقدس.
إذن ففي اللــوح المحفوظ كل أحداث التاريخ وكل ما فعلته القرون التي عاشت على الأرض، وقد أخبــر تعالى في القرآن بما كان من قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع وما قبلهم وما بعدهم.
قال تعالى: وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ  (النمل:75) أي ما من شيء مخفي عن خلقه وغائب عنهم فهو مبين في اللوح المحفوظ.
وقال تعالى: قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ  (ق:6) أي ما تأكله الأرض تذيبه فيها من أجسادهم فإن ذلك لا يغيب عن الله فلو غابت أجساد الموتى في الأرض وبليت وذهبت في بقاع الأرض براً أو بحراً فإن علم ذلك مسجل في اللوح فإذا كانت الأرض تنقص فالكتاب يحفظ. أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (الحج:70). هذه الآية تجمل ما في اللوح، وهو علمه سبحانه وتعالى في السماء والأرض. وهذا أمر على الله يسير فهو الخالق، القادر، العليم. وهذه الآية تبينها وتفصلها الأحاديث.
فالأحاديث تبين أن المكتوب في اللوح هو علم الله في خلقه منذ خلقهم. بل قبل ذلك بخمسين ألف سنة. إلى يوم القيامة. وهـذا الأمر هو الذي يفسر لنا بسهولة مسألة القدر، والاختيار والجبر، وتجيب عن سؤال الناس الخالد إلى يوم القيامة: هل الإنسان مسير أم مخير؟
إذ أن الأخبار والآثار تقول بأن الله تعالى كتب علمه في خلقه. فما الإجبار في هذا؟ إنه تعالى كتب للناس ولم يكتب عليهم فالقلم أمر بأن يكتب علم الله في خلقه، وقضاؤه فيهم. فكل ما ستفعله الخلائق إلى قيام الساعة كتب، لعلم الله به. لأنه تعالى (بكل شيء عليم).
ونعلم أن هذا الكتاب ينسخ منه كل الكتب لذا سمى بأم الكتاب، فجميع الكتب المنزلة نسخت منه ونزلت بها الملائكة على الأنبياء.
وقد نزل القرآن بعد نسخه من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليلة القدر كذلك تخبرنا الأحاديث أن ثمة كتب أخرى نسخت من اللوح المحفوظ.
فهناك كتابان نسخا من اللوح المحفوظ. هذان الكتابان لم يكتب فيهما ما ستفعله الخلائق، بل أسمائهم فيشمل أحدهم على أسماء أهل الجنة كلهم. والثاني يشمل على أسماء أهل النار عن آخرهم.
وهؤلاء وأولئك لم يكتب الله تعالى عليهم مصائرهم ولكن كتب علمه فيهم. روى الترمذي في سننه عن عبد الله بن عمرو قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان، فقال:" أتدرون ما هذان الكتابان؟" فقلنا: لا يارسول الله إلا أن تخبرنا. فقال للذي في يده اليمنى" هذا كتاب رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل عن أخرهم، فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً" ثم قال للذي في شماله:" هذا كتاب رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل عن أخرهم، فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً" فقال أصحابه: ففيم العمل يا الله، إن كان أمر قد فرغ منه؟ قال:" سددوا وقاربوا (السداد: الصواب في القول والعمل والقصد فيهما) فإن أصحاب الجنة يختم لهم بعمل أهل الجنة وإن عملوا أي عمل. وإن أصحاب النار يختم لهم بعمل أهل النار وإن عملوا أي عمل". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وســلم بيديه فنبذهما ثم قال:" فرغ ربكم من العباد فريق في الجنة، وفريق في السعير". قال الترمذي: حديث حسن غريب صحيح. ولهذا الحديث شاهد هو حديث حذيفة عند البخاري في باب القدر.
وظاهر قوله: فنبذهما بعد قوله (في يده كتابان) أنهما كانا مرئيين لهم. والله أعلم فهذان الكتابان نسخا من اللوح المحفوظ الذي فيه كل شيء عن الخلائق، أعمالهم وأسمائهم.
كما شمل اللوح أيضا على كل كائن من خلق الله من قطر ونبات، أو نفس، أو رزق، أو أجل.
كذلك يشمل اللوح تصريف الله في خلقه من إحياء وإماتة وخلق ومغفرة للذنوب، وتفريج للكروب، ورفع لأقوام وخفض لآخرين، وإعزاز لأناس وإذلال لآخرين، كل ذلك ثابت في أم الكتاب فذلك تفسير قوله تعالى كلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (الرحمن:9) قال عبد الله ابن عباس: إن لله عز وجل في كل يوم ثلاثمائة وستون نظرة في هذا اللوح له في كل نظرة شأن، يخلق ويحيى ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء.
ومجمل القول في المكتوب في اللوح:
* كل أسماء الخلائق مدونه في الكتاب: أسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم.
** كل ما تفعله الخلائق منذ إيجادهم في الدنيا إلى دخولهم الجنة أو النار.
* * * كل ما يفعله الله تعالى فيهم من تصريف وتدبير إلى قيام الساعة، وهذا تفسير قوله تعالى قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا (التوبة:51) وقوله لَنَا وليس علينا أي ما كتب سيكون في صالح الخلائق لا ضدهم، لأنه تعالى كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمةَ (الأنعام:12) وهذه هي مشيئة الله تعالى في خلقه. وهو على كل شيء قدير. وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه تعالى علم ما كان وعلم ما يكون وعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون.
الإيمان بالقدر
الإيمان بالقدر - وهو علم الله المثبت في كتابه - واجب، ولا يكمل إيمان المؤمن إلا بالتسليم به. لكن لا يجب أن يحتج به أحد على ترك العمل وعلى مخالفة ما أمر الله، وإنما يحتج بالقدر على المصائب دون المعايب.
وقد روى مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز. وإن أصابك شيء فلا تقل لو أنى فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان".
قال ابن تيمية: ومما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها إيمانهم مع إيمانهم بالقضاء والقدر وأن الله خالق كل شيء وأنه ما لم يشأ لم يكن وأن الله يضل من شاء ويهدى من يشاء، أن العباد لهم مشيئة وقدرة، يفعلون بقدرتهم ومشيئتهم ما أقدرهم الله عليه مع قولهم: إن العباد لا يشاءون إلا أن يشاء الله وهذا القدر هو ما ينبغي أن يعلم ولا يجب الخوض أكثر من ذلك، ولا المجادلة فيه لأن العقل لا يطيق ذلك. ولأن الشيطان يفتح هنا باباً واسعاً ليدخل فيه، لذلك غضبالنبي غضباً شديداً عندما خرج على أصحابه يوماً وهم يتنازعون في القدر، حتى أحمر وجهه كأنما فقيء في وجنتيه الرمان فقال:" أبهذا أمرتم، أبهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم حينما تنازعوا في هذا الأمر عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه" من صحيح سنن الترمذى.
اللوح فوق العرش
روى البخاري عن أبى هريرة رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" لما قضى الله الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش، إن رحمتي غلبت غضبى".
ويستفاد من هذا الحديث أمران:
الأول: أن شعار هذا الكتاب" إن رحمتي غلبت غضبى". أي إن تعلق الرحمة غالب وسابق على تعلق الغضب، لأن الرحمة مقتضى ذاته المقدسة، وأما الغضب فإنه متوقف على سابقة عمل من العبد الحادث، كذلك تعنى الغلبة: الكثرة والشمول، وعلى ذلك استمرت أحوال الأمم بتقديم الرحمة في خلقهم بالتوسع عليهم في الرزق وغيره، ثم يقع بهم العذاب على كفرهم.
قال الطيبي: في سبق الرحمة إشارة إلى أن قسط الخلق منها أكثر من قسطهم من الغضب، وأنها تنالهم من غير استحقاق، وأن الغضب لا ينالهم إلا باستحقاق. فالرحمة تشمل الشخص جنينا ورضيعا وفطيما وناشئا، قبل أن يصدر منه شيء من الطاعة، ولا يلحقه الغضب إلا أن يصدر عنه من الذنوب ما يستحق معه ذلك.
الثاني: يستفاد من هذا الحديث: أن الكتاب" عنده فوق العرش" ولا محذور في ذلك كما قال ابن حجـر شارح صحيح البخاري أن يكون الكتاب فوق العرش لأن العرش خلق من خلق الله. وقال بعضهم إن اللوح عن يمين العرش وكون اللوح فوق العرش يقتضي انفراد الله سبحانه وتعالى بعلم ما فيه وأنه محفوظ من الشياطين أن تعلم ما فيه، أو حتى الملائكة فهي أيضا لا تعلم ما فيه إلا بالقدر الذي يعلمهم به الله ليسجلوا ما يستنسخونه منه.
قال بن عباس أن طول اللوح المحفوظ مابين السماء والأرض وأنه من درة بيضاء.
الرحمن على العرش استوى
لم يتناول التجريبيون في كتبهم أو نظرياتهم العرش بذكر أو إشارة، لأنهم لا يؤمنون به. أما المؤمنون به فإن معظمهم الآن لا يؤمنون باستواء الله علي العرش، ويقولون فيه بما لم يقل الله تعالى فيه عن نفسه، ولا قاله رسوله ولا علماء الأمة قبل عصر الإلحاد. بل ذهب كثير من علماء اليوم المتأثرين بهذا العصر إلى أن الله ليس على العرش، وليس هو في السماء ولا في أي مكان بل هو في كل مكان.
هذا الكلام الخطير، والذي يعتبر مرحلة بين الكفر والإيمان لأنهم يؤمنون بوجود العرش، ولا يؤمنون باستواء الله عليه، ويؤمنون بالله ولا يؤمنون بأنه في السماء بل بأنه في كل مكان، ويحل في كل شيء. وقد قال بهذا القول قديماً فئة سماها المسلمون (المعطلة، والمعتزلة، والجهمية)، أما الآن فيقول بهذا القول (التجريبيون) وبنفس أسلوب التبعية يقوله كثير من علماء المسلمين الآن.
وقد ذكرنا مقالة الدكتور (كلارنس إب:د) التي قال فيها عن الإله الذي يؤمن به وأنه ليس مستوٍ على عرشه كما تقول الكتب السماوية، إذ قال الرجل:" والحق أن التفكير السليم والاستدلال المستقيم يفرضان على عقولنا فكرة وجود الله ولكن هل لله وجود ذاتي كما يعتقد الكثيرون؟ أما وجهة نظر العلم فإنني لا أستطيع تصور الله تصورا ذاتيا، بحيث تستطيع أن تدركه الأبصار أو أن يحل في مكان دون آخر أو أن يجلس على كرسي أو عرش كما تصف لنا الكتب المقدسة الإله".
وكما تأثر علماء الإسلام بهؤلاء في علومهم تأثروا بهم في عقيدتهم. ونذكر هنا مقولة الشيخ (عبد الرازق نوفل) وهو يعبر عن كثير من علمائنا فيقول رحمه الله" من يدعو الله سبحانه وتعالى فيبسط يده بالدعاء ويرفع بصره إلى السماء فكأنه بذلك يحدد مكان الله في السماء - دون قصد يقينا - فالله سبحانه وتعالى في كل مكان".
(إن الله ليس في السماء بل هو في كل مكان وإٍنه تعالى ليس مستوٍ على العرش وإنما مستولٍ عليه) هذا ما يقول به أكثر المسلمين الآن. وهو كلام جد خطير، يقول الله أنه في السماء، ويقولون: ليس في السماء بل في كل مكان. والله يقول أنه (استوى على العرش) وهم يقولون لم يستو عليه بل استولى.
سنورد هنا رأي الإسلام في هذا الأمر الجلل والذي جهله الكثير من دعاة الإسلام ولخطورة الأمر فإننا سنستدل في قولنا على المصادر الثلاثة الأولى للأحكام الشرعية المتفق عليها وهي (الكتاب والسنة والإجماع). أما الجدال والتفلسف وأقوال المتكلمين وما شابه فلا تلزمنا بعد هذه الثلاثة ونطبق ما أمر الله به يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرسول وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَال: إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الأخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا (النساء:59).
الله في السماء
لقد أخبر خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم أن اليهود افترقت إلى واحد وسبعين فرقة والنصارى إلى اثنين وسبعين فرقة وأن أمته ستفترق إلي ثلاث وسبعين فرقة وأن كلها في النار إلا واحدة.
قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال:" مثل الذي عليه أنا وأصحابي".
وعن الذي كان عليه الله وأصحابه في هذا الأمر يحدثنا ابن تيمية رحمه الله في كتاب (الأسماء والصفات) والذي يرد فيه على الذين يعتقدون ويقولون: أن الله تعالى ليس في السماء وإنمـا هو في كل مكان قال رحمه الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" تركتكم على المحاجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. ما بعث الله رسولاً إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم".
وقال أبو ذر" قام فينا رسول الله مقاما فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه".
وقال أيضا" لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يطير بجناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما". يقول ابن تيمية: فكيف يكون هؤلاء المحجوبون، المنقوصون، المسبوقون، المفضولون، الحيارى، المتهوكون، أعلم بالله وأسمائه وصفاته وأحكم في باب ذاته وآياته من السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان من ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل وأعلام الهدى ومصابيح الدجى الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء، فضلا عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم وأحاطوا من حقائق المعارف، وبواطن الحقائق، بما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحيا من يطلب المقابلة.
وإذا كان كذلك فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من أولها إلى آخرها، ثم عامة الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة، مملوءة بما هو إما نص وإما ظاهر في أن الله سبحانه وتعالى هو العلي الأعلى وهو فوق كل شيء وهو على كل شيء، وأنه فوق العرش، وأنه فوق السماء. مثل:
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يرفعه (فاطر:10)
إِنى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إلىّ (آل عمران:55)
بلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ (النساء:158)
أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُور ُ(16) أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا (الملك)
تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ (المعارج:4)
يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ (السجدة:5)
يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (النحل:50)
سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (الأعلى:1)
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَاب َ(36) أَسْبَابَ
السَّمَــوَاتِ فَأَطَّلـِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لاَظُنُّهُ كَاذِبًا ( غافر ).
فقوله تعالى مخبراً عن فرعون دليل على أن موسى عليه السلام أخبر فرعون بأن إلهه في السماء، فأراد أن يلتمس الأسباب للوصول إليه تمويها على قومه، فأمر وزيره هامان أن يبن له الصرح، ثم عقب على ذلك بقوله وَإِنِّي لاَظُنُّهُ أي موسى كَاذِبًا فيما أخبر به من كون إلهه في السماء، فمن إذن أشبه بفرعون وأقرب إليه نسباً. إن فرعون كذب موسى في أن إلهه في السماء، وهو نفس ما يقوله هؤلاء (أي أنهم يؤيدون فرعون ويكذبون موسى) ثم الآيات التي تتحدث عن الكتب التي أنزلها الله على عباده وكذلك الآيات التي أنزلها عليهم لتدل على أن الله في السماء تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (فصلت:42) مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ (الأنعام:114) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ  (المائدة:115).
وفي الأحاديث الصحاح والحسان ما لا يحصى إلا بالكلفة مثل قصة معراجه  ونزول الملائكة من عند الله وصعودها إليه، وقوله في الملائكة الذين يتعاقبون فيكم بالليل والنهار:
" فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم".
وفي الصحيح من حديث الخوارج" ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساءً".
وأخرج ابن أبى شيبة وأحمد في الزهد وابن أبى حاتم عن أبى الصديق الناجي قال:" خرج سليمان بن داود يستسقي بالناس، فمر على نملة مستلقية على قفاها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن رزقك. فإما أن تسقينا وإما أن تهلكنا. فقال سليمان للناس: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم".
وفي حديث الـرقية" ربنا الذي في السماء، تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء، اجعل رحمتك في الأرض. اغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك، وشفاءً من شفائك على هذا الوجع". قال :" إذا اشتكى أحد منكم، أو اشتكى أخ له فليقل:" ربنا الذي في السماء".
وقوله في حديث قبض الروح" حتى يعرج بها إلى السماء التي فيها الله تعالى".
وقوله في الحديث الذي في المسند" إن الله حيىٌ كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا".
وقوله:" يمد يديه إلى السماء يقول:" يا رب، يا رب".
وفي حديثه  للجارية:" أين الله؟" قالت: في السماء.
قال:" فمن أنا؟" قالت: أنت رسول الله. قال:" اعتقها فإنها مؤمنة".
وقولة أمية بن أبى الصلت الثقفي الذي أنشد للنبي صلى الله عليه وسلم هو وغيره من شعره فاستحسنه وقال:" آمن شعره وكفر قلبه" حيث قال:
مجدوا الله فهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيرا
وقول عبد الله بن رواحة الذي أنشد للنبي صلى الله عليه وسلم وأقره عليه:
وإن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالـمين
إلى أمثال ذلك، مما لا يحصيه إلا الله، مما هو من أبلغ المتواترات اللفظية والمعنوية التي تورث علما يقينياً من أبلغ العلوم الضرورية، أن الرسول صلى الله عليه وسلم المبلغ عن الله، ألقى إلى أمته المدعوين: أن الله سبحانه على العرش وأنه فوق السماء. كما فطر الله على ذلك جميع الأمم، عربهم وعجمهم في الجاهلية والإسلام، إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته.
أقوال السلف في الاستواء
يقول ابن تيمية: وللسلف في ذلك من الأقوال لو جمع لبلغ المئين، أو الألوفا. ولم يقل واحد منهم قط أن الله ليس في السماء، ولا أنه ليس على العرش، ولا أنه بذاته في كل مكان. ولا أن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا أنه لا متصل ولا منفصل ولا أنه لا يجوز الإشارة إليه بالأصابع ونحوها، إشارة حسية. فإذا كان أصل هذه المقالة (أن الله في كل مكان) مأخوذ عن تلامذة المشركين والصابئين والفلاسفة، فكيف تطيب لنفس مؤمن - بل نفس عاقل - فضلا عن نفس عالم أن يأخذ سبيل المغضوب عليهم أو الضالين. ويدع سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين.
وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء لا في نفسه المقدسة، المذكورة بأسمائه وصفاتــه، ولا في أفعاله، فكما نتيقن بأن الله سبحانه له ذات حقيقة وله أفعال حقيقية، فكذلك له صفات حقيقية.
وهو ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في أفعاله، ولا في صفاته، وكل ما أوجب نقصاً أو حدوثاً فإن الله منزه عنه حقيقة، فإنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه.
فإن قال قائل: لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من العرش أو أصغر، أو مساويا، وكل ذلك من المحال، ونحو ذلك من الكلام.
والقول الفاصل ما هو عليه الأمة الوسط، من أن الله مستوٍ على عرشه استواءً يليق بجلاله، ويختص به، فكما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم. ونحو ذلك ورضى الله عن الإمام مالك ابن أنس حيث قال:" أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجلٍ تركنا ما جاء به جبريل عليه السلام إلى محمد  لجدل هؤلاء".
قال أبو حنيفة في رجل قال: لا أعرف ربى في السماء أم في الأرض: فقد كفر لأن الله يقول: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (طه:5) وعرشه فوق سبع سموات.
فهذا تصريح من أبى حنيفة بتكفير من أنكر أن الله في السماء. واحتج على ذلك بأن الله في أعلى عليين. وأنـه يدعي من أعلى لا من أسفل، وكل من هاتين الجملتين نظرية عقلية، فإن القلوب مفطورة على الإقرار بأن الله في العلو. قال يحيى بن معاذ الرازي:" إن الله على العرش، بائن من الخلق، وقد أحاط بكل شيء علما. وأحصى كل شيء عددا".
وقد أجمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش. وقال محمد بن إسحاق إمام الأئمة: " من لم يقل إن الله فوق سمواته على عرشه، بائن من خلقه، وجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه ثم ألقى على مزبلة لئلا يتأذى بريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة".
وروى الإمام أحمد عن مالك ابن أنس قال:" الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو من علمه مكان". وقال الشافعي: " خلافة أبى بكر الصديق حق قضاه الله في السماء. وجمع عليه قلــوب عباده".
وفي الصحيح عـن إنس بـن مالك قـال: كانت زينب تفتخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول:" زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سموات". هذا مثل قول الشافعي.
قال أبو عبد الله محمد بن عبد الله أبى زمنين من أئمة المالكية في كتابه (أصول السنة) قال: ومن قول أهل السنة أن الله عز وجل خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق. ثم استوى كيف شاء كما أخبر عـن نفسه في قوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى.
ومن قول أهل السنة أن الكرسي بين يدي العرش وأنه موضع القدمين. وذكر حديث أنس الذي فيه التجلي يوم الجمعة في الآخرة وفيه "إذا كان يوم الجمعة هبط من عليين على كرسيه. ثم يحف الكرسي الذي وسع السموات والأرض لموضع القدمين، ولا يعلم قدر العرش إلا الذي خلقه". وقال: ومن قول أهل السنة أن الله ينزل إلى السماء الدنيا ويؤمنون بذلك من غير أن يحدوا فيه حدا.
وقال: واعلم بأن أهل العلم بالله وبما جاءت به أنبياؤه ورسله، يرون الجهل بما لم يخبر به نفسه علما. والعجز عن ما لم يدع إليه إيمانا. وأنهم إنما ينتهون من وصفه بصفاته وأسمائه إلى حيث انتهي في كتابه على لسانه.
ودين الله تعالى بين الغالي فيه، والجافي والمقصر عنه.
فإذا قلنا يد وسمع وبصر وما أشبهها فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه، ولسنا نقول: أن معنى اليد القوة أو النعمة. ولا معنى السمع والبصر العلم، ولا نقول إنها جوارح، ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل، ونقول: إن القول إنما وجب بإثبات الصفات لأن التوقف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها. لأن الله ليس كمثله شيء.
(وكل ما خطر في بالك فالله غير ذلك).
وقال أبو نعيم الأصبهاني:" طريقتنا طريقة المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة. قال: فمما اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم في العرش واستواء الله يقولون بها ويثبتونها. من غير تكييف، ولا تمثيل ولا تشبيه. وأن الله بائن من خلقه، والخلـق بائنون منه.. لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم، وهو مستوٍ على عرشه في سمائه دون أرضه وخلقه".
وقـال الحافظ أبو نعيم في كتابه (محجة الواثقين): وأجمعوا أن الله فوق سمواته عالٍ على عرشه، مستوٍ عليه لا مستول عليه. وأنه سبحانه مستوٍ على عرشه بائن من خلقه والخلق منه بائنون، بلا حلول ولا ممازجة ولا اختلاط، ولا ملاصقة، لأنه الفرد البائن من الخلق، والواحد الغنى عن الخلق.
وأن الله عز وجل سميع، بصير، عليم، خبير، يتكلم، ويرضى، ويسخط، ويضحك، ويعجب، ويتجلى، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء بلا كيف ولا تشبيه، ولا تأويل، فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال وسائر الصفوة من العارفين على ذلك.
وقال الشيخ الأمام أبو محمد (عبد القادر بن صالح الجيلاني) - من أعلام الصوفية - في كتاب (الغنية):" ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، بل يقال: أنه في السماء على العرش وكونه على العرش، مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل، بلا كيف".
وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني (أشعري) : " فإن قال قائل: فهل تقولون أنه في كل مكان"؟
قيل له: معاذ الله، بل هو مستوٍ على عرشه، كما أخبر في كتابه. ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه، والحشوش، والمواضع التي يرغب عن ذكرها " .
قال محمد خليل هراس: ومن الخطأ القول أن مذهب السلف هو (التفويض): فإن السلف لم يكونوا يخوضون في علم المعنى، ولا كانوا يقرءون كلاماً لا يفهمون معناه، بل كانوا يفهمون معاني النصوص من الكتاب والسنة، ويثبتونها لله عز وجل، ثم يفوضون فيما وراء ذلك من كنه الصفات أو كيفتها كما قال مالك حين سئل عن كيفية استوائه على العرش:" الاستواء معلوم والكيف مجهول".
وعن قوله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ هذه الآية المحكمة من كتاب الله عز وجل هي دستور أهل السنة والجماعة في باب الصفات، فإن الله عز وجل قد جمع فيها بين النفي والإثبات، فنفي عن نفسه المثل وأثبت لنفسه سمعا وبصرا فدل على أن المذهب الحق، ليس هو نفي الصفات مطلقا كما هو شأن المعطلة ولا إثباتها مطلقاً كما شأن الممثلة، بل إثباتها بلا تمثل.
فأهل السنة والجماعة لا يقولون بأن الله تعالى في كل مكان بذاته، بل إنهم يعتقدون بأن الله تعالى: في السماء مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، بالكيفية التي يعلمها هو جل شأنه، كما قال مالك وغيره (الاستواء معلوم والكيف مجهول).
أما ما يشغب به أهل التعطيل من إيراد اللوازم الفاسدة على تقرير الاستواء فهي لا تلزمنا لأننا لا نقول بأن فوقيته على العرش كفوقية المخلوق على المخلوق.
أما ما يحاولون به صرف الآيات الصريحة عن ظواهرها بالتأويلات الفاسدة التي تدل على حيرتهم واضطرابهم، كتفسيرهم استوى بمعنى: استولى أو حملهم عَلَى وجعلها بمعني (إلى) واسْتَوَى بمعنى (قصد) إلى آخر تأويلاتهم، فكلها تشغيب بالباطل، وتغيير في وجه الحق، ولا ندرى ماذا يريد أولئك الذين يعطلون أسماء الله وصفاته. أيريدون أن يقولوا: ليس في السماء رب يقصد، ولا فوق العرش إلـه يعبد؟ فأين يكون إذن؟
ولعلهم يضحكون منا حين نسأل عنه بأين، ونسوا أن أكمل الخلق وأعلمهم بربهم صلوات الله وسلامه عليه قد سأل عنه الجارية: بأين الله. ورضى بجوابها حين قالت في السماء. وقد أجاب كذلك من سأله: بأين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض بأنه كان في عماء. ولم يرووا عنه بأنه زجر السائل، ولا قال له إنك غلطت في السؤال.
وقصارى ما يقوله المتحذلقون منهم عن الله: (كان ولا مكان قبل خلق المكان).
بل الحق أن يقال:" كان الله ولم يكن شيء قبله، ثم خلق السموات والأرض وكان عرشه على الماء، ثم استوى على العرش" وثم هنا للترتيب الزماني لا لمجرد العطف.
آيات الاستواء:
في سبع آيات لا غير في القرآن يذكر عز وجل أنه:
اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ
(1) إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ  (الأعراف:54)
(2) إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ
اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْر (يونس:3)
(3) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَــوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى
الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَر (الرعد:2)
(4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (طه:5)
(5) الَّذِي خَلَقَ السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى
عَلَى الْعَرْشِ (الفرقان:59)
(6) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ
اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ (السجدة:4)
(7) هوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ (الحديد:4).
من هذه الآيات السبع نرى أن الله تعالى ذكر الاستواء بعد خلق السموات والأرض حتى الآية (5) مـن سورة طـه سبقتها الآية (4) وفيها تَنزِيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَــوَاتِ الْعُلَى ثم الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى و(ثم) هنا كما هو معلوم للترتيب أي أن الاستواء تم بعد خلق السموات والأرض. وفي الأحاديث" كان الله ولم يكن شيء غيره. وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض".
فالعرش مخلوق قبل السموات والأرض، لكن الاستواء كما هو واضح من الآيات بعد خلق السموات والأرض.
وقد ورد بإنجيل متى (23/22) على لسان المسيح عليه السلام:" ومن حلف بالسماء فقد حلف بعرش الله وبالجالس عليه".
الرد على من تأول الاستواء
لم يظهر القول بأن الله تعالى في كل مكان في عصور السلف إلا من فرق سماها العلماء (المعطلة، والمعتزلة، والجهمية) وذلك بعد ترجمة كتب الفلاسفة، وكتب الصابئين والمشركين.
وقام أهل السنة والجماعة بالرد عليهم حتى انتهت الفتنة وأخمدت نيرانها. لكنهـا عادت وظهرت من جديد بعد عصر الإلحاد (عصر النهضة) وانتشر بين علماء المسلمين لا عوامهم أن الله تعالى في كل مكان، أما الاستواء فقد أولوه بالاستيلاء. واحتجوا بآيات (المعية) و(القرب) كقوله وهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم وكقوله لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا وكقولـه وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ وقوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ (الواقعة:85).
ورد ابن تيمية على هؤلاء في كتاب (الأسماء والصفات) وعلى حججهم فقال:" ليس في القرآن وصف الرب تعالى بالقرب من كل شيء أصلا. بل قربه الذي في القرآن خاص لا عام. كقوله تعالى وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ (البقرة:186) فهو سبحانه وتعالى قريب ممن دعاه.
وكذلك في الصحيحين عن أبى موسى الأشعري أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير، فقال:" يا أيها الناس، أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصما ولا غائباً إنما تدعون سميعا قريبا ".
إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته". فقوله" إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم" ولم يقل إنه قريب من كل موجود.
وكذلك قول صالح فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (هود:61) ومعلوم أن قَرِيبٌ مُجِيبٌ مقرونة بالتوبة والاستغفار. فأراد أنه قريب مجيب للتائبين إليه ولاستغفار المستغفرين. ومعلوم أنه لا يقال: مجيب لكل موجود، وإنما الإجابة لمن سأله ودعاه. وكذلك قربه سبحانه وتعالى.
وكذلك أسماء الله المطلقة كاسمه: السميع، البصير، الغفور، الشكور، المجيب، القريب، لا يجب أن تتعلق بكل موجود بل يتعلق كل اسم بما يناسبه، واسمه العليم، لما كان كل شيء يجب أن يكون معلوما، تعلق بكل شيء. وأما قوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ (الواقعة:85) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (ق:16). فالمراد به قرب ملائكته.
أما ألفاظ المعية كالتي في سورة المجادلة مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَة (7). وفي سورة الحديد هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
يقول ابن تيمية: قد ثبت عن السلف أنهم قالوا: هو معهم بعلمه. وهذا كما قال ابن عبد البر وغيره إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولم يخالفهم أحد يعتد بقوله: قال ابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن عباس وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ هو على العرش وعلمه معهم.
أما آيات القرب فإن سياق الآيتين يدل على أن المراد: الملائكة، فإنه قال: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (ق) فقيد القرب بهذا الزمان وهو زمان تلقى المتلقيين، قعيد عن يمين وقعيد عن شمال، وهما الملكان الحافظان اللذان يكتبان كما قال تعالى مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ومعلوم أنه لو كان المراد قرب ذات الرب لم يختص ذلك بهذه الحال. ولم يكن لذكر القعيدين والرقيب والعتيد معنى مناسب.
وكذلك قوله في الآية الأخرى فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تـَنظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ فلو أراد قـرب ذاته لم يخص ذلك بهذا الحال، ولا قال وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ وإنما هذا يقال إذا كان هناك من يجوز أن يبصر في بعض الأحوال، ولكن نحن لا نبصره. والرب تعالى لا يراه في هـذه الحالـة لا الملائكة ولا البشر. وأيضا فإنه تعالى قال وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ فأخبر عمن هو أقرب إلى المحتضر من الناس الذين عنده في هذه الحالة. وذات الرب سبحانه وتعالى إذا قيل: هي في مكان، أو قيل قريبة من كل موجود. لا يختص بهذا الزمان والمكان والأحوال. ولا يكون أقرب من شيء إلى شيء ولا يجوز أن يراد به قرب الله الخالص كما في قوله: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ فإن ذلك إنما قربه إلى من دعاه أو عبده، وهذا المحتضر قد يكون كافراً أو فاجراً أو مؤمناً ولهذا قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِم وغير ذلك من الآيات. ومما يدل على ذلك أنه ذكره بصيغة الجمع وكل ما جاء في القرآن بصيغة الجمع فإنما تدل على أن المراد أنه سبحانه يفعل ذلك بجنوده وأعوانه من الملائكة.
وكذلك قوله: وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ (ق:16) فإنه سبحانه يعلم ذلك وملائكته يعلمون ذلك. كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" إذا هم بسيئة لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة. وإن تركها لله كتبت حسنة". فالملك يعلم ما يهم به العبد من حسنه وسيئة، وليس ذلك من علمه بالغيب الذي اختص الله به.
وقد روى ابن عيينة أنهم يشمون رائحة طيبة فيعلمون أنه هم بحسنة. ويشمون رائحة خبيثة فيعلمون أنه هم بسيئة، وهم وإن شموا رائحة طيبة ورائحة خبيثة فعلمهم لا يفتقر إلى ذلك، بل ما في قلب ابن آدم يعلمونه، بل يبصرونه ويعلمون وسوسة نفسه، بل الشيطان يلتقم قلبه، فإذا ذكر الله خنس وإن غفل قلبه عن الذكر وسوس. ويعلم هل ذكر الله أم غفل عن ذكره. ويعلم ما تهواه نفسه من شهوات الغي فيزينها له وقرب الملائكة والشياطين من قلب ابن آدم تواترت به الآثار، سواء كان العبد مؤمناً أو كافراً. وأما أن تكون ذات الرب في قلب كل واحد كافراً أو مؤمناً فهذا باطل ولم يقله أحد من سلف الأمة، ولا نطق به كتاب ولا سنة. بل الكتاب والسنة والإجماع يناقض ذلك ". انتهى كلام ابن تيمية.
وهناك من يستدلون على أن الله تعالى في كل مكان بالآية وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (الزخرف:84). فإن أقوال المفسرين جميعا على أن معناه: أنه سبحانه معبود في السماء ومعبود في الأرض، أو مستحق للعبادة في السماء ومستحق لها في الأرض.
قتال قتادة: يعبد في السماء والأرض. قال أبو علي الفارسي: المعنى على الإخبار بألوهيته، لا علي كونه فيهما.
والاستواء مختص بالعرش باتفاق المسلمين مع أنه مستولٍ مقتدر على كل شيء من السماء والأرض وما بينهما. فلو كان استواؤه على العرش بمعنى استيلائه فهو تعالى قادر على السماء والأرض وما بينهما ولا يخص العرش.
ولفظ الاستواء الموجود بالكتاب والسنة وكلام العرب يمنع ذلك المعنى. قال ابن الأعرابي: إن العرب لا تعلم استوى بمعنى استولى ومن قال ذلك فقد أعظم واختصاصه تعالى بالاستواء على العرش يدل عليه قوله تعالى: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (البروج:15) فلم يقل (ذو الأرض) أو (ذو السماء). بل لم ينسب شيء لله تعالى بـ (ذو) إلا العرش، والمعارج التي هي مصاعد الملائكة إليه تعالى مِنْ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (المعارج:2).
العرش عظيم والله أعظم
روي عبد الرحمن بن منده عن عبد الله بن خليفة عن عمر عن النبيصلى الله عليه وسلم قال:" إن عرشه أو كرسيه وسع السموات والأرض وانه يجلس عليه فما يفضل منه قدر أربع أصابع" رواه ابن جرير الطبري في تفسيره، وغيره.
وهذا يدل علي عظمة الله عز وجل، وهو أعظم من العرش، فإن العرش علي هذه العظمة التي وصفت في الكتاب والسنة. فالرب مستوٍ عليه كله لا يفضل منه قدر أربع أصابع وهذه غاية ما يقدر به في المساحة من أعضاء الإنسان، فإن الناس إذا أرادوا نفي القليل والكثير قدروا به. كما يقول في النفي إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ (النساء:40) مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (فاطر:13) ونحو ذلك فبين الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لا يفضل من العرش شيء، ولا حتى هذا القدر اليسير، الذي هو أيسر ما يقدر به وهو أربعة أصابع.
والعرش على عظمته صغير في عظمة الله، فقد روى أبو حاتم في قوله: لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ (الأنعام:103) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" ولو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفا واحدا ما أحاطوا بالله أبدا".
ومعلوم أن العرش لا يبلغ ذلك فلـه حملة وله حول الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ (غافر:7). ليـس قولنا أن الله على العرش أي مماس له متمكن فيه أو متحيز في جهة من جهاته، بل خبر جاء به التوقف فقلنا له به، ونفينا عنه التكييف إذ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (الشورى:11).
خلق السموات والأرض
مضى خمسون ألف سنة منذ أن خلق الله القلم، واللوح، وكتب القلم مـا سيكون في خلق الله، وقد علمنا أن هذه الكتابة قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. في هذا الوقت كان الله، الذي كان قبل كل شيء، وكان العرش، وكان أيضا الماء. وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ (هود:7). إذن فلم يكن ثم إلا العرش والماء.
هناك حديث يثبت وجود شيء آخر من أوائل المخلوقات، وهو الهواء. فقد أخرج سعيد ين منصور عن أبى عوانة عـن أبى بشر عن مجاهد قال:" بدء الخلق: العرش، والماء، والهواء. وخلقت الأرض من الماء" ذكره ابن حجر في شرح البخاري. ومن هذا الأثر نعرف أن الأرض التي نعيش فيها خلقت من الماء.
ولكن قبل أن نفصل هذا الأمر، نسأل: هل سنكتفي في معرفة كيفية خلق السموات والأرض بالمصادر الإسلامية والتي بدورها مصدرها جميعا الوحي. وهذا من عند الله. أم سنستعين في ذلك بأقوال العلماء في أي علم وفن. خاصة وهناك آية تقول قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ (العنكبوت:20). ألا يعطينا هذا الحق في أن نبحث ونقف لنجيب على السؤال: كيف بدأ الخلق؟ ونستعين في ذلك بكل ما أتيح لنا من إمكانيات وما وصلنا إليه من علوم؟ وللإجابة على هذا السؤال نقول أولاً: إن المؤمنين دائما يتبعون آيات الله. ومن شأن المؤمن أن تكون حركته وسكنته بتوجيه الله، وهذه الآية فيها طلب بل أمر بالسير والبحث عن إجابة هذا السؤال قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ إن الأمر يستوجب أن نسأل أيضا عن هذا الأمر.. لمن؟
بالبحث في القرآن لم نجد إلا آية واحدة تأمر بالبحث في كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ غير أن الآية السابقة عليها توضح أن الأمر ليس للمؤمنين، بل لغيرهم فتقول أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (العنكبوت:19) والخطاب ليس للمؤمنين ويؤكد ذلك أيضا الآية السابقة على هـذه وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّب أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرسول إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (العنكبوت:18) وما يقطع بأن الخطاب لغير المؤمنين أن الآيات قبلها تحدثت عن تكذيب قوم نوح لنوح وتكذيب قوم إبراهيم لإبراهيم. وجاءت آية السير في الأرض بعد حوار إبراهيم مع قومه حتى قيل أن هذا الأمر، كان لقوم إبراهيم.
فإذا كان هذا خطاب لغير المؤمنين فما مدلول هذا الأمر؟
إنه يطلب من الكافرين بالله وآياته وأنبيؤه أن ينظروا في دليل آخر غير الوحي ويبحثوا في كتاب آخر غير المنزل وهو كتاب الكون طالما كذبوا بالوحي. وأن كل شيء في الكون يدل على أن الله قادر على إعادة الخلق كما بدأه. بل إن الإعادة أهون وأيسر وإن كان كل شيء في حق الله سهل وهين. ففي كل يوم إحياء وإماتة، شروق وغروب، طلوع وأفول. في النبتة التي تصير شجـرة كبيرة ثم تموت، ثم تعاد ببذرة أخرى، في البيضة، في الحيوان، في الشمس والقمر والنجوم، في الطفل الجنين ثم صيرورته رجلاً كبيراً ثم في موته، ثم في ظهور ذريته التي تعيد نفس الكرة. في كل ذلك آيات، إن كانوا يكذبون الوحي.
أما المؤمنون فإنهم ليسوا مخاطبين بهذا فهم يؤمنون بالغيب، ثم هم قد فصل لهم الخلق، وخلق كل شيء، فصل لهم بالوحي تفصيلا. حيث لا يبقى بعده إبهام أو غموض. ثم إن طلب السير يكون للوقوف على قدرة الله وعلى إثبات اليوم الآخر. أما غير ذلك من البحث والاستطلاع، سواء لاستكشاف المجهول، أو للمعرفة والثقافة، وللتقدم المادي. فإن كل هذه الأهداف لا تندرج تحت الآية لأنه تعالى يقول بعد الأمر بالسير:
قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ثم إنه تعالى أمر فقط بالسير في الأرض فلا يكون البحث في الفضاء لأنه.. (فضاء).
وترى.. هل كان غير المؤمنين الذين ساروا في الأرض وسبحوا في السماء يبحثون عن هذه الأمور: المبدأ والميعاد وإن الله على كل شيء قدير؟ لـنرى:
لقد أتيحت للبشرية بعـد عصر النهضة وسائل وأدوات لم تكن في متناول من كان قبلهم. بل لم تخطر للغابرين على بال.
هذه الوسائل اختصرت المسافات، ووفرت الجهد، وقربت البعيد، وأظهرت المخفي، وأخرجت الخبأ. وأصبح السير في الأرض يستغرق دقائق أو ساعات بعد أن كان يتم في أشهر وسنوات، ووصل الأمر إلى أن أصبحت الأرض كلها من مشرقها إلى مغربها بين أيديهم ونصب أعينهم.
فهل استفادوا بذلك للبحث في كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
* الدكتور (إدوارد لـوثر كيسيل) عالم الأحياء يقول عـن الهدف مـن سيرهم في الأرض: " وطبيعي أن البحوث العلمية لم يكن يقصد منها إثبات وجود الخالق. فغاية العلوم هي البحث عن خبايا الطبيعة واستغلال قواها، وهي لا تدخل في البحث عن مشكلة النشأة الأولى فهذه من المشكلات الفلسفية".
** السير (جيمس جينز) الفلكـي الأشهر والطبيعي الأكبر يقول بعد سيره الطويل في الأرض.. بل وفي السماء:" إن هذا الوجود (الكون) ليس له وجود فعلى، بل هو مجرد صورة في أذهاننا وأننا نعيش في عالم من الأوهام".
*** أما (يوري جاجارين) أول من سبح في الفضاء فقد قال بعد أول تجربة قام بها في الخروج من الأرض والصعود في الفضاء قال عندما نزل إلى الأرض: " صعدت لأبحث عن الله فلم أجده ".
إذن فقد كذب هؤلاء بالوحي، ورفضوا أن يسيروا في الأرض لينظروا كيف بدأ الخلق وكيف يبدأ الله الخلق ثم يعيده. فكيف يكون لديهم علم بالأرض أو السماء ومن أين؟ وقد حكم الله عليهم بأن يكونوا في الظلمات، وأخبرنا بأنهم (لا يعقلون، ولا يعلمون، ولا يفقهون، ولا يبصرون) وأنهم (غافلون).
ليس أمامنا إذن غير مصدر واحد وهو الله، خالق كل شيء، وهو أصدق القائلين، وهو الذي بين لنا كل شيء، وهو الذي فصل لنا كل شيء. أما ما وصل إليه هؤلاء من علوم ونظريات فهي لا تلزم المؤمنين في شيء، فهي كما قال (إيرل تشستر ريكسي) بأمانة:
" النظريات الحديثة التي تفسر نشأة الكون والسيطرة عليه بصورة تخالف ما جاء في الكتب السماوية، تعجز عن تفسير جميع الحقائق وتزج بنفسها في ظلمات اللبس والغموض، وإنني شخصيا أومن بوجود الله وأعتقد في سيطرته على هذا الكون".
إن هذه النظريات" التي تفسر نشأة الكون والسيطرة عليه بصورة تخالف ما جاء بالكتب السماوية" تبناها العلماء بشدة وأخذوها بقوة، سواء منهم العلماء التجريبيون أم علماء الشرع. والغريب أن نجد علماء الغرب التجريبيين يعتبرون ما توصلوا إليه (نظريات) أي وجهات نظرهم في الأمر، أما علماؤنا فعندما يعرضون هذه النظريات فإنما يفعلون ذلك على أساس أنها حقائق علمية مثبتة تم التوصل إليها.
وانتشر الآن هذا المذهب التجريبي، وهذا الدين الجديد (العلمانية) الذي ينتزع خصائص الإله ويعطيها إما للطبيعة وإما للمكتشفين. ونجح العلمانيون باقتدار على أن ينسخوا قول الله إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضَ أَنْ تَزُولا (فاطر:41) ويثبتوا قول نيوتن أن الأجرام السماوية تتحرك بقانون الجاذبية. ولو سألنا طالب علم أو تلميذاً صغيراً عن علمه بالآية فإنه سينفي أي معرفة بها، وسيخبرك دون تفكير أن القانون الذي يحكم كل ما في الأرض أو السماء هو قانون الجاذبية - وبالطبع - لنيوتن وليس لله. وهكذا كل ما في الكون من ظواهر كان الله تعالى ينسبها لنفسه أصبح الآن من المعلوم تماما أن لها قوانين تحكمها ليس منها..(الله).
لـــــذلك..
فإنني أعلن كفري بكل هذه النظريات، وأعلن إيماني بالله وحده وبآياته، وإن كانوا يقولون: (لا يعرف الشوق إلا من يكابده) فإنني أقول: (ولا يعرف الكون إلا خالقه). وصدق الله مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (الكهف:51).
فلسنا في حاجة إذن لنظرياتهم فهي باطلة، ولسنا في حاجة لأن نسير في الأرض لننظر كيف بدأ الخلق، لأننا نؤمن بالوحي، ونصدق الله تعالى، ونشهد بأنه الخلاق العليم، وأنه سبحانه يبدأ الخلق ثم يعيده. وأنه على كل شيء قدير وقد أخبرنا تعالى عن قصة الخلق في القرآن بتفصيل دقيق، وبيان كامل، لا يبقى بعده جهل، أو غموض.
والقرآن في ذلك لم يذع سراً، ولم يأت بجديد، فكل الكتب المنزلة تحدثت في ذلك لمن نزلت إليهم. وكل الأنبياء والمرسلين أخبروا أممهم بهذا، وكان ذلك جزءاً من المهمة التي كلف بها الأنبياء ، ولأنها أيضا ضرورة من ضرورات العبادة المطلوبة من الإنسان، أن يتعرف على الكون من حوله، وعلى شركائه في العبودية، والكون كله عابد. فمعرفة خلق السموات والأرض وما بينهما وما فيهما من آيات قاسم مشترك بين الأمم والقرون.
بل من البشر من رأي هذه الآيات عياناً، وأطلعه الله على الملك والملكوت، كما فعل تعالى مع إبراهيم عليه السلام وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ (الأنعام:75) وكما تم لموسى عليه السلام لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (طه:23) وكما تم أيضا لمحمد  لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (النجم:23) وعلى ذلك فكل ما صدر عن هؤلاء من كلام عن الخلق ليس وجهة نظر، بل هي رؤية نظر، شهدوا بأعينهم وسمعوا بآذانهم وأخبروا من ربهم. فهي من ثم حقائق وليس افتراضات ونظريات.
لذلك لا نعجب إذا رأينا قصة الخلق قد ذكرت في العهد القديم بقريب مما جاء في القرآن، ومتشابهة أيضا إلى حد كبير مع ما ذكرته الحضارات الغابرة، خاصة أقدمها على الأرض كحضارة المصريين القدماء. وهي كلها تتشابه، ويجمع بينها - الكتب المقدسة والقرآن والحضارات - رابط عام. وفي نفس الوقت تختلف قصة الخلق في هذه المصادر عن قصة التكوين في نظريات العصر الحديث التي هي أبعد ما تكون عن العقل والمنطق.
فقد فصل الله قصة الخلق لكل الأمم وفي كل الكتب، وآخرها القرآن.
فكما قال تعالى عن القرآن كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.
فقد قال تعالى عن التوراة: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ (الأنعام:152). وقال تعالى: عن كل الأمم ولقَد جِئناهُم بِكتاَب فَصلناهُ عَلى عِلم هُدىً وَرَحُمةً لِقَوم يُؤمنُونَ (الأعراف:52).
ورب قائل يقول: إن الذي يدفع علماءنا لاستدلالهم بهذه النظريات على صدق القرآن هو حرصهم على الدعوة للدين وأنه يشفع لهم حسن النية.
نقول: بأننا لا نشك بالطبع في إخلاص علمائنا، ولا في سلامة نيتهم، ولكن... حسن النية وحده لا يكفى في الدعوة.. والقرآن قد حدد وسائل الدعوة، ورسم الطريق الذي ينبغي أن يسير عليه الدعاة وأي تجاوز سيحيد عن الطريق وقد قال تعالى: وأنَ هَذَا صراطِي مُستِقيماً فَاتبِعوهُ وَلا تَتبِعُوا الَسُبُل فَتَفَرقَ بِكُم عَن سَبِيِله (الأنعام:153) وقال تعالى قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي (يوسف:108) وقد أمر الله تعالى رسوله أن يدعو بالقرآن فذَكِر بِالقُرآنِ مَن يخَاَفُ وَعِيِد (ق) فلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (الفرقان:52) أي جاهدهم بالقـرآن. وأمره بأن يلتزم بالقواعد التي وضعها له سبحانه وتعالى في دعوته: فاستَقِم كَمَا أُمِرتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلا تَطغَوا (هود:112) وليس فقط يلتزم بالقواعد الربانية، بل وأيضا لا يلتفت إلى المشركين وإلى أقوالهم فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأعِرض عَنِ المُشرِكينَ (الحجر:94).
ولقد عاتب الله رسوله أشد معاتبة جاءت في القرآن لتجاوزه - بحسن نية - عن قاعدة صغيرة من هذه القواعد، أنه أعرض عن أعمى فقير حرصا علي دعوة الكبراء والسادة. وقد تجاوز الكثير منا الحدود المرسومة لهم من ربهم، وسلكوا سبيلا غير سبيله تعالى في الدعوة، فكانت النتيجة التي نراها.
التوفيق بين الحقيقة والخيال
سنورد بعضا من أقوال علمائنا وآراءهم في مسألة الخلق وما يقولونه عن توافق هذه النظريات الحديثة مع القرآن، وكيف يعرضونها كحقائق ثابتة على جماهير الناس بينما أصحاب هذه النظريات أنفسهم لا يقولون بثباتها.. بل يفترضون.
الدكتور (مصطفي إبراهيم فهمي) يقول في كتابه (علوم القرن الحادي والعشرين) وهو صادر من (دار المعارف) وهي دار نشر رسمية لجمهورية مصر العربية، الإسلامية:" لقـد بـدأ كوكبنا - يقصد الأرض - بالانفجار الذي حدث منذ ما يقرب من عشرة بلايين من السنين، ولم تتكون المجموعة الشمسية إلا بعد مرور بليون سنة أخرى أو تزيد. ثم حدث تطور بيولوجي بطيء من الكائنات البسيطة الأولى وحيدة الخلية، ولم تظهر الكائنات المركبة متعددة الخلايا إلا منذ 600 مليون سنة، وأخيراً منذ فترة تحسب بالآلاف لا غير، ظهر الإنسان العاقل، المدرك، الذي يستطيع أن يسأل أسئلة ذكية عن وجود حياة على الكواكب الأخرى".
إن الدكتور يوحي لنا أن ما يقوله مسلمات علمية، فواضح هذا من عرضه " لقد بدأ كوكبنا " وهذا ما لم يقل به أحد أبداً. فإن القائلين بنظريات الخلق أنفسهم لم يثبتوا ولم يؤكـدوا، بل عرض كل منهم ما يراه، وكل واحد منهم مختلف عن الآخر في رؤيته ولم يقل قائل منهم أن هذا ما تم حقيقةً، بل" يفترض" و"يرى" و" يبدو" و"يحتمل" وهكذا يعرضون نظرياتهم.
فنظريات بدء الخلق قال بها كثيرون (كانت، بيير لابلاس، ولمولتون، وتشامبرلين وجينز، وهابل، وليتليتون، وأوتوشميت، وفيسينكوف، وإمبار سوميان)... وغيرهم وغيرهم، لكل واحد منهم نظريته عن الخلق تسمى باسمه وكـل هؤلاء لم يتفقوا على رأي، وكل منهم وضع تصورا يراه لبدء الخلق لا شأن له بالنظرية الدينية، ولم يضع أحد منهم في اعتباره وجود إله خالق. ولا يمكن تلخيص هذه الآراء وجمعها في نظرية واحدة، فعلى أي أساس ذكر الدكتور نظرية الخلق بالطريقة التي ذكرها.
وكما نرى من مقولة الدكتور أن الكون حدث نتيجة انفجار وليس خلق، وهذه في الحقيقة وجهة نظرهم جميعا، وهم لا يقولون خلق وإنما يقولون" ظهور". كما نلاحظ أيضا أن الخلق أو الظهور كما يقولون لم يتم في ستة أيام - كما قال الله - وإنما حدث خلال بلايين السنين.
وملحوظة أخيرة نراها في كلام الدكتور: أن الإنسان ظهر - وليس خلق - حسب هذه المقولة نتيجة نشوء وارتقاء. بدءً من خلية واحدة، إلى كائن متعدد الخلايا، إلى إنسان يفكر هذا التفكير. أي أن الإنسان وجد نتيجة مصادفة. وليس خلق.
وقام البعض بتجميع هذه النظريات المختلفة والمتباينة وولفوا بينها وألفوا. ثم قالوا لنا أنها قد ثبتت علميا، وأن القرآن قد نص عليها من فوق سبع سموات ومنذ أربعة عشر قرنا من الزمان. ولا ندرى أياً من هذه النظريات الثلاثين أو أكثر، التي نص عليها القرآن وأيدها.
إنها طامة، أن يأتي واحد ليقول بذلك، فما بالنا إن كان الكل يقول ذلك. ومن؟ علماء الشرع والدين.
قـال الدكتور (محمد أحمد العمراوي) في كتاب (الإسلام في عصر العلم) تحت هـذه الآية: أوَلَم يَرَ الَذِينَ كَفَرُوا أَنَ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضِ كَانَتَا رَتَقَا فَفَتقنَاهُمَا (الأنبياء:30).
" تقرر الآية في إعجاز علمي سبقت به علماء الفلك المحدثين، أن الكون كله كـــان كيانا سديمياً، غير متميز بعضه عن بعض قبل أن تتشكل عوالمه، ومجراته ونجومه، ثم أخذ يتميز ويتطور، حتى صار إلي ما هو عليه، مما يشاهدون ويدرسون".
ويقول الدكتور (محمد جمال الدين الفندي) في كتاب (لـماذا أنا مؤمن) تحت نفس الآية: " ومهما يكن من شيء فإن الآية الكريمة تقرر إعجازاً علمياً واضحاً، أن السموات والأرض كانتا شيئاً متصلاً، أو وحدة متجانسة، ثم تم انفصالهما وظهورهما بمعالم خاصة" ثم يقول الرجل" وهو عين ما يقرره العلم، وتحاول تفسيره النظريات".
ويقول الأستاذ (عبد الرازق نوفل) في كتاب (دنيا الزراعة والنبات) عن هذه الآية أيضا:" ولقد كانت السموات والأرض سديما واحدا عبارة عن دخان إذ أنه غازات عالقة بها ذرات لعناصر، وانفجر هذا الكيان لأسباب عجز العلم عن تفسيرها وبقوة عجز عن تقديرها ليتكون من هذا الانفجار السديمي السموات والأرض". وهذا ما اتفق فيه وعليه كل العلماء.
في كتاب (الإسلام يتحدى) يقول (وحيد الدين خان): " هذه هي الفكرة العلمية الجديدة عن الكون، فقد توصل العلماء، خلال أبحاثهم ومشاهداتهم لمظاهر الكون إلي أن (المادة) كانت جامدة وساكنه في أول الأمر وكانت في صورة غاز ساخن، كثيف، متماسك، وقد حدث انفجار شديد في المادة قبل 5000.000.000.000 سنة علي الأقل فبدأت المادة تتباعد وتتمدد".
الشيخ (عبد المجيد الزنداني) في كتاب (توحيد الخالق) يقول تعليقا على الآية:" لقد ثبت لدى العلماء بصفة فعلية أن الأرض انفصلت عما في السماء، ولكن الاختلاف بين الباحثين ينحصر في تحديد الجزء الذي انفصلت عنه. فمن نظرية تقول بأن الأرض انفصلت عن الشمس، ومن قائل: انفصلت عن نجم.
وإذا كان يصعب على الإنسان تصور أن هذه الأرض، كانت جزءً من السماء فإن البدوي أكثر الناس سخرية من هذا القول، غير أن هذه الحقيقة الكونية قد أجراها الله على لسان رجل أمي لا يعرف القراءة والكتابة قبل أربعة عشر قرنا من الزمان فيما أوحي إليه من القرآن".
نكتفي بهذا العدد من العلماء، وبهذا القدر من توفيقهم، وما هو بتوفيق ولكنه شيء أخر. ومن ذكرت من أسماء - لهم عند الناس مكانة وعندي أكثر. ولهم على الناس فضل علمهم وعليٌ أكثر - ولكن الحق دعانا لأن نسمى الأشياء بأسمائها.
أولا: من الذي قال من التجريبيين أن شيئا من ذلك قد (ثبت)؟
لم يقل أحد منهم أبدا أنه قد ثبت لديه ما قالوه، ولكنهم جميعا يفترضون. فقط.
ثانيا: من الذي قال من التجريبيين أن الأرض انفصلت عن السموات؟
اقسم بالله العظيم أن أحــداً منهم لم يقـل ذلك، لا تصريحا ولا تلميحا، لا من قريب ولا من بعيد، فمن أين أتى علماؤنا بهذا الكلام؟ لم يذكر أحد من أصحاب نظريات الكون شيئا عن السموات والأرض التي تتحدث عنها الآية، لم يقل واحد منهم بذلك أبدا، أن السموات والأرض كانتا كتلة واحدة.
بل إن غاية نظرياتهم أن نجما اصطدم بالشمس، أو أن الشمس انفجرت من ذاتها. فهم يريدون أن يقولوا: أن الأرض والشمس وبقية الكواكب التسعة كانوا جميعاً شمسا فانفجرت، أو نجما فاصطدم ولم يذكروا سموات أبدا في كلامهم. وأما الآية التي يعلقون عليها بكلامهم فلم تذكر أبدا شمساً ولا نجماً ولا كوكبا وإنما تقول أن السموات التي فوقنا كانت كلها ملتصقة بالأرض التي تحتنا ففتقهما الله.
أما الشمس والقمر والنجوم والكواكب فقد خلقهم الله بعد ذلك، ولا علاقة لهم بمسألة الفتق أو الرتق هذه، وأن الشمس والقمر والنجوم ليست مـن الأرض ولا من السماء، بل خلق مستقل، سيفصل فيه الأمر بإذن الله.
إن النظريات التي طرحها أصحابها لم تأت كما قال علماؤنا نتيجة تحليل أو تجريب، أو رؤية، أو مشاهدة، ولا حتى بحث، بل كما ذكرنا (أي كلام) يعنى أنهم يفترضون فرضا، ومن الظلم البين مقابلة ما قالوه مع كلام الله عز وجل. ثم ما هو وجه المقابلة بين (الرتق) الذي قالت عنه الآية للسموات والأرض وبين (السديم) أو النجم أو الشمس الذي قالت عنه النظريات.
وما علاقة (الفتق) الذي تقول عنه الآية. و(الانفجار) الذي تفترضه هذه النظريات. في أي تفسير من التفسيرات يكون معنى (ففتقناهما): الانفجار؟
وبأي لغة وبأي عقل وبأي منطق يبدأ الكون بالانفجار والدمار؟
إن التفسيرات تخبرنا بأن السموات والأرض كانتا شيئين ملتصقين، ففتقهما الله، وليس شيئا واحدا وانفجر. ثم الآية تقرر أن الله هو الذي فتق، والنظريات تقول أن الانفجار نتيجة للتصادم (حادث سماوي) ولا علاقة لله به.
ماذا نسمى هذا؟ أنسميه توفيقاً؟
إن هذا نموذج لآية واحدة، وسنذكر فيما بعد بعض آيات أخرى بإذن الله وإنما ذكرنا هذا الآن كنموذج ومثال. ولا ندرى ماذا يقصد علماؤنا من ذلك؟ أيريدون إسلام الكافرين؟ أم يريدون توثيق إيمان المؤمنين؟ الحق أننا لا نرى أثراً لهذا أو ذاك. لا نرى إلا افتتان الناس بأصحاب هذه النظريات الـذين يؤيد القرآن كلامهم. وسبحان الله القائل: ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (الكهف:51).
بدء الخلق في النظريات الحديثة
تتعدد النظريات وتتباين في تفسير بدء الخلق وكلها تتعارض - عن عمد - مع مـا قاله الله تعالى. وهي لا تتعرض لخلق السموات لأنها لا تعترف بوجودها. ومن ثم لا تعترف بعرش ولا بكرسي، ولا بملائكة ولا بأي غيب فالكون عندهم هو المشاهد والمحسوس أما غير المشاهد فهو مجهول يحاولون مع الوقت كشفه.
وكثيرة تلك النظريات التي تتحدث عن نشأة الأرض ومجموعة الكواكب والتي يسمونها جميعا (المجموعة الشمسية) ومن ثم فهم لا يتعرضون لباقي ما في السماء من نجوم أو مجرة أو غيرهما. وسنذكر بعض هذه النظريات التي تعرض وجهة نظر صاحبها في كيف تكونت المجموعة الشمسية التي نعيش في واحدة منها وهي (الأرض) :
(1) نظرية كانت (1724 - 1804):
يرى (كانت) أن الكون يزخر بأجسام صغيرة صلبة في حالة ثبات، ولكنها كانت تختلف عن بعضها في الحجم والكثافة. ثم بدأت هذه الأجسام تتجاذب فتحركت الأجسام الصغيرة منها نحو الكبيرة، وأخذت تتصادم مع بعضها وتلتحم مكونة لأجسام أكبر، واستمرت هذه الأجسام الكبيرة تجذب إلى مجالها الأجسام الأصغر حجماً.
فنشأ عن ذلك تكوين عقد ضخمة من المواد الكونية.
وقد أخذت هذه العقد تتجاذب وتتصادم. ونتج عن تصادمها توليد حرارة هائلة كانت كافية لصهرها، ثم تحويلها إلى غازية متوهجة، تشبه السديم وأصبح هذا السديم يدور حول نفسه بسرعة كبيرة، وبدأت تنفصل منه حلقات غازية نتيجة لقوة الطرد المركزية، كل حلقة منها لها قوة جاذبية خاصة بها. وهي الجسم المركزي الذي تمثله شمسنا الحالية. وبالتدريج تكاثفت مواد كل حلقة في هيئة نيازك أخذت تتحد ببعضها بتأثير قوى الجذب مكونة لكوكب. وهكذا تكونت مجموعة الكواكب المعروفة التي تدور حول الشمس.
انتهي (كانت) من عرض رؤيته عن تكون المجموعة الشمسية وقبل أن ندخل في غيرها نذكر بأن (كانت) لم ير شيئا، ولم يجرب شيئا، ولم يختبر شيئا، ولم تدرك حواسه شيئا، وإنما يقول (كلام). يدرس هذا (الكلام) في الجامعات كذلك لم يذكر (كانت) فاعلا للأفعال التي ذكرها، فلم يقل لنا من الذي يحرك هذه الأجسام ومن يؤلف بينها. لكنه ذكر أن ذلك بفعل (الجاذبية)، فالمحرك لهذه الأجسام هي الجاذبية، ولو سألناه: ما هي الجاذبية؟ لقال: لا أعرف.
(2) نظرية (لابلاس: 1748 - 1827):
يدعي صاحب هذه النظرية أن المادة التي تكونت منها الشمس والكـواكب وتـوابعها كانت عـبارة عـن جسم غـازي ملتهب (سديم) كـان يـدور حـول نفسه (لسبب غـير معـروف) وبسبب تجاذب مكوناته بدأ السديم يتكاثف عند مركزه، وقد أدى هذا إلى تكوين الشمس وفي البداية كانت الشمس ما تزال مغلفة بالسديم الذي كان يدور حولها. وقد أخذت حرارة السديم تنخفض تدريجياً. إذ كانت تشع في الفضاء وبالتالي أخذ يبرد بالتدريج وينكمش. وقد أدى هذا إلى ازدياد في سرعة دورانه، حتى بلغت تلك السرعة درجة تفوقت عندها قوة الطرد على قوة الجذب المركزية. ونتيجة لهذا بدأ السديم يفقد شكله الكروي، ويتحول إلى شكل شبيه بالكرة، فانبعج عند خط استوائه، وبدأ يتحلل في شكل حلقات عديدة ضيقة ورفيعة. وبسبب عدم تساوى وانتظام التبريد تحطمت الحلقات، ثم نتيجة لقوى الجذب المتبادل بين الأجزاء المحطمة تكونت الكواكب السيارة حول الشمس. انتهي (لابلانس) من عرض رؤيته، ونذكر بأن الرجل لم ير شيئا ولكنها ( وجهة نظره ).

(3) نظريه (مولتون - تشمبلرلين) 1904:
ترى أن الكواكب قد تكونت نتيجة تأثير متبادل بين نجم وشمس، حيث اقترب ذلك النجم من الشمس وجذبها إليه، فحدث فيها تمدد عند جانبيها المقابل والمظاهر للنجم.
كما حدث انفجار في جسم الشمس نتيجة للضغط الشديد الواقع على أجزائها الداخلية، ونجم عن هذا وذاك أن انفصلت عن جسم الشمس أجزاء أو ألسنه ملتهبة من المنطقتين اللتين أصابهما المد على دفعات متتابعة، ثم أخـذت تلك الأجـزاء تتلاحم ويجمـع الكبير منـها - بدرجات متفاوتة - الأجسام الصغيرة المبعثرة التي تعرف بالكويكبات وأخذت تنمو إلى أن وصلت إلى حجم الكواكب العشرة المعروفة التي تتكون منها المجموعة الشمسية. (نذكر بأن هذه وجهة نظره).
(4) نظريه الفريد هابل (1946):
يفترض هابل أن النجم المصاحب للشمس وسماه (نوفا) كان يفقد كميات هائلة مما يحتوى من الأيدروجين بالإشعاع. وقد تسبب هذا في تقلصه وانكماشه، وبالتالي ازدادت سرعة دورانه فانفجر بشدة وعنف. ويعتقد هابل أن عنف الانفجار النجمي قد أدى إلى طرد نواة هذا النجم المصاحب للشمس بعيدا عن مجال جاذبية الشمس، ومنه نشأت وتكاثفت الكواكب المعروفة فيما بعد. (انتهي).
هذه بعض نظريات نشأة المجموعة الشمسية وليس في أي منها سموات أو أرض، أو فتق، أو رتق، وليس هناك أي تشابه ولو بسيط بين ما تخبرنا به الآية القرآنية وما تفترضه هذه النظريات، والتي ما تعددت وكثرت إلا لأن كل نظرية تجد من الانتقادات والتناقضات ما يدفع آخر بأن يأتي (بأي كلام) ثم بعد ذلك ينتقد هو الآخر ويمر بنفس الصعوبات التي مرت بها النظريات السابقة... وهكذا. وصدق الله مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا .
هل في هذه النظريات ما يتوافق مـع كلام الله؟ هل في هذا الكلام ما هو ثابت علميا؟ هل يقبل العقل ويستسيغ هذا الهراء؟
هذه النظريات معتمدة رسميا، وتدرس في المدارس الابتدائية وفي الجامعات ولم يوضع من بين هذه النظريات ما قاله القرآن عن بدء الخلق. لا يمكن أن تجد أبدا في كتاب من كتب العلوم أو الجغرافيا أو الفلك أو غيرها مما تتحدث عن بدء الخلق أي ذكر للنظرية القرآنية والطريقة الإلهية، وهذا في كل بلاد الله والإسلامية منها على وجه الخصوص.
بدء الخلق في التوراة
أما بدء الخلق في الكتاب المقدس، فهو أقرب ما يكون إلى العقل وإلى الدين وهو مشابه إلى حد كبير مع ما جاء في القرآن.
يقول العهد القديم:
" في البدء: خلق الله السماء والأرض وكانت الأرض خربة وخالية، والظلمات تغطى اللجة وروح الله يرف على المياه" (الإصحاح الأول:1: 2).
" وقال الله:" ليكن نور، فكان نور، ورأى الله أن النور حسن، وفصل بين النور والظلمـات ودعا الله النور نهارا والظلمات ليلا. وكان مساء وكان صباح: اليوم الأول" الآيات من (3: 5).
" وقال الله: ليكن جلد وسط المياه، وليكن فاصل بين مياه ومياه. وكان كذلك فعمل الله الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد ودعا الجلد: سماء. وكان مساء وكان صباح: اليوم الثاني" (الآيات من6: 8).
" وقال الله: لتجتمع المياه تحت السماء إلي مكان واحد في كتلة واحدة، ولتظهر اليابسة. وكان كذلك. ودعا الله اليابسة أرضا. ومجتمع المياه دعاه (بحارا) ورأى الله ذلك حسن".
" وقال الله: لتنبت الأرض خضـرة عشبا يحمل بذراً من جنسه، وشجرا يعطي ثمراً من جنسه بذراً. ورأي الله ذلك أنـه حســن. وكان مســاء وكان صباح: اليوم الثالث" (الآيات من 9: 13).
" وقال الله: لتكن أنوار في جلد السماء لتفصل بين النهار والليل، وتكون علامات للأعياد، كما للأيام والسنين ولتكن أنوار في جلد السماء لتضئ الأرض. وكان كذلك. وعمل الله المنيرين العظـيمين – المنير الأكـبر لحكم النـهار، والمنير الأصـغر لحكم الليل - والنجوم. وجعلها الله في جلد السماء لتنير الأرض، ولتحكم علي النهار والليل. ولتفصل بين النور والظلمـــة. ورأي الله ذلك أنه حسـن، وكان مساء وكان صباح: اليوم الرابع" (الآيات من:14: 19).
" وقال الله: ولتعج المياه بعجيج الكائنات الحية ولتطر طيور فوق الأرض وعلي وجه جلد السماء. وكان كذلك" وخلق الله كبار ثعابين البحر، وكل الكائنات الحية التي تنـزلق وتعج في البحار، كل بحسب جنسه، وكل ذي جناح بحسب جنسه. ورأي الله ذلك أنه حسن وباركها الله قائلا: أثمري واكثري واملئي البحــــار، وليتكاثر الطير علي الأرض. وكان ليل وكان نهار: اليوم الخامس" (الآيات من 20: 23).
" قـال الله: لتخرج الأرض الكائنات الحية كجنسها، كبهائم، ودبابات، ووحوش، كجنسها، وكان كذلك، فعمل الله الوحوش كجنسها، والدواب كجنسهـا، وكـل دواب الأرض كجنسها. ورأى الله أنه حسن".
" وقال الله: لنعمل الإنسان علي صورتنا كشبهنا. ويتسلطون (كذا بالنص) علي سمك البحر، وعلي طيور السماء، وعلي البهائم وعلي كل الوحوش والدبابات التي تزحف علي الأرض".
" فخلق الله الإنسان علي صورته، وعلي صورة الله خلقه، ذكراً وأنثي خلقهما وباركهما الله وقال لهما: أثمرا واملأ الأرض، وأخضعاها وتسلطا علي سمك البحر، وطيور السماء، وعلي كل حيوان يدب علي الأرض".
" وقال الله: اني قد أعطيتكما كل بقل يحمل بذراً علي وجه الأرض وكل شجر فيه ثمر ويحمل بذراً، لكما يكون طعاما. ولكل الوحوش، ولكل طيور السماء، ولكل دبابة علي الأرض وكل كائن حي أعطيت كل خضرة النباتات طعاماً. وكان كذلك".
" ورأي الله كل ما عمله: فإذا هو حسن جداً. وكان صباح. وكان مساء: اليوم السادس" (الآيات من 42: 31).
ثم يكمل الكاتب قصة الخلق بثلاث آيات مـن أول الإصحاح الثاني:" فأكملت السموات والأرض. بكل جندها. وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل. فاستراح من جميع عمله للخلق. هذه مبادئ السموات والأرض حين خلقت".
هذه هي آيات الخلق بالكتاب المقدس، وواضح أنها سبقت القرآن بحوالي 2000 سنة. وواضح أن بدء الخلق فيها أقرب للقرآن من نظريات بدء الخلق الحديثة وذلك لأن القصة من عند الله في كلا الكتابين غير أن رواية الكتاب المقدس ليست النص الأصلي، بل واضح تماما أن دخل عليها تحريف ترفضه العقيدة الدينية الصحيحة، وذلك في افتراض (الراحة) التي يزعم هذا النص الكهنوتي أن الله - تعالى عن ذلك علوا كبيرا - استراح في اليوم السابع. على حين لا يشير النص اليهودي، الذي يسبق النص الكهنوتي بعدة قرون إلى راحة الله الذي تعب من عمله طيلة الأسبوع.
أما القرآن فإنه يكذبها صراحة في سورة (ق).
قصة الخلق في الحضارات
ألف مجموعة من علماء الغرب كتاب (معجم الحضارة المصرية القديمة) الذي يتكلم عن أول الحضارات التي قامت على الأرض، فيذكر الكتاب في مادة: (أساطير الخليقة) عدة نظريات قديمة لبدء الخلق:
النظرية الأولى:
تقول أنه كان هناك سطح مائي متسع، إنعدمت فيه الحياة في ذلك الوقت وقد أطلق المصريون على هذا السطح المائي اسم (نون).
يقولون: ورغم انعدام الحياة على سطح هذا الماء إلا أنه كان يحتوى على جميع عناصر الخليقة التي ستأتي بعد ذلك.
" أتى الرب خالق المستقبل، ذات يوم في جوف هذه المياه ليدرك نفسه، وأضفي شكلا مادياً على فكرة نفسه التي تكونت في روحه".
" بدا خلق نفسه دون أي مساعدة خارجية غير نفسه، وبنفسه وحدها. ثم وجـه اهتمامه إلى العمل الضخم لخلق العالم وأطلق على هذا الخلق الأول اسم (تاتنن) أي الأرض التي تبرز، وشبه نطقها كلمة تدل علي سطح مائي ليستقر فوقه رب الخليقة وخليقته".
النظرية الثانية:
تقول: بأن الإله لم يولد من شيء، بل خلــق نفسه بنفسه. ووضع الخليقة كلها من نفسـه وكــانت يـده تعمـل له، فصار الواحد ثلاثة، بمولد الأول (الجو) و(الرطوبة) ثم انجب هـذان بــدورهما زوجـا آخـر جديـداً هما: (السماء) و(الأرض) الـذي فصل بينهما (الجو). وبــذا وضعت المظاهر الطبيعية للعالم الأرضي في مواضعها الصحيحة.
النظرية الثالثة:
وهي مكملة لسابقتها وتقول: إن الإله الذي ضم مبادئ الخلق في شخصه، صنع العالم المنظم بفعل قلبه، هـو نفسه، الذي استوعب فكرة الشيء الذي يخلقه، وبفعل لسانه الذي نطق بهذه الفكرة فأقام بدايات الخليقة بكلمته" الكلمة التي خلقت كل قوى الحياة. وكل ما يؤكل، وكل ما يحبه أو يكرهه الإنسان" فقد أوجد الخالق النباتات والكائنات الحية، خطوة خطوة. وفي ترتيب متغير، غير أن عناصر هذه الخليقة لم تكن مرتبة بحسب أهميتها فـكل ما خــرج في بدء الخلق من يد الخالق أو من روحه كان على قدم المساواة مع غيره.
وكانت جميع المخلوقات مهمة. وكل له حقه ونصيبه وما من أحد كان أكثر أهمية من الآخر واعتبر غرض الخليقة والعالم هو الإنسان.
فقد كان البشر قطيع الإله ولذا حباهم بحظ ممتاز. فصنع لهم الأرض والسماء، وطرد عنهم المياه المهددة. وصنع الرياح لتعطيهم هواء تتنفسه أنوفهم. لأنهم على صورته. وهو يضئ في السماء من أجلهم.
وبنفس هذه الطريقة صنع لهم النباتات والحيوانات والأسماك لتكون طعامهم".
هذه هي (قصة الخلق) في الحضارة المصرية القديمة ورغم تعدد نظرياتها إلا أنها مكملة لبعضها البعض. ولا تبعد كثيرا عن النظرية الإسلامية للكون وذلك لأن مصر وجد فيها أنبياء كثيرون. وقد كان إدريس أول الرسل إليهم ويقال أنه (أوزوريس) المعروف أسطورته هو ذاته (إدريس) عليه السلام مع التحريف في الاسم والتحريف في القصة والأحداث.
كذلك جاء إبراهيم عليه السلام الذي رأى ملكوت ربه إلى مصر. كما ولد موسى وتربى وعاش في مصر، وإلى حاكمها أرسل وبعث. كما أتت مريم وابنها أيضا إلى مصر. وجاء يوسف عليه السلام إلى مصر صغيرا وتربى وعاش ومـات فيها، واعتلى أعلى المناصب فيها (رئيس الوزراء)، وغيرهم وغيرهم من الأنبياء الذين تذكرهم المصادر الإسلامية ويطمس ذكرهم التاريخ المزور. وما من شك أن هؤلاء جميعا قد ذكروا للمصريين قصة الخلق وكيف بدء الخلق، غير أنها حرفت على مر السنين، إلا أن خطوطها العريضة متفقة مع الكتب السماوية ومختلفة تماماً (جملة وتفصيلا) مع النظريات الحديثة. فالمصريون لم يقولوا هذا اكتشافاً، أو اختراعاً، أو افتراضا، أو رأيا، ولكنه وحي أوحاه الله إلى أنبيائه ولكن هذه النصوص لحقها التحريف كما لحق الكتب السابقة على القرآن.
لأولِي الألْبَابِ (آل عمران:190).
(3) إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّموَاتِ وَالأَرْضِ
لآيات لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ  (يونس:6).
(4) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ (الإسراء:12).
(5) وَآيَةٌ لَهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَار (يس:37).
(6) وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (فصلت:37).
(7) وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاوَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (الجاثية:5).
هـكذا ذكر الله الشمس والقمر مرة واحدة كآية تلت ذكر آية الليل والنهار بينما تتحدث باقي الآيات السبع عن (الليل والنهار) فقط.
بل إن الله تعالى لم يذكر خلق الليل والنهار والشمس والقمر إلا في آية واحدة تقدم فيها ذكر الليل والنهار على ذكر الشمس والقمر أيضا.
يقول الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ( الأنبياء:33 ).
فالليل والنهار ليس فقط آيتين مستقلتين كالشمس والقمر، بل يسبقا ذكراً ويكثراً عدداً في آيات القرآن.
وكما ذكر تعالى للشمس والقمر تسخير، فقد ذكر ذلك لليل والنهار. بل وفي الآية 12من سورة النحل يسبق ذكر تسخير الليل والنهار متقدما على ذكر الشمس والقمر تماما كما سبق ذكرهما في الخلق. يقول تعالى وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
ثانياَ: وقـد ذكر لليل والنهار أحـوال كتلك التي للشمس والقمر سواء بسواء. فقال تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (إبراهيم:33) بل هناك آية أخرى وأخيرة لهذا التسخير لليل والنهار ولكن يسبق ذكرهما الشمس والقمروَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ (النحل:12) وذكر لهما جرى مستقل عن جرى الشمس والقمر يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى (فاطر:13) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى (لقمان:29) يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى (الزمر:5).
وقص الله تعالى علينا في القرآن حالات خاصة لليل والنهار ليست للشمس والقمر:
يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأوْلِي الأبْصَارِ (النور:44)
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا (الأعراف:54)
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ(الحج:61)
وَيُكَوِّرُ النَّـهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّـرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُـلٌّ يَجْرِي لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (الزمر:5).
ثالثاً: وقد أخبر القرآن في أكثر من آية أن الله تعالى خلق الليل والنهار قبل أن يخلق الشمس والقمر، والحـق أن المفسرين للقرآن لم يفطنوا لهذا الأمر، رغم أن الله تعالى أخبر عن ذلك، ليس فقـط في القرآن، بل في كل الكتب السماوية، ولا تزال التوراة التي بأيدي الناس الآن تشهد على ذلك ومن أول آية فيها. كما أخبرتنا الأحاديث بذلك أيضا.
يقـول تعالى في سورة النازعات التي تذكر آيات بدء الخلق أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) إن هذه الآية لتتحدث صراحة عن خلق الليل والنهار بمجرد أن رفعت السماء عن الأرض في اليوم الأول. وقبل أن تخلق الشمس بأيام، وقبل حتى أن تهيأ الأرض بهذه الهيئة، وذلك واضح تماماً من الآيات، ولا يفهم غير ذلك منها. وفي قوله تعالى بعد الحديث مباشرة عن رفع السماء عن الأرض (إذ كانتا ملتصقتين) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا فهذه الآية لا تذكر شمساً ولا قمراً، وإنما تذكر غطشاً لليل وإخراجاً للضحى، ثم يذكر تعالى وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا فما تم لليل والنهار كان قبل دحو الأرض فبمجرد أن تم فتق السماء عن الأرض أغطش الله ليل السماء، وأخرج ضحاها، وليس للأرض هنا أي ذكر، كما يتوهم أهل الأرض الآن من المؤمنين وغيرهم، أن الأرض هي التي تحدث الليل والنهار بدورانها. وقد عبر تعالى للإنسان عن خلق الليل والنهار بأعظم وأبلغ بيان بهذه الكلمات الأربع. فقد ذكر هنا (الليل والضحى) وذكرت عملية الخلق بفعلين. هما: (أغطش، وأخرج). ومعنى أغطش هي أظلم، والفرق بين الغطش والظلام أن الغطش هو أشد حالات الظلام، الظلمة الحالكة التي لا يبين منها أي شيء لذلك تعبر العرب عن عدم الاهتداء، والتعامي بالغطش.
أما الضحى فهو أشد حالات النهار وضوحاً واستنارة وبياناً. والمعنى أنه تعالى أحلك ليل السماء بالظلمة الشديدة، وأضاء نهارها بنور وضاح. ليس هو نور الشمس ولكن من نوره عز وجل لأنه تعالى كما أخبر عن نفسه نُورٌ عَلَى نُورٍ ونور السموات والأرض - ولا شك أن فيهما نوراً - هو من نور الله تعالى وليس نور الشمس اللَّهُ نُورُ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضِ (النور).
ولعل ما يؤكد هذا ما ورد بأول سورة الأنعام من قوله تعالى:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ. وقد ورد عن وهب بن منبه أن أول التوراة هو أول سورة الأنعام. وهو ما نجد أثره بالفعل في التوراة الموجودة بين أيدينا الآن وأول آية فيها:" في البدء: خلـق السموات والأرض، وكانت الأرض خربه وخالية، والظلمات تغطي اللجة. وروح الله يرف على المياه".
" وقال الله: ليكن نور، فكان نور، ورأي الله أن النور حسن، وفصل بين النور والظلمات، ودعا الله النور نهارا، والظلمات ليلاً وكان مساء وكان صباح اليوم الأول".
وقد جانب الصواب (موريس بوكاي) عندما خطّأ الكتاب المقدس وانتقده لما أورد ذكر الليل والنهار في اليوم الأول، بينما ذكر الكتاب المقدس خلق الشمس والقمر في اليوم الرابع فقال:" وعمل الله المنيرين العظيمين، المنير الأكبر لحكم النهار، والمنير الأصغر لحكم الليل، وجعلهما الله في جَلَد السماء لتنير على الأرض، ولتحكم على النهار والليل، ولتفصل بين النور والظلمة ورأي الله ذلك أنه حسن. وكان مساء وكان صباح: اليوم الرابع".
والحقيقة أن الكتاب المقدس لم يخطئ في هذا وإنما أخطأ (موريس بوكاي) في فهم الآيات، وأخطأت البشرية كلها لأنها تفهم أن الليل والنهار من صنع الشمس والقمر، وإنهما من صنع الأرض التي تدور حول نفسها كل يوم مرة، وكل هذا غير صحيح، والكتب المقدسة هي الأصح. لقد خلقت الشمس، وكذلك القمر في المرحلة الثالثة من مراحل الخلق، وتحديداً في اليوم السادس، أما الليل والنهار فقد خلقا في المرحلة الأولى كما قال الله. تؤكد سورة النازعات ذلك، وأول سورة الأنعام الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ إن الظلمات والنور (الليل والنهار) جعلهما الله فور خلق السموات والأرض، أي بعد الفتق بينهما مباشرةً. لأن الظلمات والنور ليس من فعل الشمس وإنما من فعل الله عز وجل.
وتؤكد ذلك سورة (الشمس) ذاتها، وفيها:
وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جـَلاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا.
فالنهار هنا هو الذي يجلى الشمس ويوضحها، وليس كما يظن الناس، أن الشمس هي التي تصنع النهار. والليل أيضا هو الذي يغشى الشمس، أي يغطيها ويسترها، وهذا ما تقوله الآيات.
ولكن كما توضح آيات سفر التكوين من العهد القديم، أن الله جعل المنير الأكبر (الشمس) لحكم النهار، ولتحكم على النهار والليل، ولتفصل بين الظلمة والنور فقد تم ذلك بعد خلق الشمس، فأنها جعلت فاصلا بين الظلمة والنور وعلامة لهما. وإلا فإن الليل والنهار في السموات أيضا وليس فيهما شمس ولا قمر، بل والليل والنهار سيظل بعد يوم القيامة بعد فناء الشمس والقمر.
رابعاً: نستدل أيضا من أن الليل والنهار خلق مستقل عن الشمس والقمر مما ورد بسورة الأعراف الآية (54) وفيها يقول تعالى:
إنَ ربَكمُ الله الذِي خَلَقَ السَمَوَاتِ والأرضَ فى سِتَة أيَامِ ثُم استَوَى عَلى العَرشِ يُغشِى الليلَ النهار يطلبُهُ حَثيثا والشَمسَ والقـمرَ والنُجومَ مُسَخرات بِأمره أَلا لـَهُ الخَلقُ والأمرُ تَبارَك الله رَبُ العَالمينَ. إن هذه الآية لتخبرنا بأن لليل والنهار فعل خاص ومستقل بهما: يغشى الليلَ النهار يطلبُهُ حَثيثا. ثم هناك فعل أخر وغير مرتبط بفعل الليل والنهار تذكره الآية للشمس والقمر والنجوم. وهو التسخير، فكيف نقول بأن الليل والنهار تصنعه الشمس. أو الأرض؟ أنهما خلق مستقل.
ومما ورد بسورة طه الآية (130) وفيها يقول تعالى: فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى فقد ذكرت الآية طلوع الشمس وغروبها وذكرت أطراف النهار مما يعني أن هذا غير ذاك، فطرفي النهار غير طلوع الشمس وغروبها، وقد ذكر القرآن حدوداً لوقت النهار غير متعلقة بطلوع الشمس أو غروبها ولعل في ذلك ما يوضح لنا الفرق بينهما فقال تعالى وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ (البقرة:187) فالصوم إذن يكون في نهار شهر رمضان وهو لا يبدأ من طلوع الشمس بل من بداية ظهور أول خيوط الصباح. وينتهي الصوم بالليل كما جاء في الصحيحين" إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم" وكان من الأسهل على رسول الله  أن يقول (إذا غربت الشمس)، رغم توافقها مع دخول الليل. كذلك قـال تعالى وَأَقِمْ الصَّلاةَ طرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْل (هود:114) وطرفي النهار هما وقت تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، والطرف الآخر وقت إدبار النهار وإقبال الليل.
خامساً: في السموات ليل ونهار، رغم أنـه لا شمس ولا قمر، وهذا ما يفهم من قوله عن الملائكة يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ (الأنبياء:20) ولا يعني ذلك أن يكون ليلهم حالك السواد كليلنا لأنهم جميعا نور، وليس أيضا بلازم أن يكون نهارهم كنهارنا لكن المؤكد أن عندهم ليل ونهار لقوله تعالى ذلك.
سادساً: وعندما تقوم الساعة سيكون هناك أيضا الليل والنهار رغم فناء الشمس والقمر وليس بلازم أن يكون الليل بهذا السواد عند أهـل الآخرة ولا النهار بهذا الضوء المبهر المؤذى للعين أحيانا، والمهيج للنفس. ولكن بطريقة مغايرة تماما لأنه لن يكون ثم شمس. يقول عز وجـل عن أهـل الجنة لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا (الإنسان:13).
غير أن الله تعالى يذكر في سورة مريم الآية (12) وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا وهذا عن أهل الجنة، فرغم غياب الشمس وانتهاء دورها إلا أن هناك بكرة وعشيا. ولكن ليس البكور والعشي كبكور أهل الأرض وعشيهم الذي كان متأثرا بوجود الشمس في النهار وغيابها في الليل فيكون ليلا حالكاً ونهارا مبهراً ولكن لغياب الشمس سيختلف الأمر، فسيكون هناك أضواء وأنوار.
سابعاً: روى أحمد في مسنده عن ابن عباس عن رسول الله  قال:" الشهداء على بيارق نهر بباب الجنة. في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة. بكرة وعشيا" وهم يعرفون مقدار الليل والنهار بالحجب فيكون الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويكون النهار برفع الحجب وفتح الأبواب.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول من طريق أبان عن الحسن وأبى قلابة قالا: قال رجل: يا رسول الله هل في الجنة من ليل؟ قال: وما هيجك على هذا؟ قال سمعت الله يذكر في الكتاب وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا فقلت: الليل، من البكرة والعشي. فقال رسول الله " ليس هنالك ليل، وإنما هو ضوء ونور، يرد الغدو على الرواح والرواح على الغدو" وليس في قول رسول الله" ليس هناك ليل" نفي لليل والنهار لأن الآية تثبتهما ولكن يقصد نفي الظلام الذي فهمه الصحابي السائل لذلك قال له:" وإنما ضوء ونور" فالليل ضوء والنهار نور، إذ ثبت في السنة أن هناك أيام في الجنة، وأفضلها يوم المزيد (يوم الجمعة) الذي يلتقي فيه أهل الجنة بربهم ويرونه ويفيض عليهم بنوره وبهائه.
نخلص من ذلك أن الليل والنهار قد خلقا قبل الشمس والقمر. وكان ذلك الخلق في المرحلة الأولى.
وفي الصحيحين أيضا يقول الله" يؤذيني إبن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار".
المرحلة الثانية: يومي الثلاثاء والأربعاء
إن هذه المرحلة هي التي تحدثت عنها الآية (10) من سورة فصلت بقوله تعالى:
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ وهي التي سماها الله باسم (الـدحو) لقوله تعالى في سـورة النازعـات وَالأرْضَ بَعـْدَ ذَلِكَ دَحـَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءها وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا.
وهناك سور عديدة فصلت وبينت ما أجمل هنا. وهذا الإجمال هو:
(1) جعل رواسي في الأرض.
(2) جعل البركة فيها (الماء والمرعى).
(3) تقدير الأقوات فيها.
وإن كان ذكر الجبال في سورة فصلت قد قدم على غيره، فإنه تأخر في سورة النازعات وقد تم ذلك لعلة سنذكرها في حينها وسنؤخر الحديث عن الجبال إلى نهاية الحديث عن هذه المرحلة إتباعا لنهج سورة النازعات.
لم يحدث أي شيء للسماء في هذه المرحلة، فهي مرحلة خاصة بالأرض وحدها، تم فيها كل شيء متعلق بالأرض وتهيئتها لمن سيسكن فيها. فكل ما نراه الآن في شكل وهيئة الأرض فقد تم في يومي الثلاثاء والأربعاء، من تقسيم الأرض إلى قارات وبسطها وفرشها وتمهيدها. وإخراج الماء، وإنبات المرعى وتقدير الثروات المعدنية وموارد الأرض التي يستعين بها الإنسان في صناعته الآن، كل ذلك قد وجد في هذين اليومين، وخلق الكائنات الحية من حيوانات وأسماك وطيور وما يسر لكل دابة من رزق فقد تم أيضاً في هذه المرحلة.
وسنتحدث عن هذه الأمور بشيء من التفصيل فنقول بتوفيق الله:
طحو الأرض
يقول الله تعالى في سورة الشمس وَالأرْضِ وَمَا طَحَاهَا وقد بين الحديث معنى (الطحو) والذي عبر عنه رسول الله  بالفتق وقال:" ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة ثم فتقها فجعل سبع أراضين في يومين" فهذا الفتق لذات الأرض التي كانت متجمعة في مكان واحد فجعل منها سبع قارات في يومين" فهذا هو (الفتق الثاني) وهو غير فتق السماء عن الأرض.
وقلنا أن الحديث تبيين لمعني الطحو، كما أن العرب تطلق لفظ الطحو علي الذهاب يقول أبو عمرو بن العلا: طحى الرجل إذ ذهب في الأرض. وعلي ذلك يكون المعني: أن الله تعالى قسّم الأرض المتجمعة إلي أقسام وأذهب كل قسم بعيدا عن الآخر في الماء.
وقد روى ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتـم وَالأرْضِ وَمَا طَحَاهَا (الشمس) أي قسمها.
إذن فقد تكونت القارات السبع التي سماها رسول الله :" الأراضين السبع" في يومين، ولم يتم ذلك في ملايين السنين كما يقول التجريبيون ويقوله من ورائهم المسلمون في نظريتهم المعتمدة في بلاد القرآن بأن هذه القارات إنما تكونت بعملية الإزاحة والتحرك التي استغرقت ملايين السنين حتى أصبحت كما هي عليه الآن، وأن هذه العملية (التزحزح) لازالت مستمرة حتى الآن رغم قول الله تعالى وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرّ (القمر:3) ولم نسمع صوتا لعالم يصحح هذا الخطأ الشنيع الذي يتعارض تماما مع قول الله وَالأرْضِ وَمَا طَحَاهَا ومع قوله تعالى عن قدر الأيام التي خلق فيها الأرض والتي قدرها بأربعة أيام، والذي يتعارض أيضا مع قول رسول الله  أن فتق الأرض (الطحو) تم تحديدا في يومين، بينما هم يقولون أن ذلك تم في بلايين السنين ولا يزال.
لا يذكر العهد القديم عملية الطحو هذه وإنما ذكر عملية تكوين اليابس والماء:" وقال الله: لتجتمع المياه تحت السماء إلي مكان واحد، في كتلة واحدة ولتظهر اليابسة. وكان كذلك، ودعا الله اليابسة (أرضا)، ومجتمع المياه دعاه (بحاراٌ). ورأي الله ذلك انه حسن" (التكوين 1/9).
ثم فصلت عدة آيات من القرآن ما تم للأرض بعد طحوها:
يقول تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِسَاطًا ( نوح:19).
فبعد أن تم تجزئة اليابس إلي سبع قارات بسط الله هذا اليابس وجعله منبسطا ممدوداً، حتى يتسنى المعاش علي الأرض بالحركة والسير، ولهذا قال تعالى بعد هذه الآية: لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلا فِجَاجًا (نوح:20) أي طرقا واسعة مختلفة. ويقول تعالى الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمُ فِيهَا سُبُلا (طه:53). وقـال الَّـذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمُ فِيهَا سُبُلا (الزخرف:10) فقد مهد الله تعالى الأرض تمهيدا بعد بسطها وجعلها كالفراش اللين، وفي هاتين الآيتين كلمتين مختلفتين (سلك وجعل) وهما لتأكيد أن الله عز وجل هو الذي جعل في هذه الأرض التي مهدها سبلاً أي طرقاً، وأنه تعالى هو الذي سلك بهذه الطرق داخل أي شيء من شأنه أن يعوقها كالجبال مثلا.. وقد سلك هذه الطرق مما يجعلها مهيأة تماماً لسير سكانها إلى حيث يريدون.
وقال تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً (البقرة:22).
وقال تعالى: وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (الذاريات:48).
إن هذه الآيات ليقشعر منها البدن خجلا مما فعله الله لراحة بنى آدم وما رد به بنو آدم من جحود ونكران. وعندما يتملى المرء في آية فرش الأرض وتهيئتها بهذه الصورة المريحة والجميلة قبل أن يأتي الإنسان إلي الأرض، ويهيأ له كل شيء لاستقباله بكل العناية والكرم، ويأتي الإنسان بعد ذلك ليكفر بالله ويكذّب الله، ويدعي أن أحداً لم يفعل ذلك بل تم ذلك صدفة، ولا يشكرون الله تعالى علي هذا الكرم، ولا حتى يعترفون به، فهو أمر مؤسف من الإنسان وسيدفع الثمن غاليا.
يخبر تعالى أنه سوّى الأرض للإنسان وأصلحها، ووطئها، وفرشها له من كل فراش أرضي. فهذه مفروشة بالتراب، وهذه بالرمال، وذلك بعد أن هيئها له ليستفيد منها استفادات مختلفة حسبما يكون من قشرة كل أرض، فجعل كل بقعة منها مهيأة لأمر غير البقعة الأخرى، من السهول والوعار والبراري والقفار والتراب والصخور والحجارة والرمال، كل ذلك لتختلف المصنوعات وتختلف أنشطة السكان وطرق معايشهم حسبما يشتهون ويرغبون.
خلـق الأنهار
في سورة فصلت يقول تعالى وَبَارَكَ فِيهَا وفي سورة النازعات يقول أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءها وَمَرْعَاهَا. لذلك نرى أن تفسير البركة هنا يعني إخراج الماء والمرعي، هذا فضلا عن البركة المعنوية التي أضفاها الله علي الأرض.
أما إخراج الماء فالمقصود به الماء العذب وليس الملح الأجاج، فهذا قد تم خلقه في المرحلة الأولي مع اليابس، لكن المقصود هنا بالماء هو الماء العذب الفرات.
فهذه الأنهار التي تجري في الأرض قد خلقت في يومي المرحلة الثانية للخلق ولا صحة أبدا لما يقوله التجريبيون أن هذه الأنهار قد تكونت بفعل الماء، بل إن الثابت أن الأنهار شقها الله عز وجل ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا (عبس: 26) وليست من فعل الماء، ويقول تعالى وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا (الرعد:3) وواضح من الآية أن الأنهار مخلوقة، وليست متكونة، هذا أيضا غير العيون التي فجرها الله من الأرض.
والقارئ للآيات التي ورد فيها ذكر الأنهار يجدها مرتبطة بذكر الجبال الرواسي الشامخات وذلك لأن الأنهار تجري ومن ثم ستكون دائما في حاجة لمدها بالماء، فهو تعالى قد خلق الأنهار بادئة من وراء الجبال الرواسي حتى إذا ما نزل ماء السحاب عليها لم يتفرق في كل جهة بل يتجه إلي حيث يـوجهـه الله أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ (السجدة:27).
فحتى جرى الماء في نهره بفعل الله عز وجل. وكل الآيات التي تتحدث عن الأنهار قد وردت مع آيات الجبال كقوله تعالى:
 وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا (النحل:15).
وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (المرسلات:27).
والأنهار جعلها الله تعالى من أهم منافع الدنيا، بل إنها ستكون من متع الآخرة. فإنه تعالى عندما يرغب المؤمنين في الجنة يذكرهم بأنهارها، وأن أهلها ستجرى من تحتهم الأنهار.
ولا يخفي عنا مدى أهمية الأنهار بالنسبة لسكان الأرض الآن. من حيث الحياة ذاتها ومن حيث بناء الحضارة، فإن الحضارات العظيمة، إنما نشأت حول الأنهار.
إن سورة النازعات لتخبرنا أن هذه المياه خرجت من الأرض. أي أن أول مياه تجرى في هذه الأنهار كانت من مياه الأرض لقوله أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءها (النازعات:31) غير أن أحاديث صحيحه رواها البخاري ومسلم وغيرهما عن رسول الله  أنه أخبر أن نهر النيل ونهر الفرات أصلهما وعنصرهما من الجنة. وعلى ذلك فعلى غير كل مياه أنهار الأرض، كانت أول مياه جرت في النيل والفرات من مياه أنهار الجنة، بعد ذلك جرى النهران بماء السحاب كما هو معلوم ومشاهد الآن.
وقد روى البخاري في صحيحه عن مالك بن صعصعة أن رسول الله  لما ذكر (سدرة المنتهى) قال:" فإذا يخرج من أصلها نهران باطنان، ونهران ظاهران. فأما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات".
وفي رواية أخرى عند البخاري أن رسول الله  أخبر عن هذه الأنهار أن عنصرهما من الجنة، أي مادتها وشكلها مما في الجنة. بل ولا يمنع أبدا أن يكون ماء السحاب الذي يجرى منه النيل والفرات قد يؤتى به بواسطة الملائكة من الجنة. والله أعلم.
وشاءت حكمة الله تعالى أن يجعل الأنهار جارية والبحار راكدة، لأن في ركودها نعمة ودفـع مضرة. كما أن البحار تصب فيها الأنهار. كذلك لا تزيد البحار، بقدرة الله تعالى، لأنه سبحانه يحبسها لكي لا تغرق العباد.
ومن نعمة الله تعالى في الأنهار، أنها تسوق الماء من الأماكن التي يكثر فيها المطر إلي الأماكن التي يقل فيها، لأنها أرض جرز لا تمسك الماء إذا نزل عليها، فينزله الله في مكان آخر يمسك الماء ثم يسوقه تعالى في نهر إلي الأرض الجرز، كما يحدث مثلا لأرض مصر والتي فسر العلماء الأرْضِ الْجُرُزِ بمصر في قوله تعالى أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا (السجدة:27).
وكلمة نَسُوقُ تدل على أن الله تعالى هو الذي يسّير الماء حيث يشاء، سواء كـان الماء في السماء أو في الأرض، وليس الأمر من قبل الطبيعة.
وصف النيل
ذكر ابن كثير في كتاب (البداية والنهاية) النيل فقال:" هو النهر الذي ليس في أنهار الدنيا له نظير في خفته، ولطافته، وبعد مسراه، فيما بين مبتدئه إلى منتهاه".
قال ابن سينا:" له خصوصيات دون سائر مياه الأرض: منها أنه أبعدها مسافة من مجراه إلى أقصاه. ومنها أنه يجرى على صخور ورمال ليس فيه خز ولا طحلب ولا أوحال. ومنها أنه لا يخضر فيه حجر ولا حصاة، وما ذاك إلا لصحة مزاجه وحلاوته ولطافته، ومنها أن زيادته في أيام نقص سائر الأنهار والعكس".
وقد أورد ابن كثير (في البداية والنهاية) حادثة مع النيل تدل على أن الأنهار يجريها الله تعالى وليس أمرا طبيعيا. فقد روى عن عبد الله بن لهيعة عن قيس بن الحجاج عن من حدثه قال:" لما فتح عمرو بن العاص مصر أتى أهلها إليه حين دخل شهر بؤنة فقالوا: أيها الأمير. إن لنيلنا هذا سنة لا يجرى إلا بها، فقال وما ذاك؟ قالوا: إذا كان لثنتي عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضينا أبويها، وجعلنا عليها من الثياب والحلي أفضل ما يكون ثم نلقيها في هذا النيل، فقال لهم عمرو: إن هذا لا يكون في الإسلام. وإن الإسلام يهدم ما قبله.
فأقاموا بؤنة والنيل لا يجرى لا قليل ولا كثير. وأقاموا أبيب ومسرى وهو لا يجرى حتى هموا بالجلاء.
فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك. فكتب إليه عمر: أنك قد أصبت بالذي فعلت، وإني باعث إليك بطاقة داخل كتابي هذا، فألقها في النيل، فلما قدم كتابه أخذ عمرو بطاقة عمر وفتحها فإذا فيها:
" من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر (أما بعد):
فإن كنت تجرى من قبلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله أن يجريك" فألقى عمرو البطاقة في النيل، فأصبح يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعاً في ليلة واحدة. وقطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم".
خلق النبات
لقد ورد بالقرآن كثير من الآيات التي تتحدث عن الزرع والنبات ومعظمها يصف الله فيها قدرته ونعمته بإنزاله الماء من السماء، وما ينبت به من زرع ونبات، وليست هذه الآيات هـي المتعلقة ببدء خلق النبات، لكن بعضاً منها فقط هو ما يخبرنا فيه عز وجل عن خلق النبات الذي تم في يومي الدحو (المرحلة الثانية) من ذلك آيات سورة (ق) يقول تعالى:
وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11). هذه الآيات تخبرنا عن عملية (الإنبات) مرتين، الآية (7) والآية (9) أما الإنبات في الآية (7) فهو الإنبات الأول في بدء الخلق، الذي تم في يومي الدحو، وهو ما تم بواسطة الله وحده ومباشرة، ولا علاقة له بالمطر.
وأما إنبات الآية (9) فهو الإنبات الذي تم بواسطة البشر عن طريق الزراعة بالمطر وما شابه. إذن الآية (7) هي التي نعنيها في بدء الخلق.
وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيج.
وهناك عدة آيات في عدة سور يفصل فيها عز وجل خلق النبات فقال تعالى في سورة فصلت وَبَارَكَ فِيهَا وقد شرحت معنى هذه البركة سورة النازعات أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا.
ومن هذه الآيات قوله تعالى في سورة الرعد الآية (3): هُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وفي سورة الرحمن يفصل تعالى تفصيلاً آخر يقول: وَالأرْضَ وَضَعَهَا لِلأنَامِ (10) فِيهَا فـَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12) . فمن هذه الآيات وغيرها نعلم أن الله قد خلق أنواعا من النبات في بدء خلق السموات والأرض وكان ذلك في المرحلة الثانية مرحلة الدحو، وكان ذلك يومي الثلاثاء والأربعاء. ولعل هذه العملية تحديدا كانت يوم الثلاثاء فقد أوجد الله المرعى، والأشجار والغابات والورود والرياحين ومن كل زوج من الفاكهة والحبوب.
تقدير الأقوات
يقول تعالى وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ (فصلت:10) أي أن البركة وتقدير الأقوات تم في يومين، فتم للأرض أربعة أيام كاملة.
والأقوات هي كل ما يصلح لمعايش سكان الأرض وتشمل ذلك الموارد التي نسميها طبيعية وهي (ربانية) والثروات المعدنية، وكل ما هو في باطن الأرض من أحجار ومعادن من حديد ونحاس وألمونيوم ومنجنيز وماغنسيوم وبوتاسيوم وفضة وذهب وأحجار كريمة، والبترول والفحم كل ذلك من تقدير الله عز وجل وليس من صنع الطبيعة كما يقول المنكرون لصنع الله. فآية تقدير الأقوات تدل على أن كل ما في الأرض من خيرات وثروات من تقدير الله الذي خلقه في يوم واحد من يومي الدحو ولم يتكون ذلك على مدار ملايين السنين كما يقول التجريبيون الكافرون بالله ويتبعهم في ذلك المسلمون المؤمنون بالله.
يقول تعالى وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ (الأعراف:10) فهذه الآية تؤكد أن كل ما قدره الله في الأرض لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وهذا البترول الذي تتعيش منه دول كثيرة ليس من صنع الطبيعة كما يقولون، ولا أنه تكون من تحلل وتعفن أعضاء حيوية وكائنات ميتة على مدار ملايين السنين.
وقد كذبوا في ذلك، ولا وجهه للتشابه بين البترول وبين هذه المواد التي يقولون بأنها تحللت وتعفنت، إذ المعروف أن كل ما يموت من الكائنات الحية أو ما يتخلف من الشجر والنبات كل ذلك يتحلل في الأرض ويعود ترابا، لذلك يقول عز وجل أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً ‎وَأَمْوَاتًا (26) (المرسلات) أي أن الأرض جعلها الله كافية لكل المخلوقات التي توجد عليها وتخلق فيها من بدء الخلق إلى يوم القيامة، مهما بلغت لأنها عندما تنمو فإنما تنمو من الأرض وعندما تموت تعود إليها وتتحلل فيها، فلا تتكوم وتتراكم لكي تتعفن وتتحلل، ولو كان البترول يأتي من هذا العفن، فمن أين أتى الذهب، وباقي الأحجار الكريمة والمعادن الموجودة في باطن الأرض؟؟
صدق الله قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ (الأعراف:10) أيخلق الله، ويعبد غيره؟ أيرزق ويشكر سواه؟
خلق الدواب وبثها
يقول تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (الشورى:29).
فالدواب هي من المعايش التي خلقها الله في يومي الدحو ووزعها ونشرها وبثها في بقاع الأرض وقاراتها السبع، وبثها في التراب، والطين، والصخور والحجارة وفي البـحار، والأنهار، وفي الغابات، والبراري، والقفار، وفي جو السماء. وقد جعل تعالى من الدواب ما يتناسب مع المكان الذي أودعها سبحانه وتعالى فيه.
وقد ذكر تعالى في القرآن لفظ (دابة) 14مرة فقط. وأنه جعل في كل من السماء والأرض ما يدب فيهما، وهذا الرقم ليشمل المنطقتين، فسبع في السموات السبع، وسبع في الأرضين السبع. ومن يدب في السموات هم الملائكة، وما يدب في الأرض هم أنعامها وأسماكها وطيورها، ووحوشها وحشراتها وزواحفها فضلاً عن إنسها وجنها يقول تعالى:
وَالأنْعَامَ خَلَقَهــَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَســْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقــَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونــُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشــِقِّ الأنفُسِ إِنَّ رَبَّــكُمْ لَرَءوفٌ رَحِيمٌ (7) وَالْخَيْــلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ (8) (النحل).
وقد ورد تفصيل ذلك أيضا بالإصحاح الأول من سفر التكوين بالعهد القديم:
" وقال الله: لتجتمع المياه بعجيج الكائنات الحية، ولتطر طيور فوق الأرض وعلى وجه جلد السماء، وكان كذلك وخلق الله كبار ثعابين البحر، وكل الكائنات الحية، التي تنزلق وتعج في البحار كل بحسب جنسه، وكل ذي جـناح بحسب جنسه ورأي الله ذلك أنه حسن. وباركها الله قائلا أثمري وأكـثري واملئي البحار، وليتكاثر الطير على الأرض. وكـان مساء وكان صبــاح" (الآيات من 20 : 23).
" قال الله: لتخرج الأرض الكائنات الحية كجنسها كبهائم ودبابات، ووحوش كجنسها، وكان كذلك، ورأي الله ذلك أنه حسن".
روى الحافظ أبو يعلى عن بن الخطاب قال سمعت رسول الله يقول: خلق الله ألف أمة، منها ستمائة بالبحر وأربعمائة في البر. وأول شيء يهلك من هذه الأمم: الجراد، فإذا هلك تتابعت مثل النظام (العقد) إذا قطع سلكه".

خلق الجبال
من المؤكد أن خلق الجبال تم في يومي الدحو (الثلاثاء والأربعاء) فإنها ذكرت في سورة فصلت في أول المخلوقات التي خلقت في هذين اليومين ولكنها ذكرت في آخر المخلوقات في سورة النازعات، لذلك ذكرناها نحن في آخر المخلوقات إتباعا لما ورد بسورة النازعات.
لكننا نرى رأيا بشأن خلق الجبال يدفعنا للقبول به هذا الاختلاف في الذكر في السورتين، ويؤيد ذلك عدة أحاديث.
فنقول أن الجبال كانت من أول المخلوقات كما ورد بسورة فصلت وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَها. ولكنها أيضا لم تستعمل في إرساء الأرض إلا بعد اكتمال المخلوقات وذلك كما ورد بسورة النازعات أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32).
وكما أزلنا اللبس الذي التبس على البعض من هاتين السورتين نفسيهما، عندما أوردت سورة فصلت الأرض كبدء للخلق، بينما أوردت سورة النازعات أن البدء بالسماء واحتار البعض أيتهما خلق أولاً، وأثبتنا أن كلتاهما (الأرض والسماء) خلقتا معاً.
فإننا بإذن الله سنزيل ما قد يعتري القارئ من لبس عندما يقرأ في أهم سورتين تفصلان بدء الخلق أن (فصلت) تبدأ بالجبال، بينما (النازعات) تنتهي بها.
ذكرنا أن الله تعالى لا يذكر الأنهار إلا ويذكر معها الجبال، ذلك لأننا نعلم أن الأنهار إنما تجرى مبتدئة من وراء الجبال التي ينزل عليها الماء بغزارة ولكن هذا الذي شاهدناه عندما وجدنا على الأرض، لكن هناك ملحوظة صغيرة ولكنها هامة وردت بالقرآن. إذ ورد بسورة النازعات أن الماء الذي جرى في الأنهار قد خرج من الأرض، أما الجبال فقد ورد بسورة فصلت أنها جاءت للأرض من فوقها. وهذا الأمر بالطبع مناقض لما نراه في الحياة الدنيا الآن، أن الماء الذي يجرى في الأنهار يأتي من السحاب الذي في السماء، وأما الجبال فنجدها راسخة في باطن الأرض، ولكن هذا بعد أن تم الأمر وسارت الأمور إلى ما هي عليه الآن.
أمـا في بدء الخلق فالأمر مختلف، يقول تعالى أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءها والآية واضحة. أن الماء في البدء خرج منها. أما في (فصلت) فيقول وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وواضح أيضا من الآية أن الجبال جاءت للأرض من فوقها. وفي أكثر من آية نعلم أن الجبال جاءت للأرض من خارجها ثم ألقيت فيها:
وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ (ق:7).
وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ (لقمان:10).
فهذه الجبال ألقيت من فوق الأرض لترسيها، وإنما ألقيت بعد أن استقر كل شيء على الأرض.
وإن كانت الجبال من أوائل المخلوقات كما ذكر تعالى في سورة فصلت، فإن السورة أيضا تبين أن الله تعالى عندما خلق الأرض لم يرس الجبال فوقها مباشرة، وإنما جعلها مِنْ فَوْقِهَا وهذه الإضافة لم ترد إلا هنا فقط إذن فقد خلقت الجبال وأودعت في مكان ما فوق الأرض. لتستقر على الأرض في اليوم السادس وهو اليوم الأخير من أيام الخلق. وهذا ما يفسر لنا لماذا ذكرت الجبال في سورة النازعات كآخر المخلوقـات، ولنتأمل جيداً في الآيات:
أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32).
وهناك أحاديث عديدة تؤكد هذا الأمر منها الحديث الذي رويناه عن ابن عباس عن رسول الله  المتعلق ببدء الخلق والذي فيه:" وخلق يوم الجمعة النجوم و الشمس والقمر، والملائكة إلى ثلاث ساعات بقين منه، فخلق من أول ساعة من هذه الثلاث: الآجال (حين يموت من يموت)، وفي الثانية ألقى فيها من كل شيء مما ينتفع به....
نعلم من هذا الحديث أن الملائكة خلقت يوم الجمعة وهو اليوم الأخير من أيام الخلق دون خلاف. ثم بعد ذلك ألقى الله في الأرض (من كل شيء ينتفع به). وهذا الإلقاء تفسره باقي الآيات وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ (لقمان:10) ويبين ذلك أيضا الحديث الذي رواه أحمد عن أنس بن مالك عن النبي قال" لما خلق الله الأرض جعلت تميد (تتمايل) فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت فتعجب الملائكة من خلق الجبال (أي من قوتها) وهذا يدل على أن الملائكة رأت الأرض وهي تتمايل، أي أن الأرض ظلت بحالتها حتى رأتها الملائكة التي خلقت في اليوم الأخير. ويؤكد ذلك مـا رواه الحسن وسعيد عن قيس ابن عبادة أن الله لما خلق الأرض جعلت تميد. وفي رواية أخرى (لما خلقت الأرض كانت تميد) فقالت الملائكة: ما هذه بمقرة على ظهرها أحد، فأصبحوا وفيها رواسيها، فلم تدر الملائكة مما خلقت الجبال".
فإن هذا الحديث ليدل على أن الملائكة رأت الأرض وهي تميل وقد بقيت فترة كذلك، حتى فوجئوا بها ثابتة بإرساء الجبال عليها.
وفي حديث أحمد:" فتعجبت الملائكة من خلق الجبال: فقالت: يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال؟
قال: نعم. الحديد. قالت: فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟
قال: نعم. النار. قالت: فهل من خلقك شيء أشد من النار؟
قال: نعم. الماء. قالت: فهل من خلقك شيء أشد من الماء؟
قال: نعم. الريح. قالت: فهل من خلقك شيء أشد من الريح؟
قال: نعم. ابن آدم، يتصدق بيمينه يخفيها من شماله".
إذن فقد ورد ذكر الجبال في آخر مراحل الخلق في سورة (النازعات) خلافا لما ورد بسورة (فصلت) لعلة حكيمة، ذلك أن الله تعالى أرساها آخر أيام الخلق رغم أنها من أول المخلوقات. أما الحكمة من إرجاء إرساء الجبال رغم وجودها فذلك ما سنعرفه في الصفحات التالية بإذن الله. بعد أن نذكر كلمة عن منافع الجبال ودورها في الأرض.
فائدة الجبال
الفائدة العظمى والدور الأول للجبال أن الله تعالى أرسى بها الأرض، بعد أن كانت تميد. ولولاها لما أقرت الأرض على ظهرها أحد كما عبر عن ذلك الملائكة الذين شاهدوها وهي تميل.
هناك دور آخر ذكره الله تعالى للجبال في القرآن فقال وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْجِبَالِ أَكْنَانًا (النحل:81) والأكنان جمع: كن. وهو ما يستكن به من المطر، وهي المغارات في الجبال جعلها الله للخلق يأوون إليها، ويتحصنون بها، ويعتزلون عن الخلق فيها.
دور آخر للجبال فضلاً عن الإرساء والإكنان هو ما قال عنه تعالى:
وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا (النحل:68) أي ألهم النحل أن يتخذ من الجبال بيوتا يسكن فيها.
كذلك أودع الله تعالى في الجبال المعادن التي توزن، والتي تعتبر خامات للإنسان يستعين بها في معايشه. ويقول تعالى وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (النحل:19) فقد قال البعض بأن الضمير في قوله (فيها) يعود على الرواسي. والمعنى: أنبتنا في الجبال من كل شيء موزون، يعنى كل ما يوزن من الذهـب والفضة والنحاس والرصاص والحديد ونحو ذلك، وهو ما تحتويه الجبال بالفعل.
ورغم أن الجبال خلقت لثقل الأرض وتثبيتها إلا أن الله تعالى عندما أرسها في الأرض جعل منها أيضا ألوان مختلفة لتكون زينة للناس بتعـدد ألوانها وأشكالها وأطوالها يقول تعالى أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنْ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (فاطر:27) أي أن الله كما أخرج من تراب الأرض ثمرات مختلفة الألوان منها الأحمر والأصفر وغيرها، فكذلك الجبال جعلها الله ذات طرائق وخطوط مختلفة الألوان، بيض وحمر ومختلفة في الشدة والضعف مع أن أصلها واحد. وهذه الآية توضح لنا أن الجبال مختلفة في ألونها وفي صخورها. وهو ما يقر به علماؤنا الآن، غير أنهم يدعون - تبعا للتجريبيين - أن هذه الصخور تأتى من باطن الأرض (كالصخور النارية) والبعض يتكون من عوامل التعرية وغيرها (كالصخور الرسوبية) وليس لقولهم دليل من الصحة.
فهذه الجبال يؤكد القرآن في آيات أنها خلقت خلقاً خاصاً وأنها ليست من الأرض،ولذلك فإن مكونات الجبال تختلف تماما عن مكونات الأرض. حيث أن الجبال بعد خلقها ألقيت (هكذا قال الله) على الأرض من فوقها. فصخورها ليست من الأرض في شيء.
وواضح أن كل ما يكون من شأن الله وأمره يحوله الكافرون بالله إلى فعل غيره، وبعد أن كانت الجبال مخلوقة خلقا خاصاً، نجدها جزءً من الأرض، وبعد أن يخبرنا الله أنه هو الذي خلقها بقدرته، يقولون لنا: أن الأرض هي التي أوجدتها بظروف طبيعية.
هكذا خلق الله تعالى الأرض وهيئها بهذه الصورة التي نشاهدها وبالطريقة التي ذكرت لنا. ولا نرى في كلام الله أي انفجار، ولا اصطدام ولكن نرى خلق، وحكمة وعناية، وكرم، وتكريم.
الأرض بعد الدحو
يذكر علماء التفسير والمتكلمون عن العروض والأطوال والبحار والأنهار من علماء العرب القدامى أن الأرض بعد دحوها وتهيئتها، أخذت الشكل الحالي لها وأصبحت عبارة عن كرة من الماء العظيم إلا مقدار الربع. أي أن اليابس 90 درجة والماء 270 درجة. وقد اقتضت العناية الإلهية، والحكمة الربانية، أن ينحسر الماء عن هذه المساحة، لتعيش عليها الحيوانات، وتنبت فيها الزروع والثمار، كما قال تعالى: وَالأرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ (الرحمن:10). قالوا: والمعمور من هذه الدرجات التسعون اليابسة البادية من الماء قريب من الثلثين أي 65 درجة وباقي اليابسة غير معمور.
وجعل الله تعالى ما يقابل الأرض اليابسة بحرا محيطا (المحيط الهادي) وهذا هو البحر الرئيسي في الأرض، قال المفسرون: وهو الذي فيه الجزائر الخالدات، المتاخمة لبلاد المغرب (يقصدون الأمريكتين) والتي تفصل بينها وبين ساحل بلاد المغرب 10 درجات أي مسيرة شهر تقريبا (هكذا قدروها)، وقالوا: هو بحر لا يمكن سلوكه ولا ركوبه لكثرة أمواجه، واختلاف ما فيه من الرياح والأمواج. ولا يستخرج منه شيء.
هذا وصف للبحر المحيط (المحيط الهادي) موجود بكتب التفسير كلها وقد ذكره ابن كثير المولود سنة 701 والمتوفي سنة 774 هجرية. وقد ذكر رحمة الله أقوال العلماء الذين ذكروا أن الأمريكتين في المحيط الهادي بعد بلاد المغرب بعشر درجات وسموها (الجزائر الخالدات) والتي ينسب اكتشافهما إلي (كريستوفر كولومبس) مع أن ذكرهما وجد في كتب العرب والمسلمين في أوائل التاريخ الهجري. بل أنهم ذكروا أن سليمان عليه السلام ذهب إليهما بجنوده، بواسطة الريح التي سخرها الله له. وقد ترك هناك علامات ودلائل موجودة حتى اليوم، يذكرونها هناك بآثار الحضارة (الهيليسينية) وهي حضارة سليمان عليه السلام ثم أنهم حددوا سواحل هذا المحيط تحديدا دقيقاً وذكروا أبعاده وأسماء البلاد المتاخمة له، وأسماء البحار المتفرعة منه.
فذكروا منها أنه ينبعث من المحيط الشرقي بحار أخر فيها جزائر كثيرة حتى يقال أن بحر الهند فيه 1700 جزيرة فيها مدن وعمارات، سوى الجزائر العاطلة، يقال له البحر الأخضر، فشرقيه بحر الصين، وغربيه بحر اليمن، وشماله بحر الهند وجنوبه غير معلوم.
وذكروا أن بين بحر الهند وبحر الصين جبال فاصلة بينهما، وفيها فجاج تسلك المراكب بينها، يسيرها لهم الذي خلقها، كما جعل مثلها في البر أيضا قال الله تعالى: وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (الأنبياء:31).
هذا هو البحر المحيط. ثم إن الله تعالى فرّع من هذا البحر المحيط سبعة أبحر تتخلل اليابس. وهي التي ذكرها تعالى في سورة لقمان بقوله وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مـَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (لقمان:27). فالشجر هنا تعبير عن شجر الأرض كله وهي بلاغة تفيد: لو إنما في الأرض من شـــجر أقلام، فوحد الشجرة، لما تقرر في علم المعاني من استغراق المفرد أشمل، والبحر المحيط مع سعته يمده السبعة أبحر الموجودة في الأرض، وكتب بها معلومات الله وعجائبه في مصنوعاته الدالة على قدرته ووحدانيته لنفد هذا البحر قبل أن تنتهي وتنفد تلك المعلومات. كـل هـذا رغــــم أن القرآن والتــوراة وسائر الكتب كان فيها تبيان كل شيء.

إتيان السماء والأرض
لقد اكتملت الأيام الأربعة تماما. وفي بداية اليوم الخامس حدث حادث وتم أمر رغم أنه كان على درجة كبيرة من الأهمية، ورغم حدوثه مرة واحدة في تاريخ الكون ورغم أن الله تعالى ذكره في كتابه بإيضاح شديد إلا أن علماء التفسير لم يدركوا المعنى الصحيح لهذا الحدث.
وذكرنا في بداية حديثنا عن مراحل الخلق أنها ثلاث مراحل بينها (حدث متخلل) ولعل ذلك يبين لماذا ذكرت مراحل الخلق في سورة فصلت في أربع آيات، وذلك لأن مراحل الخلق تخللها حدث هام، كان هذا الحدث بعد اكتمال المرحلة الثانية، أي أنه تم في أول المرحلة الثالثة.
يقول تعالى في سورة فصلت الآية 11 ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ .
إن هذه الآية توضح عملا وقولا صدرا من السماء والأرض للمرة الأولى والأخيرة في حياة الكون وكان عملهما أنهما (أتيا) وكان قولهما أنهما قالتا (أتينا) ولم ينسب للأرض أو للسماء بعد ذلك أي عمل قاما به حتى قيام الساعة. ولكي نعرف المكان الذي أتيا فيه، نعود إلى حديث بدء الخلق الذي رواه البخاري عن رسول الله  أنه قال:" كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض" .
وكذلك حديث ابن عباس وابن مسعود أن النبي  قال:" إن الله تعالى كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء فسما عليه فسماه سماء ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة ثم فتقها فجعلها سبع أراضين في يومين" إن هذين الحديثين ليدلان على أن أصل الخليقة: الماء. وأن هذا الماء هو الذي كان العرش عليه، وأن بدء الخلق كان بارتفاع الدخان منه ثم توالت الأحداث، حتى إذا مـا اكتمل بناء السماء وتهيئة الأرض للحياة عليها، انتقلتا من مكان خلقهما إلى مكانهما الحالي، تحتل الأرض المركز فيه. فلم يتم الخلق بداهة في هذا المكان الذي نحن فيه الآن، بل تم في مكان آخر ثم صدر أمر الله تعالى لهما بالإتيان للمكان الذي نـحن فيه الآن. وكانت هذه هي الحركة الوحيدة التي قامت بها السموات والأرض، وقد صدرت منهما أيضا الكلمة الوحيدة التي نطقا بها قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ.
إن الآية واضحة الدلالة تماما، ومنطقية تماما مع توالى الأحداث، ورغم ذلك فلم يقل المفسرون بهذا. وإنما قالوا: إن الله تعالى أمر السماء والأرض بأن تأتى كلا منهما ما بداخلها من أمور. أي أنه تعالى قال للسماء: أطلعي شمسك وقمرك ونجومك. وأما أنت يا أرض فأطلعي نباتك وأخرجي ثمارك وشقي أنهارك.
هذا ما يقوله المفسرون وهو كلام غير معقول، وغير مقبول. أيأمر الله الأرض بأن تأتى ما فيها بعد ما أخبر أنه خلق كل ما فيها في أربعة أيام؟ ويأمر السماء أن تأتى بما فيها ثم بعد ذلك يأمرها مرة أخرى بعد يومين بأن تأتى ما فيها؟.
إن الآية واضحة وضوحاً تاماً لا يقبل خلافاً أن الأرض والسماء انتقلتا من مكان إلى مكان. وهذا ما كان لابد منه، لأن السماء والأرض لم تخلقا في مكانهما الحالي، وإنما خلقا فوق الماء الذي كان العرش عليه، ثم أتيا إلى هذا المكان الذي هما فيه الآن ووضعهما الله تعالى وأقرهما فيه. لذلك يقول تعالى وَالأرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ (الرحمن:10).
والوضع لا يأتي أبدا إلا إن كان قبل ذلك غير موضوع، أي كان قبل ذلك محمولا وهذا ما حدث للسماء والأرض وقد كانتا محمولتين فوق الماء ثم وضعتا في مكانهما الحالي ووضعت الأرض في مركز هذا العالم وكانت الأرض في مكانها هذا تميد ثم بعد أن سوى الله السموات السبع وأوحي في كل سماء أمرها، وانتهي أمر الخلق وكمل، أقر الله كل شيء وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (القمر:3) فأقر الله الأرض بالجبال، فألقاها عليها، وقد كانت معلقة فوق الأرض كالنجوم والكواكب، وقد فوجئت الملائكة بالأرض وهي مستقرة ثابتة بعدما رأتها قبل ذلك تتمايل وأعجبت من قوة الجبال الرواسي.
من أجل ذلك قلنا أن الله تعالى خلق الجبال في بداية المرحلة الثانية، تماما كما ذكر في سورة فصلت، ولكنه لم يرسيها في الأرض إلا بعد اكتمال الخلق وانتقال الأرض إلى مكانها الحالي، تماما كما ذكر في سورة النازعات، وذلك لأن الجبال رواسي، والأرض في مكان خلقها لم تكن رست بعد، وليس هو بمكانها الذي ستستقر فيه، فلما أتت إلى مكانها هذا ثبتها الله تعالى بالجبال.
لذلك قال تعالى في سورة (فصلت) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وقد كان ذلك في بدء الخلق وفي مكان تخلقها. ثم قال في سورة (النازعات) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) ومعروف أن هذه السورة ذكرت المخلوقات بترتيب حدوثها، فوضح هنا أن الجبال تم بالفعل إرسائها في الأرض بعد أن كانت مِنْ فَوْقِهَا .
وفي حديث ابن عباس وابن مسعود في بدء الخلق إن رسول الله  أخبر بأن الله تعالى خلق يوم الجمعة المخلوقات السماوية، إلي ثلاث ساعات بقين منه، ثم خلق الآجال في أول ساعة من هذه الثلاث الباقية من اليوم، ثم ألقى في الأرض ما ينفعها. ولا شك أن لفظ الإلقاء في القرآن إنما يعود على الجبال.
لم يرد في العهد القديم في آيات بدء الخلق، أي ذكر عن الجبال لا خلقها ولا إرسائها.
وقد تنبه نفر قليل من علماء المسلمين قديما وحديثا إلي أن الإرساء للجبال عملية مستقلة عن الخلق وأنه تم من فوق الأرض واستدلوا على ذلك بلفظ أَلْقَى. جاء بكتاب (الإسلام في عصر العلم) لمحمد أحمد الغمراوي وأحمد عبد السلام الكردي صـ 341 ما نصه:
ولكن الدلالة في  أَلْقَى أخص منها في (جعل) وقد لاحظ ذلك أبن عطيه فيما ذكره أبن حيان عن تفسير الآية رقم 15 من سورة النحلوَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أن تَميدَ بِكم.
إذ نقل عنه قوله:
" قال المتأولون:  أَلْقَى بمعنى خلق وجعل، وهي عندي (الكلام لابن عطية) أخص من (خلق) و(جعل) وذلك أن  أَلْقَى تقتضي أن الله أوجد الجبال ليس من الأرض ولكن من قدرته واختراعه ويؤيد هذا النظر ما روى في القصص. إلى أخر ما قال عنه الحسـن ووهب بن منبه".

المرحلة الثالثة: الخميس والجمعة
بعد اكتمال الأربعة أيام، تكون المرحلة الثانية قد اكتملت. ومع بداية المرحلة الثالثة أتى الله تعالى بالسماء والأرض إلي مكانهما الحالي. تتميز هذه المرحلة عن سابقتيها أن الخلق فيها تم بالأمر. من أولها إلى آخرها بداية من الأمر للسماء والأرض بأن يأتيا اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا إلى خلق ما في السموات السبع. أما الخلق في المرحلتين الأوليين فقد كان بالخلق المباشر مـن الله تعالى، أي كـان بيد الله عز وجل كقول وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ (الذاريات:47). فالسماء والأرض خلقتا في المرحلة الأولى بيد الله تعالى ثم تهيئة الأرض في المرحة الثانية كان بيده عز وجل. أما المرحلة الثالثة وهي خلق ما في السموات فقد كان بأمر الله تعالى، يوضح ذلك قوله تعالى وهو يخبرنا عن الخلق في المرحلة الثالثة: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12) (فصلت).
يخبرنا تعالى أنه كما فتق الأرض إلى سبع أراضين (القارات السبع) فإنه تعالى فتق السماء إلى سبع سموات (السموات السبع).
وببناء السماء وجعلها سبعا، تحول أيضا الدخان الذي أصل السماء إلى بناء عظيم جميل مكون من سبع طوابق في غاية الحسن والبهاء والروعة والجمال وهذا معنى قوله تعالى وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (الذاريات:7) وبعد أن كانت السماء مادة واحدة اختلفت كل سماء عن غيرها في الحجم واللون والشكل، رغم تطابقها على بعضها البعض، إذ أنها متناسبة في التكوين بحيث لو زال ما بينها من فراغ لعادت مرة أخرى كتلة واحدة ككرة عظيمة. وتحول الدخان إلى شكل جديد جميل ليس غريبا علينا، فالإنسان أصله من طين وتحول إلى لحم ودم وشكل جميل، والأرض التراب يخرج منها ثمرات مختلف ألونها، فكذلك السماء.
*****

























عدد السموات
كما فصل الله تعالى القول في دحو الأرض وما أودعه فيها من آيات، فقد فصل عز وجل القول أيضا في خلق السموات وما فيها من آيات، تفصيلا غاية في البلاغة والتنسيق والبيان.
إن الرقم (7) له عند الله شأن، فإنه تعالى خلق خلقه مكون من هذا الرقم فخلق تعالى السموات سبعاً والأرض سبعاً. ولهذا سنرى مدى العلاقة الوثيقة بين الرقم (7) وبين السموات والأرض وما فيها وما بينها من آيات.
وقد ذكر ابن القيم الجوزية فضيلة الرقم سبعة في كتاب ذاد الميعاد فقال:
" وأما خاصية السبع فإنها قد وقعت قدرا وشرعا، فخلق الله عز وجل السموات سبعاً، والأراضين سبعاً، والأيام سبعاً، والإنسان كمل خلقه في سبعة أطوار، وشرع سبحانه لعباده الطواف سبعاً، والسعى بين الصفا والمروة سبعاً، ورمى الجمار سبعاً سبعاً، وتكبيرات العيدين سبعاً في الأولي، وقال  مروهم بالصلاة لسبع، وإذا صار للغلام سبع سنين خير بين أبويه في رواية، وأمر النبي  في مرضه أن يصب عليه من سبع قرب، وسخر الله الريح على قوم عاد سبع ليال، ودعا النبي  أن يعينه على قومه بسبع كسبع يوسف، ومثل الله سبحانه ما يضاعف به صدقة المتصدق بحبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، والسنابل التي رأها صاحب يوسف سبعاً، والسنين التي زرعوها دأبا سبعاً، وتضاعف الصدقة إلى سبعمائة ضعف إلى أضعافا كثيرة ويدخل الجنة من هذه الأمة بغير حساب سبعون ألفاً، فلا ريب أن لهذا العدد خاصية ليست لغيره.
والسبعة جمعت معانى العدد كلـه، وخواصه، وللأطباء أعتناء عظيم بالسبعة. وقد قال بقراط كل شيء من هذا العالم فهو مقدر على سبعة أجزاء، والنجوم سبعة، وأسنان الناس سبعة أولها طفل إلى سبعة ثم صبى إلى أربعة عشر ثم مراهق ثم شاب ثم كهل ثم شيخ ثم هرم إلى منتهى العمر. والله تعالى أعلم بحكمته وشرعته وقدره بتخصيص هذا العدد".
وفي سبع آيات لا غير من آيات القرآن يذكر تعالى عدد السموات التي خلقها وهي سبع سموات. يقول تعالى:
(1) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ (البقرة:29)
(2) وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنْ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (المؤمنون:17).
(3) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا (فصلت:12)
(4) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ (الطلاق:12)
(5) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا (الملك:3)
(6) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا (نوح:15)
(7) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (النبأ:12).
لقد ذكرت السماء في القرآن 120 مرة والسموات 190 مرة ومن كل هذه الآيات ذكر الله سَبْعَ سَمَوَاتٍ 7 مرات فقط في كل القرآن الكريم.
إن التجريبيين لا يعترفون بالسموات، ولا حتى بسماء واحدة، وهم يطلقون على السماء الدنيا (الفضاء) فهم لم يتركوا أمرا مما نص عليه الدين إلا وخالفوه، لأنهـم لهذا بعثوا، وأرسلوا، فهم رسل إبليس الذي لعنه الله. فهم يستبدلون آيات الله بالنظريات ويستبدلون كتب الله المنزلة بكتبهم المؤلفة، وهم قد صرحوا بذلك دون خوف أو حياء.
وقد طبقت نظرياتهم حرفيا، وترك كتاب الله حتى في بلاد المسلمين تركوه وراءهم ظهريا. واقتصر أمره على مجرد التلاوة، أو الحفظ، أما الاتباع والتطبيق فقد كان من نصيب نظريات التجريبيين.
يقول تعالى في كتابه أنه خلق سبع سموات، ولم يرد لذكر السموات السبع كلمة واحدة في كل مؤلفات التجريبيين الكونية، واتبعهم في ذلك علماء المسلمين أو معظمهم ـ حتى علماء الشرع منهم ـ وأنكروا وجود سبع سموات ويعتبرون الرقم (7) هو صيغة مبالغة ويشبهونه بقوله تعالى اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (التوبة:80) فالرقم (70) هنا صيغة مبالغة ولا يقصد منه ذات العدد فلوا استغفر لهم (70000) مرة أو أكثر فلن يغفر الله لهم.
ويقولون أن كل كوكب سماء لنا، ونحن سماء لكل كوكب، فهناك إذن ملايين السموات وملايين الأراضي (كذا يقولون)، فكل جرم سماوي هو أرض لمن فوقه، وفي نفس الوقت هو سماء لمن تحته. هكذا وصل الأمر بعلماء المسلمين من بعد عصر النهضة، حتى الآن، ومن لايزال معتقدا من علماء المسلمين بوجود سموات سبع، لا يقوم بالرد على من ينكر وجودها، وكأن الأمر مجرد مسألة قابلة لهذا الرأي أو ذاك.
ولكننا نبين لهؤلاء بالدليل على أن السموات سبع لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (الأنفال:42). والقول في السبعين أنها صيغة مبالغة ومثلها الرقم (7) غير صحيح. إذا أن العرب كانت تستخدم رقم (70) للتكثير ولازلنا نستعمل ذلك حتى الآن. وكانت العرب تجريه مجرى المثل. وقد ذكر الشوكاني أن الله تعالى ذكر السبعين لأن العدد سبعة عدد شريف، فهو عدد السموات والأراضين، والبحار والأقاليم والنجوم السيارة وأيام الأسبوع.
إن آيات القرآن والأحاديث الصحيحة المستفيضة لتؤكد هذا العدد. ووجود الملائكة في السموات، وسدرة المنتهي والبيت المعمور، والأنبياء الذين رآهم رسول الله  في رحلة المعراج ليؤكد ذلك. وكذلك إجماع كل المسلمين قبل عصر النهضة على ذلك لم يشذ منهم واحد.
سبع أرضين
احتار كثير من العلماء في تفسير هذه الآية:
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (الطلاق:12).
هذه الآية تخبرنا أن الله تعالى خلق سبع سموات، وخلق من الأرض مثلهن وكلمة مثلهن تعنى أنها مثل السموات تماما، ليس فقط في العدد وإنما أيضا في الشكل والتطابق والتسوية. إن الله تعالى عندما استوى إلى السماء وهي دخان، سواهن سبع سموات أي فتق السماء وجعلها سبعا، وأصبح بين كل طبقة وأخرى من هذه السبع فراغ، وهذا الفراغ متساو لكل طبقة. هذا الفراغ هو السماء والطبقة ذاتها هي أرضية لهذه السماء فتكون بعد هذا الفصل أو التسوية أو الفتق سبع سموات من ضمنها السماء التي فوقنا، فهي السماء الدنيا. وأيضا سبع أرضيات لهذه السموات من ضمنها أرضنا وهي السابعة، لأننا عندما نعد سبع سموات نعدها من أسفل إلي أعلي أي سماءنا هذه هي الأولى (السماء الدنيا) إلى أعلى حتى السماء السابعة، وهي أعلى السموات وهي فوق السموات الستة.
أما عندما نعد الأرضين، فإننا نعد من أعلى إلى أسفل عدا تنازليا، فإن أرضنا تكون الأرض السابعة، فالأرض نزول، فتعد من أعلى أولاً إلى أسفل والسماء علو فتعد من أسفل إلى أعلى، فأرضنا هي السابعة، لكن السماء فوقنا هي الأولى. وقوله تعالى يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ فمعلوم أن الأمر يتنزل بين السموات وهو في نفس الوقت بين أرضيات هذه السموات حتى ينزل الأمر إلى أرضنا هذه وهي الأرض السابعة. وهذه الأرضية سماها رسول الله  (كثف) أي أن السماء عندما فتقت وفصلت وأصبحت سبعا كان بين كل منها فاصلاً هو هذا الكثف أو هذه الأرضية. فأرضية السماء السابعة هي أول أرض، وأرضية السماء الأولى (الدنيا) هي سابع أرض.
أما من ناحية الشكل والخلقة والصنعة، فلا يوجد مثيل لأرضنا لا في السموات السبع ولا في غيرها، ولا يشبه أي كوكب أرضنا، فالجبال والبحار والأنهار والأشجار والحيوانات والغلاف الجوى والزروع والثمار والمعادن والثروات والمعايش والأقوات، لا توجد إلا في هذه الأرض. وهي الوحيدة بهده الصورة، أمـا بكونها أرضية للمخلوقات ففوقها ست أراضى أخرى تقل الملائكة، وأرضنا هذه واحدة منها وهي السفلى، أو كما قال تعالى:
أَسْفَلَ سَافِلِينَ في سورة (التين) لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5).
لقـد ذكرت السماء بالجمع أي: سموات 190 مرة ولم تذكر الأرض بصيغة الجمع مرة واحدة، وقد ورد ذكر الأرض في القرآن 450 مرة كلها بصيغة المفرد حتى في سورة الطلاق عند ذكر السبع سموات لم تذكر الأرض بصيغة الجمع مثل السموات بل قال تعالى اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ.
عندما أعلم الله تعالى الملائكة أنه سيجعل في الأرض خليفة، لم تسأل الملائكة: أي أرض هي؟ فلو كان هناك غير أرضنا هذه لقالت الملائكة أي أرض؟ ولكنهم قالوا بما يفهم من قولهم أنهم عرفوا الأرض التي يعنيها الله تعالى لا لشيء إلا لأنها أرض واحدة وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ (البقرة:30).
ذكر الله تعالى أن الأرض مثلهن عقب ذكره سَبْعَ سَمَوَاتٍ مما يعنى أنها مثل السموات تمامـا، وهـذا لا يمكن إلا حـالة أن تكون للسموات أرضيات مثلها. وقوله: يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ يؤكد أنها فوق بعضها تتخلل السموات. فالأمر من وحي وتدبير لشئون الخلق يتنزل من عند الله ويمر بهذه السموات وأرضياتها.
لم يخبرنا عز وجل في القرآن في أي آية، عن وجود أرض أخرى، أرسى عليها جبالا أو أخرج منها ماءً أو أنبت فيها زرعا، أو أوجد عليها مخلوقات وأرسل إليها رسلاً لكي يتنزل الأمر عليهم. لم يثبت خلال تاريخ البشرية أن هناك أرضاً غير أرضنا، أو مخلوقات غير مخلوقات هذه الأرض.












هنا صورة















شكل تقريبي يوضح السموات السبع والأرضون السبع وأرضنا مركزها. وواضح من الشكل أن سماءنا هي الدنيا أي رقم 1حتى السماء السابعة آخر سماء. أما أرضنا فهي الأرض السابعة، بينما أرضيه السماء السابعة هي الأرض الأولى. فعندما نعد السموات نبدأ من أسفل ونصعد. وعندما نعد الأرض نبدأ من الأرض العالية وننزل للأرض السفلى. والأرضيات العليا عليها الملائكة والسفلي عليها الجن والإنس.

نظرية تمدد الكون
يرى التجريبيون - ومن ورائهم علماؤنا - أن المجرات حدثت منذ عشرين ألف مليون سنة نتيجة دوى (انفجار) هائل وبشيء أقرب إلى السباق، من نقطة بدء واحدة ومن مادة واحدة، ضغطت بشدة حتى صارت كرة واحدة ساخنة للغاية. ثم حدث الدوي الهائل الذي أطلق المادة في كل الاتجاهات. ثم بردت المادة بمرور الوقت. وتكونت هذه المجرات التي ما زالت تسرع وتبتعد، لذلك فالكون يتمدد ويتوسع.
وتخيلوا لهذا الغرض بالونا من المطاط توجد نقاط مطبوعة على سطحه، فإذا بدأت في نفخه بالتدريج يتمدد سطحه إلى أحجام أكبر وأكبر، وتتباعد المسافات بين كل نقطة والأخرى باستمرار بحيث تصل إلى مرحلة معينة ثم تعود إلى الانكماش مرة أخرى.
يقول (جورج جاموف) في كتاب (بداية بلا نهاية) وهو أحد أشهر علماء الفيزياء في القرن العشرين (1904: 1968) يقول هذا التجريبي عن ظاهرة التمدد هذه.
" بدراسة الأطياف الصادرة عن هذه المجرات البعيدة لاحظ علماء مرصد (ولسون) ومعهم (هابل) أن خطوط الطيف تنحاز قليلا نحو الحد الأحمر من هذا الطيف، وأن هذه الإزاحة المعروفة (بالإزاحة الحمراء) تكون أقوى في المجرات البعيدة، ووجد في الحقيقة أن الإزاحة الحمراء في المجرات المختلفة تتناسب طردياً مع بعد المجرة عنها.
وأنسب تفسير لهذه الظاهرة أن نفترض أن كافة المجرات تبتعد عنا بسرعة كبيرة تتزايد كلما زادت المسافة بيننا وبينها.
وهذا التفسير يعتمد على ما يطلق عليه (ظاهرة دوبلر) وهي تجعل الضوء الآتى إلينا من مصادر تبتعد عنا يغير لونه نحو الإتجاه الأحمر من الطيف".
ثم يتساءل (جاموف):" والآن نستطيع ان نسأل أنفسنا عن القوى المسئولة عن تمدد الكون؟ وهل سيتوقف هذا التمدد؟ وهل سيتحول إلى انكماش؟ وهل هناك احتمال في أن كتل الكون المتمدد سوف تنقلب علينا وتضغط نظامنا (درب التبانة) ونظامنا النجمي والشمسي والأرض والبشر عليها إلى فقاعة ذات كثافة نووية.
وفقا للاستنتاجات المعتمدة على أفضل المعلومات المتاحة نستطيع أن نقول بأن ذلك يستحيل أن يحدث".
ثم يشكك الرجل في كل ما لديهم من معلومات قائلا:" ووفقا لأفضل المتاح من بيانات عن كتل المجرات يبدو أن الطاقة الحركية للمجرات المتباعدة أكبر بعدة مرات من طاقة الوضع المتبادلة بينها مما يترتب عليه أن هذا الكون سيستمر في التمدد إلى ما لا نهاية دون أن تكون هناك أي فرصة لانكماشه أو تقاربه مرة أخرى".
" ومع ذلك ينبغي أن نتذكر أن أغلب البيانات الرقمية الخاصة بالكون ليست دقيقة تماما بصفة عامة، ومن الممكن أن تسفر الدراسات المستقبلية عن عكس هذا الاستنتاج".
" لكن حتى لو توقف الكون عن التمدد فجأة، وانقلب اتجاه حركته فسوف يكون أمامه بلايين الأعوام قبل أن يحل هذا اليوم الرهيب الذي وصفته الأغنية الزنجية بـ (يوم تتهاوى النجوم) وقبل أن تسحقنا السماء المنهارة".
وصدق الله إذ يقـول إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (المعارج). ويقول فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (8) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (9) (المرسلات) وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَت(3) (التكوير) فهذا قول الله وليس الأغنية الزنجية.
أرأيتم أيها السادة علماء المسلمين ماذا يقول الذين تتبعونهم. وعلى كلٍ، فالتجريبي الذي قال هذه المقالة والذي لا يعترف بإله لهذا الكون، ولا يعترف باليوم الآخر هو في كل ما قال (يفترض) ولا يثبت، ولا يزعم ذلك الإثبات. أما علماؤنا الأجلاء، فلم يردوا هذا الكلام ولم يدحضوه، ولم يعرضوا كلمة الله في هذا الكون، إنهم لم يفعلوا ذلك وليتهم سكتوا، بل المفجع أنهم شهروا أقلامهم للدفاع عن هذه الأقوال الكافرة بالله واليوم الآخر، وليس هذا فقط بل إنهم يعتبرون ما قاله التجريبيون هو الحق، وليس مجرد افتراض. ثم يصلون إلى آخر مطافهم - وسيسألون عن ذلك - إلى تأكيد افتراءاتهم بآيات القرآن.
وإليكم أمثلة:
الداعية الإسلامي الشيخ"عبد المجيد الزنداني" في كتاب (توحيد الخالق) قال:" قرر علم الفلك الحديث (وانتبهوا إلى: قرر) بأن السماء لا زالت في اتساع دائم في تكوين مـدن نجومية جـديدة باستمرار، أو في تباعد هـذه النجوم باستمرار. ويقول تـعالى وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ.
وفي كتاب آخر للشيخ يقول" اكتشف علم الفلك الحديث تمدد الكون".
الداعية الإسلامي الشيخ (عبد الرازق نوفل) في كتابه (السماء وأهل السماء):
" أين تبدأ السماء؟ وأين تنتهي؟.. لعل مما يوضح قدر أسرار هذا العمق، ما وصل إليه العلم أخيرا من أن السماء منذ وجدت وهي تتمدد من كل جهاتها وإلى غير حد وأن سرعة اتساع السماء وتمددها تزداد باستمرار.. وما زالت السماء تتمدد وتتسع وبسرعة هائلة تبلغ 14 ألف ميل في الثانية وقد ظلت على هذا الاندفاع ملايين الملايين من السنين، وما زالت تندفع في السماء دون أن تصل إلى حافتها.. فأين نهايتها؟ ويقول القرآن الكريم عن هذه الحقيقة العلمية وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ".
الداعية الإسلامي الشيخ" ابن خليفة عليوي" ذكر في كتاب (سبعون برهانا علميا على وجود الله) ما ذكره التجريبيون عن تمدد الأجرام السماوية في الفضاء وسرعة تمددها قال:" لو كان الكون أزلياً كما يدعون من قبل لما كان قابلا للتمدد والتغيُّر باستمرار، ولما لم يكن كذلك كان الكون حادثاً وكل حادث لا بدله من محدث وليس ذلك المحدث إلا الله تعالى القائل في محكم آياته: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ".
وحتى لا نطيل نكتفي بهذا القدر من أقوال علمائنا الأجلاء، ولا أظن أن هناك مخالفا لما يقولونه وآية ذلك ما نختم به هذا الأمر بما ورد من تفسير (المنتخب) الذي أعده لجنة من كبار علماء الإسلام بجمهورية مصر العربية. قال المؤلفون عند قوله تعالى وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ تشير هذه الآية إلى أن التوسعة مستمرة على الزمن، وهو ما أثبته العلم الحديث أيضا وعرف بنظرية التمدد التي أصبحت حقيقة علمية في أوائل هذا القرن. وحاصلها أن السدم خارج المجرة التي نعيش فيها تبتعد عنا بسرعات متفاوتة بل إن الإجرام السماوية في المجرة الواحدة تبتعد بعضها عن بعض" أ. هـ.
حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. قبل أن نذكر رأي القرآن والسنة وعلماء الأمة – قبل عصر الإلحاد – أذكر بأن (جورج جاموف) التجريبي الذي ذكرنا قوله عن التمدد، يفترض هو وزملاؤه ولم يقل الرجل (ثبت علميا) أو (قرر العلم) أو (حقيقة علمية).
ويؤكد تجريبي آخر بأن هذا مجرد فرض، بل إنه لا يعترف به فيقول" دونالد روبرت كار" (دكتوراه في الطبيعة):" أما الرأي الذي يقول بأن هذا الكون دوري، أي أنه ينكمش ثم يتمدد، ثم يعود فينكمش مـن جديد... ألخ، فإنه رأي لم يقم على صحته دليل، ولا يمكن أن يعتبر رأيا علميا، بل مجرد تخمين. ومن ذلك نرى أن القول بأن للكون بداية يتفق مع مـا جاء مثلا في الإنجيل" لقد خلق الله في البداية السموات والأرض" وهو رأي تؤيده قوانين الديناميكا الحرارية والأدلة الفلكية والجيولوجية".
لقد كان هذا الرجل أمينا مع الناس، مؤمنا بدينه، ورفض الافتراضات العلمية، لأن في إنجيله آية تقول:" لقد خلق الله في البداية السموات والأرض".
أما علماء القرآن الأجلاء فإننا نذكرهم بسبع آيات لا ثامن لها تقرر أن السموات، لم تعد دخانا كما كانت وإنما تحولت إلى بناء متين بناه الله بيده بناءً بلغ من قوته ومتانته أن الله تعالى جعله من غير أعمده أو أن له أعمدة ولا نراها كما فسرها ابن عباس ولنر هذه الآيات السبع التي لم يذكر في القرآن أن الله تعالى بنى شيئا غير هذه السموات السبع:
1- وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (الشمس:5)
2- أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا (النازعات:27)
3- وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (النبأ:12)
4- أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا (ق:6)
5- وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (الذاريات:47)
6- الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً (البقرة:22)
7- اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً (غافر:64).
وعلى ذلك فالسماء مبنية، البناء المعروف في الذهن: لبنة لبنة. ففي الآية الأولى يقسم تعالى أنه بنى السماء، وفي الآيتين الأخيرتين يخبر بأنه تعالى جعل الأرض قرار وأساسا وقاعدة لهذا البناء.
والآية الثانية تقرر أن بناء السماء أشد من خلق كل الناس، فإذا كان الناس من القوة بحيث لا يبعثروا في الأرض، بل هم يتحركون بهدف، وبقدر، وهم جميعا إنما يدورون بين أماكن معيشتهم ومستقراتهم، فإذا كانوا هم كذلك، فالسماء أشد منهم.
أما الآية الثالثة فهي تقرر أن فوقنا سبع سموات، شدت وقويت حتى إنها من شدتها وقوتها، لا تحتاج إلى أعمدة. بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا (الرعد:2) وهي إذا كانت سبعاً فبعضها فوق بعض فكيف تتمدد السموات السبع؟ لأنه من المفهوم أن السماء الدنيا إذا تمددت واتسعت فإن السماء الثانية سيكون لها ذلك.. وهكذا كل السموات. وكيف تستقر الملائكة في السماء وهي تتمدد بهم وتسرع في التوسع؟
ثم إن الله تعالى يلفت نظرنا إلى السماء فوقنا هل يحدث بها أي تغيير عما كانت عليه؟ إن شكل السماء كما هو منذ عهدناها صغارا وتغيرنا نحن وكبرنا وتمددنا وتبدلنا ولم تتغير هي ولم تتمدد لأنها عندما تتمدد فيكون ذلك قيام الساعة يَوْمَ تَمُورُ السَّــــمَاءُ مَوْرًا ( الطور:9) ولو حدث تمدد لحدث لها تشقق والله تعالى ينفي عنها ذلك فيقول فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعْ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (الملك:4) وعندما يحدث في السماء فطور، أي تشقق فاعلم أنها القيامة. إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ (الانشقاق:1).
وقد نسى علماؤنا أن التجريبيين الذين يتبعونهم لم يقولوا أبدا بتمدد السماء واتساعها وإنما يقولون بتمدد وانكماش النجوم وفرق بين السماء وأجرامها التي أودعها الله فيها دون انفجار ودون دمار.
ثم إن النجوم والقمر والشمس نراها كل يوم وليلة ولا يحدث تغيير في مواضعها منذ أن خلقها الله، وقد أخبر بذلك أهل الفلك لدى الحضارات القديمة أنها نفس النجوم ونفس المطالع ونفس المواعيد، لم تتغير ثانية واحدة.
نأتي إلى معنى الآية التي يلفقونها لتطابق مع أقوال التجريبيين:
وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُون (الذاريات:47).
لا يوجد تفسير واحد من التفاسير يقول بأن معنى الآية: أن السماء تتمدد حتى تفسير المنتخب لمجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة فإنه عند شرح الآية يقول:" والسماء أحكمناها بقوة. وإنا لقادرون على أكثر من ذلك" إنه نفس تفسير السلف ولا غبار عليه، فكيف بعد ذلك يعلقون على هذا الشرح بما ينفيه لأن التمدد والتوسع الذي قالوا به خلاف (الإحكام والقوة) الذي فسروا به.
يقول (ابن كثير) في تفسيره لهذه الآية: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا جعلناها سقفا محفوظاً رفيعا بِأَيْيدٍ بقوة وَإِنَّا لَمُوسِعُون قد وسعنا أرجاءها ورفعناها بغير عمد حتى استقلت كما هي.
وهكذا تتفق كل التفاسير على هذا المعنى الذي ينفي أي تغيير في السماء. وكيف يكون ذلك وكل قوانين الكون ثبتها الله لينتفع الناس بما في الكون يقول تعالى وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِر ولو تخيلنا تغير درجة غليان الماء لأكثر من مائة درجة أو أقل. ماذا سينتج عن ذلك؟ ماذا لو تغيير قانون ونظام الطفو في الماء ولو تغيير نظام التبخير والتكثيف، وقانون الاحتكاك للأرض، وقانون التعادلية بين النسل للحيوانات والتعادلية بين الأكسجين والكربون من الإنسان والنبات إلى آخر القوانين؟ إن الكون بذلك سينفرط عقده. تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. أليس الله تعالى يقول إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَــوَاتِ فكيف تتفلت السماء وتهرب من إمساك الله لها إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ (فاطر:41).
النظرية الإسلامية والنظريات المعاصرة
هذه هي النظرية الإسلامية، وهي الحقيقة العلمية، والتي تختلف تماما، جملة وتفصيلا عن النظريات الكونية الحديثة، والتي وضعها رجال لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا بأي كتاب سماوي وهذه النظريات المخالفة رغم أنها وجهات نظر لم تثبت علميا، ولا يدعي أصحابها ذلك، إلا أنها أخذت صفة الحقيقية العلمية التي لا تقبل النقض، واعتمدها علماؤنا لتدرس، ووافق علماء الشرع على هذا النهج، بل وأيدوا ذلك بآيات قرآنية، ونسخ العمل بكل ما قلنا من حقائق الكتاب والسنة، ولم يعد يدرج ما قاله الله ورسوله من أمور متعلقة ببدء الخلق بين النظريات، وأصبحت الآيات والأحاديث التي تنص على ذلك من التراث شأنها شأن ليالي ألف ليلة وليلة، وحكايات أبو زيد الهلالي، وأغاني الأصفهاني سواء بسواء لا تفرق عنها في شيء إلا أن آيات القرآن يتبرك بها بالقراءة، ويتعبد بها في الصلاة.
أما أن يدرس على طلاب العلم آيات الله في الكون بديلا عن نظريات التجربيين، فهذا ما لا يكون. أيستبدلون نظرية تكوين الأرض التي تقول أن الأرض تكونت في خمسة بلايين من السنين بقول الله خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ؟ وأنها ظلت بليون عام آخر حتى بردت وأصبحت بحالتها الراهنة ويأتون بقول الله وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ؟
لقد رأينا مدى الجهالة والعمى فيما يقوله التجريبيون من أقوال لا يقبلها العقل السليم. فأي عقل هذا الذي يقبل القول بأن الأرض جزء من الشمس؟ وإن كانت كذلك فلماذا بردت الأرض ولم تبرد الشمس؟ وأي نجم ذلك الذي انفجر فخرجت منه هذه الكواكب التي يختلف كل كوكب منها حجما وشكلا وسرعة واتجاهاً عن الآخر؟ وكيف أصبحت الأرض بهذه الصورة البديعة المتناسقة، المتناسبة وبهذا التقسيم وهذا البسط وهذا التناسق وهذا التمهيد وهذا التنوع مما لا يوجد في سائر الكواكب التي تكونت كلها من أصل واحد؟
وكيف أتت البحار إلى الأرض دون سائر الكواكب وكيف جرت الأنهار عليها بهذه الصورة؟ وكيف رست فيها الجبال دون غيرها؟
لماذا هي من بين جميع الكواكب التي يحدث لها ذلك وأصلهم جميعاً واحد؟ أيقتنع رجال الكنيسة بذلك؟ أيعتقد علماء الإسلام بهذا؟ أيؤمن أحبار اليهود بهذا الهراء؟ إن كانوا جميعا يقتنعون ويعتقدون ويؤمنون بهذا، فإنهم والله للكفر أقرب منه للإيمان. وإن لم يكونوا كذلك فلماذا يسكتون؟ لم لا ينطقون؟ لم لا يصححون؟ أيقول الله بأنه طحى الأرض وقسمها، ويقولون بل هي التي تزحزحت.. ويسكتون؟ أيقول الله أن هذه الجبال أتت للأرض مِنْ فَوْقِهَا وألقيـت فيها ويقولون بل تكونت الجبال من باطن الأرض.. ويسكتون؟
أيقول الله أنه أودع في الأرض معايش أهلها وأقواتهم، ويقولون أن هذه ثروات طبيعية أتت بها الطبيعة، وتحللت في باطنها بعض الكائنات على مدار بلايين السنين وكونت بترولا وفحما وغير ذلك ويسكتون؟
هل هذا هو الإيمان الذي يريده الله من المؤمنين؟ وهل هذه هي العبودية التي يريد الله أن يتعبدوه بها؟
إذا كان الأمر كذلك فقد كان أبو جهل وأبو لهب أعبد منهم جميعا إن قالوا بذلك، وقد كانا يؤمنان بالله وبخلقه لكل شيء وبقدرته على كل شيء وبتدبيره لكل شيء يقول تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّا يُؤْفَكُونَ (61) اللَّهُ يَبْسُطُ الـرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عـِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (62) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (العنكبوت).
اللهم إني أبرأ إليك مما يقولون وأشهد أن ما قلته هو الحق، وأن ما يقولونه هو الضلال المبين. وصدقت إذ قلت: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ) الكهف:51).

غيب السموات والأرض
دائما ما ينظر الناس إلى السماء ـ إذا نظروا ـ على أساس أنها المجهول واللانهائية والتيه، والغموض والأسرار، والإبهام، وكل ما يمكن أن يقال من قاموس اللغة، في هذا الشأن، وهذه ليست نظرة إيمانية، بل إنها نظرة تشككيه، نظرة من لا يلتزم بدين ولا يتبع آيات.
إن المؤمن له نظرة غير هذه، نظرة الموصول بالله، خالق السموات والأرض، المرتبط بالوحي، والتابع للأنبياء والرسل اللذين رأوا ملكوت الله إما رأي العين، وإما بإخبار الله لهم والثانية لا تقل صدقا عن الأولى.
والمؤمن بالقرآن وبأنه منزل من عند الله. وبأن آياته احتوت على تفاصيل كل شيء في هذا الكون، ويؤمن بنبوة محمد  الذي توفي وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لأمته منه علماً، الذي بيًن كل شيء لأن هذه كانت مهمته وذلك كان واجبه، يعلم أن الله تعالى قد بين وفصل ما في السموات وما في الأرض سواء في خلقهما أو ما فيهما من آيات، ومن ثمً فلا يوجد في خلق السموات أو الأرض غيب مهما كان. وإلا ما كان الله ليأمر عباده بقوله انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَــوَاتِ وَالأرْضِ (يونس:101) إذا كان ما فيهما مجهول وغامض وغيب وسر. بل إنها آيات واضحة بينة.
ولقد أنفق في سبيل استكناه ما سموه بالغموض بلايين الجنيهات، مما كان يكفي لإشباع قارة جائعة لعدة أعوام، وهلك من الرجال والنساء والدواب ما هلك. ولأن الله قد حكم عليهم بالجهل فإنهم لم يعلموا، ولن يعلموا شيئا.
قال تعالى سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (الأعراف:146).
فأنى لهؤلاء أن يقفوا على آيات الله وقد صرفهم الله عنها، مهما ذهبوا في الفضاء ومهما دخلوا في الأشياء، فإنهم مصروفون عن العلم، والذين يعطيهم الله من فضله صنف محدد معلوم. وهم المتقون وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (البقرة:282) قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ  (البقرة:118) أما غيرهم فلا سبيل لهدايتهم لآياته إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (الزمر:3) .
فهل يعقل أن يأخذ المؤمنون ممن ختم الله على قلوبهم وعلى أسماعهم وعلى أبصارهم، كيف ننتظر من هؤلاء نورا وهم يعيشون في الظلمات؟ بل كيف ننتظر منهم علما وقد حكم الله عليهم بالجهالة؟ أم كيف ننتظر منهم هدىً وهم الذين اختاروا لأنفسهم الضلالة.
ووالله ما علم رواد الفضاء في كل رحلاتهم، وبكل محاولاتهم عن النجوم مثلما علم الأعرابي البدوي، البسيط، الذي لا يجيد قراءة ولا كتابة. ووالله ما خرج رواد الفضاء بعد كل ما فعلوه بأي جديد يفيد الإنسان، لأن الله تعالى قضى بأن لا يعلمهم وأن لا يفقههم، وأنه تعالى يصرفهم عن آياته، فمهما حاولوا لن يصلوا إلى شيء إلا بإذن الله.
وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ (البقرة:255).
وليجب على هذا السؤال أي واحد من علماء الفلك: ماذا تعلمتم من رحلات الفضاء وما نتيجة كل أبحاثكم عن الكون؟؟
إنني على يقين أنهم لم يصلوا إلى شيء ولن يصلوا. لأن الإجابة الصحيحة أنهم لم يتعلموا شيئا. وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (النور:39).
إنهم يلهثون وراء سراب، لن يصلوا إلى شيء، حتى إذا ما جاءوا إلى ما ظنوا أنه علم، إذا به سراب. ولكن الله فضلا عن أنه يصرفهم عن آياته فإنه تعالى يستدرجهم من حيث لا يعلمون وهو تعالى يملى لهم.
يقول كبيرهم السير" جيمس جينز" في كتابه (النجوم ومسالكها) عما وصلوا إليه:" أبعد ما توصل إليه العلم الفلكي الحديث (وانتبهوا أيها السادة إلى هذا التلخيص الهام لأبعد ما توصلوا إليه):
(1) الأرض ليست إلا فردا من أفراد المجموعة الشمسية.
(2) الأسرة الشمسية ليست إلا فردا من أفراد المجموعة المجرية.
(3) المجموعة المجرية ليست إلا فردا من أفراد المدن النجمية التي في
الفضاء".
ثم يضيف الرجل" وإن كان وراء ذلك شيء فلا يمكن أن يكون سوى أكوان أخرى كاملة لا تفاعل بينها وبين كوننا".
فهذا أعظم وأبعد ما توصل إليه العلم، وهي معلومات خاطئة. نعم إن وراء كوننا أكوان وأكوان، سموات بعضها فوق بعض، وفيها ملائكة كرام، وبيننا وبينهم وثائق وروابط وشيجة.
فماذا نأخذ من هؤلاء؟ الظلام، الضلال، السراب؟
أخيرا يقول هذا التجريبي، يأساً مما وصلوا إليه من التيه والضياع" أمامكم عرض كبير من النظريات المختلفة لتختاروا منها ما تشاءون. ولكنى شخصياً لا أضع ثقتي في أي منها".
وهذا الفلكي الأشهر (أدوين هابل) يقول:" وهكذا انتهى استكشاف الفضاء إلى موقف الحيرة والالتباس، فكلما ازداد تقدمنا إلى أعماق الفضاء تضاءلت معلوماتنا فتلاشت سريعا".
آمنت بالله، وصدق الله. أرأيتم ما يقوله كبراؤهم عما توصلوا إليه؟ وماذا يقول كبراؤنا من أتباعهم؟ أنهم وصلوا إلي الحقائق العلمية، والقول الفصل. إن أي كلام يقوله أي واحد من التجريبيين الغربيين حتى ولـو كان فرضا، أو لغوا، أو كلمة هو قائلها، يعتبرها كبراؤنا حقيقية علمية، وإثبات علمي.
هل يعقل أن (هابل) هذا و(جينز) تدرس أقوالهما ونظرياتهما التي يعتبرونها هم:" لا شيء" و" أنهم كانوا في حيرة والتباس" علي طلاب العلم في مدارسنا وجامعاتنا؟
ثبت عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال:" يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله . وتقولون: قال أبو بكر وعمر". سبحان الله حجارة من السماء؟ لماذا؟ لا حول ولا قوة إلا بالله. لأنهم يقابلون ما يقوله رسول الله  بما يقوله أبو بكر وعمر رضى الله عنهما. وهما لا يقولان ما يتعارض مع قول رسول الله .
فماذا ننتظر نحن من السماء ونحن ندع ما يقوله الله ورسوله، ونقول: قال" نيوتن" قال" أينشتاين"؟.. اللهم عفوك فَلْيَحْذَر الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (النور:63).
إن الله تعالى الـذي أنـزل القرآن لم يترك شيئاً لأن القـرآن تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ (النحل:89) مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ  (الأنعام:38) ففي القرآن كل ما يهمنا أو نحتاج إليه وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (الزمر:27).
أيخبرنا القرآن عن (الحيض) ولا يخبرنا عن الكون؟ أيحدثنا عن (التيمم) ولا يحدثنا عن الشمس والقمر؟ أيخبرنا عن النمل والبعوض ولا يخبرنا عن سكان الكواكب الأخرى إن كانت ! لقد حدثنا القرآن عن كل شيء، تفصيلاً لا يبقى بعده غموض ولا طلاسم. إلا أن هناك أمور اختص الله تعالى بها نفسه لتحقيق الغاية التي خلق لأجلها الخلق، وللدلالة على قدرة الله تعالى ونفاذ مشيئته. وهذه الأمور سماها تعالى (الغيب). وهي في هذا الكون كله خمسٌ فقط. وعلى رغم أهميتها للإنسان إلا أن الله غيّبها عـن الخلق واختص بها نفسه يقـول تعالى في سورة لقـمان الآية (34) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.
فالله تعالى وحده عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ فلا يعلم ذلك جبريل أعلم أهل السماء، ولا محمد  أعلم أهل الأرض.
وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ في الأوقات التي جعلها الله والأماكن التي تنزل فيها على من يشاء من عبادة وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ من الـذكور والإناث، والصلاح والفساد وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ من النفوس كائنة ما كانت بما فيها الملائكة والأنبياء والجن والإنس  مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا ماذا سيحدث لها غدا وماذا ستكسب من خير أو شر، من كسب الدنيا، أو كسب الدين وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ أي: بأي مكان يقضى عليها بالموت. وهذه الخمس هي التي لا ينبغي لأحد علمها.
عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (الجن:26) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ (آل عمران:179). وهذا الغيب لا يعلمه أحد ولا ينبغي لأحد وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ (الأنعام:59). وقال تعالى مخبراً عن النبي وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ (هود:30).
هذا هو غيب السموات والأرض. غير أن لدينا ثلاث آيات يخبرنا الله تعالى أنه أطلع رسوله على الغيب وهذه الآيات هي تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ (هود:49) وردت مرة. وقوله تعالى ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْك وردت مرتان.
وبتدبر هذه الآيات، نجد أن الغيب المقصود هنا ليس غيب السموات والأرض، بل هو غيب الحضور عن أحداث تاريخية لم يكن هو ولا أحد مـن قومه قد حضرها. ولا علم بها من مصدر موثق، وقد كانت الآيات الثلاث يختم بها ثلاث قصص لثلاث من الشخصيات، الأولى عن نوح مع قومه، والثانية عن يوسف مع أخواته، والثالثة عن مريم مع زوج أختها، فهي أحداث حدثت بالفعل وليست من غيب السموات أو الأرض بل هي غيب علي من لم يحضرها أو يعاصرها. لذلك قال تعالى في سورة هود بعد ذكر قصة نوح عليه السلام: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (هود:49) وفي سورة يوسف يقول تعالى بعد سرد قصته عليه السلام ذَلكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (يوسف:102) وفي سورة آل عمران بعد إخبار الله لرسوله عن أمر مريم عليها السلام وكفالة زكريا عليه السلام لها قال تعالىذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (آل عمران:44).
لقد بدأت الآية الأولى بكلمة تِلْكَ والأخريان بكلمة ذَلِكَ، ومعروف في علم اللغة العربية أن تلك للبعيد، وذلك كذلك، كذلك فقد كانت أحداث قصة نوح بعيدة جدا فقومه أول قوم أهلكهم الله بذنوبهم، أما يوسف، ومريم فهما أقرب زمنا من نوح كذلك لم يقل تعالى في الآيتين الأخيرتين مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا كما قال في الآية الأولى، بل قال وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ وذلك لأن قصة يوسف يتعلق أمرها باليهود والثانية بالنصارى وقد كان لهما أتباع من اليهود والنصارى أثناء نزول القرآن، ولا يستبعد أن يعلم بأمرهما أحد من قومه، ولكن أن يكون لديهم فهذا مستحيل، لذا أخبر بأمور لا يعرفها أهل الكتاب.
هذا الغيب، كما قلنا غيب الحضور مثل ما قاله تعالى عن الصالحات: فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ (النساء:34) والغيب هنا: غيبة الزوج. وكل ما أوحي لرسول الله  تحت هذا النوع الذي شاء الله أن يعلمه الناس.
وخلق السموات والأرض من النوع الثاني أيضا، فقد أخبر الله تعالى بما حدث في خلقهما مفصلا فقال إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيات لإولِي الألْبَابِ (آل عمران:190) وقال إِنَّ فِي السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضِ لآيات لِلْمُؤْمِنِينَ (الجاثية:3) ومـن هنا نرى أنه ليس في الأمر أسرار، ولا مجهول، يستحق أن يفنى البشر في سبيله المال والجهد والروح.
ولقد قلنا أن أمر الله للناس بالبحث في بدء الخلق كان لغير المؤمنين بالوحي وتوجيه لهم باستقراء الكتاب المنظور والآيات المرئية وهي آيات مباشرة ليس دونها نبي أو رسول، بل هي آيات من الله دون واسطة إن كان في هذه الواسطة عائق - بزعمهم - أو على غير هواهم، أو يجدون في أنفسهم حسداً، أو حرجاً للإيمان بالله عن طريقه أو لأي مبرر يدعونه فقد وجههم الله للكون وما فيه من آيات وهي كما اخبرنا تعالى (في السموات والأرض) وهي أيضا (في خلق السموات والأرض) وهي كلـها لا تحتاج أكثر من النظر، لذلك قال أَفَلَمْ يَنْظُرُوا أما الأمر بالسير قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فليس السير للنظر في آيات الكون، لأن آيات الكون في كل مكان  أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (ق). وإنما كان الحث على السير في الأرض للوقوف على مآل المكذبين من الأقوام وقد كانوا هنا وهناك في مصر الفرعونية، وبابل الآشورية ‎‎‎‎‎‎‎‎‎، والشام الفينيقية، واليمن السبأية، وفي قرى قوم لوط وفي مـدين والحجر والأحقاف... وهـي حولهم في كل مكان وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنْ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (الأحقاف:27).
لذلك حث الله المكذبين بالوحي في سبع آيات لا ثامن لها في كل القرآن على السير في الأرض ليروا بأعينهم كيف فعل الله بالمكذبين الذين خلوا من قبلهم، الذين أبقى الله من آثارهم بعد تدميرهم ما يكون به عبرة لمن بعدهم كما قال تعالى عن قوم لوط بعد تدميرهم: وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الألِيمَ (الذاريات:37) وأخبر تعالى أنه نجى فرعون ببدنه فقال تعالى فَاليَومَ نُنَجِيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُوَن لِمَن خَلفَكَ آَيَةً (يونس:92). أما آيات الله السبع التي حثهم فيها على السير فيقول تعالى فيها:
(1) قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (النمل:69)
(2) قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهمْ
مُشْرِكِينَ (الروم:42)
(3) قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (الأنعام:11)
(4) قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النشْأَةَ الآخرة (العنكبوت:20)
(5) فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (النحل:36)
(6) فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (آل عمران:137)
(7) وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّامًا (سبأ:18).
وفي سبع آيات أخر ينكر تعالى عليهم كفرهم بعد سيرهم ورؤيتهم للهالكين من قبلهم بهذا الأسلوب البليغ أَفَلَمْ أَوَلَمْ فيقول:
(1) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ  (يوسف:19)
(2) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأرْضِ (غافر:82)
(3) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (محمد:10)
(4) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا
فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (الحج:46)
(5) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا (الروم:10)
(6) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً (فاطر:44)
(7) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ
قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ
بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (غافر:21).
هذه آيات الله تعالى في السماء والأرض وهي مكشوفة واضحة إما بقول الله وإما بترك أثارهم لمن بعدهم، فيكون الماضي كله معروض أمامهم في حاضرهم فلا أسرار ولا غموض في هذا الكون يستره الله عن الإنسان الذي كرمه وميزه وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا. حتى التاريخ معروض حولهم في الأرض. حتى المستقبل فقد عرض الله تعالى من أحداثه الكثير وكشف للإنسان ما سيؤول إليه مصيره إن آمن، وما سيؤول إليه إن كذب.
ولم يكلف الله الإنسان بالتعب والنصب للبحث في الكون، وأن يلقى بنفسه في التهلكة، وقد قدم له كل ما يحتاج إليه، وكشف له تفصيلا كيف بدء الخلق، وبين لـه آياته في السماء والأرض. ويكفي الإنسان ليطلع على آيات ربه أن يقرأ آياته المكتوبة، أو أن ينظر في آياته المبثوثة في كل مكان حوله. مجرد النظر، دون تعب ودون كلفه وغـرم. أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ (ق:6) أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضِ (الأعراف:185) قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضِ (يونس:26).
فالأمر لا يحتاج أكثر من ذلك.
أخبرنا تعالى أنه خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن، ثم أخبرنا بأنه تعالى يعلم غيبهن في سبع آيات لا ثامن لها من كل آيات القرآن، يقول تعالى:
(1) إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَــوَاتِ وَالأَرْض (هود:123) .
(2) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ ( يونس:124)
(3) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ
(النحل:77)
(4) قُل اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ
(الكهف:26)
(5) قُل لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُون أَيَّانَ
يُبْعَثُونَ (النمل:65)
(6) إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (فاطر:38)
(7) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (الحجرات:18).
بكل هـذه الصيغ المختلفة (أعلم - عالم - يعلم - لا يعلم إلا هو - له وحده غيب السموات والأرض) يقطع الله تعالى الرجاء في أن يعرف أحد ذرة في هذه السموات أو الأرض إلا بما شاء.
ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضَ (البقرة:255) وشاء الله ألا يحيط بعلمه إلا المتقون وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
وهاهي أكبر وكالة فضائية في الأرض (ناسا) التي تصب لها الأموال صبا هل استطاعوا أن يعلموا من كون الله ذرة من علم فوق ما علمه الله تعالى للناس في كتبه؟ إنهم يخدعون شعبهم الذي يمول أبحاثهم بإعلانهم عن كشف جديد بين وقت وآخر، ولو جمعنا كل ما أعلنوه من اكتشافات فـإنه في الحقيقة لن يزن مثقال ذرة. وإنني لأؤكد أن علـماء هذه الوكالة مجتمعين لا يعلمون مـن الفلك والفضاء والنجوم مـا كـان يعلمه راعي غنم بدوي كـان يعيش في صحراء العرب منـذ قرون.
مبدع السموات والأرض وفاطرهما
إن العمارات العظيمة التي أبدعها الإنسان على الأرض، قد يكون لها مصمم وأخر منفذ يشتركان في إيجادها، وعلى قدر روعة التصميم، ودقة التنفيذ، يكون جمال المبنى، وأجمل وأضخم بناء في هذا الوجود هو بناء السموات والأرض.
ولله المثل الأعلى، فقد أخبر تعالى أنه جل شأنه هو الذي أبدع تصميم هذا الكون الفريد (السموات والأرض) فهو تعالى الذي أبدع تشكيلهما بكل ما فيهما من روعة وجمال، وحسن وبهاء، على غير مثال، وهو تعالى المنفذ وحده لما صممه وأبدعه تنفيذا دقيقا بحيث لا تقل إحكام خلق الذرة في الكون عن إحكام خلق المجرة فيه، هذه الدقة التي تجعل كل ما في الكون العظيم يتناغم وينسجم مع بعضه البعض، بحيث لا تصطدم ذرة فيه مع أخرى، ولا نجم مع أخر، ولا يكون فيه خلل أو عيب أو خطأ.
وقد صمم تعالى هذا الشكل الجمالي للسموات على نسق واحد فهن متساويات ومتطابقات، وصمم الأرض تصميماً أخر مخالفاً لتصميم السموات إن هذا التصميم الرائع لكليهما سماه تعالى: إبداعاً، وهذا التنفيذ الدقيق سماه: فطوراً. والبديع والفاطر هما من أسمائه وصفاته عز وجل. فالبديع هو الخالق على غير مثال سابق. والفاطر: هو المنشئ والمنفذ لما أبدعه. لذلك ورد في القرآن أنه تعالى (بديع) مرتين اثنتين فقط، وذكرتا مع السموات والأرض، وذلك لأن كلا منهما كان له تصميم خاص وإبداع منفرد أما (فاطر) فقد ذكرت سبع مرات وذلك لأنه تعالى فطر السموات والأرض ونفذهما وهم سبع سموات ومن الأرض مثلهن.
فقال تعالى عن الإبداع:
(1) بَدِيعُ السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (البقرة:117)
(2) بَدِيعُ السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (الأنعام:101).
أما عن تنفيذ ما صممه الله تعالى وأبدعه فيقول عز وجل في سبع آيات لا غير
في كل القرآن:
(1) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضِ (الأنعام:14)
(2) فَاطِرَ السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ (يوسف:101)
(3) قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضِ  (إبراهيم:10)
(4) الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضِ (فاطر:1)
(5) قُلْ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ (الزمر:46)
(6) فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جعلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنْ الأنْعَامِ أَزْوَاجًا (الشورى:11)
(7) قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَــوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِنْ الشَّاهِدِينَ (الأنبياء:56).
وعن أبى حاتم والبيهقي أن عبد الله بن عباس قال: كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها يقول: ابتدأتها.
آيات خلق السموات والأرض
لقد أفاض القرآن في ذكر آيات السموات والأرض لتكون فيها الكفاية للمؤمنين بالوحي والمتبعين للآيات، مما يغنيهم عن البحث في غيرها. فيؤكد ربنا تبارك وتعالى في سبع آيات لا ثامن لها أنه خَلَقَ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ لينفي أنهما تكونتا بدمار، أو انفجار، أو اصطدام، أو صدفة أو لهوا، أو عبثا، أو باطلا، فيقول تعالى:
(1) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ (الأنعام:73)
(2) أَلـَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْض بِالـْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يـُذْهِبْكُمْ وَيـَأْتِ بِخَلـْقٍ جَـدِيدٍ (إبراهيم:19)
(3) خَلَقَ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (النحل 3)
(4) خَلَقَ اللَّهُ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ  (العنكبوت:42)
(5) مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى (الروم:8)
(6) خَلَقَ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهـَارَ عَلَى اللَّيْل وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ (الزمر:5)
(7) وَخَلَـقَ اللَّهُ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحـَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (الجاثية:22).
ومن إعجاز القرآن في ذكر الرقم (7) أنه ذكر ما في السموات وما في الأرض من آيات متنوعة فجمع كل نسق مترابط مع بعضه بعضا برابط معين في سبع آيات.
فمثلاً نجد أن الله عز وجل ذكر خلق السموات والأرض بلفظ (خلقنا) في سبع آيات وذكر تعالى لفظ (خلْـق) بتسكين اللام في سبع آيات أيضا، كما أورد تبارك وتعالى إقرار الكافرين بأنه تعالى خلق السموات والأرض في صيغ كهذه وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ أو كهذه أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بنفس العدد (7). وأورد لفظ (خلَـق) بفتح اللام ومع كل آية معلومة جديدة في آيات (7) ثم لأنه تعالى رب السموات السبع والأراضين السبع ولا رب لهما سواه فقد وردت رَبُّ السَّموَاتِ وَالأرْضِ 14مرة فقط في كل القرآن الكريم.
وهكذا.. تتناسب آيات السموات والأرض وهي تبلغ أكثر من نصف ألف آية بحيث تتناغم كل (7) آيات لعلم من العلوم، لأنه تعالى أحكم آياته، وكما جعل الله آياته في الكون سبعا، فقط جعل لهذا الرقم آية في كتابه. والتي ينبغي على علماء المسلمين أن يبحثوا في كتابه تعالى وفي كونه إن أرادوا، ولا يتركوا آيات الله في كتابه دون تدبر ولا اتباع، ويتركوا آياته في كونه دون بحث واطلاع، تاركين البحث فيها للتجريبيين وحدهم، معلنين استسلامهم التام لكل ما يقولونه وكل ما يفترضونه بإسلوب مخزٍ، قانعين في خنوع بأن يكون لهم دور الذنب، بينما يريد الله لهم أن يكونوا شهداء على الناس.
أيام الخلــق
تنص الكتب السماوية صراحة على أن الخلق تم في ستة أيام. لكن النظريات المعاصرة، تخالف ذلك مخالفة فجة حيث يقدرون أن الكون تكون - وليس خلق - في بلايين السنين، وما يدفعهم لهذا التقدير، أن هذا الكون تكون من تلقاء نفسه وليس بفعل قوة قادرة، آمرة، عالمة، حكيمة، فكان لا بد لكي يصل الكون إلى هذه الحالة التي هو عليها الآن أن يمر بعدة مراحل تستغرق بلايين السنين.
(أحمد بن تيمية) و(مصطفي إبراهيم فهمي) نموذجان عربيان، الأول منحه علماء عصره لقب (شيخ الإسلام). والثاني منحه علماء عصره لقب (دكتور). يقول ابن تيمية معبرا عن الحقيقة الإسلامية:" وأهل الملل متفقون على أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام. وخلق ذلك من مادة كانت موجودة قبل هذه السموات والأرض وهي الدخان. كما قال تعالىثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ وهذا الدخان هو بخار الماء الذي كان حينئذ موجودا. كما جاءت بذلك الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين وكما دل أهل الكتاب، وتلك الأيام لم تكن مقدرة بمقدار حركة هذه الشمس وهذا الفلك فإن هذا مما خلق في تلك الأيام، بل تلك الأيام مقدرة بحركة أخرى".
أما دكتور (مصطفي إبراهيم فهمي) فيقول معبرا عن النظريات المعاصرة:
" إن كوكبنا بدأ بالانفجار العظيم، الـذي حـدث منذ مـا يقرب مـن عشرة بلايين سنة (10000000000000 سنة) ولـم تتكـون المجموعة الشمسية إلا منـذ خمسة بـلايين سنـة (5000000000000 سنة) ولم يبدأ ظهور الحياة إلا بعد مرور بليون سنة أخرى وتزيد.
ثم حـدث تطور بيولوجي بطيء من الكائنات البسيطة الأولى وحيدة الخلية ولم تظهر الكائنات المركبة متعددة الخلايا إلا منذ (600000000 سنة)، وأخيرا منذ فتــرة تحسب بالآلاف لا غير ظهر الإنسان العاقل".
وعلى قول الدكتور فالأرض لم تخلق كما قال الله وأخبر رسوله وأجمع علماء الأمم واتفق أهل الملل في ستة أيام، اختص الأرض منها أربعة أيام فقط بل تكونت الأرض خلال عشر بلايين سنة.
فمن نصدق؟؟
إنني أصدق الله... وأصدق رسوله... وأصدق التوارة والإنجيل والقرآن. أما علماء الأرض الآن جميعا فهم يصدقون ما يقوله الدكتور مصطفي لا لشيء إلا لأنها نظرة الأسياد والكبراء الغربيين للكون. وهذه النظرية هي المعتمدة علميا والتي تدرس لطلاب العلم.
أما (موريس بوكاي) وهو عالم مؤمن فقد حاول أن يوفق بين ما يقوله الله وبين ما يقوله التجريبيون، وقال بأن كلمة الأيام التي ذكرها القرآن لا تعنى اليوم المعروف لنا وإنما تعنى مراحل، وخطأ الأستاذ كلمات التوراة التي تنص صراحةً أنها أيام كأيامنا.
وللمرة الثانية أقول بأن الأستاذ بوكاي هو الذي أخطأ الفهم، ولم تخطئ التوراة في هذا الأمر، كما أن القرآن لم يقصد بكلمة (أيام) أنها مراحل. ولا نجد مبررا لأن يستبدل الله كلمة مراحل بكلمة أيام، وكأن هذه الكلمة كانت غائبة عن علم الله جل شأنه. إن القرآن استخدم كلمة الأطوار في خلق الإنسان لأن الأمر كان كذلك، ولم يستخدمها لخلق السموات والأرض لأنها لم تكن كذلك. قال (موريس بوكاي):" يقول القرآن ضمناً بفترات زمنية طويلة رقمها بالعدد 6 ولا شك أن العلم الحديث لم يسمح للناس بتقرير أن عدد المراحل المختلفة للعمليات المعقدة التي أدت إلى تشكيل العالم هو ستة مراحل، ولكنه أثبت بشكل قاطع أنها فترات زمنية طويلة جدا، تتضاءل إلى جانبها الأيام كما نفهمها وتصبح شيئا تافها".
إذن فبوكاي يرى أن الأيام هنا لا تعنى اليوم الذي نعرفه، ولا حتى اليوم الذي قال عنه البعض أنه بألف سنة، لأن التجريبيين قالوا فيها أن الفترة كانت بلايين السنين، والمشكلة أيضا أن العلم الحديث لم يقل بأنها حتى 6 مراحل، بل قال ببلايين السنين.
مقدار الأيام
من وجهة نظر الدين فلا خلاف أن السموات والأرض خلقتا في ستة أيام غير أن هناك من يقول بأنها ليست أياما بقدر أيامنا هذه المعروفة. ولكن يرى جمهور علماء المسلمين أن هذه الأيام بقدر أيامنا هذه، وإن لم يكن الشمس ولا القمر قد وجدا بعد.
أما القائلون بأنها أيام غير أيامنا هذه فهم يحتجون بأن هذه الأيام مقدرة بحركة الشمس حول الأرض، والشمس خلقت بعد الأرض. وهو رأي له وجاهته. بخلاف القول بأن الأيام هي مراحل أو أطوار فقول بلا دليل. فضلا عن مخالفته الصريحة للنص، لذلك فلن نلتفت إلى هذا القول.
وحتى نرجح أحد الرأيين لابد أن نعود - كما تعودنا - للقرآن والأحاديث فبنفس طريقة القرآن المعجزة، ذكر الله تعالى أيام الخلق في (7) آيات فقط لا ثامن لها، حيث ذكر تعالى في هذه الآيات السبع أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام:
(1) إن رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ (الأعراف:54)
(2) إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ (يونس:3)
(3) الَّذِي خَلَقَ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (الفرقان:59)
(4) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (السجدة:4)
(5) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا (هود:7)
(6) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَــوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (ق:38)
(7) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَاكُنْتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (الحديد:4).
قبل البحث عن مقدار الأيام الستة نسجل بعض الملاحظات على الآيات:
1 – إن الآيات السبعة ذكر فيها خلق السموات والأرض في ستة أيام.
2 - في ست آيات منها يذكر العرش، وفي خمس آيات من هذه الست يذكر تعالى الاستواء عليه. وفي الآية السادسة يذكر أن العرش كان عند خلق السموات والأرض على الماء. وفي حديث لابن عباس يذكر أن الماء محمول على متن الريح، كما أن لفظ الاستواء هنا يذكر على أنه تم بعد خلق السموات والأرض لقوله تعالى ثُمَّ وهي للترتيب الزماني.
3 - في الآية السابعة التي لم يذكر فيها العرش ذكر الله تعالى أنه لم يمسه مِنْ لغُوبٍ واللغوب يعنى التعب والنصب. وذلك ردا على ما ذكره مؤلف النص الكهنوتي للعهد القديم أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام واستراح في اليوم السابع، فنفي تعالى عن ذاته اللغوب (مجرد المس) فهو تعالى القادر على كل شيء، والذي لا يعجزه شيء، فقال: وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ولم يذكر في هذه الآية التي تنفي التعب والنصب عن الله (الاستواء على العرش) حتى لا يتبادر إلى الذهن أنه تعالى استوى على العرش من التعب والنصب.
كذلك ذكر في هذه الآية لفظ (خلقنا) بصيغة الجمع وليس خلق لتوحي بعظمة الله تعالى لفظ الجمع إذا ذكر في حق الله فإنه يعني العظمة والكبرياء أما في حق العبد فيعنى التواضع.
كرر في السبع أنه تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام للتأكيد على المدة والمقدار. وأن كان الحق ليس في الآيات أي تكرار لأنه تعالى في كل آية يمن على عباده بعلم جديد من عنده عن خلق السموات والأرض لم يذكره قبل ذلك.
نأتي لمقدار هذا اليوم: فالجمهور على أنه كيوم من أيام الدنيا، والبعض على أنه يوم من أيام الآخرة التي مقدارها ألف سنة، فيكون الخلق قد استغرق 6000 سنة. وقول الجمهور هو الأولى والأصوب، ويؤيده القرآن والسنة والكتاب المقدس، أما القول الآخر فلا حجة له إلا أن الشمس لم تكن موجودة أثناء خلق السموات والأرض كمـا يستدلون بالآية: َإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (الحج:47).
إن تكرار مدة الخلق وأنها ستة أيام، في أكثر من آية (7 آيات)، وكون المخاطبين أمة أمية، وكـون الآيات لم تبين مقدارها ببيان آخر، خاصة وفي أمر آخر متعلق بزمن حدد تعالى أنها مِمَّا تَعُدُّونَ مما يعد منطبقا علي أي زمن يذكر، يعطى انطباعا أنها أيام قدر أيام الدنيا، خاصة والمخاطبين لا يعرفون غيرها.
ولم يقل أحد مـن علماء التفسير أن هـذا اليوم محدد بالشمس، يقول ابن تيمية:" وتلك الأيام لم تكن مقدرة بحركة هذه الشمس وهذا الفلك، فإن هذا مما خلق في تلك الأيام، بل تلك الأيام مقدرة بحركة أخرى".
ذلك أن مقدار اليوم لا تحدده الشمس بل حدده الله تعالى، وقبل خلق الشمس بل وقبل خلق السموات والأرض، وقد كتب الله تعالى هذا المقدار في الكتاب الذي عنده فوق العرش، إذن فمقدار اليوم محدد كما هو الآن قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. كما ورد في حديث بدء الخلق.
إن الشمس بالنسبة لليوم هي فقط علامة ودليل على بدايته ونهايته، تماما مثل (ساعة اليد) التي تبين الوقت وأصبحت منتشرة، إن هذه الساعة لم تصنع بالصورة التي هي عليها الآن إلا منذ بضع سنين فهل كان اليوم قبل اختراع هذه الساعات غير معروف أو غير موجود، بل كان اليوم موجودا ومعروفا أيضا بعـلامات أخرى كالساعة الرملية والإسطرلاب والمزوالة، وظل الشمس...
والساعة لم تحدد اليوم بل هي دليل عليه، كذلك الشمس كانت دليلاً على الأيام. لأن اليوم بمقداره كان محددا قبل خلق السموات والأرض وسيظل أيضا بعد انتهاء السموات والأرض.. يوم القيامة.
ليلة القدر
في حديث بدء الخلق الذي رواه البخاري" كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشـه علي الماء، وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض".
وعند مسلم عن رسول الله  أنه قال:" كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. وكان عرشه على الماء".
فخلق السموات والأرض كان بعد كتابة مقادير الخلائق بخمسين ألف سنة أي أن وقت كتابة المقادير كان بداية الزمن بالنسبة للخلائق، وهذا الذي حدد علي أساسه حساب الخمسين ألف سنة، ومن ثم فهو كالتقويم بالنسبة للكون الذي كان قبل خلق الشمس والقمر، وكان قبل خلق السموات والأرض، بخمسين ألف سنة. ولا شك أن هذا الوقت له عند الله شأن وقدر، حتى أنه تعالى بعد مرور هذه الخمسين ألف بالتمام أي جاء هذا الوقت بعد هذه المدة فبدأ الله تعالى فيه خلق السموات والأرض، أي أنه تعالى أيضا بدأ خلق السموات والأرض من هذا الوقت الذي قدر فيه مقادير الخلائق، وبعد ستة أيام خلق الله القمر الذي هو تقويم السموات والأرض وبدأ القمر عمله بتكملة هذه الأيام الست، فدار دورته مكملا دورة كاملة في 354 يوم، حيث أن درجات الدائرة 360 فأتم القمر في أول دورته 354 يوماً متممة للأيام الستة وكانت نهاية دورة القمر الأولي عند هذا الوقت الذي قدر فيه مقـادير الخلائق.
ولقدر هذه الأيام الست التي خلقت فيها السموات والأرض أنقصت من السنة، وأصبح القمر يكمل السنة بدورته 354 يوما فقط.
لذلك فإننا نرى أن هذا الوقت الذي كتب فيه مقادير الخلائق، والذي بدأ فيه خلق السموات والأرض. هو وقت مبارك ولا شك، ولذلك أيضا نرى أن هذا الوقت هو الذي سماه الله تعالى بليلة القدر، أي ذلك الوقت الذي تم فيه كتابة المقادير، وبدأ فيه الخلق.
ومما يؤكد هذا الرأي أن الله تعالى أنزل فيه آخر رسالاته الخاتمة على البشر وقال تعالى حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (الدخان). ويقـول تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر ٍ(4) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر(القدر).
فقوله تعالى إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ يعنى أن هذه الليلة كانت موجودة قبل ذلك ولم يوجدها نزول القرآن، وبمعنى آخر أن القرآن بلغ من قدره أن الله تعالى أنزله في هذه الليلة المباركة التي تحددت فيها مقادير الخلائق، والتي ينزل فيها كل عام ما يكون مما سيقضيه الله في خلقه في هذا العام. واعتبر الله هذه الليلة خير الليالي، وأخبر أنه تعالى سيكافئ فيها من تقرب إليه، وسيستجيب فيها لمن دعاه.
الأيام الستة
من ذلك نري مقدار الأيام حدد أيضا في اللوح المحفوظ وسجل مقداره قبل خلـق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، أي قدر مقدار اليوم في ليلة القدر، وتم خلق السموات والأرض في أيام حدد مقاديرها سلفاً، غير أن خلق السموات والأرض كان هو العمل الأول في شأن الكون الذي سار على هذا المقدار المحدد وكان أول تطبيق للأيام في خلق السموات والأرض الذي تم في ستة منها.
يقول تعالى في سورة التوبة إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ إن هذه الآية يفهم منها أن الزمن حدده الله تعالى وثبت هذا التحديد في كتابه وأنه عز وجل حدده بالمقدار الذي نتعارف عليه الآن وهو السنة اثني عشر شهرا. وعلى ذلك لا يقال أن الزمن تحدد يوم خلق السموات والأرض ولكن بدء التطبيق الفعلي للزمن من يوم خلق السموات والأرض. ثم بعد خلق الشمس والقمر جعلهما الله للسنين والحساب (بالنسبة لنا) قال تعالى وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ. أما الزمن ذاته فلا تكونه الشمس ولا يكونه القمر ولكنهما علامتين عليه. وفي الحديث الصحيح الذي يرويه رسول الله  عـن ربه" لا تسبوا الدهر، فأنا الدهر، أقلب الليل والنهار". فلا الشمس ولا القمر هما اللذان يقلبان الليل والنهار، إنما يقلبهما الله.
وفي تفسير" فتح القدير" للشوكاني يقول عن الآية:" أي عدد الشهور للسنة عند الله في حكمه، وقضائه وحكمته اثني عشر شهرا ثابتة في علمه في أول ما خلق الله العالم. ويجوز أن يكون فِي كِتَابِ اللَّه أي مثبتة في اللوح المحفوظ. وفي هذه الآية بيان أن الله تعالى وضع هذه الشهور وسماها بأسمائها على هذا الترتيب المعروف يوم خلق السموات والأرض. وأن هذا الذي جاءت به الأنبياء ونزلت به الكتب، وأنه لا اعتبار بما عند العجم والروم والقبط من الشهور التي يصطلحون عليها ويجعلون بعضها ثلاثين يوما، وبعضها أقل. وقوله تعالى: مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ هي: ذو القعدة، ذو الحجة، والمحرم، ورجب، ثلاثة سرد وواحد فرد. ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ أي كون الشهور كذلك ومنها الأربعة الحرم هو الدين المستقيم. والحساب الصحيح. والعدد المستوفي" أ. هـ.
وعلى هذا التفسير للآيات يكون اليوم عند الله هو اليوم الذي نعرفه في الدنيا ويؤيد ذلك ما قاله رسول الله  في حجة الوداع:" إن الزمان قد استدرا كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض" فالزمان أصبح له هيئة أي شكل فعلي تطبيقي، يوم خلق الله السموات والأرض، وليس يوم خلق الله الشمس والقمر.
وقد اتفق أنه  حج في تلك السنة من ذي الحجة وأن العرب كانت قد نسأت النسيئ يحجون في كثير من السنين، بل أكثرها، في غير ذي الحجة والأربعة الحرم كانت العرب تحرمها في الجاهلية كما حرمت في الإسلام، غير أنها في الجاهلية كانت تستبدل الشهور بغيرها حسبما يقترح عليهم (النسأة).
وإنما كانت الأشهر الحرم أربعة لأجل أداء مناسك الحج والعمرة، فقد حرم الله ذو الحجة لأن فيه المناسك، وحـرم شهر قبله وشهر بعده، للذهاب والعودة فيأمن فيه الحاج. وحرم رجب في وسط الحول لأجل البيت والاعتمار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب، فيعتمر ويعود آمنا.
كذلك وردت أحاديث صحيحة على الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض وأن بدايتها كانت يوم الأحد ونهايتها يوم الجمعة.
أما من استدل بأن اليوم ليس كيوم الدنيا، بل بألـف سنة بالآية 47 من سورة الحج وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ.
قـال الشوكاني عن هذه الآية في تفسيره:" يقـول تعالى: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ.
أي يستعجلونك بالعذاب لأنهم كانوا منكرين لمجيئه أشد الإنكار فاستعجالهم له هو على طريقة الاستهزاء والسخرية وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ قال الفراء: إن هذه الآية وعيد لهم بالعذاب في الدنيا والآخرة. قال (الزجاج): إعلم أن الله لا يفوته شيء وإن يوما عنده وألف سنة في قدرته سواء. لا فرق بين وقوع ما يستعجلونه من العذاب وتأخره في القدرة. إلا أن الله تفضل بالإمهال وخطابهم في ذلك كمال حلمه لكون المدة القصيرة عنده كالمدة الطويلة عندهم كما في قوله إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا. وقال الفراء: أي يوم من الآخرة كألف سنة. وقيل المعنى: أن يوما من الخوف والشدة في الآخرة كألف سنة من سني الدنيا فيها خوف وشدة. وكذلك يوم من النعيم قياساً". أ. هـ
ويقول (سيد قطب) في كتابه (في ظلال القرآن): وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ يقول:" ذلك دأب الظالمين في كل حين، يرون مصارع الظالمين ويقرءون أخبارهم ويعلمون مصائرهم، ثم هم يسلكون طريقهم غير ناظرين إلي نهاية الطريق، فإذا ذكروا بما نال أسلافهم استبعدوا أن يصيبهم ما أصابهم، ثم يطغى بهم الغرور والاستهزاء إذا أملى لهم الله على سبيل الاختبار، فإذا هم يسخرون ممن يخوفهم ذلك المصير، وإذا هم من السخرية يستعجلون ما يوعدون وَلَنْ يخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ فهو آت في موعده الذي أراده الله وقدره وفق حكمته. واستعجال الناس به لا يعجله كي لا تبطل الحكمة المقصودة من تأجيله. وتقدير الزمن في حساب الله، غيره في حساب البشر وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ".
ويقول (ابن كثير) في تفسيره وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ أي هؤلاء الكفار الملحدون المكذبون بالله وكتابه ورسوله واليوم الآخر، كما قال تعالى وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (الأنفال:32) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ وقوله وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ من إقامة الساعة، والانتقام لأعدائه والإكرام لأوليائه. وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ أي هو تعالى لا يعجل، فإن مقدار ألف سنة عند خلقه هو كيوم واحد عنده بالنسبة لحكمه، لعلمه أنه على الانتقام قادر وأنه لا يفوته شيء وإن أنظر" أ. هـ.
وما نسب لابن عباس أن هذا اليوم من الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض لا يصح نسبه لابن عباس، وإنما هو لتلميذه مجاهد. أما الذي ثبت عن ابن عباس فهو رأى مخالف. كما أن الآية لم ترد في تقرير الخلق وإنما وردت في الحكم، وفي الإمهال والاستعجال. ثم إن تفسير الآيات عند كل المفسرين لا يعطي هذا المعنى.
وقد أيد ابن تيمية هذا الرأي وقال بأن" تلك الأيام لم تكن مقدرة بحركة هذه الشمس وأن مقدار هذا اليوم سيكون ثابتا حتى بعد قيام الساعة، وعندما تنشق هذه السموات ويدخل أهل الجنة سيكون هناك أيام، قال تعالى وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (مريم:62) وقد جاءت الآثار عن النبي  بأن الله تبارك وتعالى يتجلى لعبادة المؤمنين يوم الجمعة، وأن أعلاهـم منزلة من يرى الله تعالى كل يوم مرتين. فذكر هنا اليوم وليس في الجنة شمس ولا قمر. ولا هناك حركة فلك، بل ذلك الزمان مقدر بحركة أخرى وأمر آخر كما جاء في الأثر أنهم يعرفون ذلك بأنوار تظهر من جهة العرش".
وعلى هذا المعني الذي قال به علماء الإسلام فان اليوم عند الله هو ذاته اليوم في الدنيا إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضَ فالأيام والشهور عند الله هي التي حددها في كتابه وهي التي خلق عليها السموات والأرض والتي حرك الشمس عليها. وليس هناك أي دليل من الكتاب ولا من حديث رسول الله  يقول بأن اليوم عند الله يعادل ألف سنة من أيامنا، ولا أنه خلق السموات والأرض في ستة آلاف سنة مما نعد.
والآية التي التبس على البعض معناها فسرها جمهور العلماء بالمعني الذي ذكرنا كما أن شرح الآية لغويا لا يقبل هذا المعني الذي قال به بعضهم.
كما أن حرف (الكاف) أتي في كل القرآن بمعني (مثل) أي للتشبيه وليس للمساواة والآيات التي ورد بها هذا الحرف تأتي كلها بهذا المعني: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ وَلا يَكُونُوا كَالــَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ كَالأعْلامِ كَالْمـُهْل كَصَيِّبٍ كَزَرْعٍ كَسَرَابٍ كَلَمْحٍ بِالْبَصـَرِ كَمَثَلِ رِيحٍ مَوْجٍ كَالْجِبَالِ كَالَّـذِي يُغْشَى عَلَيْهِ طَلْعُهَا كَأَنَّـهُ رُءوسُ الشَّيَاطِينِ كَأَنَّهُمْ يَـوْمَ يـَرَوْنَهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا كَمَثَلِ الْكَلْبِ كَمَثَلِ حَبـَّةٍ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ .
فكل هذه الأمثلة وغيرها يأتي بها الله للتشبيه والتمثيل، وليس للفعل والواقع فمثلا قوله تعالى: كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أتت للتشبيه. وهذه غير قوله تعالى وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ فالباء هنا للفعل والحقيقة غير الكاف في الآية الأولي. وكذلك قوله تعالى أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ فهذه علي الحقيقة وليست للتشبيه. ولو أراد الله تعالى أن يخبرنا بأن اليوم عنده يساوى مقدار ألف سنة من مقدار أيامنا لقال (وإن يوما عند ربك بألف سنة مما تعدون) لجاء بحرف (الباء) مثل ما هو في آية الملائكة وغيرها ولم يأت بحرف (الكاف) الذي هو للتشبيه والتمثيل.
وسياق الآية إنما يدل على أن الله لا يستعجل بعجلة أحد لأن الوقت لا يؤثر فيه تعالى فاليوم والألف عند الله سواء، والطول والقصر في الوقت كذلك، لأن تعالى هو الدهر.
المسافة بين السموات والأرض
صرح القرآن، وتواترت الأحاديث، وأجمع علماء الإسلام على أن المسافة بين السماء والأرض حـوالي سبعـة مليون كيلـو متر (7000000كم) والمسافة بين كـل سماء والتي تليها (7000000كم) أيضا. إن هذا القول الآن يعتبر غاية في الغرابة، وقد يعد ضرباً من الجنون، خاصة ووكالة (ناسا) الفضائية الأمريكية، قالت بأن الشمس تبتعد عن الأرض بمسافة 150 مليون كيلو متر وهي أقرب النجوم إلينا. وإنني لألتمس العذر لمن يرميني بهذا، وذلك لأن علماء الفلك الآن والمنجمين يفترضون أن الناس لا عقول لهم، بل هم استطاعوا أن يغيبوا عقولهم، يفهم هذا من المصطلحات والأرقام التي يتكلمون بها.
واستطاع هؤلاء أن يحتكروا منطقة السماء أو كما يسمونها (الفضاء) وهم يشترطون على من يحاول الاقتراب من هذه المنطقة أن ينحي عقله جانبا ويتبعهم.
ولو خاطر وغامر أحد اتباعا لأمر الدين وراح يقلب ناظريه إلي السماء وتفكر فيها وتدبر، فإنه لا محالة سيفقد عقله ولن يعود إليه، وهنا لا يلومن إلا نفسه لأنه لم يستجيب لنصيحة المنجمين - علماء النجوم والفلك - ولم ينحي عقله جانبا ويتبعهم ثم بعد انتهاء التأمل والتفكر يلبس ويركب عقله مرة أخري.
بل إنني أيضا أنصحك بهذه النصيحة ولا أطلب منك أن تنحي عقلك جانبا بل أحذرك أن تفكر بعمق فيما أعرضه عليك من معلومات أقدمها لك وقد استقيتها من المنجمين وحتى أسهل لك الأمر سأشرح بعضاً من مفرداتهم. فانهم عندما يقيسون المسافات فلا يقيسونها بالوحدات التي تعارفنا عليها أو تعارف عليها البشر منذ الخليقة بل اخترعوا مصطلحات حديثة يتفاهمون بها كما يتفاهم زملاء المهنة الواحدة بمفردات خاصة بهم. رغم أن السماء والأرض ليست حكرا على مهنة أو فئة من الناس، إلا أن المنجمين استطاعوا ببراعة فائقة أن يستولوا على السماء ولم يقدر أحد على مجرد النظر فيها فضلا عن التدبر أو التفكر في آياتها ولو سألنا ربنا يوم القيامة عن عدم الاستجابة لآياته وعدم التفكير فيها، لكان لنا العذر، فأي عاقل يمكنه أن يغامر بما تبقي له من عقل – الآن - ويفعل ما يريده منه الله:
1) أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ (الأعراف:185)
2) قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ (يونس:101)
3) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (ق:6)
4) إِنَّ فِي السَّموَاتِ وَالأَرْضِ لأيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (الجاثية:3)
5) إِنَّ فِي خَلْقِ السّــــَمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِلآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ  (آل عمران:190)
6) وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ (آل عمران:191)
7) وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (الحجر:16).
حتى لو كان الأمر كما يقول به المنجمون فيكون من الصعب، بل من المستحيل النظر والتفكر والتدبر في خلق السموات والأرض وما بينهما. ولكن الأمر ليس كذلك ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، لا يكلف الله نفسا إلا ما أتاها. ومن المستحيل أن الله تبارك وتعالى يكلف عباده بأن يتفكروا في السماء وقـد جعلها تعالى بهذا التعقيد. بل حاشا لله، فآيات الله واضحة، بيّنة، ميسرة للذكر والفكر، ولا عذر لأحد في تركه لآيات السماء، ولا حجة له فيما فعله المنجمون والفلكيون في معلومات السماء، لأنه تعالى أوحى إلي رسوله بالمعلومات الصحيحة، والتي هي على النقيض مما يقول به هؤلاء، يقول تعالى وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (الأنبياء:32). فكما أنهم استبدلوا أيام خلق الأرض الأربعة وقالوا إنها تكونت في عشرة ملايين سنة، فكذلك قالوا عن أبعاد الأجرام السماوية، ناهيك عن السماء ذاتها وخالفوا بكل ما قالوه ما أوحى به الله لرسوله، وسكت علماؤنا على هذه المخالفات بل إنهم أيدوهم فيما قالوا، ودون استثناء، بآيات القرآن، وأعتقد أنه لو كان في الدنيا عجائب فهذا الأمر أولها عجبا.
لقد وصل الأمر بأهل الفلك أنهم بعدوا بين الأجرام السماوية للحد الذي عجزوا هم أنفسهم عن تتبع وحساب ما قالوا به. فراحوا يضعون قواعد ومصطلحات يستطيعون هم أنفسهم أن يفهموا أنفسهم.
إنهم يقولون إن الأبعاد بين الأجرام السماوية كبيرة جدا، وقد كانوا يتحدثون بالملايين فطرحوا هذه الأرقام وقالوا بالبلايين، ثم قالوا بأن الأمر أكبر بكثير جدا، بدرجة لا يتصورها العقل من الأرقام، فاخترعوا (السنة الضوئية). فقالوا: إن الضوء ينطلق بسرعة معينة، هي أكبر سرعة عرفوها حتى اليوم" على حد قولهم" فهو ينطلق بسرعة 300 ألف كيلو متر في الثانية الواحدة، هكذا يقولون. وعلى ذلك فهو ينطلق في الدقيقة بسرعة 18 مليون كم، أما في الساعة فهو يقطع مسافة 108000000000(مائة وثمانية مليار)، أما في اليوم فيقطع مسافة 25920000000000 (خمسة وعشرون ألف وتسعمائة وعشرون مليارا كم) وبالتالي فإنه يقطع في السنة 94608000000000 (ولم أستطيع قراءة هذا العدد البسيط). هذا الرقم يقطعه الضوء في العام فسموها السنة الضوئية.
يقول الدكتور" إمام إبراهيم أحمد" في كتاب (عالم الأفلاك):
" الحمد لله... لقد وقفنا أخيرا إلي مقياس مناسب، على أساسه أصبح بعد أقرب نجم إلينا حوالي 4 سنين ضوئية فقط، وإن كانت عجائب السماء التي سيرد ذكرها فيما بعد تبعد عنا ملايين السنين الضوئية. وثمة وحدة أخرى اتخذها الفلكيون لقياس أبعاد النجوم والمجرات هي (البارسيك) وهذه الوحدة تعادل 26 ,3 سنة ضوئية وهي قيمة تم استنتاجها عن طريق عمليات رياضية لا مجال لذكرها، لكن المهم أن هذه الوحدة تقلل أرقام المسافات إلي حوالي ربع السنين الضوئية" أ. هـ.
فإذا كان أقرب نجم إلينا يبلغ بعده عنا المسافة التي قالوا بها 4 سنين ضوئية فما هى مسافة أبعد نجم عنا؟ ويقولون إن أقرب مجرة إلينا (المرأة المسلسلة) ويمكن رؤيتها بالعين المجردة أحيانا وهي تبتعد عنا بنحو 700000 سنة ضوئية أي أنها تبتعد عنا بالكيلو مترات 662256000000000000000000 هذا بعد أقرب مجرة إلينا وذاك أقرب نجم ولا أستطيع أن أقدم أمثلة أبعد من أقرب الأجرام السماوية إلينا، أفلا يغفر لنا ربنا إذا لم نتدبر ونتفكر في خلـق السموات والأرض، وأن نكتفي بمجرد النظر دون غيره. ويجوز أن نترك النظر من باب سد الذرائع للحفاظ على عقولنا.
التجريبيون يريدون أن يقولوا لنا:" إن هذه هي أبعاد أقرب الأجرام الفضائية التي يريد منكم ألهكم أن تتفكروا وتتدبروا فيها فما رأيكم؟".
ولقد نقل إلينا هذه الرسالة علماؤنا الإجلاء. وأكدوا لنا أن كل ما يقوله التجريبيون قد ثبت فعلا علميا وليس مجرد افتراض، ولو سألناهم: ما هي أدلتكم؟ فلن ينطقوا بكلمة.
ترى ما الذي يدفع التجريبيين لأن يقولوا هذا الهراء؟
لقد ذكرنا في مدخل هذا الكتاب بعضا من أقوالهم التي تعبر عن كفرهم بالله وإنكار وجوده بالكلية. حتى سمى هذا العصر وبحق (عصر الإلحاد) وهم يسمونه (عصر النهضة).
لقد بدءوا كفرهم بقولهم إن هذا الفضاء (لانهائي) ولقد فقد حياته بسبب هذه المقولة واحد منهم وهو" جيردانو برونو" الفلكي الإيطالي الذي حكمت عليه الكنيسة بالإعدام حرقــا بسبب اعتقاده بلا نهائية هذا الفضاء عام 1600 ميلادية قي روما.
وعلمهم إبليس الدرس فلم يقل أحد منهم بعد ذلك صراحة بلا نهائية الفضاء، بل راحوا يطلقون هذه الأرقام حتى انتهى جهدهم في عدها، فاخترعوا مصطلحات تزيد البعد حتى إذا ما رسخ في الأذهان - وذلك بعد سنوات طويلة - المسافات اللانهائية ظهرت مرة أخري دون خوف أو وجل مقولة اللانهائية. بل أن علماء القرآن ذاتهم سقطوا - بحسن نية - في هذا الشرك. وقال محمد الغزالي" رحمه الله في كتاب" مائة سؤال وجواب في الإسلام" والتي نصها: " قال - يعني محاوره - تعني أن السموات السبع هي الأفلاك؟
قلت: لا أجزم بشيء من هذا، ولا العلم يجزم هو الآخر بشيء عن حقيقة الفضاء وطبقاته الذاهبة في الغيوب. والذي أراه وأحس به، أننا نتحرك في إطار معين إذا تجاوزناه إلي أعلي أو إلي أدنى فلن نصل إلي نهاية".
وباللانهائية قال" جاليليو" و" نيوتن" و" أينشتاين". ولكي يكون لكلامهم سند وقبول فإنهم راحوا يوزعون الملايين أو البلايين علي النجوم والمجرات. وبالطبع هذه البلايين لا يغرمها أحد، وليست من (جيب) أحد، فهي تلقى جزافاً دون حساب. فلا دليل ولا برهان ولا علم ولا سلطان ولا هدى ولا كتاب منير فقط بعض النظريات والفرضيات قال عنها كبيرهم السير" جيمس جينز":
" أمامكم عرض كبير من النظريات المختلفة لتختاروا منها ما تشاءون، ولكني شخصياً لا أضع ثقتي في أي منها".
أما زميله"هابل" فقال:" وهكذا انتهى استكشاف الفضاء إلي موقف الحيرة والالتباس".
ونترك نحن الكتاب والسنة ونأخذ من حيرتهم والتباسهم ما نأخذ، والذي هم أنفسهم يزهدون فيه. ويستشعرون، بل يعلمون أنه غش وخداع.
أما أنا فإنني أسجل هنا شهادتي وأشهد عليها ربى، أنني أكذب" جينز" و"هابل" و" جاليليو" و" نيوتن" و"أينشتاين" في كل ما قالوه عن كون الله، وأصدق محمداً  الذي أوحي الله تعالى إليه قرآنا وسنة بين فيهما، ليس فقط بعد النجوم والمجرات، بل بعد السماء ذاتها.
قد لا أجد مصدقا لما أقول، وقد يستهزئ المستهزئون ويسخر الساخرون من قولي إن المسافة التي بيننا وبين السماء حوالي (7) مليون كيلو متر، ومما سيزيدهم استهزاء وسخرية أنه ليس للكنيسة الآن رجال يدافعون عن الدين، ولا رجال للإسلام ينصفون الكتاب والسنة، وقد أُعلن عن انتصار التجريبيين الآن، ولم تعد للكنيسة قائمة ولا صوت، أما علماء الإسلام فبعد ذهاب الخلافة الإسلامية تفرقوا إلي ثلاث فرق، لكل فرقة أتباعها، فريق راح يناوئ الحكام وآخر يساندهم والثالث ترك هؤلاء وأولئك وراح يتتبع خطى التجريبيين حذو القذة بالقذة حتى دخلوا وراءهم جحر الضب. وتفرع من هذه الفرق جماعات وقله قليلة اعتزلت كل تلك الفرق، وآثرت السلامة واكتفت بالحديث عن اللحية والجلباب والإسبال والنقاب وما شابه، زعماً بأن هذا هو الهدى ودين الله الحق الذي أرسل الله تعالى له رسولا ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون.
أحاديث المسافة
(1) قال الإمام أحمد حدثنا عبد الرازق حدثنا يحيى بن العلاء عن عمه شعيب بن خالد حدثني سماك بن حرب عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن عباس بن عبد المطلب قال: كنا جلوساً مع رسول الله  بالبطحاء فمرت سحابة فقال رسول الله :" أتدرون ما هذا؟" قلنا: السحاب قال:" والمزن" قلنا: والمزن. قال:" والعنان" فسكتنا فقال:" هل تدرون كم بين السماء والأرض؟" قلنا: الله ورسوله أعلم. قال:" بينهما مسيرة خمسمائة سنة ومن كل سماء إلي سماء مسيرة خمسمائة سنة وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة. وفوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين ركبهن وأظلافهن كما بين السماء والأرض ثم على ظهورهن العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض. والله فوق ذلك وليس يخفي عليه شيء من أعمال بنى آدم".
(2) وعند الترمذي:
روى أبو هريرة رضى الله عنه قال: بينما النبي  جالسُ وأصحابه إذ أتي عليهم سحاب فقال:" هل تدرون ما هذا؟ (يعنى السحاب)" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:" هذا العنان (السحاب) هذه روايا الأرض تسوقه إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه" ثم قال:" هل تدرون كم بينكم وبينها؟" قالوا: الله ورسوله أعلم. قـال:" بينكم وبينها ميسرة خمسمائة عام" ثم قال:" هل تدرون ما فوق ذلك؟" قالوا الله ورسوله أعلم. قال:" فإن فوق ذلك سماء بعد ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة" حتى عـد سبع سموات بين كل سماءين كما بين السماء والأرض ثم قال:" هل تدرون ما فوق ذلك؟" قلنا: الله ورسوله أعلم. قال:" فإن فوق ذلك العرش".
(3) روى ابن أبى عاصم في كتاب السنة:
عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله  قال:" بين سماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام. وبين كل سماء خمسمائة عام. وغلظ كل سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام. وبين الكرسي وبين الماء خمسمائة عام. والعرش فوق الماء. والله فوق العرش لا يخفي عليه شيء من أعمالكم".
(4) وروى هذا الحديث أيضاً" ابن ماجة" من حديث سماك ووقفه.
(5) ورواه أيضا" شريك" من حديث سماك أيضاً.
(6) ورواه" ابن خزيمة" في صحيحه عن أبي ذر مرفوعا.
(7) ورواه" الطبراني" بنحوه.
(8) ورواه" أبو داود" عن عبد المطلب وصححه" ابن خزيمة":
"هل تدرون ما بين السماء والأرض؟" قلنا الله ورسوله أعلم. قال إحدى أو اثنتان أو ثلاث وسبعون"." قال" وما فوقهما مثل ذلك" حتى عد سبع سموات" ثم فوق السماء السابعة البحر من أسفله إلى أعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء. ثم فوقه ثمانية أوعال ما بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين سماء إلى سماء. ثم العرش فوق ذلك، بين أسلفه وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم الله فوق ذلك".
قال ابن حجر في شرحه لصحيح البخاري:" والجمع بين اختلاف هذا العدد في هاتين الروايتين أن تحمل الخمسمائة على السير البطيء كسير الماشي على هينته، وتحمل السبعين على السير السريع كسير السعاة".
وقد اتفق علماء الحديث وعلماء التفسير على أنه ليس هناك تعارض بين الروايتين (الخمسمائة) و(السبعين) إلى أن المسافات تختلف مقاديرها باختلاف المقدر به فالخمسمائة عام مقدرة بسير الإبل والسبعين بسير البريد، وهو يقطع قدر ما تقطعه الإبل سبعة أضعاف كما هو معلوم.
وكما هو واضح من الأحاديث أن المقياس هنا بالسير سواء على الأقدام أم بسير الإبل فكلاهما واحد. فليست السرعة هنا بالسنة الضوئية أو بالصاروخ أو بالسيارة ولكن مقياس المسافة وسيلة مشتركة بين كل الناس في كل العصور. ومما يعقله العقل ويتحمله فكر الإنسان العادي.
ومعنى الأحاديث أن بيننا وبين السماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام وبين السماء الدنيا والثانية مسيرة خمسمائة عام وبين الثانية والثالثة خمسمائة عـام وهكذا حتى السماء السابعة. و(غلظ) أو (كثافة) كل سماء خمسمائة عام، والغلظ أو الكثف هو الذي قلنا عنه أنه (أرضية) كل سماء لأن لكل سماء (أرضية) أو أرض فسمك هـذه الأرض مسيرة خمسمائة عام. وسمك السماء كذلك.
لم يختلف أحد من العلماء حول هذه المسافة ولم يشذ واحد منهم وقال بخلاف ذلك ولم يضعف أحد هذه الأحاديث التي أوردنا بعضها فكلها أحاديث صحيحة.
إنني على يقين أن علماؤنا ستأخذهم الدهشة من هذا الكلام. ولكنها الأحاديث، وأحاديث رسول الله  وليس كلامي، وهو موجود في بطون الكتب. ولكن علماؤنا يكتمونه ولا يبينونه للناس، أما الذي يبين للناس فهو ما يقوله التجريبيون الذين يؤمنون بأي شيء إلا الله، ويبينون للناس هذه (اللانهائية) التي لم يقل بها الله ولا رسوله ولا واحد من العلماء المعتبرين.
ورب سائل يسأل: أليس القرآن تبيانا لكل شيء، وتفصيلاً لكل شيء، وفيه من كل شيء مثلا، فكيف لا يذكر هذا الأمر، وقد فصل في خلق السموات والأرض هذا التفصيل؟
نقول: إن القرآن لم يغفل هذا الأمر، وهذه الأحاديث التي ذكرناها لم تكن سوى تبيانٍ لما ذكره الله عن المسافة التي بين السماء والأرض. بل والمسافة التي بين السموات والأرض. بل إن الله منّ علينا وعرفنا المسافة التي بيننا وبين عرشه المجيد.
ولا تأخذ الذين يقرءون القرآن ولا يجاوز حناجرهم الدهشة من هذا القول. وأذكر بما اتفقنا عليه أن بيننا وبينهم، كتاب الله وسنة رسوله وإجماع علماء الأمة (قبل عصر الإلحاد): يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الأخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا (النساء:59).
بعد السماء في القرآن:
يقول تعالى في سورة السجدة اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (4) يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5).
إن الله تعالى في هـذه الآية يخبرنا بأن أمره ينزل من السماء إلى الأرض ثم يعرج مرة أخرى في يوم. هذا اليوم مقداره بأيامنا نحن ألف سنة ، أي ما يقطعه الأمر ذهابا وإيابا في يوم نقطعه نحن في ألف سنة ذهابا خمسمائة سنة وإيابا خمسمائة سنة كما اخبر رسول الله .
وهذا ما قالت به التفاسير جميعا (تفاسير ما قبل عصر الإلحاد). قال (ابن كثير) في تفسيره:" أي ينزل أمره من أعلى السموات إلى أقصى تخوم الأرض السابعة كما قال تعالى اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ وترفع الأعمال إلى ديوانها فوق سماء الدنيا، ومسافة ما بينهما وبين الأرض خمسمائة سنة.
وقال مجاهد والضحاك: النزول من الملك في مسيرة خمسمائة عام وصعوده في خمسمائة عام ولكنه يقطعها في طرفة عين" أ. هـ.
ويقول الحسن البصري الماوردي في تفسير" النكت والعيون":" إن الملك ينزل ويصعد في يوم مقداره ألف سنة فيكون مقدار نزوله خمسمائة عام ومقدار صعوده خمسمائة عام. وقوله مِمَّا تَعُدُّون أي تحسبون من أيام الدنيا".
وقـال أبو على الفضل بن الحسن الطبرسي في تفسير" مجمع البيان":" أي يدبر الأمور كلها ويقدرها على حسب إرادته فيما بين السماء والأرض، وينزلها مـع الملك إلى الأرض ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ الملك، أي يصعد إلى المكان الذي أمره الله أن يصعد إليه فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ أي يوم كان مقداره لو ساره غير الملك ألف سنة مما يعده البشر. خمسمائة عـام نزوله، وخمسمائة عام صعوده، فينزل الملك بالتدبير أو الوحي ويصعد إلى السماء فيقطع في يوم واحد من أيام الدنيا مسافة ألف سنة مما تعدونه أنتم لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام لابن آدم. وهذا معنى قول ابن عباس والحسن والضحاك وقتادة" أ. هـ.
وقال الشوكاني في تفسيره" فتح القدير":
" لما بين سبحانه خلق السموات والأرض وما بينهما بين تدبيره لأمرها: أي يحكم الأمر بقضائه وقدره من السماء إلى الأرض، والمعنى: ينزل أمره من أعلى السماء إلى الأرض السابعة كما قال تعالى اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ ومسافة ما بين السماء الدنيا إلى الأرض التي تحتها نزولاً وطلوعاً ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل المراد بالأمر: المأمور به من الأعمال، أي ينزله مدبراً من السماء إلى الأرض، وقيل يدبر ‏أمر الدنيا بأسباب سماوية من الملائكة وغيرها نازلة أحكامها وآثارها إلى الأرض. وقيل العرش موضع التدبير، كما أن ما دون العرش موضع التفصيل. كما في قوله ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ وما دون السموات موضع التصرف. قـال الله: وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا ثم لما ذكر الله تعالى تدبيره للأمر قال: ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ أي ثم يرجع ذلك الأمر ويعود ذلك التدبير إليه سبحانه في يوم مقداره ألف سنة من أيام الدنيا. وذلك باعتبار: مسافة النزول من السماء والصعود إليها من الأرض كما قـدمنا، وقيل يدبر أمر الحوادث اليومية بأثباتها في اللوح المحفوظ فتنزل بها الملائكة، ثم تعرج إليه في يوم مقداره ألف سنة من أيام الدنيا.
وقيل المعنى: أن الملك يعرج إلى السماء في يوم كان مقداره لو ساره غير الملك ألف سنة لأن ما بين السماء إلى الأرض مسافة خمسمائة عام" أ. هـ.
نكتفي بما أوردنا وإلا فكما قلنا كل التفاسير التي كتبت قبل عصر النهضة (عصر الإلحاد) فسرت الآية بأن بعد السماء عن الأرض مسيرة خمسمائة عام. وإن كانت الآية ليست في حاجة إلى تفسيريُدَبِّرُ الأمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ فالقرآن لم يترك هذا الأمر كما قلنا.
وإنما ذكرت أن التفسير الصحيح للآية ورد قبل عصر النهضة لأن ما وقع في يدي من تفاسير مؤلفة بعد ذلك حارت واحتارت ودارت وناورت في التفسير، ومنها ما يخالف المعنى الظاهر للآيات لكي يتوافق مع ما يقوله التجريبيون.
ففي تفسير (المنتخب) مثلاً نجد أن شرحهم وتفسيرهم لهذه الآية يحتاج إلى شرح وتفسير ولو تركوا الآية كما هي دون تفسير لكان أبين وأفصح، لاستغناء الآية بنفسها، قال العلماء المؤلفون:
" يدبر شئون الخلق من السماء إلى الأرض. ثم يصعد إليه أمرها في يوم مقدر بألف سنة من سنى الدنيا التي تعدونها " ففضلاً عن أن هذا التفسير لم يقل به أحد من علماء ما قبل النهضة فإنه غير مفهوم فماذا يعنون بقولهم" مقدر بألف سنة من سنى الدنيا" وأين التفسير لقوله تعالى فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ إنهم لم يفعلوا أكثر من التحريك لحروف الآية وحولوا الآية من: كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ إلى (مقدر بألف سنة) من الذي قال هذا: أنه مقدر بألف سنة. لقد أدخلوا أنفسهم والقارئ لهم في حالة (اللبس والحيرة) التي قال عنها (هابل) المنجم والفلكي.
أما المسافة بين كل سماء والتي تليها فقد ذكرها القرآن أيضا، بل في آية واحدة ذكر هذه المسافات كلها وجميع المسافات التي توجد في ملك الله من العرش إلى الفرش.
المسافة من العرش إلى الفرش
يقول تعالى في سورة المعارج سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4).
بنفس الغموض واللبس والحيرة يقول المؤلفون لكتاب (المنتخب) والذي ألف بعد عصر النهضة، يفسرون الماء بعد الجهد بالماء فيقولون عن هذه الآية تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ.
" تصعد الملائكة وجبريل إلى مهبط أمره في يوم كان طوله خمسين ألف سنة من سني الدنيا" إن هذا الشرح يحتاج إلى شرح والتفسير يحتاج تفسير، وأيا ما كان الأمر فليس هذا هو تفسير الآية. والتفسير نوعان: تفسير بالمأثور وتفسير بالرأي وهو لا هذا ولا ذاك.
ولفهم تفسير الآية نعود إلى علمائنا قبل عصر النهضة:
يقول (الطبرسي) وهو من علماء القرن السادس في تفسير (مجمع البيان):" تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ أي تصعد الملائكة ويصعد الروح أيضا معهم وهو جبريل، خصه بالذكر من بين الملائكة تشريفا وإِلَيْهِ أي إلى الموضع الذي لا يجرى لأحد سواه فيه حكم جعل سبحانه عروجهم إلى ذلك الموضع عروجاً إليه فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ أي: تعرج الملائكة إلى الموضع الذي يأمرهم الله به في يوم كان مقداره من عروج غيرهم خمسين ألف سنة. والمراد أن الآدميين لو احتاجوا إلى قطع هذا المقدار الذي قطعته الملائكة في يوم واحد لقطعوه في خمسين ألف سنة".
أما ابن كثير فقد ذكر فيه أربعة أقوال وجعل أولها:
" إن المراد بذلك مسافة ما بين العرش العظيم إلى أسفل سافلين، وهو الأرض السابعة وذلك مسيرة خمسين ألف سنة. الرأي الثاني: المراد بذلك مدة بقاء الدنيا منذ أن خلق الله العالم إلى قيام الساعة. (الثالث): وهو رأي غريب جدا كما قال ابن كثير إنه اليوم الفاصل بين الدنيا والآخرة (الرابع): إن المراد بذلك هو يوم القيامة وعن ابن عباس أنه قال: هو يوم القيامة جعله الله تعالى على الكافرين مقدار خمسين ألف ستة. وروى أحمد عن أبى سعيد قال: قيل لرسول الله  فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ما أطول هذا اليوم؟ فقال" والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا". وهو بهذا المعنى الأخير يصف يوم القيامة وطوله، وهي مسألة حسية لكل واحد حسب عمله. فهو علي المؤمن كوقت صلاة يصليها. وهو علي الكافر كأنه خمسين ألف سنة. غير أنه في حديث أخر عن معاذ رضي الله عنه عن رسول الله  قال: " يحاسبهم الله بمقدار ما بين صلاتين لذلك سمي: سريع الحساب وأسرع الحاسبين". وأن الناس لو تركوا ليحاسبوا أنفسهم لظلوا خمسين ألف سنة.
وقال الشوكاني في تفسيره:
" إن الملائكة إذا عرجت من أسفل العالم إلي العرش كان مسافة ذلك خمسين ألف سنة. وأنهم إذا عرجوا من هذه الأرض التي نحن عليها إلي باطن هذه السماء التي هي سماؤنا الدنيا كان مسافة ذلك ألف سنة لأن ما بين أسفل السماء إلي الأرض خمسمائة عام وغلظ كل سماء خمسمائة عام".
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قال: منتهى أمره من أسفل الأرضين إلي منتهى أمره من فوق السموات العلي مقدار خمسين ألف سنة وعن يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قال: يعني بذلك ينزل الأمر من السماء إلي الأرض ومن الأرض إلي السماء في يوم واحد فذلك مقدار ألف سنة. لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أيضا قال:" غلظ كل أرض (أرضية) خمسمائة عام وغلظ كل سماء خمسمائة عام. وبين كل أرض إلي أرض خمسمائة عام، ومن السماء إلى الأرض خمسمائة عام. فذلك أربعة عشر ألف عام. وبين السماء السابعة إلى العرش مسيرة ستة وثلاثين ألف عام. فذلك قوله: فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ".
وهذا التفصيل الأخير لابن عباس في غاية الدقة وروعة البيان. ورضي الله عنه فقد دعا له رسول الله  بأن يفهمه الله القرآن. وقد كان.
إن عدة أحاديث تتضافر كلها دون تناقض لتؤكد أن المسافة بين الأرض والعرش يسيرها ابن آدم في خمسين ألف سنة لو قدرله السير. أما الملائكة والروح فتقطعها في يوم واحد. يؤكد ذلك الأحاديث التي رواها عدة رواة عن بعد السماء عن الأرض وأنه خمسمائة عام سيرا وأن بين كل سماء والتي تليها مسيرة خمسمائة عام وكثافة كل سماء خمسمائة عام أيضا وقلنا أن هذا تفسير فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ أي النزول إلى الأرض والعودة إلي السماء إذن فلدينا مسافة ثابتة وهي خمسمائة عام، وهي وحدة قياس لأنها بعد ما بين كل سماء والتي تليها، وهي غلظ كل سماء وبعد ما بين الماء والسماء السابعة وبعد ما بين الكرسي والماء. وغلظ الكرسي. وبعد ما بين العرش والماء.
وكثف العرش ذاته، وهكذا جميع المسافات الموجودة في الكون من الأرض السابعة إلي العرش مسيرة ثابتة (خمسمائة عام) لأي شيء بينهما سماء، أو ماء، أو كرسي، أو عرش، أو كثافة، أو ما بينهما.
هناك حديث صـحيح عن رسول الله  رواه البخاري والطبراني" إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله. ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض".
وهذا لفظ البخاري ولفظ الطبراني:" ما بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام".
ورواه الترمذي بزيادة." لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم". وتكملة الحديث عندهم جميعا" فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس. فأنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن".
فهذا الحديث الصحيح يبين لنا أن الجنة مائة درجة فأن بين كل درجتين كما بين السماء والأرض أي مسيرة خمسمائة عام. وان أعلاها جميعا الفردوس لأنها تحت العرش. إذن فالجنة منتهاها تحت العرش. وبدايتها ستكون من فوق الأرض لأن النار ستكون تحت الأرض وليس بين الاثنين إلا حجاب. كما قال تعالى في سورة الأعراف وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ أي سور فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (الحديد:13) فهذا الحديث يحدثنا صراحة عن المسافة التي بين الأرض إلى العرش وأنها مائة درجة في الدرجة خمسمائة عام فيكون المجموع خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ.
وقال العلماء المتحدثون والمفسرون في صفة العرش إن بعد ما بينه وبين الأرض خمسين ألف سنة، وبعد ما بين قطريه أي اتساعه خمسين ألف سنة.
سبعة مليون كيلو متر
إذا اتفقنا علي أن بعد السماء عن الأرض مسيرة خمسمائة عام، ولابد أن نتفق علي ذلك كمؤمنين لأدلة الكتاب والسنة ولإجماع علماء الأمة، ولا يوجد مخالف واحد.
بقي أن نوضح الآن، كيف تكون المسافة بهذا التحديد سبعة مليون كيلومتر. أي أن مسيرة خمسمائة عام = 7000000 كم.
لقد كان الأسلم لنا أن نكتفي بتوضيح الآيات والأحاديث التي تتحدث عن المسافة بين السماء والأرض وأنها مسيرة خمسمائة عام وكفي. خاصة ولم يقل أحد أبدا بهذا التحديد الدقيق لا من السلف، ولا من الخلف.
كنا نود أن نقف عند هذا الحـد، ولكن حتى لا يفهم أحد قدر مسافة الخمسمائة عام فهماً خاطئاً فنكون بذلك لم نفعل شيئاً، لأنهم الآن يستخدمون مصطلح السنين أيضا، فضـلا عن البلايين المبلينة التي يلقونها بدون حساب لأقرب الأجرام السماوية. ثم ثالثا لأن الناس في هذا العصر لا يعرفون قدر هذا المقياس. لذلك كان واجبا على المسلمين أن يبينوا للناس وأن يصححوا المفاهيم المغلوطة التي اكتسبت على مدار أكثر من ثلاثة قرون من الزمان.
وحيث سكت العلماء عن التبيين، فشعرت - وأنا طالب علم - أنه فرض عين علىّ طالما عرفت أن أعرف الناس.
والأمر ببساطة شديدة مستقى أيضا من الكتاب والسنة وإجماع علماء المسلمين. وسنتوصل إلى هذا التحديد بأكثر من طريقة:
الطريقة الأولى:
إن الأحاديث تصرح دون أي لبس أو غموض، أن مسيرة الخمسمائة عام هي سيراً لا جرياً ولا طيراناً. وببساطة نستطيع أن نحسب كم كيلو مترا في هذه المدة.
من المعلوم أن الإنسان العادي يسير في الساعة 5 كم. ومن المعلوم أن يوم المسير هو 8 ساعات. إذن يسير الإنسان العادي في اليوم 40 كم.
ومن المعلوم أيضا أن السنة مقدارها 354 يوما فتكون المسافة المقطوعة في العام هي 40 × 354 =14160 كم وعلى ذلك فالمسافة في الخمسمائة عام هي 14160 × 500 =000 7080 كم (سبعة مليون وثمانون ألف كيلو متر).
الطريقة الثانية:
نعلم من السيرة وتاريخ العرب أن للعرب رحلة سنوية للشام صيفا ومثلها لليمن شتاءً ونعلم من هذه المصادر أيضا أن الرحلة كانت تستغرق شهرا ذهابا وشهرا إيابا. وعلى ذلك فقد كانت (مسيرة شهر) وحدة قياس معلومة لكل العرب آن ذاك لأن حياة قريش كانت تقوم على هذه الرحلات السنوية.
لذلك عارضت قريش قول رسول الله  عندما قال لهم إنه أسرى به إلى بيت المقدس في ليلة واحدة، بأنهم يذهبون إليها في شهر. والمسافة بين مكة والشام حوالي 1200 كم يقطعونهـا في شهـر. إذن يقطعون في السنة 1200 × 12 = 14400 ويقطعـون في الخمسمائة عام 14400 × 500 = 7200000 كم (سبعة ملايين ومائتي ألف كيلو متر).
الطريقة الثالثة:
وهذه الطريقة من القرآن الذي اتخذ (مسيرة الشهر) وحدة قياس. فقال تعالى: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ (سبأ:12) وقد اتفق المفسرون أن الريح كانت تسير بالغداة مسيرة شهر وتسير بالعشي مثلها، أي أنها في اليوم الواحد (غدوا وعشيا) تسير مسيرة شهرين.
قال الحسن: كان النبي سليمان يغدو من دمشق فيقيل بإصطخر وبينهما مسيرة شهر للمسرع، ثم يروح من إصطخر فيبيت بكابل، وبينهما مسيرة شهر. وبالنظر إلى خريطة العالم نجد أن المسافة التي قسنا بها في الطريقة الثانية كانت من مكة إلى الشام وهي مسيرة شهر هي نفس المسافة تماما بين إصطخر بإيران ودمشق، وهي نفسها بين اصطخر وكابل بأفغانستان، وبـذلك يكون القرآن قد اعتمد هذا المقياس(مسيرة شهر) وهي حوالي 1200كم.
الطريقة الرابعة:
في سورة النمل سرعتان ذكرهما الله تعالى، واحدة لعفريت من الجن، والثانية لمن عنده علم الكتاب. يقول تعالى قَالَ يَا أَيُّهَا المَلاُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْريتٌ مِنْ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ. يقول المفسرون إن مقام سليمان الذي يجلس فيه لقضاء الأحكام حوالي نصف يوم وعلى ذلك فسرعة عفريت الجن في أن يأتي بالعرش من اليمين التي تبعد عن مملكة سليمان بحوالي 2400 كم أي حوالي مسيرة شهرين يقطعها في نصف يوم.
أما العرش فقد جيء به في غمضة عين، أو ارتداد جفن العين أي حوالي خمس ثوان تقريبا بمعدل 486 كم / ث. لذلك نرى أن العرش قد جاء بالأمر (بسرعة الأمر) وقد اتفق مفسرو القرآن على أن العرش جاء بالدعاء ولم يأت به بشر، وأن وزير سليمان (آصف بن برخيا) دعا الله باسمه الأعظم، وكان يعلمه، فجيء له بالعرش قبل أن يغمض سليمان جفنه الذي نقدر أنه استغرق 5 ثواني تقريبا. إذن نحن بحاجة أن نحسب سرعة (الأمر) التي جاء بها العرش.
لقد أخبرنا الله تعالى أن سرعة الأمر الذي ينزل من السماء إلى الأرض ثم يعود مرة أخرى في يوم. نقطعه نحن في ألف سنة إذن سرعة الأمر في اليوم تساوى 000 14000 كم (مسافة السماء ذهابا وإيابا) ÷ 8 (ساعات مسيرة اليوم) = 1750000 كم / ساعة، أي حوالي 29167 كم / دقيقة، أي 486 كم / ث. وهي نفس السرعة التي قدرناها أول هذه الطريقة والتي تتناسب تماما مع سرعة الأمر والتي سنفصل الكلام فيها في الباب السابع.
الطريقة الخامسة:
ثبت في القرآن أن الجن كانوا يصعدون إلى السماء ويتخذون منها مقاعد للسمع يقول تعالى: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعْ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (الجن) ونعلم من الآيات أن الجن كانت تجلس من السماء مجلساً بحيث تكون في مرمى الشهب وفي نفس الوقت على مقربة للسمع. وكما عرفنا أن إمكانية الجن في الطيران محدودة إلى حد ما، فهاهو عفريت منهم يعرض على سليمان عليه السلام أن يأتيه بعرش ملكة سبأ الذي يبعد عنهم بحوالي 2400 كم في فترة تبلغ نصف يوم، إذن فبعد السماء ليس ببلايين السنين الضوئية كما يزعم المفترون، بل هي على بعد يقبل الصعود إليه من بعض المخلوقات كالجن وسرعتهم ليست بسرعة الضوء.
الطريقة السادسة:
ثبت عن رسول الله  فيما رواه أحمد عن عبد الله بن عمرو قال:
" لو أن رضاضة مثل هذه - وأشار إلى جمجمة - أرسلت من السماء إلى الأرض وهي مسيرة خمسمائة سنة لبلغت الأرض قبل الليل". وهذه السرعة متناسبة تماما مع سرعة (الأمر) الموجودة بالآية (5) من سورة السجدة يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ وهي مسافة 7 مليون كم فكأن الرضاضة أرسلت بسرعة (الأمر).
الطريقة السابعة:
وهذه الطريقة نحسب بها بعد السماء بصورة تقريبية. وهي عروج رسول الله  إلى سدرة المنتهي وهي في السماء السابعة ثم نزوله مرة أخرى وذلك في ليلة واحدة. إن هذه الرحلة المباركة نعتقد أنها استغرقت حوالي 7 ساعات حيث عرج برسول الله بعد العشاء وعاد قبل الفجر ولا يوجد أي حديث أو أثر يحدد وقت العروج أو النزول بالضبط لذلك قلنا بأنها 7 ساعات على وجه التقريب، وهذه الرحلة صعد فيها رسول الله  بصحبة رئيس الملائكة جبريل علية السلام، ولقد توقف رسول الله في كل سماء للسلام على من فيها من الأنبياء وللاستفسار عن بعض الآيات التي رآها ثم فرضت عليه وعلى أمته الصلاة التي يصليها المسلمون الآن وهي خمسون صلاة خففت إلى خمس. إن السرعة التي صعد فيها رسول الله للسموات هي سرعة الملائكة والروح التي قال عنها الله تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (المعارج:4).
وذكرنا أن الملائكة والروح تعرج في يـوم لو سرنا نحن هذه المسافة لاستغرقت خمسين ألف سنة. وذكرنا أيضا أن هذه المسافة مقدارها 7 مليون كم في مائة درجة أي 700000000 كم (سبعمائة مليون كيلو متر) يسيرها الملك في يوم، إذن سرعته في الساعة 000 00 5 87 كم أي 1458333 كم / دقيقة، أي 24305 كم / ثانية. وصعود السموات السبع (14طبقة) استغرق حوالي ساعة والنزول مثلها وباقي الليل وهو حوالي خمس ساعات استغرقت المقابلات والمحادثات والرؤى.
ومسافة السماء التي ذكرناها 000 7000 كم تتفق مع معطيات هذه الرحلة والوقت الذي استغرقته والسرعة التي استخدمت فيها. أما لو قدرناها كما يقول التجريبيون ببلايين السنين الضوئية فكانت الرحلة تحتاج لبلايين البلايين من السنين الضوئية وليس لليلة واحدة.
صفة جبريل تحدد المسافة
روى البخاري ومسلم من حديث عامر الشعبي عن مسروق قال: كنت عند عائشة رضى الله عنها فقلت: أليس الله يقول وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ (التكوير:23) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (النجم:13) قالت: أنا أول هذه الأمة سأل رسول الله  عنها فقال إنما ذاك جبريل لم يره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين، رآه منهبطا من السماء إلي الأرض سادا عظيم خلقه ما بين السماء والأرض".
وروى أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله  رأيت جبريل على سدرة المنتهى وله ستمائة جناح فسالت عاصما عن الأجنحة فلم يخبرني فأخبرني بعض أصحابه أن ما بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب. قال ابن كثير سنده قوي جيد.
هذا الحديث حدد تماما المسافة عندما عرفنا أن الجناح تقريبا قطر الأرض ما بين المشرق والمغرب وقطرها 12000(كما يقولون) × 600 (جناح) = 7200000 كم وهذا ما سنؤكده بأدلة أخري.
الأدلة العقلية لبعد السماء
إن تحديد بعد السماء الدنيا عن الأرض بمقدار 7 مليون كم، ليس من تقديرنا ولا استنتاجنا، ولم نفعل نحن أكثر من تحويل مسيرة الخمسمائة عام إلى كيلو مترات، ربما تزيد قليلا أو تقل قليلا عما حددنا.
وهذا التحديد بالطبع لا يتناسب أبدا مع معطيات رجال الفلك عن الأبعاد في الفضاء وهي أبعاد لا تقبلها الآيات ولا الأحاديث ولا العقول السليمة، فلو قلنا إن بعد السماء عن الأرض يقدر بخمسمائة سنة ضوئية وليس (مسيرة)، لما وصلنا إلى أقرب مجرة والتي تبعد عنا كما يقولون 000 700 سنة ضوئية وهي مجرة المرأة المسلسلة أما إذا اعتبرنا الخمسمائة عام سيرا كما أخبر الرسول  فلن نصل فيها إلى الشمس التي تبعد عنا بزعمهم 150 مليون كم بل سنحتاج إلى حوالي 11 ألف سنة.
إن معطيات التجريبيين لتتناقض تناقضا صارخاً مع معطيات الآيات التي تتحدث عن السموات والأرض. وعلى سبيل المثال: يقول تعالى في سورة الحج الآية (65) وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إلا بِإِذْنِهِ إن السماء يمكن أن تقع على الأرض لولا رحمة الله الممسكة بها، لكن هل يتصور عقل أن السماء يمكن أن تقع على الأرض في ظل الأرقام الفلكية التي يعطيها رجال الفضاء المنجمون بالنسبة للنجوم والمجرات وأحجامها وأبعادها من الأرض، وهي تعتبر أقل من ذرة رمل في صحراء الأرض، هكذا يصورونها لنا بالنسبة للفضاء كله فإنه لا يمكن أن ترى بالعين المجردة ولا حتى بالميكروسكوب العادي.
إن هذا التصور فضلا عن أن العقل لا يطيقه، فإنه يتناقض بالطبع مع هذه الآية. فأي أرض تلك التي ستقع عليها السماء؟
إنهم يقيسون بعد بعض المجرات ببلايين السنين الضوئية.
يقول المهندس (سعد شعبان) في كتابه" الطريق إلى الكواكب":" إنه أمكن التغلغل إلى أعماق في الفضاء تعادل ثلاثة أمثال ما كان متيسرا بالتليسكوب البصرية العادية فوصلوا إلى مسافة 000 000 000 000 6000 (ستة آلاف بليون سنة ضوئية)".
فأين بالله الأرض التي يخبرنا أنه يمسك السماء أن تقع عليها؟ وهل هذه آية لقوم يعقلون كما يخبر ربنا في كتابه فأي عقل يطيق ذلك؟ إن هذا الرقم الذي قالوا به ليس بالكيلومترات إنما بالسنين الضوئية أي أنه يساوى بالكيلو مترات:
000000000000 94608 كم (السنة الضوئية) × 000000000000 6000
(العمق الذي وصلوه) = 000000000000000000000000000 5676480كم (ولم أستطع قراءة الرقم).
إنني أطلب من علمائنا الاحتفاظ بعقولهم حتى نختم هذا الفصل لأننا في حاجة إليها، لأنه لو كان هذا البعد ثبت التوصل إليه كما يدعون فما بعد السماء ذاتها؟
ثم ما مقدار السماء الثانية فالثالثة … ما مقدار السموات السبع؟ وهذا السؤال للمؤمنين بالسموات السبع. وقبل أن تفقدوا عقولكم من التفكير في الأرقام والأعداد، هل من المعقول أن يخاطبنا الله في كتابه في أكثر من خمسمائة آية عن (السموات والأرض). فأي أرض تلك التي يضيفها الله للسموات؟
هـل يعقل أن يضاف مالا يدرك بالتلسكوبات إلى السموات بهذه الأرقام الفلكية التجريبية؟ أليس في ذلك تعارض مع آيات القرآن لقد حكم رجال الكنيسة في القرن السابع عشر على (جيردانو برونو) بالموت حرقاً لمقولة تعارضت مع آية واحدة بالكتاب المقدس. فما بال رجال الدين وعلماء الإسلام يسكتون على مخالفة آيات في القرآن الكريم؟
وليتهم يسكتون وحسب.. إنهم يثبتون ذلك !! وبالقرآن أيضا !!
إن علماءنا يوردون هذه الأرقام ثم يقولون مقولتهم الشهيرة:
" لقـد سبـق القـرآن العلم الحديـث في هذا الاكتشاف" ثم يقـولون مستدلين بآيـات الله" فيقول تعالى فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (الواقعة) فقد أثبت القرآن منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة أن المسافات بين النجوم وبعضها مسافات عظيمة حتى أن الله تعالى أقسم بها وبذلـك يكون القرآن قد سبق العلم الحديث". إنهم يقولون ذلك، ولا أدرى من أين جاءوا بهذا التفسير لقوله تعالى فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ.
وهذا التفسير لمواقع النجوم وبأن أبعادها الفلكية التي قال بها المنجمون لم يقل به أحد أبداً من علماء الأمة قبل عصر النهضة، وليس هناك أي وجه تقارب بين هذا الذي قالوه والمعنى المراد للآيات.
وقد أخرج النساني وابن جرير ومحمد بن نصر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقى في الشعب عن ابن عباس قال: انزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم فرق في السنين، وفي لفظ، ثم نزل من السماء الدنيا نجوما (أي متفرقا) ثم قرأ فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ  (الواقعة:46).
وأخـرج عبد بن حميد وابن جرير ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبى حاتم والطبرانى وابن مـردوية عنه فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ  قال: القرآن وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ قال: القرآن.
وأخرج ابن مردويه عنه أيضا في الآية قال: نجوم القرآن حين ينزل.
وقال الفراء والزجاج: المراد بمواقع النجوم نزول القرآن، والضمير في وَإِنَّهُ على القسم الذي يدل عليه أقسم. والمعنى أن القسم بمواقع النجوم لقسم عظيم لو تعلمون ثم ذكر سبحانه المقسم عليه فقال إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (الواقعة:77) أي كرمه الله وأعزه ورفع قدره على جميع الكتب.
فهذا هو تفسير السلف لمواقع النجوم، وحتى لو كان المعنى على مواقع نجوم السماء فإن الآية لا علاقة لها بما يقولون من هذه الأبعاد التي لا يقبلها نقل ولا عقل.
من الأمور أيضا التي لا يقبلها العقل طبقاً لأقوال التجريبيين: أمر الوحي.
إن القرآن قد نزل من اللوح المحفوظ جملة واحدة إلى السماء الدنيا كان ذلك ليلة القدر ثم نزل القرآن بعد ذلك على الأرض منجماً أي مفرقاً على مدار سنين بعثة رسول الله . فكانت تنزل بعض آيات إجابة لسؤال سائل أو تعليقاً على حدث، أو تعقبا على غزوة، أو توجيهاً، أو عتابا، أو تحذيرا أو حكما، أو فتوى أو تصحيحا لفهم خاطئ... وهكذا...
وطبقا لما قلناه من سرعة الملائكة وإنها 24305 كم / ث، وعلى ذلك فإنه لكي ينزل جبريل عليه السلام من السماء الدنيا بالوحي على رسول الله  يستغرق في النزول إلى الأرض 4.8 دقيقة، ولو أضفنا إليها مسافة كثف السماء فستكون المدة أقل من عشر دقائق، وهي مدة مناسبة تماما مع ما كان ينتظره رسول الله  ليوحي إليه بآيات إجابة لسؤال معين سئل فيه.
ولقد وردت إلينا مناسبات عديدة كان رسول الله  يسأل في أمر لا يعرفه فينزل إليه جبريل بعد دقائق، وقد حدث له هذا الأمر عندما سئل عن الروح وذي القرنين وعندما سألته (خولة بنت ثعلبة) عن يمين الظهار الذي صدر من زوجها. وعن أسماء الكواكب، وغيرها مما كان رسول الله  يسأل فيه فينتظر الإجابة من جبريل، وكانت الإجابة أحيانا بأحاديث وكثيرا بآيات قرآنية، ولهذا يقال إن القرآن نزل منجماً.
والسؤال الآن طبقا لما يقال عن الأبعاد المهولة واللامعقولة لأجرام السماء وأنها تبلغ بلايين السنين الضوئية، أي أن الضوء على سرعته المهولة (000 300) كم / ث يستغرق بلايين السنين حتى يأتي إلينا صادرا من بعض النجوم. نسأل: كيف يأتي إلينا جبريل عليه السلام من السماء الدنيا وسرعته 305 24 كم / ث؟. وإن كنتم ترون أن هذه السرعة لا تتناسب مع جبريل فإننا سنضاعف هذه السرعة 10 أضعاف. أيكفي هذا؟ سنضاعف 15ضعفاً حتى نتقارب مع سرعة الضوء التي قالوا بها. فكيف يأتي جبريل عليه السلام من السماء اللانهائية إلى الأرض ليرد على سؤال؟
نشرت مجلة الأزهر على مـدار ثلاث سنوات عدة مقالات للدكتور" منصور محمد حسب النبي" بعنوان (المعجزة القرآنية في حساب السرعة الضوئية). وقد حاول الدكتور على مدار هذه السنوات أن يثبت ما قاله التجريبي" أينشتاين" - أعلم علماء عصره على حد تعبير الدكتور - عن نظرية النسبية، ومدى توافق سرعة الضوء مع معطيات القرآن، وأن سرعة الضوء هي سرعة الأمر في قوله تعالى يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ وما قاله أينشتاين بالطبع لا يؤكد ما جاء بالقرآن، لأن أينشتاين لا يؤمن أصلا بالقرآن ولا بغيره من الكتب المقدسة.
وقال الدكتور - غفر الله لنا وله - إن المقصود من الآية أن الأمر يتحرك بسرعة الضوء التي قـال بهـا أينشتاين وهي 000 300 كم / ث أو بدقـه أكثر 5 ,792 299 كم / ث.
ولأنني طالب علم لا دراية لي بالمصطلحات الضخمة التي يتكلم بها الدكاترة فإنني سأسلم بما يقوله الدكتور، بأن جبريل عليه السلام كان يتحرك بسرعة الضوء طبقا لتفسير الآية الخامسة من سورة السجدة، وإنني بداية أعتذر إلى رسول الله  الذي فسر الآية بأن مسيرة السماء مسيرة خمسمائة عام سيرا على الأرجل أو بالإبل، بخلاف ما يقوله الدكتور أنها بسرعة الضوء، وأعتذر لكل علماء الأمة الذين جاءوا قبل أينشتاين لإجماعهم على أن مسافة السماء مسيرة خمسمائة عام، وأعتذر لكل علماء التفسير الذين جاءوا قبل أينشتاين وقالوا بأن معنى الآية الخامسة التي يتحدث عنها الدكتور بأنها تعنى أن الملك أو الأمر يقطع المسافة من السماء إلى الأرض ثم العودة في يوم نقطعه نحن لو قدر وفعلنا ذلك في ألف سنة سيراً.
نعتذر لهؤلاء جميعا ولتاج رأسي الذي لا ينطق عن الهوى  وأفترض أن جبريل عليه السلام كان ينطلق بسرعة الضوء طبقا للآية (5) سورة السجدة كما قال الدكتور. فإنه طبقا لما قال به علماء الفلك زملاء أينشتاين بأن أقرب المجرات إلينا - أكرر أقرب - هي مجرة المرأة المسلسلة تبعد عنا (000 700) سنة ضوئية.
أي أن الضوء وهو ينطلـق بسرعة 000 300 كم / ث سيستغرق لوصوله إلينا من هـذه المجرة 000 700 سنة. أي أن جبريل عليه السلام لو أتانا فقط من أقرب مجرة وسرعته هي سرعة الضوء وهي أكبر سرعة كونية كما يدعون، فسيصل إلينا بعد 700 ألف سنة.
هل هذا يعقل؟
علماءَنا الأفاضل أليس هــذا مـا تقولـونه وتستميتون في إثباته. إننا نقر لكم بـه الآن - على سبيل الافتراض - نقر أن الأمر يتحرك بسرعة الضوء وأن جبريل عليه السلام ينطلق بسرعة الضوء. ولو قال الدكتور" حسب النبي" أن جبريل والملائكة لا تخضع لنفس سرعة الضوء، وإنما هذه السرعة سرعة الأمر أما الملائكة فتزيد سرعتها على ذلك وأنه لابد لها من سرعة قصوى، لأن كل أمر (مستقر) كما يخبر ربنا. ونحن أيضا نسلم له بهذا ولكن سيظل السؤال باقيا إن أمر الله حتى يصل إلينا يحتاج لملايين السنين وليس ليوم واحد كما يقول الله لأن أقرب مجرة تبعد عنا 700 ألف سنة ضوئية أي أن الأمر لو نزل إلينا من أقرب مجرة لوصل إلينا بعد 700 ألف سنة والله تعالى يقول  فِي يَوْمٍ.
أما جبريل عليه السلام فيقول عنه الدكتور حسب النبي إنه يعتقد في وجود سرعة أكبر من سرعة الضوء" ربما يكون ذلك في عالم الجن أو الملائكة لأن هذه العوالم يجوز لها أن تتحرك بسرعة أكبر من سرعة الضوء. لأنها لا تخضع لعالمنا المقيد بمبدأ أينشتاين. وكل مخلوق ميسر لما خلق له وكل شيء عنده بمقدار وأؤكد أن عالم الجن والملائكة مقيد أيضا بحد أقصى في سرعته وليس اعتماداً على التخيلات لأربط الظن باليقين". هذا ما يقوله الدكتور.
وإنني لأجد نفسي متفقا مع الدكتور في بعض ما قال وأخالفه في البعض الآخر: أخالفه لقوله إن سرعة الجن قد تكون أكبر من سرعة الضوء، حيث عرفنا من سورة النمل قدرات أحد عفاريت الجن المسخرة لسليمان وهي لا تتجاوز 00 24 كم / ساعة. كما أخالفه في قوله إن عالمنا يخضع لمبدأ أينشتاين. فعالمنا يخضع لقوانين الله عز وجل ولا شأن للعالم بهذا الذي ذكره.
وأتفق معه في أن للجن والملائكة سرعة قصوى، لأن كل شيء عند الله بمقدار ولكن تُرى ما تبلغ السرعة القصوى هذه للملائكة؟
إن الدكتور يقول بأن: أينشتاين اكتشف المبدأ الأساسي للنظرية النسبية والذي على أساسه ظهرت قوانين، وثبتت صحتها عمليا وتجريبيا على مدى قرن من الزمان ولم يتجرأ أحد أن يدعي بأن هناك سرعة أكبر من سرعة الضوء في الفراغ" وقد طلع على الدكتور حسب النبي دكتور آخر هو الدكتور" عبد الرحمن أحمد السمان" قال بأن هناك سرعة أكبر من سرعة الضوء هي سرعة (الفوتونات) 1.7 قدر سرعة الضوء. وأصر الدكتور حسب النبي على أن أحدا لا يمكن أن يخطئ أينشتاين. إن كلا العالمين لم يقوما بتجريب هذا أو ذاك بنفسيهما وإنما هو النقل والاتباع لرجال الغرب، والتسليم المطلق بما يقولون.
ويبقى سؤلنا: ما هي سرعة الملائكة ومنها جبريل عليه السلام؟
ماذا لو قلنا إن سرعة جبريل عليه السلام أكبر من سرعة الضوء، كسرعة ذلك الشيء الذي ذكره الدكتور السمان، لنعطى جبريل سرعة هي ضعف سرعة الضوء. لا.. بل ضعفين.. بل نعطيه عشرة أضعافها، وآخر الكلام سنعطيه ألف سرعة الضوء !! ولا يسأل أحد كيف ذلك فأنا لن أدفع من جيبي ولا من جيب الدكاترة ولا من جيب أحد.
أيها السادة سنعطى جبريل عليه السلام ألف قدر سرعة الضوء؟ حتى يتمكن عليه السلام من أداء مهمته بأقصى سرعة ممكنة. تصوروا أيها السادة أن جبريل وله هذه السرعة التي لا يتصورها عقل ولا يقبلها. سيحتاج إلى 700 سنة ليصل إلينا من أقرب مجرة (المرأة المسلسلة) ترى فمتى سيصل إلينا لو جاء من أبعد مجرة؟ ومتى سيصل إلينا لو جاء من السماء؟ بل متى سيصل لو جاء من السماء السابعة؟ ومتى سيصل إلينا لو جاء من تحت العرش؟
تُرى أين الحق وأين الباطل؟ أين الصواب وأين الخطأ؟ لا يمكن أن يكون أينشتاين أعلم علماء عصره - كما يقول علماء المسلمين - مخطئ، ولا يمكن أن يكون كل علماء الفلك - غربيين وشرقيين، مؤمنين، وكافرين - مخطئين في حساباتهم الفلكية وأرقامهم التي ذكرنا بعضها وقد اتفقوا عليها جميعا. إذن فلم يعد أمامنا إلا أن نكذب ما جاء به محمد  ذلك الذي يتحدث بلغة الجمل والناقة، فلا يمكن تخطئة من يتحدث بالفوتونات والإلكترونات والكهرومغناطيسيات والتاكيونات والميونات إلى آخر الألفاظ التي يقولون بها.
إنني أيها السادة أصدق محمداً رسول الله  وأكذب أينشتاين وكل علماء الأرض لو اتفقوا على معارضة حرف واحد مما جاء به.
إن علماءنا يعتقدون، كما يعتقد جميع المؤمنين أن القرآن نزل ليتواءم مع كل عصر لأنه الرسالة الأخيرة، وأنه لابد أن يتحدث في كل عصر بلغته، وهم غير مخطئين في عقيدتهم هذه، لكن خطأهم أنهم لا يعلمون أن القرآن وإن كان مناسبا لكل العصور، فأنه أيضا جاء بلغة مشتركة بين كل العصور وآياته وأدلته مشتركة لكل زمان ولكل مكان.
لقــد كان القـرآن متمشيا مع كل عصر وكل مكان عندما قال لمخاطبيه: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ (ق:6) ولم يقل (إلى الطائرات فوقهم) لأن آية السماء فوق كل كائن حي مهما كان وفي كل زمان ومكان.
وكان القرآن عصريا عندما قال أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (الغاشية:7) لأن الإبل لا يجهلها أحد في أي عصر ولا في أي مصر. ولم يقل القرآن (أفلا ينظرون إلى مكوك الفضاء) لأنه لم يكن موجودا قبل ربع قرن من الآن ولا يعرفه معظم سكان الأرض حتى الآن.
وحدثنا الله عن آية الجبال ولم يحدثنا عن الإنترنت لأن معظم سكان الأرض حتى في وقتنا هذا لا يعرفون الإنترنت.
وعندما تحدث القرآن عن مسافة السماء لم يقل بمسيرة الضوء أو الفوتونات لأن القرآن عندما نزل لم يكن المخاطبون يعرفون ما هي سرعة الضوء، بل لا يعرفون الضوء نفسه إلا من الشمس، ولم يكن في ليلهم ضوء ولم يكن حتى مسجد رسول الله  يضاء آنذاك ولا حتى بفتيل الزيت، ولكنه كان بالطبع مضاء بمحمد  والذين معه.
علماء الإسلام: خاطبوا الناس على قدر عقولهم. وكلموهم باللغة التي نزل بها القرآن. لأن سوي ذلك تكلف.
لقد أتى علماؤنا في هذا العصر بأمور لم يقل بها الله ورسوله، وإنما قال بها التجريبيون وهم جنود إبليس فأتونا بالمجموعة الشمسية والأبعاد الفلكية واللانهائية والنسبية والجاذبية وغيرها.
وهذا ليس آخر المطاف ولا أول الطريق. فعلى مدار تاريخ الإسلام ونزول القرآن جند إبليس جنده ليصد عن سبيل الله بكل وسيلة. ولكل عصر جنود وأتباع ولكل أتباع مفردات ومصطلحات. وقد ظهر الشيعة والخوارج والمرجئة والمعطلة والمجسمة والجبرية وأهل الكلام والفلاسفة والماسونية والشيوعية والاشتراكية والعلمانية التي نعيش دولتها الآن.
ولكل عصر مفرداته، وقديما أتى (أهل الكلام) بقضية خلق القرآن التي استغرقت وقتا وجهدا، وأخذاً وردا ً، حتى انتهت واندحرت وجاء غيرها. وفي كل مرة كان العلماء أو الفرقة الناجية تقف لهذه البدع وتدافع عن الدين فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ (الرعد:17).
إلا أن هذا العصر الذي قل فيه العلم وكثر فيه الجهل وانتشرت فيه البدع وصدق في أهله قول رسول الله  فيما رواه الترمذي عن ابن عمر رضى الله عنهما" ليأتين على أمتي كما أتى على بنى إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك. وإن بنى إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة" قالوا: من هي يا رسول الله؟
قال:" ما أنا عليه وأصحابي".
وقال الأوزاعي اصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه. واسلك سبيل سلفك الصالح. فإنه يسعك ما وسعهم.
وأخرج الترمذي وصححه عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي قال: أتينا العرباض بن سارية وهو ممن نزل فيه ولا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ (التوبة:92) فسلمنا وقلنا أتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين. فقال عرباض: صلى بنا رسول الله  الصبح ذات يوم ثم أقبل علينا بوجهه، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع. فماذا تعهد إلينا.
فقال:" أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبدا حبشيا فإنه من يعش بعدى فسيرى اختلافا كثيرا. فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى. تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور. فإن كل محدثه بدعة وكل بدعة ضلالة".
يقول تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ (يوسف: 108).
سفن الفضاء والأبعاد
لعل البعض يسأل: كيف تكون السماء على مسافة 7 ملايين كيلو متر بينما سفن الفضاء تقطع في رحلتها للفضاء ملايين الكيلو مترات، بل إن السفينة الأمريكية (فواجير) أو (الرحالة) قطعت مسافة 5,5 بليون كم عام 1986؟
نجيب على ذلك بأن نقول إننا لا نثق في كل أرقامهم وكل معلوماتهم التي يعطونها. هذا أولا.
وثانيا: نقول بأن السفن الفضائية لا تسير في خط مستقيم إلى الهدف، بل تسبح في مسار دائري، وبذلك قد تدور السفينة حتى تنتهي الحياة ولا تصل إلى هدف طالما هي تدور حول الأرض حتى ولو انتقلت من مدارها. والمعروف أن الاتجاهات تفقد تماما في الفضاء، ولذلك يستوي لدى رجال الفضاء النوم وقوفا أو جلوسا أو استلقاءً.
إن ما وصلنا إليه من معرفة بعد السماء عن الأرض وبعد العرش، وأنها مسافات لا تقارن بما يقال من أرقام عن أبعاد الفضاء، فإننا لم نبتدع في الأمر، بل كان دليلنا الكتاب والسنة وما قال به علماء الأمة. وإنه لمن نافلة القول أن ننبه أننا لا نقيس قدرة الله وعظمته بطول أو قصر المسافات. فلو كان القول كذلك لكان قول التجريبيين هو الأقرب للإيمان لأنهم يقولون بلانهائية الكون. فيكون كذلك الأمر لقدرة الله وعظمته لأنه لا نهاية لهما.
ولكن الأمر لا علاقة له بالإسراف في الأبعاد. نحن فقط نفينا اللانهائية وأثبتنا ما أثبته الله ورسوله. وضبطنا الأمر بمقياس نفهمه نحن اليوم. ولا أقول أن المسافة بالزمن لم تعد مستعمله، بل هو المقياس المتفق عليه بين كل البشر، فإن كانت الأمم تختلف في وحدات القياس، فمنهم من تقيس بالذراع، وأخرى بالقصبة، وثالثة بالمتر، وغيرها بالكيلو، والميل، وهناك من يقيس بالفرسخ أو القدم أو الياردة أو الدونم أو الهكتار ولكنهم جميعا يتفقون على مقياس مشترك وهو وحدة الزمن، فيحسبون الأبعاد بالوقت.
الجنة والنار
أعدهما الله لعباده.. الذين سينقسمون في الدنيا إلي فريقين لا ثالث لهما فريق كافر وهم الأكثر وفريق مؤمن وهم الأقل. يقول تعالى هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرُُ ومِنكُم مُّؤْمِن (التغابن:2).
لذلك سيسعد المؤمنون بالجنة وسيشقى الكافرون بالنار يَوْمَ يَاْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسُُ إلا بِإِذْنِهِ فَمِنهُمْ شَقِىُُّ وَسَعِيدُُ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِى النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرُُ وَشَهِيقُُ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَــوَاتُ وَالأَرْضُ إلا مَا شَآءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعَّالُُ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى الْجَنَّة خَالِدِينَ فِيهَا مـَا دَامَتِ السَّمَــوَاتُ وَالأَرْضُ إلا مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءََ غَيْرَ مَجْذُوذِِ (هود).
من أجل ذلك فقد خلق الله تعالى الجنة والنار، وهيأهما. فهما مرصودتان ومشتقتان لأهلهما.. ومـن ثم فهما موجودتان الآن.. لقوله تعالى عن الجنة أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين وعن النار أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِِين.
والجنة مائة درجة وقد روى البخاري عن رسول الله  أنه قال:" إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فـاسألوه الفردوس، فـإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة".
وأعلى منزلة في الجنة ينالها شخص واحد تسمى" الوسيلة" وسينالها - إن شاء الله - النبي .
وفي المسند عن أبى سعيد قال: قال رسول الله :" الوسيلة درجة عند الله ليس فوقها درجة، فسلوا الله أن يؤتيني الوسيلة".
وللجنة ثمانية أبواب يدخل منها كلٌ بحسب عمله كما ورد في الحديث المتفق عليه" من أنفق زوجين في سبيل الله من ماله دعي من أبواب الجنة، وللجنة ثمانية أبواب، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام" فقال أبو بكر الصديق: والله ما على أحد من ضرر دعي من أيها دعي، فهل يدعى منها كلها أحد يارسول الله؟ قال:" نعم، وأرجو أن تكون منهم" وورد أن باب الصائمين يسمى الريان.
كما ورد أن الله خص من لا حساب عليهم بباب خاص، ففي الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة في حديث الشفاعة" فيقول الله: يامحمد أدخل من لا حساب عليه من أمتك من الباب الأيمن وهـم شركاء الناس في الأبواب الأخر" ثم بين في هـذا الحديث سعة أبواب الجنة فـقال:" والذي نفس محمد بيده: إن بين المصراعين من مصاريع الجنة، أو ما بين عضادتي الباب، كما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى". وأبواب الجنة مغلقة وتفتح يوم القيامة لأهلها، كما أنها تفتح كل عام في شهر رمضان، كما ورد في الصحيحين أن رسول الله  قال إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار".
أمـا النار فسبع دركات بعضها تحت بعض وهي: الأول جهنم، والثاني لظى، والثالث الحطمة، والرابع السعير، والخامس سقر، والسادس الجحيم، والسابع الهاوية. وقيل أن كل هذه الأسماء علم على النار. وسينزل هذه الدركات من أهلها كل حسب كفره ومعاصيه، والدرك الأعلى سيكون للعصاة من أمة محمد  أما الدرك الأسفل فسيكون للمنافقين.
وللنار أيضا أبـواب ورد في القـرآن أنها سبعة لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابِِ لِكُلِ بَابِِ مّنْهُمْ جُزْءُُ مَّقْسُوم (الحجر: 43) هذه الأبواب يبدو أنها الآن مفتحة، لأنها تغلق كل عام في شهر رمضان. كما أنها ستغلق على أهلها بعد اكتمال عددهم حتى يكونوا خالدين فيها ولا يكن مطمع في الخروج منـها، لذا يقول تعالى عَلَيهِمْ نَارُُ مُّؤْصَدَة ومؤصدة: أي مغلقة الأبواب.
والسؤال: إذا كانت الجنة والنار مخلوقتان وموجودتان الآن فأين هما؟
من استقراء الآيات والأحاديث نجد أن الله تعالى قد جعل جنته في أعلى عليين، وجعل ناره في أسفل سافلين. لذا فالجنة" درجات" والنار" دركات".
أخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن مسعود قال: الجنة في السماء السابعة العليا، والنار في الأرض السابعة السفلى.
وقد صرح القرآن بأن الجنة في السماء لقوله تعالى عِندَ سِدْرَةِ المُنتَهَى (14) عِندَهَا جَنَّةُ المَأْوَى (النجم). وسدرة المنتهى: شجرة في السماء السابعة ينتهي إليها كل ما يهبط من فوقها، وكل ما يعرج من تحتها، والجنة عندها أيضا. لذا فإن الله تعالى سيقربها يوم القيامة.
ولكن القرآن لم يصرح بمكان النار، وإنما يفهم من استقراء الآيات أنها تحت الأرض، بل وصرحت بذلك أحاديث رسول الله  فقد روى الشوكاني في تفسيره (فتح القدير) أنه: أخرج أحمد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وصححه عن يعلي بن أمية قال: قال رسول الله :" إن البحر هو جهنم" ثم تلا نَاراََ أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا.
وبـهذا قال كثير من علماء السلف بأن الـنار في الأرض. وذكر الأمام القرطبي باباً في كتابـه (التذكرة) بعنوان (باب ما جاء أن جهنم في الأرض وأن البحر طبقها).
أما قراءة آيات القرآن فنجد أن ذكر النار يشعر بأنها أسفل سافلين، وأن الله تعالى سيبرزها يوم القيامة. لذا نجد أن جهنم يوم القيامة ستبرز.. لأنها تحت الأرض، أما الجنة فستقرب.. لأنها في السماء. يقول تعالى وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلمُتقِينَ (90) وَبُرِزَتِ الجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (الشعراء).
وبرزوا: أى ظهروا من قبورهم في الإرض يوم القيامة. فالآيات تصف الجنة بالاقتراب لأنها كانت بعيدة في السماء، وتصف النار بالظهور لأنها كانت مختفية في الأرض. كذلك ترد ألفاظ دخول النار بـما يشعر بأنها أسفلنا كالإلقاء، والهوي، والأنهيار كقوله تعالى أَلُقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارِِ عَنِيدٍ وَإذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقا فَأنـْهَارَ بـِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَاُمُّهُ هَآوِيَةُُ (9) وَمَآ أدُرَاكَ مَا هِيَه (10) نَارُُ حَامِيَة.
وفي الصحيحين عن رسول الله  أنه قال:" إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي بها في النار، أبعد ما بين المشرق والمغرب".
وذكر ابن كثير في النهاية أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: أتى جبريل إلى رسول الله  في حين لم يكن يأتي فيه فقال:" يا جبريل مالي أراك متغير اللون. فقال: إني لم آتك حتى أمر الله بفتح النار. فقال رسول الله : ياجبريل صف لي النار وانعت لي جهنم. فقال إن الله أمر بها فأوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف عام حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف عام حتى اسودت، فهي الآن سوداء مظلمة لايضىء شررها، ولا يطفي لهيبها. وقال: والذي بعثك بالحق لو أن حلقة من السلسلة التي نعت الله في كتابه وضعت على جبال الدنيا لأذابتها. فقال النبي  حسبي يا جبريل لا يتصدع قلبي، فنظر النبي  إليه يبكي، فقال يا جبريل تبكي وأنت من الله بالمكان الذي أنت به. قال: وما يمنعني أن أبكي وأنا لا أدري لعلي أن أكون في علم الله على غير هذه الحال. فقد كان إبليس مع الملائكة، وقد كان هاروت وماروت من الملائكة، فلم يزل  يبكي وجبريل حتى نوديا: يا محمد ويا جبريل إن الله أمنكما أن تعصياه، قال: فارتفع جبريل، وخرج النبي  فمر بقوم من أصحابه يتحدثون ويضحكون. فقال: تضحكون وجهنم من وراءكم لو تعلمن ماأعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى، فأوحى الله: يا محمد إني بعثتك مبشرا. قال: فقـال رسول الله  أبشروا وسددوا وقاربوا" قال الحافظ إسماعيل بن محمد بن الفضل: حديث حسن وإسناده جيد.
وأخـرج الشيخان في صحيحيهما وأحمد في مسنده أن رسول الله  قال "إشتكت النار إلى ربها فقالت: أكل بعضي بعضا. فأذن لها بنفسين، نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر من فيح جهنم، وأشد ما تجدون من البرد فهو من زمهرير جهنم"
وقال " يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمـام، مـع كـل زمام سبعون ألف ملك يجرونها" وجر النار مما يوحى على أنها في الأرض بخلاف الجنة التي ستقرب من السماء.
وقد يتساءل البعض: كيف تكون النار في الأرض والله تعالى يقول يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَوَاتُ؟ نقول بأن تبديل الأرض لايعني تغييرها بالكلية وإنما تغيير معالمها وصفاتها. يفسر ذلك حديث جابر الذي رفعه:" تمد الأرض مد الأديم ثم لايكون لابن آدم منها إلا موضع قدميه" وكذلك حديث ابن عباس في تفسير الآية قال:" يزاد فيها، وينقص منها، ويذهب آكامها وجبالها، وأوديتها وشجرها، وتمد مد الأديم العكاظي".
* * * * *





























خلق الكائنات العاقلة
الملائكة ـ الجن ـ الإنس






خلق الملائكة
ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهـِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا.. (فصلت:11). بعد أن خلق الله السموات السبع في المرحلة الثالثة والأخيرة من الخلق أوحى في كل سماء أمرها، وكان ذلك الأمر في اليوم السادس. وكان هذا الذي أوحاه الله في كل سماء: أهلها.
وهم الملائكة. خلقهم الله تعالى من نور لما رواه مسلم عن النبي  قال" خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم".
* وقد خلقهم الله ليكونوا جنوده، الذين يقومون علي شئون الخلق بأمر الله تعالى وتدبيره.
* وقال بعض علماء التفسير أن أصل خلق هذه الكائنات من الماء الذي قلب نورا فخلق منه الملائكة، وقلب نارا فخلق منه الجان، وقلب إلي طين فخلق منه من خلق وما خلق.
وقد خلقهم الله تعالى في صورة جميلة. وخلق لهم أجنحة، بها يتحركون. لأن حركتهم كما قال تعالى سباحة فقال وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا وهم متفاوتون في القوة والقدرة وعدد الأجنحة. قال تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَــوَاتِ وَالأرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (فاطر:1) وهم لا يوصفون بالذكورة أو الأنوثة كسائر خلق الله.
* تسكن الملائكة في السموات وهم أهلها ولا ينزلون إلى الأرض إلا بالأمر من الله. وهم ينزلون لتدبير شئون الخلق. قال عنهم تعالى فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا واتفق العلماء على أنهم الملائكة لأن كل شيء في الكون تقوم عليه ملائكة بتكليف من الله تعالى. وكما حسن الله خَلق الملائكة فقد حسن خُلقها حتى وصفها الله تعالى بقوله كِرَامٍ بَرَرَةٍ وأخبرنا رسول الله  بأن من خلقهم الحياء.
* والملائكة لا تأكل ولا تشرب، كما أنهم لا يتعبون ولا يملون.
* أما عددهم فهو مما استأثر به في علم الغيب عنده فقال وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُو وهم كثيرون حتى أنه لا يوجد في السموات السبع موضع قدم إلا وفيه ملك. وقد أخبرنا أن البيت المعمور الذي في السماء السابعة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليهم. كما روى الشيخان وغيرهما.
* وللملائكة أسماء وقد أخبرانا القرآن والسنة عن أسماء بعضهم. ومـن الذين ذكروا في القرآن: جبريل وهـو رئيس الملائكـة وأكثرهم ذكرا في القرآن وقـد وصفه الله بصفات جليلة الرُّوحُ الأمِينُ (الشعراء:193) رُوحُ الْقُدُس (النحل:102) رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (التكوير) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (النجم:6) وهو له ستمائة جناح ما بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب.
وجبريل عليه السلام موكل بالوحي. وبعقوبة من يكذب بالوحي. فهو عليه السلام الذي ائتمنه الله تعالى على الوحي فكان رسول الله تعالى إلى الأنبياء. وقد كانت آخر مرة ينزل فيها جبريل إلى الأرض عندما نزل ليصلي على رسول الله  بعد وفاته.
وعندما أعلنت اليهود أنها تكره جبريل وأنه عدوهم أنزل الله تعالى: قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيـلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98) (البقرة).
ومن الملائكة أيضا ميكال أو ميكائيل: وهو من أشرف الملائكة المقربين موكل بالمطر والنبات. وقد رأى رسول الله  كلا الملكين. رأى جبريل مرتين على صورته الحقيقة: مرة في الأرض يسد ما بين السماء والأرض ومرة في السماء عندما عرج إليها.
وروى الإمام أحمد أن رسول الله  سأل جبريل:" ما لي لم أر ميكائيل ضاحكا قط؟ فقال: ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار". ولميكائيل ملائكة معاونون يصرفون الرياح والسحاب كما يشاء الله ويأمر.
ومن الملائكة المصرح بأسمائهم في القرآن" مالك" خازن النار قال عنه تعالى: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (78) (الزخرف) ومعه معاونون أيضا وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنْ الْعَذَابِ(غافر) ووصفهم الله تعالى بقوله: عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (التحريم:6) وذكــر تعالى عددهم فقال عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إلا مَلائِكَةً (المدثر).
ومنهم أيضا (هاروت وماروت) قال عنهما تعالى وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ (البقرة:102).
هـؤلاء هم الملائكة الذين ورد ذكرهم في القرآن بالاسم. وباقي أسمائهم أخبرنا بها رسول الله :
منهم إسرافيل الذي ينفخ في الصور. ومنهم رضوان خازن الجنة. ومنكر ونكير الموكلان بسؤال القبر. وقيل إن ملك الموت يسمى عزرائيل.
وملك الموت معه أيضا معاونون يأتون الإنسان المراد قبض روحه على حسب عمله. قـال تعالى عـن ملك الموت قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (السجدة:11) وعن أعوانه قال حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمْ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (الأنعام).
وروى ابن أبى حاتم عن جعفر بن محمد قال: سمعت أبى يقول: نظر رسول الله  إلى ملك المـوت عند رأس رجل من الأنصار. فقال له النبي :" يا ملك الموت ارفق بصاحبي فانه مؤمن" فقال ملك الموت: يا محمد طب نفسا وقرعينا فإني بكل مؤمن رفيق. واعلم أن ما في الأرض بيت مدر (بيت من طين) ولا شعر في بر ولا بحر إلا وأنا أتفحصهم في كل يوم خمس مرات حتى إني أعرف بصغيرهم وكبيرهم بأنفسهم والله يا محمد لو أنى أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو الآمر بقبضها".
وقد أعطى الله الملائكة القدرة على التشكيل بغير أشكالهم. وقد كان رسول الله يأتيه جبريل في صورة رجل شبيه بالصحابي" خليفة بن دحية الكلبي". وأتى جبريل إلى مريم في صورة بشر فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (مريم:17) وجاءت لإبراهيم ملائكة في صورة بشر. وكذلك ذهبوا إلى لوط.
والملائكة منظمون تماما في عبادتهم وفي كل شئونهم. وقد قال  لأصحابه يوما وهو يسويهم" ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟" قالوا: وكيف يصفون عند ربهم؟ قال "يكملون الصف الأول فالأول يتراصون في الصف" رواه الجماعة إلا البخاري.
وأخبر  ما امتازت به أمته عن الأمـم" جعلت صفوفا كصفوف الملائكة" رواه مسلم. ويقول تـعالى عن إتيان الملائكة يوم القيامة وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (الفجر:22) وعن وقوفهم يوم القيامة يومَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (النبأ:38). وقد دلت أحاديث المعراج على أن الملائكة لا تفتح لأي أحد إلا إن كان قد أذن له في الدخول.
وظيفة الملائكة
يخبرنا القرآن الكريم وأحاديث الرسول أن الملائكة لها مع الله شأن وهو العبادة. ومع خلق الله شأن وهو التدبير.
أما عبادتها: فإنهم يسبحون، ويصلون، ويحجون، ويطيعون الله ولا يعصونه، ويخشونه تعالى.
تسبيحهم: فالملائكة عملهم الدائب وشغلهم الشاغل وروح حياتهم التسبيح يحملون العرش يسبحون، ويطوفون حول العرش يسبحون، يفعلون أي شيء يسبحون وكما قال تعالى: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ (الأنبياء:20) ويقول الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا (غافر:7).
وروى أن أربعة منهم يقولون: (سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك) وأربعة يقولون: (سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك). وفي سورة الصافات يقول تعالى وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وفي سورة الشورى يقول تَكَادُ السموات يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
روى مسلم في صحيحه، عن أبى ذر قال: سئل رسول الله 
أي الذكر أفضل؟ قال:" ما اصطفي الله لملائكته أو لعباده: سبحان الله وبحمده".
صلاتهم: روى الطبراني عن جابر بن عبد الله عن رسول الله :
" ما في السموات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كف إلا فيه ملك قائم أو ملك ساجد أو ملك راكع. فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعا: ما عبدناك حق عبادتك".
وروى الطبراني أيضا عن حكيم ابن حزام قال: بينما رسول الله  في أصحابه إذ قال لهم: أتسمعون ما أسمع؟ قالوا: ما نسمع من شيء قال" إني لأسمع أطيط السماء، وما تلام أن تئط وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم".
حجهم: يحج الملائكة إلى كعبتهم التي في السماء السابعة واسمها" البيت المعمور" الذي أقسم به تعالى في سورة الطور وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ.
وقد روى البخاري ومسلم وغيرهما من حديث المعراج قول رسول الله  " ثم رفع بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألفا لا يعودون إليه آخر ما عليهم".
خشيتهم من الله تعالى: يقول تعالى عنهم: وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (الأنبياء:28). وروى عن رسول الله :" إن لله ملائكة حول العرش تجرى أعينهم مثل الأنهار إلى يوم القيامة. تميد كأنما تنفضهم الـريح مـن خشية الله تعالى، فيقول لهم رب العزة كما في الحديث القدسي:" } ياملائكتي، ما الذي يخيفكم وأنتم عندي؟ { فيقولون: يا رب لو أن أهل الأرض اطلعوا من عزتك وعظمتك على ما اطلعنا عليه، ما أساغوا طعاما ولا شرابا، ولا انبسطوا في فرشهم، ولخرجوا إلى الصحاري، يخورون كما تخور البقر".
وقال محمد بن المنكدر: لما خلقت النار طارت أفئدة الملائكة من أماكنها فلما خلق آدم عادت.
وحدث ابن وهب قال: حدثنا ابن زيد قال: لما خلق الله النار ذعرت منها الملائكة ذعراً شديدا وقالوا: ربنا لم خلقت هذه النار؟ ولأي شيء خلقتها؟ قال: } لمن عصاني من خلقي{ ولم يكن لله يومئذ خلق إلا الملائكة، والأرض ليس فيها خلق إنما خلق آدم بعد ذلك.. وقرأ قوله تعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ليت ذلك الحين. ثم قال:" وقالت الملائكة: ويأتي علينا دهر نعصيك فيه؟ لا يرون له خلقا غـــيرهم قال لا } إني أريد أن أخلــق في الأرض خلقــا وأجعل فيها خليفة {".
وروي عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: قال رسول الله " إذا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السموات منه رجفة، أو قال رعدة شديدة، خوفا من الله عز وجل، فإذا سمع ذلك أهل السموات صعقوا وخروا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل عليه السلام فيكلمه الله تعالى من وحيه بما أراد" رواه ابن أبي حاتم وابن خزيمة والطبراني وابن جرير.
وفي الطبراني عن جابر أن رسول الله  قال" مررت ليلة أسري بي بالملأ الأعلى وجبريل كالحلس البالي من خشية الله تعالى" والحلس كساء يبسط في أرض البيت.
هذه عبادتهم أما عملهم: فـقد أخبرنا الله تعالى في القرآن أن لهم أعمالا متعلقة بخلقه، فهم جنوده. يقول ابن عباس" كلفهم الله بأمور عرفهم العمل بها والوقوف عليها. بعضهم لبني آدم يحفظون ويكتبون. وبعضهم بالأمطار والنبات، والخسف والمسخ والرياح والسحاب".
وقد وكل تعالى بالرحم ملكا، وبالجبال ملكا، وبالبحار ملكا، كما وكل تعالى للجنة ملائكة موكلون بعمارتها وعمـل آلاتها وأدواتها وأوانيها وغراسها وفراشها ونمارقها وأرائكها...
وللنار ملائكة موكلة بعمل ما فيها، وإيقادها، ولأغلالها وسلاسلها. وللأفلاك ملائكة تحركها وتديرها، وللشمس والقمر والكواكب وسائر ما في السماء. وبالرياح ملائكة تصرفها وبالسحاب ملائكة تسوقه إلي حيث أمرت به: ثبت في الصحيح عن النبي  أنه قال" بينما رجل بفلاة من الأرض إذ سمع صوتا في سحابة يقول: اسقى حديقة فلان. فتتبع السحابة حتى انتهت إلي حديقة فأفرغت ماءها فيها. فنظر فإذا رجل في الحديقة يحول الماء بمسحاة. فقال لـه: ما اسمك يا عبد الله؟ فقال فلان. الاسم الذي سمعه في السحابة. فقال: إني سمعت صوتا في هذه السحابة التى هذا ماؤها يقول اسقى حديقة فلان. فما الذي تصنع في هذه الحديقة؟ قال إني أنظر ما يخرج منها فاجعله ثلاثة أثلاث: ثلث أتصدق به وثلث أنفقه علي عيالي وثلث أرده فيها".
كما وكل الله تعالى ملائكة يصلون على معلمي الناس الخير. وملائكة يبلغون رسول الله  من صلى عليه من أمته. وملائكة يقفون على أبواب المساجد قبل الجمعة يكتبون الأول فالأول، حتى إذا صعد الخطيب على المنبر طووا صحفهم، وجلسوا يستمعون الذكر. وملائكة يؤمنون على من يدعون لإخوانهم بالغيب ويقولون: آمين ولك مثله. وملائكة تبتلى بنى آدم كما ورد في حديث الأبرص والأقرع والأعمى الذي رواه البخاري ومسلم.
وملائكة يقاتلون مع المؤمنين كما فعلوا في معركة بدر وقد كانوا من أفضل الملائكة وفضلهم في غيرهم كفضل من شهد بدرا من الصحابة على غيرهم.
وكما قاتلوا أيضا في غزوة الخندق. وثبت في الصحاح أن جبريل جاء رسول الله بعد رجوع الأحــزاب وعلى ثنايا جبريل النقع (الغبار) وكـان رسول الله يغتسل فقال لرسـول الله :" أوضعتم سلاحكم، فإنا لم نضع سلاحنا بعد. فقال: إلى أين؟ فأشار إلى بنى قريظة".
وهناك ملائكة موكلة بحفظ المدينة ومكة من الدجال. وملائكة باسطوا أجنحتهم على الشام.
وهناك ملائكة يلعنون المرأة التي لا تستجيب لزوجها، كما في الحديث الذي رواه
البخاري عن رسول الله " إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح".
وتلعن من أشار إلى أخيه بحديدة وإن كان أخاه لأبيه وأمه. كما في حديث مسلم. وملائكة تلعن من يسب أصحاب رسول الله . ومن يحولون دون تنفيذ شرع الله. ومن يؤوى محدثاً.
وروى البخاري" ما من يوم يصبح فيه العباد إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً. ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً".
وعنه  قال" ما من يوم طلعت فيه الشمس إلا وبجنبتيها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم، إن ما قل وكفي، خير مما كثر وألهى، ولا غربت شمسه إلا وبجنبتيها ملكان يناديان".
وروى في الصحاح عن رسول الله  أنه قال:" إن لله ملائكة سيارة فضلاء يبتغون مجالس الذكر فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر قعدوا معهم وحف بعضهم بعضا بأجنحتهم حتى يملئوا ما بين السماء والأرض فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء. فيسألهم الله عز وجل وهو أعلم بهم: من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد الله في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللـونك ويحمدونك ويسألونك. قال: ومـاذا يسألوني؟ قالوا: يسألونك جنتك. قال: وهل رأوها؟ قالوا: لا يا رب. قال: كيف لو رأوهـا؟ قالوا: ويستجبرونك. قال: ومما يستجيروني؟. قالوا: من نارك يا رب فيقول: قد غفرت لهم فأعطيتهم ما سألوا وأجرتهم مما استجاروا. قال، يقولون: رب، فيهم فلان خطاء إنما مر فجلس معهم. فيقول: وله غفرت هم القوم لا يشقى بهم جليسهم" اللفظ لمسلم.
هذا ما تقوم به الملائكة في الأرض ومع أهلها مما كلفهم به الله وأمثال ذلك كثير وإنما اقتصرنا على بعض أعمالهم. وهذه وإن كانت أعمال عامة لكل الناس فإن لكل واحد منا عدد من الملائكة ملزمون به.
رحلة الملائكة معك
رحلة طويلة، يصحبك فيها كوكبة من الملائكة الكرام. تبدأ من وجودك في بطن أمك مضغة، ثم تدوم ما دامت السموات والأرض.
وهذه الرحلة دليل - للمؤمنين فقط - بأن الكون قائم على المبدأ الإنساني القوى. هذا المبدأ الذي يتبناه المؤمنون ويعارضه التجريبيون، ينص عليه القرآن صراحة فيقول: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا (الإسراء:70) ويقول تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَــوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ (الجاثية:13) ومع ذلك وجد من المسلمين من أنكر هذا المبدأ ورفض هذه النعمة واستعلى على أن يقبل التكريم من رب العالمين.
وعن هذا ال






















مبدأ يقول الدكتور مصطفي ‎إبراهيم فهمي:" هناك من يرى أن كوكبنا الأرض هو في أغلب الاحتمال الكوكب الوحيد الذي ظهرت فيه الحياة، وبالتالي فإن الإنسان هـو محور الكون. والكون بكل تاريخه وبنيته وخواصه إنما يمهد لأن تظهر عليه الحياة البشرية الواعية. وهذا المبدأ يستبعد وجود أي حياة على الكواكب الأخرى بدليل أنه بعد مرور ما يزيد على عشرة بلايين سنة من عمر الكون لم يتوصل أحد بعد لأي برهان يثبت وجود حياة على كوكب آخر. وهذا ما يسمى بالمبدأ" الإنساني القوى" ويعترض علماء كثيرون على المبدأ الإنساني القوى، لأنه يجرى مضاد لاتجاه مسار العلم الحديث.
لقد كانت النظريات القديمة لأرسطو وبطليموس ترى أن الأرض ليست هي مركز الكون بإنسانها الذي فيها. ولكن كوبرنيقوس وجاليليو أثبتا أن الأرض ليست هي المركز، وإنما هي تدور حول مركز آخر هو الشمس ثم انتهت الأبحاث إلى أن الأرض مجرد كوكب متوسط الحجم يدور حول نجم متوسط هو الشمس وذلك على الأطراف من مجرة عادية تسمى درب التبانة. هذه المجرة ليست سوى مجرة واحدة بين ما يقرب من مليون المليون من المجرات فيما يمكن رصده من الكون. فكيف يزعم أي مبدأ أن هذا البناء كله إنما يوجد من أجلنا نحن في كوكبنا المنزوي هذا؟".
ثم يضيف الدكتور" أن هذا زعم فيه عجرفة وسخف يذكران بالفلسفات القديمة التي كانت تصمم على أن الإنسان والأرض هما المحور والمركز، وأن النجـوم مجرد ثقوب صغيرة وضعت في السماء ليبتهج الإنسان بمرآها".
ولكي نقف على وجهة النظر الأخرى نذكر ما قاله"سيد قطب" في ظلال القرآن تفسيرا لقوله تعالى من سورة البقرة {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاًٌ} يقول إن كلمة {لَكُمٌْ} هنا ذات مدلول عميق، وذات إيحاء عميق، إنها قاطعة في أن الله خلق هذا الإنسان لأمر عظيم، خلق ليكون مستخلفا في الأرض مالكا لما فيها، فاعلا مؤثرا فيها، إنه الكائن الأعلى في هذا الملك العريض، والسيد الأول في هذا الميراث الواسع، ودوره في الأرض إذا وفي أحداثها وتطوراتها هو الدور الأول، إنه سيد الأرض وسيد الآلة.
إنه ليس عبداً للآلة كما في العالم المادي اليوم.
والنعمة التي يمتن الله بها على الناس هنا - وهو يستنكر كفرهم به - ليست مجرد الإنعام عليهم بما في الأرض جميعا. ولكنها - إلى ذلك - سيادتهم على مـا في الأرض جميعا. ومنحهم قيمة أعلى من قيم الماديات التي تحويها الأرض جميعا هي نعمة الاستخلاف والتكريم فوق نعمة الملك والانتفاع العظيم".
إنه لأمر خطير أن يدخل بعض الناس الدنيا، ويخرج منها، ولم يعرف دوره وقيمته. رغم كل آيات الله المكتوبة والمكنونة لوضعه على الطريق.
يقول أمية ابن أبى الصلت:
لم تخلق السماء والنجوم والشمس معها قمر يقوم
قدرها المهين القــيوم والحشر والجنة والحميم
إلا لأمر شأنه عظيم
ليت بنو آدم يدركون قيمتهم عند الله. تلك القيمة التي بلغت حداً أن الله يجعل خطا فاصلا بين عبادة الملائكة له عز وجل وبين دعائهم الدائم لبنى آدم. ولعل هذا الأمر هو الذي يوضح لنا كيف سخر لنا الله ما في السموات. إننا نفهم أن كل ما في الأرض مسخر لنا فهذا ما نراه بالفعل. ولكن كيف سخر لنا الله ما في السموات كما أخبرنا في قرآنه؟
يقول تعالى عن حملة العرش ومن حوله في سورة غافر - ولنتأمل كيف سخرت لنا أرفع الملائكة مكانا ومكانة الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمْ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِي السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ .
ويقول تعالى عن باقي ملائكته في السموات تَكَادُ السَّموَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (الشورى:5). ولا نعلم من الملائكة أعلى قدرا من جبريل عليه السلام وقد كانت وظيفته تبليغ الوحي لبنى آدم. فكان يقطع المسافة بين السموات والأرض نزولاً وصعوداً على مدار تاريخ البشر من آدم عليه السلام حتى محمد . فما بالنا بمن دون جبريل من الملائكة.
أيها الإنسان كم كرمت، وفضلت وميزت عن كثير من المخلوقات. وكم فعل الله تعالى من أجلك. وأنت لا تعرف قيمتك ولا نعمة ربك عليك. يقول تعالى في الحديث القدسي الجليل }يابن آدم : لو علمت قدر نفسك عندنا ما أهنتها.. إنما أخرجناه إبليس من الجنة إذ لم يسجد لك وأنت في صلب أبيك .. فوا عجبا .. كيف صالحته .. وتركتنا!!{.
وتمكن من الملائكة كلفها الله تعالى بك وأمرها أن تقوم عليك تبدأ معك من بطن أمك.
اللقاء الأول: روى الشيخان عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: حدثنا رسـول الله  وهو الصادق المصدوق:" إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك. ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح. ويؤمر بأربع كلمات يكتب: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد".
هذا هو اللقاء الأول بالملائكة ملك يأتيك وينفخ فيك الروح ويكتب لك شهادة ميلادك الحقيقية لا شهادة السجل المدني التي تحتوى على بيانات لا تنفع في الآخرة في شيء. فيدون أربع بيانات: (رزقك: كم يكون وكيف. وأجلك: متى تموت وأين. وعملك: خير هو أم شر. ثم مصيرك: شقي أنت أم سعيد).
اللقاء الثاني: أما لقاءك الثاني مع الملائكة فعندما يكتمل مدة حملك في بطن أمك تسعة أشهر ويبدأ موعد خروجك إلى الدنيا. فيرسل الله إليك ملكا ليخرجك، وهو الملك الموكل بالأرحام يقول تعالى في هذا الحديث القدسي: } يا ابن آدم: جعلت لك قرارا مكينا في بطن أمك. وغطيت وجهك بغشاء رقيق حتى لا تتأذى برائحة الطعام. وحولت وجهك في ظهر أمك حتى لا يؤذيك التنفس. وجعلت لك متكأين، متكأ عن يمينك، ومتكأ عن شمالك. أما الذي عن يمنيك فالكبد وأما الذي عن شمالك فالطحال وعلمتك القيام والقعود وأنت في بطن أمك. أفيقدر على هذا أحد غيري؟ ولما حان موعد وضعك أرسلت إلى الملك الموكل بالأرحام ليخرجك. فأخرجك على ريشة من جناحه. وأنت ليس لك سنا تقطع بها ولا يدا تفتح بها ولا رجلا تمشى عليها. وجعلت لك عرقان رقيقان في صدر أمك يخرجان لك لبنا سائغا حار في الشتاء، بارد في الصيف. وجعلت الحنان في قلب أبويك، فلا يأكلان حتى تأكل ولا يشربان حتى تشرب. أفيقدر على هذا أحد غيري؟
ولما قوى عودك. واشتد ظهرك بارزتني بالمعاصي في الخلوة ومع الجماعة ولم تستح منى. ومع ذلك إن سألتني أعطيتـك. وإن دعوتني أجبتك. وإن استغفرتني غفرت لك. يا ابن آدم: من أكثر منـى جودا وكرما. وأنا الجواد الكريم؟ {.
اللقاء الثالث: عندما تخرج إلى الدنيا يستقبلك ملكان يحفظان جسدك ويؤمّنان حياتك حتى يأتي أمر الله فيخليا بينه وبينك. يقول تعالى: وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (الطارق). ويقول وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (الأنعام:61). إنها حراسة خاصة لكل إنسان على حده، لا يفارقانه مـن ميلاده إلا عند موته. وينتهي دورهما. يقول تعالى سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَســـَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) لَهُ مُعَقِّــبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْــهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُــونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ (الرعد).
وروى أبن المنذر وأبو الشيخ عن على رضى الله عنه في هذه الآية: ليس من عبد إلا ومعه ملائكة يحفظونه من أن يقع عليه حائط أو ينزوي في بئر، أو يأكله سبع أو غرق أو حرق. فإذا جاء القدر خلوا بينه وبين القدر.
اللقاء الرابع: يتم هذا اللقاء عندما تبلغ الرشد والحلم. فيرسل الله إليك ملكين يحفظان لك أعمالك وأقوالك جميعا يقول تعالى وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (الانفطار). ويقول تعالى إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَـالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (ق).
قال ابن عباس في قوله مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر حتى إنه ليكتب قولة: أكلت، شربت، ذهبت، جئت، رأيت، حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر وألقى سائره. وذلك قوله تعالى يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (الرعد:39). وقال الحسن البصري في هذه الآية:" يا ابن آدم بسطت لك صحيفة، ووكل بك ملكان كريمان. أحدهما عن يمينك، والآخر عن يسارك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ الحسنات. وأما الذي عن يسارك فيحفظ السيئات. فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا مت طويت صحيفتك وجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة، فعند ذلك يقول تعالى وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفي بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (الإسراء) ثم يقول الحسن: عدل والله فيك من جعلك حسيب نفسك".
وروى الطبراني في معجمه الكبير عن أبى أمامه أن رسول الله  قال" إن صاحب الشمال ليرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطئ، فإن ندم واستغفر الله منها ألقاها، وإلا كتبت واحدة".
اللقاء الخامس: مع ملك من الملائكة جعله الله لك قرينا يلهمك الخير ويحثك عليه، وهو مقابل للقرين من الجن الذي يحث على الشر والمعصية ومخالفة الرحمن واتباع الشيطان. روى مسلم عـن رسول الله  أنـه قـال:" مـا منكم مـن أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكـة ". وهـذا تبيان لقـوله تـعالى وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (البلد:10) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (الشمس).
اللقاء السادس: يروى البخاري عن أبى هريرة لقاءك السادس مع الملائكة الكرام. قال: قال رسول الله " الملائكة يتعاقبون ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر. ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم فيقول: كيف تركتم عبادي فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون". وهذان الملكان المتعاقبان غير الحفظة والكتبة فهم موكلون لرفع تقرير عام يومي عنك إلى الله تعالى.
هذا ويعرف الملائكة في السموات حالك مع باقي بنى آدم، وذلك من بعضهم البعض ويذكرون بنى آدم بالاسم. فقد روى عن رسول الله : أن ملائكة الله يعرفون بنى آدم ويعرفون أعمالهم. فإذا نظروا إلى عبد يعمل بطاعة الله ذكروه بينهم وسموه وقالوا: أفلح الليلة فلان. نجا الليلة فلان. وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصية الله ذكـروه بينـــهم وسموه وقالوا: هلك فلان الليلة".
كما أنهم وهم في السموات يتحاورون في شئون بنى آدم التي تنفعهم وترفع درجاتهم عند الله. في سنن الترمذي ومسند أحمد عن عبد الله بن عباس أن رســـول الله  قال:" أتانى الليلة ربى تبارك وتعالى في أحسن صـورة (أتاه في المنام). فقال } يا محمد هل تدرى فيم يختصم الملأ الأعلى؟ { قلت: لا. فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السموات وما في الأرض. فقال } يا محمد هل تدرى فيم يختصم المــلأ الأعلى؟ { قلت: نعم. في الكفارات والدرجات. والكفارات: المكث في المساجد بعـد الصلوات. والمشي علـى الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الـوضوء على المكاره. قـال }صدقت يا محمد ومن فعل ذلك عاش بخير ومات بخير وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه وقال: يا محمد. إذا صليت فقل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات، وحب المساكين، وان تغفر لي وترحمني. وتتوب علىّ. وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتـون{. والدرجات: إفشاء السلام، وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام".
اللقاء السابع: أما لقاءك الأخير – في الدنيا – مع الملائكة فيكون عند قبض روحك فكما أن الذي نفخ فيك هذه الروح ملك. فإن الذي يقبضها أيضا ملك. ستلتقي بملك الموت. الذي يأتيك ومعه أعوان ومساعدون: حتى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفتهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (الأنعام:61). وسترى الملائكة حسب عملك. حيث يختلف النزع لروح المؤمن عن روح الكافر من حيث شكل الملائكة وأسلوب النزع والتعامل مع المحتضر. يقول تعالى وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (الأنعام:93).
ويقول وَلـَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (الأنفال:50).
وأحاديث رسول الله  تبين بتفصيل أكثر، طريقة نزع الروح وأسلوب التعامل مع صاحبها.
أما المؤمنون فلهم شأن آخر، وأسلوب مغاير. هو في غاية الرقة والتلطف والبشر يقول تعالى إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مـَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيم ٍ(32) (فصلت).
وعندما تنزل في قبرك لا تكون في مثواك الأخير كما يقولون، بل هي مرحلة بـين الدنيا والآخرة. تسمى بحياة البرزخ. فعندما تنزل قبرك ويتركك المشيعون، أهلك وجيرانك وأحبابك، وتبقى وحدك في بيت الغربة، بيت الوحدة، بيت الوحشة بيت الظلمة، بيت الدود. تسمع من ينادى عليك: } عبدي رجعوا وتركوك. وفي التراب دفنوك. ولو ظلوا معك ما نفعوك ولن ينفعك إلا أنا. وأنا الحي الذي لا يموت{. وهنا تلتقي بالملائكة، ولكن في لقاء فريد، فتراهم بعد أن كنت لا تراهم.
يروى هذا اللقاء الصحابي الجليل البراء ابن عازب عن رسول الله ، أن المؤمن إذا نزل في قبره" فيأتيه ملكان شديدا الانتهار فينتهرانه ويجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن. فذلك حين يقول الله عز وجل يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ فيقول: ربى الله، ديني الإسلام، ونبيي محمد . وينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي".
أما العبد الكافر أو الفاجر" ويأتيه ملكان شديدا الانتهار فينتهرانه ويجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه لا أدرى. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه لا أدري. فيقولان: فما تقول في الرجل الذي بعث فيكم؟ فلا يهتدي لاسمه. فيقال: محمد فيقول: هاه.. هاه لا أدرى، سمعت الناس يقولون ذلك. فيقولان: لا دريت ولا تليت. فينادي مناد أن كذب عبدي" رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
أما يوم القيامة فإنه يكون اللقاء الأكبر بين الإنسان والملائكة لأن يوم القيامة من أسمائه يَوْمَ التَّلاقِ. حيث يلتقي سكان الأرض بسكان السماء ويلتقي الأولون بالآخرين، ويلتقي الخالق بالخلق. يقول تعالى وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَ ت كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (ق) فالسائق والشهيد من الملائكة. أما السائق فسيكون دليلا لك لمكان الحساب وللموقف الذي ستقف فيه، وأما الشهيد فإنه سيقدم تقريرا موجزا عن حالتك التي عرفها عنك. ويبدو أن هذا الشهيد هو نفسه القرين الذي التقى بك في اللقاء الرابع. يقول تعالى وَقـَالَ قَرِينُهُ هـَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ. أمــا قرينه الآخر، فهو قرين الجن قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ(ق) .
وسيأتي رب العزة في ظلل من الملائكة والغمام، وستصف الملائكة حول الخلائق. وسيقومون بالإشراف على حسابهم من رب العالمين. ثم وبعد الحساب فإنهم يسوقون المؤمنين إلى الجنة مهنئين ومسلمين، ومرحبين، ومبشرين. ويسوقون الكافرين إلي جهنم وبئس المصير فيلقونهم في النار إلقاءً ويدعَونهم دعاّ، ويأخذونهم بالنواصي والأقدام، في مشهد صعب ومهين.
حتى إذا ما أدرك بعضهم بعضا وألقوا في جهنم داخرين تلقتهم زبانية جهنم من الملائكة يبكَتونهم ويقرعونهم، ويوبخونهم، يقولون أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا (الزمر:71).
أما المؤمنون فلهم شأن آخر:
وَتَتَلَقَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمْ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (الأنبياء:103).
وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مـِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (الرعد). وهكذا تنتهي بك الرحلة في إحدى الدارين. ليكون تلاق ليس بعده فراق.
وقد كان لبنى آدم مع الملائكة مواقف متباينة، فبينما أنكر وجودهم البعض عبدهم آخرون. وادعى آخرون أنهم بنات الله وأنهم إناثا.
وعقيدة الإسلام في الملائكة: أن نؤمن بهم وبأنهم عبيد لله، وجنوده، ورسله إلى الناس، وأنهم بالوصف والكيفية التي وصفت لنا من الله تعالى أو من رسوله . وأنهم سيموتون يوم القيامة كما تموت كل الخلائق. ويعود الأمر كما كان أولا قبل بدء الخلق. "كان الله ولا شيء معه، ولا غيره، ولا قبله" وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ.


الجن والشياطين
خلق من خلق الله. يسكنون الأرض معنا. ولكنهم يستطيعون صعود السماء.
ورغم انهم يملئون البر والبحر فإننا لا نراهم. وليسو ملائكة. ورغم أن لهم قدرات أكثر من الإنس، إلا أن الإنس أعلى منهم مرتبة. وسموا جنا لاجتنانهم أي استتارهم عن العيون إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ (الأعراف:27). يخبرنا تعالى عن خلقهم بقوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (الحجر). فهذه الآية الأخيرة تنص علي أصل خلقهم ووقته.
أما أصلهم: فكـما تخبر الآية مِنْ نَارِ السَّمُومِ والسموم: الريح الحادة النافذة في المسام. ويقول تعالى:وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (الرحمن:15). قال ابن عباس: أي من طرف اللهب. وقـال النووي: المارج: اللهب المختلط بسواد النار.
أما وقت خلقهم: فالآية توضح انهم خلقوا قبل الإنس لقوله وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ.
والجن أصناف كما اخبر فيما رواه عنه الحاكم والطبراني والبيهقي بإسناد صحيح " الجن ثلاثة أصناف: فصنف يطير في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون". أي يقيمون ويرتحلون.
والجن من سكان الأرض وإن كانوا يفضلون الأماكن الخالية من الإنس كالصحراوات، ومنهم من يسكن في جزائر البحور، ومنهم من يسكن في المزابل والخرابات ومنهم من يسكن مع الإنس. وروى ابن حجر عن ابن أبى الدنيا، وأبو بكر ابن عبيد في مكايد الشيطان كلاهما عن يزيد بن يزيد" ما من أهل بيت من المسلمـين إلا وفي سقف بيتهم من الجن من المسلمين إذا وضع غذاؤهم نزلوا فتغدوا معهم، وإذا وضع عشاؤهم نزلوا فتعشوا معهم يدفع الله بهم عنهم".
وروى ابن ماجة والنسائي وأبو داود والإمام أحمد عن زيد بن أرقم أن رسول الله  قال:" إن هذه الحشوش محتضرة فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث". ومحتضرة: حاضرة. كذلك يسكن الجن الشقوق والجحور، وقد روى النسائي عن النبي " لا يبولن أحدكم في جحر".
أما طعامهم: فقد وردت عدت أحاديث صحيحة تبين أنهم يأكلون ويشربون. وروى مسلم عن رسول الله  أنه قال:" إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب أحدكم فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكـل بشماله ويشرب بشماله". وقال وهب بن منبه: ليس كل الجن يأكلون فمنهم صنف من الريح لا يأكلون ولا يشربون.
قدراتهم: يقول تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ. وتروى الأحاديث الصحيحة أنهم يتشكلون ويتصورون بأشكال الإنس أو الحيوانات. وروى ابن حبان والطبراني وصححه الألباني ان رسول الله  قال:" الحيات مسخ الجن كما مسخت القردة والخنازير من بنى إسرائيل". وقال ابن تيمية: الكلب الأسود شيطان الكلاب والجن تتصور بصورته كثيراً وكذلك بصورة القط الأسود لأن السواد أجمع للقوى الشيطانية من غيره وفيه قوة حرارة" أ. هـ.
وروى البخاري ومسلم عن رسول الله  كان إذا دخل الخلاء قال:" اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث".
عقائدهم ودياناتهم: والجن في هذا الأمر كالإنس أديان، وملل، ومذاهب، وهم مكلفون بالتكاليف الشرعية المكلف بها الإنس. يقول تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا (الأنعام:130) وان كانت النبوة والرسالة تكون من الإنس، وليس من الجن رسل، ولكن منهم منذرين. ونظرا لتكليفهم كالإنس فإن منهم المسلم والنصراني واليهودي وغيرهم، ومنهم المؤمن ومنهم الكافر، ومنهم الطائع ومنهم العاصي، والتقى والفاجر. وقد اخبرنا تعالى بذلك عنهم إذ قالوا وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (الجن:11). كما أن الغاية من خلقهم هي العبادة وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إلا لِيَعْبُدُونِ.
وأخرج ابن جرير عن وهب بن منبه أنه سئل عن الجن هل يأكلون ويشربون ويموتون ويتناكحون ويتناسلون؟ فقال:" هم أجناس: فأما خالص الجن فهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يموتون ولا يتوالدون، ومنهم أجناس يأكلون ويشربون ويموتون ويتناكحون".
ولأن الإنس أكرم من الجن وأرفع درجة وأعلى مقاماً فإنهم يحسدونهم وأيضا يخافون منهم. وهم يعرفون مكانة بنى آدم في الكون ربما اكثر من بنى آدم أنفسهم.
قال ابن القيم:" العين عينان: عين إنسية وعين جنية". وقد روى البخاري ومسلم عن أم سلمة رضى الله عنها أن النبي  رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة فقال: " استرقوا لها فإن بها نظرة" والسفعة: نظرة. يعنى من الجن.
الاستعانة بالجن
نظراً لقدرات الجن التي لا يمتلكها الإنس كالطيران والصعود إلى السماء وسماعهم ما لا يسمعه الإنس من حديث الملائكة، وإمكانية رؤية الإنس مع عدم رؤية الإنس لهم، فقد تم تعاون بين بعض الإنس والجن، وهو تعاون محرم وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ ونتج عن هذا التعاون ما نسميه (الكهانة) و(السحر)، ففي كلاهما يستعين الإنسي بالجني في استخدام القدرات التي ذكرناها وذلك في إضلال إخوانه من الإنس وغشهم وخداعهم. وفي مقابل ذلك يتسود الجني على الإنسي - والأصل العكس - فيقوم الإنسي بطاعة الجني، وتلبية أوامره، وجعل الناس الذين كرمهم الله وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلا، يتذللون لهم وينادونهم بالأسياد، وإظهار الجني بمظهر الأكرم والأرفع وربما يصل الأمر إلى العبادة. حيث يطلب الإنسي منهم العفو والصفح، فضلا عن شفاء الأمراض، ومعرفة الغيوب، والكشف عن المخبوء. ويستعذب الجني ذلك فيطلب ما لا يؤتى إلا بمشقة وكلفة. ويلبى الإنسي ما يطلبون حتى لو طلبوا" لبن العصفور" كما يقولون. وقد يغالي الجني في التدلل والتأله ويطلب من الإنسي أعمالا كفرية صريحة، ولا يتورع الإنسي عن فعلها.
وأصل الكهانة كما عرفنا أن الشياطين يصعدون في السماء ليتسمعوا الأخبار، ثم يلقونها على الكهان ومعها مائة كذبة. ورغم انه قد حيل بينهم وبين خبر السماء لتشديد الحراسة في السماء بعد بعثة النبي  إلا أن الكهانة مازالت موجودة بين الناس حيث توارثوها جيلا بعد جيل. ورغم أن الجن فقدوا هذه القدرة بمنعهم من مصدر المعلومات إلا أنهم مازالوا يضحكون على كثير من الإنس، بأنهم مازالوا على عهدهم وسلطانهم، وأنهم يعلمون الغيب.
وكذلك السحر فهو تعاون بين جنى مارد وبين إنسي كافر، يقوم فيه الجني بأعمال شيطانية مستعينا بعدد غفير من بنى جنسه من الجن المغلوب على أمره فيأتون بأعمال على يد الإنسي فيخفون أشياء ويظهرون أخرى، ويرفعون أشخاصاً في الهواء، ومـا شابه ذلك، كذلك يقومون بأعمال فيها خـداع لأعين الناس، أو أن يقوموا بعمل ما يسمى" التنويم المغناطيسي" والذي يتلبس فيه الجني الإنسي ثم يسأله إنسي وسيط عن أمور ينطق بها الجني على لسان الإنسي المنوم، كبيانات لبطاقات الهوية أو أشياء خاصة لأحد الجالسين معهم، والجني بالطبع يرى ما لا نراه.... وهكذا.
وقد حرم الإسلام كل هذه الأمور تحريماً بلغ بها حداً أن أعتبرها من الكبائر. يقول تعالى: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (الجن:6). ويقول تعالى وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون (البقرة:102). وآيات سورة الجن تتحدث عن الاستعاذة وآيات‌ سورة البقرة تتحدث عن الاستعانة، وكلاهما محرم في الإسلام.
روى ابن أبى حاتم عن عكرمة قال:" كانت الجن يفرقون - أي يخافون - من الإنس كما يفرق الإنس منهم أو أشد، فكان الإنس إذا نزلوا واديا هرب الجن. فيقول سيد القوم نعوذ بسيد أهل هذا الوادي - يعني من الجن - فقال الجن: نراهم يفرقون منا كما نفرق منهم، فدنوا من الأنس فأصابوهم بالخبل والجنون".
وجاء الإسلام وأبطل هذه العادة الجاهلية، فروي مسلم عن خوله بنت الحكيم قالت: سمعت رسول الله  يقول" من نزل منزلاً ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحـل من منزله ذلك".
وذكر القرطبي في تفسيره عن خزيم بن فاتك أنه قال: أضللت إبلا لي فخرجت في طلبها حتى إذا كنت ببارق العراق فأنخت راحلتي ثم عقلتها ثم أنشأت أقول: أعوذ بسيد هذا الوادي ثم وضعت رأسي علي جمل فإذا بهاتف من الليل يهتف ويقول:
ألا فعذ بالله ذي الجـلال ثم اقرأ آيات من الأنفـال
ووحد الله ولا تبـــالي ما هول الجن مـن الأهوال
فانتبهت فزعا فقلت:
يا أيها الهاتف ما تقـول أرشـد عندك أم تضـليل
فأجابني:
هذا رسول الله ذو الخيرات أرسـله يدعو إلي النجاة
ويـنزع الناس عن الهنات يأمره بالصوم وبالصلاة
وكان هذا سببا في إسلامه.
* * * * *













الشيـطان
أشهر مخلوقات الله علي الإطلاق وكان من أعبد عباد الله. ولكنه لم يكن مخلصا في عبادته، فسقط في أول ابتلاء، وبدا ما كان يضمره في نفسه من الكبر والاستعلاء، وحب النفس إلي درجة الأنانية، وحب الشهرة ولو بأي ثمن، حتى أنه فرط في مكانة سامية بين الملائكة، وجنة عالية عند ربه حبا في الشهرة والاستعلاء. وأوصلته عبادته لأن يسكن مع الملأ الأعلى في السموات رغم أنه مخلوق أرضي، وأن يعيش مع الملائكة رغم أنـه من الجن. إلا أنه لم يقنع بما وصل إليه، إذ وجد نفسه رغم فضيلة المكان والسكان ليس له مكانة متميزة عن غيره، وأنه أصبح واحد في بلايين من الملائكة.
وكان الله يعلم ما يدور في نفسه ومع ذلك رقاه، وعلاه حتى يكون السقوط مريعا وأيضا لحكمة يريدها عز وجل، وهي أن يجعل منه فتنة وبلاء للمخلوقات التي هيأ لها أرضه وهم البشر.
ونال الشيطان ما أراد وأصبح الأشهر في المخلوقات حتى فاقت شهرته شهرة الملائكة جميعا، والأنبياء قاطبة، وليس من مخلوق في أي مكان وفي أي زمان إلا ويعرف الشيطان. بل أنه عُبد من دون الله، وظهر كثير من خلق الله علي الأرض لا يعرفون الله ولكنهم يعرفون الشيطان.
هـل أفلح الشيطان بذلك؟ بالطبع خسر خسرانا مبينا، وكما قال الكتاب المقدس" ما الفائدة لو كسبت العالم كله، وخسرت نفسك؟".
" الشيطان" في كلام العرب يطلق علي كل عات متمرد. وأطلق علي هذا المخلوق لعتوه وتمرده علي ربه.
من أسمائه أيضا الطاغوت الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (النساء:76). ومن أسمائه أيضا" إبليس" بمعني من لا خير فيه. وأبلس: يئس وتحير.
يقول تعالى عن أصل إبليس إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ (الكهف:50). وفي هذا دليل واضح وصريح علي أن أصل إبليس من الجن، ولا نلتفت إلي قول من قال أن إبليس كان من الملائكة واستدلوا علي ذلك من قوله تعالى وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ أَبَى (البقرة:34). فإن كان قد التبس عليهم الأمر من هذه الآية. فقد أزال الله اللبس صراحة إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ وعلي ذلك نفهم من الآية الأولي أن الأمر كان للملائكة وإبليس كان يعامل معاملتهم لذلك كان الأمر يشمله، ولم ينكر إبليس أنه من الجن بل قال خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ ومعلوم من القرآن أن الذي خلق من النار الجان.
فنحن بذلك نجزم أن إبليس كان من الجن، ولم يكن أبدا من الملائكة وإن كان يعامل معاملتهم. ولكن الذي لا نستطيع أن نجزم به هل إبليس هو أبو الجن كما أن آدم هو أبو البشر؟ لم يصل إلينا في هذا الأمر دليل.. وهو أمر لا يعنينا أن يكون هو أبوهم أو أحدهم.
ولقد أهلك إبليس نفسه عندما عصي ربه عن سبق إصرار، عامدا متعمدا وذلك عندما أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم فكان كما قال: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ لم تكن خطيئة إبليس سهوا أو خطأ في الفهم أو عن غير قصد وإنما كان كما قال الله تعالى كفرا واستكبارا، وأعطاه الله الفرصة ليراجع نفسه، ويندم علي ما فعل ويستغفره فيغفر له. ولكن إبليس لم يفعل. فاستحق ما وعده الله به. ولعنه وطرده من جواره، وأخرجه من بين الملائكة وأنزله إلي أسفل سافلين.
وعلم إبليس بهذا المصير، وأن مصيره النار.. داخلها.. داخلها، فقد عمد إلي آدم وبنيه وراح يتفنن كيف يغويهم. ونجح إلي حد كبير بل نجح نجاحاً عظيماً: قال تعالى في سورة سبأ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ.

خلق الإنسان
تاريخ الميلاد: يوم الجمعة، اليوم السابع من أيام الأسبوع، كان ميلاد أول البشر الإنسان الأول. وأصل البشرية جميعا ذكورا وإناثا. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (النساء:1).
فضيلة من إحدى الفضائل أن يخلق آدم - وهذا هو اسم المخلوق البشرى الأول - يوم الجمعة. روى مسلم عن رسول الله  أنه قال" خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة. فيه خلق آدم. وفيه أدخل الجنة. وفيه أخرج منها. وفيه تقوم الساعة".
وكان من فضل الله علي آدم وبنيه أن الله خلقه بعد أن أصبح كل شيء معد ومهيأ لوجوده في السماء والأرض.
يخبرنا القرآن عن خلق الإنسان بأدق التفاصيل وعن مراحل خلقه جميعا في حوالي 70 آية والتي نعلم منها أن الإنسان خلق في 7 أطوار. يقول تعالى مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (نوح).
هذه الأطوار السبع جمعها تعالى في آية واحدة من سورة الحج: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفي وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا.
وفي سورة (المؤمنون) يقول تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ.
فهذه الآيات تقرر أن أصل الإنسان من طين أو سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ أي نوع مميز ومنقى من الطين. أما الآية السابقة من سورة الحج فتقرر أن أصل الإنسان تراب. وفي الحديث الذي رواه البخاري عن رسول الله  قال" إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم علي قدر الأرض فجاء منهم الأبيض والأحمر والأسود.. وبين ذلك والخبيــث والطيب.. والسهل والحزن وبين ذلك".
فالطين: تراب وماء. والماء هو أصل كل الكون، وكل الخلائق. وكل الأحياء يقول تعالى:
وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ (الأنبياء:30)
واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ (النور:45)
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنْ الْمَاءِ بَشَرًا (الفرقان:54).
فهذه الآيات تفيد أمورا ثلاثة: الأمر الأول: وهي الآية الأعم، تقرر أن كل شيء يوصف بالحياة من الماء. وعلي ذلك يدخل فيها النبات والحيوان والإنسان.
والآية الثانية: أخص من الأولي فهي تخبر أن كل دابة خلقت من ماء. وتعني الحيوان والإنسان.
أما الآية الثالثة: فهي خاصة بالإنسان وحده.
ثم هناك 4 آيات أخرى يقرر فيها عز وجل أنه خلقنا من تراب. وتشترك هذه الآيات الأربع مع آيات الماء الثلاثة السابقة لتكون معا بآياتها السبـع.. الطين. هكذا 3 آيات للماء و4 آيات للتراب، ولعل هذه النسبة بينهما 3: 4 حتى كانت درجة الطين من التماسك واللزوجة التي قال عنها تعالى فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (الصافات:11) أي: سلهم من أشد في الخلق خلقهم أم خلق المخلوقات الأخرى من سماوات وما فيها من ملائكة وأجرام سماوية. وأرض وما فيها من شياطين وجبال. فهم مخلوقون من طين لاصق أي أن مادة خلقهم من طينة على درجة من الليونة واللزوجة بحيث كانت تلصق وتلزق باليد. فلو زادت نسبة التراب عن هذه النسبة لكان الطين من التماسك بحيث لا يلزق باليد عند الإمساك. ولو زاد الماء عن نسبته لما تماسك الطين.
فهذه معلومات جيدة ودقيقة تشعرنا بأن الأمر يتم أمام أعيننـا ونلمسه بأيدينا. ومن هذا نجد أن الإنسان خلق من ماء بنسبة 3 :4 مع التراب، وتكون منه الطين اللازب. ومن المعلوم أن ثلاثة أرباع جسم الإنسان ماء.
ثم يؤكد لنا ربنا أن تشكيل الإنسان الأول تم من هذا الطين في سبع آيات أخر سوي الآيات السبع المشترك فيها الماء والتراب. كقوله تـعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ (الأنعام:2) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِين (المؤمنون:12).
أرأيتم إلي الدقة العجيبة في المعلومات التي بين أيدينا عن خلقنا؟
ثم يحدثنا القرآن عن مرحلة جديدة علي الطين فيقول تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (الحجر:26). فالآية توضح مرحلة أخرى من مراحل التحول للطين، فإن الإنسان - وهو آدم - بعد ما صور في هيئته التي خلقه الله عليها ترك علي تشكيله هذا حتى أسود الطين أي أصبح حمأ وتغير ريحه أي أصبح مسنونا فيبس وأنتن، وصار كما قال الله تعالى صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (الرحمن:14) طين يابس لو طرقت عليه لأصدر صوتا كأنك تطرق علي الخزف لفراغ جوفه.
وعندما وصل الطين إلي هذه الحالة أصبح كتمثال من الفخار قد تم تشكيله في أحسن صورة، كان هذا التمثال بطول 60 ذراعا وعرض 7 أزرع.
وأخبر الله تعالى ملائكته بأمر هذا المخلوق الجديد، وأمرهم فيه بأمر.
قـال تـعالى وَإِذْ قـَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (الحجر).
وقال تعالى إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (ص:17).
لم تسجد الملائكة لمجرد الطين، ولو أمروا لفعلوا، ولكن الأمر صدر لهم بأن يسجدوا بعد أن ينفخ فيه من روح الله.
وروى السدي عن أبى مالك وعن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود في قصة خلق آدم عليه السلام قال:" فبعث الله جبريل عليه السلام إلي الأرض ليأتيه بطين منها، فقالت الأرض: أعوذ بالله منك أن تنقص مني أو تشينني. فرجع ولم يأخذ شيء وقال: يا رب إنها عاذت بك فأعذتها. فبعث ميكائيل. فعاذت منه، فأعاذها. فرجع فقال كما قال جبريل. فبعث ملك الموت، فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره. فأخذ من وجه الأرض وخلط، ولم يأخذ من مكان واحد. وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء. فلذلك خرج بنو آدم مختلفين. ولذلك سمي آدم، لأنه أخذ من أديم الأرض. فصعد به فقال الله تعالى لـه } أما رحمت الأرض حين تضرعت إليك { فقال: رأيت أمرك أوجب من قولها، فقال: } أنت تصلح لقبض أرواح ولده {.
فبل التراب حتى عاد طينا لازب (يلتصق بعضه ببعض) ثم ترك حتى أنتن مِنْ حَمَإٍ مَسْنُون. قال: منتن. ثم قال للملائكة إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فخلقه الله بيده لكي لا يتكبر إبليس عليه، يقول: } أتتكبر عما عملت بيدي ولم أتكبر أنا عليه {.
فخلقه بشرا فكان جسدا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه، وكان أشدهم منه فزعا إبليس، فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار، تكون له صلصلة، فذلك حين يقـول صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ويقول: لأمر ما خلقت.
ودخل من فمه وخرج من دبره فقال إبليس للملائكة لا ترهبوا من هذا فإنه أجوف ولئن سلطت عليه لأهلكنه.
ويقال: إنه كان إذا مر عليه مع الملائكة يقول: أرأيتم هذا الذي لم تروا من الخلائق ما يشبهه، إن فضل عليكم وأمرتم بطاعته ما أنتم فاعلون؟
قالوا: نطيع أمر ربنا فأسر إبليس في نفسه لئن فضل عليً فلا أطيعه ولئن فضلت عليه لأهلكنه.
فلما بلغ الحين الذي أراد الله أن ينفخ فيه الروح قال الله للملائكة فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فلما نفخ فيه الروح ودخل الروح في رأسه عطس، فقالت له الملائكة: قل الحمد لله. فقال: الحمد لله. فقال الله له: } رحمك ربك { فلما دخل الروح رجليه قام عجلان إلي ثمار الجنة خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ (الأنبياء:37) ".
هذه باختصار شديد قصة آدم عليه السلام في رأى الدين أما علماء الفلك والطبيعة أو كما نسميهم: التجريبيون، فلهم قول آخر من جنس ما قالوه في الكون. فهم لا يعترفون بأن الإنسان وجد هكذا علي صورته التي هو عليها الآن، بل إنهم يقولون أن الإنسان ينحدر من أصل آخر يختلف عن أصل آدم. ويقولون بأن حياته بدأت بجرثومة، ظهرت علي السطح ثم تحولت إلي حيوان صغير، ثم تدرج هذا الحيوان فأصبح ضفدعا، فسمكة، فقردا، ثم ترقي هذا القرد وتمدن فصار إنسانا، فالإنسان في نظرهم قرد متمدن. وقد استطاع ذلك القرد بعبقريته، وبنبوغه أن يتطور ويتغير إنسانا ذكيا بعد أن كان قردا غبياً.. وهذا الذي يقولونه هو خلاصة نظرية النشوء والارتقاء لداروين. ومعظمهم قد اقتنعوا بنظريته، وقد أوردنا في مدخل الكتاب بعض ما قالوه عن هذه النظرية وأن قناعتهم بها تأتي من أنهم وجدوها بديلا عن الإله الذي ينكرونه بالمرة.
وأعتقد أن هذه النظرية إن كان دارون يقصد بها نفسه وأنه أنحدر من فصيلة القرود فالرجل لم يخطئ، وقوله صحيح. فقد أنبانا الله في القرآن أنه مسخ بعض اليهود إلي قردة فقال تعالى وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (البقرة:65). وذكر الكتاب المقدس كلام لعيسى عليه السلام كهذا القول، ونحن نعرف أن "دارون" يهودي فلعل أصله كان من أحـد هذه القرود وإن كنا نعلم أن القرود التي مسخت لم تتناسل. ولكن من يدرى؟
أما إن كان" دارون" يقصد بكلامـه كل الجنس فقوله باطل وباطل ما يقول. وعلي غرابة ما يقوله هؤلاء، إلا أنه متوقع منهم، ولم لا وقد قال الله عنهم وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ (الأعراف:179).
ولكن ما كان غير متوقع أن نجد من علماء المسلمين من يؤيد هذه النظرية حتى وصل الأمر إلي بعض علماء القرآن، بل والذين تعلمنا علي أيديهم، وشببنا علي علومهم، قالوا أقوالا نرجو ألا تكون هذه خاتمة أقوالهم. والأعمال بخواتيمها، لذا نسأل الله لهم الهداية ولنا التثبيت.
وصدق من قال:" الناس هلكى إلا العالمون. والعالمون هلكى إلا العاملون. والعاملون هلكى إلا المخلصون. والمخلصون علي خطر عظيم".
ولماذا لا يكونون علي خطر عظيم والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
ولماذا لا يكونون علي خطر عظيم وقد علمنا أن أحدنا ليعمل بعمل أهل الجنة حتى يكون بينه وبينها خطوة فيسبق عليه الكتاب.. فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها.. اللهم سلم سلم.. اللهم سلم سلم.
اللهم اقبضنا إليك غير مفتونين.. ولا ضالين ولا مضلين.. واختم لنا بخاتمة السعادة يا أكرم الأكرمين.
فقد أكتشف أخيرا ونحن علي أعتاب يوم القيامة أن آدم ليس أبو البشر هكذا أكتشف نفرا من أعز وأنفس علماء المسلمين. وهو أمر ينذر بخطر عظيم، وينبأ بأن باطن الأرض أولي لنا من ظاهرها.. ويدفعنا أن نقتني بعض غنمات ونذهب في الجبال نتتبع منازل القطر والأعشاب وأن نعتزل الدنيا وما فيها. لأن أهل الذكر أصبحوا علي هذه الحالة.
ويقول هؤلاء أن آدم ليس أبو البشر، بل هو أبو الإنسان - لا حول ولا قوة إلا بالله - لأنه فرق لدى هؤلاء بين البشر والإنسان، فالبشر ظهروا قبل الإنسان مجرد مخلوقات متحركة حيوانية، وأنهم ظلوا كذلك ليس بينهم وبين الإنسان إلا انتصاب القامة والسير علي قدمين، ملايين السنين حتى تزود هذا المخلوق بملكات وقدرات عليا، التي جوهرها العقل والحياة الاجتماعية، وبدأ بعـد ملايين السنين يتكلم ويمشي علي قدمين، وتحررت يداه ورجلاه وأصبح هذا المخلوق جاهزا من الناحية الفسيولوجية ومؤهلا لتزويده بنفخة الله الروحية ليكون عندئذ. وعندئذ فقط" الإنسان".
آدم إذن جاء بعد ملايين السنين من وجود البشر علي الأرض التي كانت تعيش كما قال دارون كالقرود والأنعام ثم تطورت هذه البشرية بعد ملايين السنين، ثم اصطفي الله آدم من بين البشر لينفخ فيه من روحه وليصبح الإنسان الأول. أي أن الله تعالى لم ينفخ في الطين وإنما نفخ في بشر هكذا فهموا من قوله تعالى إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (ص). فالله خلق البشر من الطين ثم خلق أو استخلص الإنسان من البشر بعد ملايين السنين.
وخالف هؤلاء قول الله ورسوله واتبعوا غير سبيل المؤمنين وخالفوا إجماع الأمة التي لم يشذ واحد منها ويقول بما قاله هؤلاء. خالفوا قول الله الذي قال الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (السجدة).
وخالفوا قول رسول الله  الذي قال فيما رواه عنه الإمام أحمد في مسنده عن العرباض ابن سارية أنه  قال:
" إني لعبد الله، مكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته. وسأنبئكم بأول ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورؤيا أمي، رأت حين ولدتني كأنه خرج منها نورا أضاءت له قصور الشام".
فالرسول الذي يؤمنون به يقول أنه مكتوب خاتم النبيين وآدم منجدل في طينته، وهم يقولون أن آدم أصل بشرى ولم يكن طينا. ثم يقولون أنه أبو الإنسان وليس أبو البشر ورسولهم يقول في حديث الشفاعة المروي في الصحيحين وفيه أن الناس يلتمسون من يشفع لهم من هول يوم الزحام فيذهبون إلي آدم يسألونه الشفاعة فيقولون له:" يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأسكنك جنته ألا ترى إلي ما نحن فيه؟ ألا تشفع لنا عند ربك؟ فيقول نفسي نفسي اذهبوا إلي غيري.." الحديث.
وخالفوا إجماع الأمة - دون استثناء - وقد ذكر هـذا الإجماع " محمد علي الصابوني" في كتاب" النبوة والأنبياء" حيث قـال تحت عنوان" آدم أول البشر" فقال:" حدثنا القرآن الكريم عن خلق آدم عليه السلام وأخبرنا أنه أول مخلوق من البشر ظهر علي سطح الأرض في هذا الوجود. فهو إذن أبو الخلائق، وأصل هذا العالم، وإليه ينتمي جميع سكان الأرض وليس قبله مخلوق من النوع الإنساني علي الإطلاق أما من غير البشر فقد كان هناك ملائكة قبله، وكان من الجن مخلوقات قبله..".
" لقد جاءت النصوص القرآنية مؤيدة أن آدم عليه السلام هو أول المخلوقات، وأنه لم يكن قبله أحد من هذا النوع البشري.. وكذلك الكتب السماوية كلها قد أجمعت علي هذا، وبذلك تضافرت الأخبار عن جميع أهل المـلل والأديان بأن آدم أبو الخليقة، وأنه أول مخلوق من البشر علي الإطلاق".
الخطيئة العظمى
إنها أول الخطايا، وأعظمها علي الإطلاق. لم يعصى الله أحد مثل ما عصى إبليس. إن الكافرين، والملحدين والمشركين في تاريخ الكون لم يروا الله. ولم يسمعوه وإنما. أرسل الله إليهم رسلا من جنسهم، أما إبليس فالأمر يختلف. إننا نرى ونسمع حوارا مباشرا، إن الأمر جد مختلف، لـن يتكرر هـذا المشهد أبـدا. ذلك الذي كان في الملأ الأعلى.
ولنري ذلك المشهد. فالله جلت قدرته يصفه لنا كأننا نراه رأى العين: إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ (ص).
إن الملائكة فور سماعها للأمر خرت ساجدة، الملائكة كلهم أجمعون، دون استثناء سجدت، وعندما رفعت من السجود رأت إبليس واقفا وحده بين جموع الملائكة التي لا يعلم عددها إلا الله. كان يقف وحده.
إنني كلما تخيلت هذا الأمر وجدتني لا أستطيع استجماع ملامح هذا المشهد الرهيب، لا أستطيع مجرد تخيل، أن كل من في الملأ الأعلى ساجد بعدما أمر الله وإبليس وحده يقف شامخاً أمام الجبار منتصبا وقد هوى الجميع أمامه وحوله سجودا لأمر الله، كيف احتمل إبليس هذا المشهد المهول.
لم تتصور الملائكة أن إبليس امتنع عن السجود، وظنوا أنه لم يسمع، أو أنهم تعجلوا في السجود أو أي تبرير آخر لموقف إبليس هذا، ولم يخطر على بالهم أنه يرفض السجود، وسجدوا مرة أخرى ليعطوا لإبليس الفرصة لأن يسجد. ورفعوا مرة أخرى من السجود فوجدوا إبليس لا يزال واقفا غير عابئ بالأمر، فعلموا بحجم الكارثة. فنحن إحياءً لهذه الذكرى نسجد مرتين في كل ركعة.
ورغم أن الموقف لا يحتاج إلي دليل على أن إبليس عصي ربه. ورغم أننا لا يمكن أن نلتمس لإبليس العذر في ما فعل، ورغم أن الأمر واضح تمام الوضوح إلا أن الأمر متعلق بالرحمن الرحيم، بالغفور الـودود، ذو العرش المجيد، متعلق باللطيف، بالصبور، بالحليم، بالكريم، بالعظيم..
ويعلم الله تعالى ما في نفس إبليس لماذا لم يسجد، يعلم الله ذلك تماما إلا أن المربى العظيم يعلم عباده درسا من أنفع الدروس وهو: ألا نتعجل في الحكم دون أن نلتمس العذر، وأن نعطي فرصة للمخطئ ليدافع عن نفسه.
أننا نكاد أن نرى هذا المشهد بأعيننا ونسمعه بآذاننا وندركه بقلوبنا والحليم يتكلم فيقول: قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (الحجر:32)
قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذ أَمَرْتُكَ (الأعراف:12)
قـَالَ يـَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَاسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْعَالِينَ (ص:75). أن الله عز وجـل لا يرضى لعباده الكفر، ويكره لهم أن يتعذبوا لأن عذابه أليم شديد. وهو تعالى يفعل كل ما من شانه أن يعيد عباده إلي الصواب بإرادتهم وإلي ما يرفع عنهم مقته وغضبه، حتى إذا ما بدا منهم ألا سبيل إلي الرجوع كان أخذه إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ(هود:102). ورغم كل ذلك ماذا فعل إبليس؟
وماذا رد على خالقه عز وجل:
قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (الإسراء:61)
قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (ص:76)
قَالَ لَمْ أَكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (الحجر:33).
لقد صدر حكم الله تعالى على إبليس وتحدد مصيره منذ البداية:
قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنْ
الصَّاغِرِينَ (الأعراف:13).
قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35) (الحجر)
قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (78) (ص).
وعرف إبليس أنه لا سبيل إلي الرجوع في هذا الحكم لقوله تعالى مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ (ق:29). وعلم إبليس انه وارد النار وأنه قد أتي بأعظم معصية ممكن أن تكون. وانه مهما فعل بعد ذلك فلن يأتي بأعظم مما أتى. فقد صمم على أمر ما. وعلمه الله تعالى لأنه يعلم السر وما يخفي. ومع ذلك فقد أراد الله لحكمة يريدها أن يترك إبليس يفعل ما يشاء. ولأنه تعالى الكريم الأكرم، والحكم العدل، فقد استجاب لكل مطلب طلبه إبليس في الدنيا، لأن الدنيا لا تعدل عنده جناح بعوضة. وبالغ إبليس في طلباته وجرأه حلم الله وكرمه. ماذا طلب إبليس؟
قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنْ الْمُنظَرِينَ (الأعراف).
قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنْ الْمُنظَرِينَ (80) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (ص).
ولما ضمن إبليس أنه لن يؤاخذ إلا يوم القيامة، لأنه تعالى وعده ووعده حق، ويعلم إبليس ذلك تماما، وهو علي ما كان منه يعلم قدر الله.
قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لأتِيَنهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذءومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (الأعراف).
قَالَ رَبِّ بمَا أَغْوَيْتَنِي لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَلاَُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إلا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ
سُلْطَانٌ إلا مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43) لَهَا سَبْعَةُ
أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (الحجر:41).
قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلا (62) قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (63) َاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ
وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إلا غُرُورًا (64) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا (الإسراء).
قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إلا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ (83) قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (ص).
وعلي رغم هذا الموقف الذي تم في الملأ الأعلى وفصله لنا الله تفصيلا والذي بدا منه كم الحقد والغيرة والحسد والضغينة التي يحملها إبليس لآدم وذريته. وعلي الرغم من تحديه السافر لبني آدم واستعراضه لسيناريوهات الحرب معهم، وتعريفهم بالجهات التي سيأتيهم منها، والطرق والوسائل التي سيستخدمها معهم، وعلي رغم التحذير الصريح من الله تعالى الذي حذرنا فيه من إبليس قائلا يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ (الأعراف:27) علي الرغم من كل ذلك إلا أن معظم بني آدم سيقعون تحت إغوائه وفتنته. لذلك يقول تعالى وقد جاء بنو آدم يوم القيامة واستوجب معظمهم النار أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (يس).
خلق حواء
يقول تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (الذاريات:49) لقد شاءت إرادة الله عز وجل أن يقوم الكون على الزوجية لينفرد هو عز وجل وحده بالوحدانية، فخلق تعالى الزوجين ذكراً وأنثى في كل شيء خلقه. وفي القرآن ورد لفظ الذكر 12 مرة، ولفظ الأنثى 18 مرة أي بنسبة 2: 3 وأعتقد أن هذه النسبة هي الموجودة في الكون بالفعل، حتى في البشر، 2 ذكور: 3 إناث.
الوجود كله قائم على هذا النظام، في الحيوان وفي النبات، في الذرة وفي المجرة، في الساكن وفي المتحرك، في كل شيء. فالذرة تحتوى على إلكترون سالب، يقابله البروتون الموجب، وفي الكهرباء سالب وموجب وفي النبات بمختلف أشكاله وأنواعه وأصنافه كما قال تعالى:
وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ (الرعد: 3).
وفي الحيوان بمختلف أنواعه من وحيد الخلية إلى متعدد الخلايا، إلى الثدييات، إلى الإنسان، كلها تحمل الزوجية، وتحمل شارة الذكورة والأنوثة إما متصلة أو منفصلة. حتى الجسيمات الملونة داخل الخلايا تتجمع على هيئة أزواج: ثلاث وعشرين زوجاً. يقول تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (يس:36).
وينفرد تعالى وحده بالوحدانية:
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ.
والإنسان كسائر المخلوقات، يقول تعالى وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا (فاطر:11). لذلك جعل الله لآدم زوجا، يقول تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا (الأعراف:189).
حكى السدي عن أبى صالح وأبى مالك عن بن عباس وعن مرة عن بن مسعود وعن ناس من الصحابة أنهم قالوا:" أخرج آدم من الجنة فكان يمشى فيها وحشي ليس له زوج يسكن إليها فنام نومة فاستيقظ وعند رأسه امرأة قاعدة، خلقها الله من ضلعه. فسألها: "مـن أنت؟" قـالت:" امرأة". قال:" ولم خلقت؟" قالت:" لتسكن إليّ". فقالت الملائكة ينظرون ما بلغ علمه:" ما اسمها يا آدم؟" قال:" حواء" قالوا:" ولم كانت حـواء؟" قـال:" لأنها خلقت من شيء حي".
وذكر ابن إسحاق أنها خلقت من ضلعه الأقصر الأيسر وهو نائم ولأم (أصلح) مكانه لحما ومصداق ذلك قوله تعالى  يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً (النساء:1).
وفي الصحيحين من حديث زائد عن ميسرة الأشجعي عن أبى حازم عن أبى هريرة عن النبي  أنه قال:" استوصوا بالنساء خيراً، فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه وإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء خيراً".
أين مسكن الزوجية
قال تعالى: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ (البقرة:35). لا نرى في هذه الآية أي لبس في أن الله تعالى أسكن آدم وزوجته الجنة. الجنة المعروفة في الذهن وهي جنة الخلد، خاصة وهي معرفة بأداة التعرف (ال).
وإن كانت هذه الآية لا تكفي لمعرفة حقيقتها ومكانها. فماذا نقول في وصف هذه الجنة الذي ورد في سورة طه: فَقُلْـنَا يَـا آدَمُ إِنَّ هَـذَا عَـدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجـِكَ فَـلاَ يـُخْرِجَنَّكُمَا مِنْ الْجَــنَّةِ فَتَشْقَى (117) إِنَّ لَكَ أَلاَ تَجـُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى.
  اقتباس المشاركة
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:04 PM.